حميدتي: من بدأ الحرب هو من ينهيها... ولا نقتل الأسرى

استئناف المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» حول سلاح المدرعات

TT

حميدتي: من بدأ الحرب هو من ينهيها... ولا نقتل الأسرى

قائد قوات «الدعم السريع» حميدتي (أ.ب)
قائد قوات «الدعم السريع» حميدتي (أ.ب)

قال قائد قوات «الدعم السريع» في السودان، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الاثنين، إن المعركة التي تخوضها قواته ضد الجيش «ستنتهي قريباً جداً»، نافياً الاتهامات الموجهة لقواته بقتل أسرى، وأكد أن «من بدأ الحرب هو من ينهيها»، في إشارة منه إلى أن الجيش السوداني هو من بدأ الحرب، وأن قواته تدافع عن نفسها.

ودعا حميدتي في تسجيل صوتي ضباط وجنود الجيش للانضمام إلى ما سماه «خيار الشعب»، وقال: «نقول للمحاصرين من عناصر الجيش السوداني في القيادة العامة وسلاح المهندسين: اطلعوا، وسنرحب بكم». وأشار حميدتي إلى أن قواته ليس لديها سلاح ثقيل كالدبابات والمدافع، وأنها لا تملك طائرات حربية، وإنما حصلت على بعض هذه الأسلحة من الجيش.

وقال: «سندافع عن السودان وعن أنفسنا حتى آخر جندي وحتى نأتي بالديمقراطية لكل السودانيين». واندلعت الحرب بين قوات الجيش وقوات «الدعم السريع» في الخامس عشر من أبريل (نيسان) الماضي بعد أسابيع من التوتر بين الجانبين.

قائد قوات «الدعم السريع» محمد دقلو المعروف بـ«حميدتي» (أ.ب)

وجدد حميدتي القول إنه ليس ضد الجيش، ولا يحاربه، وإنما «فلول النظام السابق المسيطرين على القرار في الجيش»، مشيراً إلى أن «البرهان هو من بدأ الحرب بمهاجمة قواته، وهو من ينهيها».

وتوعد بمواصلة القتال حتى آخر جندي بقوله: «سندافع عن السودان وعن أنفسنا حتى آخر جندي، وحتى نأتي بالديمقراطية لكل السودانيين».

وشن قائد «الدعم السريع» هجوماً ساخراً على قائد الجيش واتهمه بـ«الكذب والحنث بالوعود»، وسخر من نشاطه الذي أعقب خروجه من الحصار في القيادة العامة إلى مدينة بورتسودان، وعده «هروباً من المعركة».

ونفى حميدتي عن نفسه وقواته تهمة «الكذب وقتل الأسرى»، وقال: «نحن لا نكذب ولا نقتل الأسرى، بل نعالج المصابين منهم، وكل من يضع السلاح فهو أسير»، وذكر أنه عرض على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان «توأمة» بين الجيش و«الدعم السريع» قبل الحرب، وافق عليها بعد تردد، ثم تراجع عنها.

صورة أرشيفية لقائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) مع قواته في جنوب دارفور (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، استؤنفت المعارك مجدداً بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» الثلاثاء، حول محيط معسكر سلاح المدرعات في منطقة الشجرة جنوب العاصمة الخرطوم، بعد أيام من تكثيف الطرفين الدعاية الإعلامية بالسيطرة عليه. وقال شهود عيان إن أعمدة الدخان تصاعدت في محيط المعسكر بعد سماع أصوات انفجارات قوية جراء تجدد الاشتباكات بين الطرفين.

ويأتي تصعيد المعارك حول قيادة سلاح المدرعات، بعد ساعات من حديث قائد «الدعم السريع»، (حميدتي) ليل الاثنين، الذي أكد فيه أن قواته موجودة بأعداد كبيرة في الخرطوم وأمدرمان، وأن الحرب ستنتهي في وقت قريب.

وكانت عناصر من قوات الجيش نشرت مقطع فيديو على موقع «فيسبوك»، تدعي فيه بسط سيطرتها الكاملة على سلاح المدرعات، وتطارد قوات «الدعم السريع» في الأحياء المجاورة، لكن مصدراً في «الدعم السريع» أكد سيطرتهم على أجزاء واسعة من المقر، وتفرض عليه حصاراً محكماً. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المعركة في المدرعات «تدور في المعقل الأخير الذي تسيطر عليه قوات الجيش».

وقال مواطنون، إن الاشتباكات تجددت بقوة وسط الأحياء السكنية القديمة في منطقة أمدرمان التي تشهد في الآونة الأخيرة تصاعداً في وتيرة القتال.

صورة من الدمار الذي خلّفه القتال في الفاشر عاصمة شمال دارفور مطلع سبتمبر (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، قصف الجيش بالمدفعية الثقيلة عدداً من المناطق في شرق النيل وجنوب الخرطوم باتجاه معاقل «الدعم السريع» في المدينة الرياضية وأرض المعسكرات في سوبا.

أسرى «الدعم السريع»

وأعلن الجيش السوداني (الاثنين) إجراء اتصالات مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسليم 230 فرداً من قوات «الدعم السريع» أُسِروا خلال المعارك التي دارت منذ اندلاع الحرب. وذكر في بيان أن عملية التسليم ستحدث «فور تلقي الرد من ممثلي المنظمة الدولية الذين خوطبوا بهذا الشأن في 28 من أغسطس (آب) الماضي».

عبد الفتاح البرهان وسيلفا كير ميارديت في مدينة جوبا قبل يومين (الرئاسة السودانية)

إضافة إلى ذلك، يترأس رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وفد بلاده للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (78) في نيويورك في الفترة من 20 إلى 25 من سبتمبر (أيلول) الحالي. وقال إعلام وزارة المالية في بيان، إن الوفد السوداني يضم وزير الخارجية «المكلف» علي الصادق، ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم، ومدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق أحمد مفضل، وعدداً من الفنيين من الجهات ذات الصلة.

النازحون



وأعلن مكتب الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان «أوتشا» في تقرير حديث عن الأوضاع في البلاد، نزوح نحو 4.8 مليون شخص في الداخل والخارج، وعبور نحو مليون الحدود إلى البلدان المجاورة بسبب القتال الذي بدأ منتصف أبريل (نيسان) الماضي. وأضاف: «أجبر النزاع ما لا يقل عن مليوني طفل على ترك منازلهم، بمعدل 700 طفل كل ساعة».

وذكر التقرير الأممي «أن نحو 14 مليون طفل بحاجة إلى دعم إنساني بشكل عاجل، حيث يواجهون تهديدات متعددة لوجودهم في مناطق القتال في الخرطوم ودارفور ومناطق أخرى في البلاد».

وأفادت الأمم المتحدة «بأن منظمة الصحة العالمية أبلغت عن 3046 حالة يشتبه إصابتها بالحصبة، و84 حالة وفاة في عدد من الولايات في وسط وشرق البلاد».

مواطنون أمام مكتب جوازات سفر في الغضارف بعد الإعلان عن استئناف إصدارها (أ.ف.ب)

وأشار مكتب الأمم المتحدة إلى «أن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية بالسودان لعام 2023، بلغ 26 في المائة، بنحو 676 مليون دولار من الدعم المالي».

ومن جهة ثانية، أعلن المكتب عن وصول 150 طناً مترياً من المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى ولاية جنوب دارفور.


مقالات ذات صلة

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

آسيا الدخان يتصاعد من الطائرات المحترقة داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات (أرشيفية - رويترز)

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

قتل 28 شخصاً على الأقل اليوم (الثلاثاء)، في هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطعماً وعربة مسلحة داخل سوق مكتظة بمدينة غبيش بغرب كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

قالت تسعة مصادر لـ«رويترز» إن قائداً في «قوات الدعم السريع»، كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية أطلق سراحه وعاد إلى القتال.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)

السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

جدّد السودان التأكيد على استعداده للالتزام بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية وبناء توافق وطني شامل يمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني المعتصم إبراهيم (وكالة السودان للأنباء)

أزمة الكهرباء تفاقم معاناة السودانيين في صيف لاهب

تشهد العديد من مناطق العاصمة السودانية الخرطوم ازدياداً في انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما أرجعه وزير الطاقة إلى «السلوك الخاطئ لبعض المواطنين».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا السافنا متحدثاً في المؤتمر الصحافي عن أسباب انشقاقه (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

السافنا: «الدعم السريع» في حالة انهيار... والانشقاقات مستمرة

قال الضابط المنشق عن «قوات الدعم السريع»، العميد علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، إن القائد محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أُصيب أمام قيادة الجيش في الخرطوم

وجدان طلحة (الخرطوم)

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
TT

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، اليوم (الثلاثاء)، أن «التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط، بل يكمن في القدرة على الصمود، وامتلاك البدائل التكتيكية، واكتساب الجاهزية العملياتية النوعية».

وشدَّد شنقريحة، في كلمة له خلال زيارة عمل وتفقد إلى الناحية العسكرية الخامسة شرق البلاد، أنَّ الجيش الجزائري «مصمم على مواصلة مسار بناء مقدراته العسكرية، والرفع من جاهزيته العملياتية، بما يمكِّنه من أداء مهامه الدستورية على أكمل وجه، وبما يسمح لنا بالتحكم في أدوات أمننا، والدفاع عن سيادتنا ومصالحنا العليا».

وأضاف شنقريحة أنه «لن يتأتَّى لنا ذلك إلا من خلال مواصلة تنفيذ برامج التحضير القتالي، بجدية وصرامة لبناء منظومة دفاعية قائمة على التحضير العالي والجاهزية العملياتية والصلابة الشاملة»، مبرزاً أن «الطريق الأقوم لبلوغ هذه الجاهزية يبدأ أولاً، وقبل كل شيء، من ميدان التدريب، ومن الإيمان الراسخ بأنَّ كل خطوة نخطوها باحترافية، وكل خطة تُنفَّذ بدقة ستسهم بفاعلية في بناء القدرة على الردع والحسم».

في سياق ذلك، حثَّ شنقريحة أفراد الجيش في المنطقة الحدودية الحساسة المتاخمة لتونس إلى «العمل بمثابرة أكثر من أجل اجتثاث آخر العناصر الإرهابية من أرض بلادنا الطاهرة، ودحر شبكات دعمهم وإسنادهم، للتفرغ نهائياً لمهام تحضير القوات وإعدادها الجيد، لتتوافق مع التزاماتنا الجمهورية، وتسمح لنا برفع تحديات السياقات الإقليمية والدولية الراهنة».

في هذا الصدد، هنَّأ شنقريحة عناصر الوحدات المقحمة في مكافحة الإرهاب والتخريب على «النتائج النوعية المُحقَّقة في هذا المجال، والتي سمحت بالقضاء على كثير من الإرهابيين والمجرمين، خونة الأمة، وإحباط مشروعاتهم الدنيئة التي تستهدف المساس بأمن الوطن والمواطن».


باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز، وذلك غداة زيارة للجزائر العاصمة.

وأورد دارمانان خلال برنامج بثته إذاعة وقناة تلفزيون خاصتان: «ذكّرنا بأنه يجب إعادة كريستوف غليز، لا إلى فرنسا، بل إلى والدته»، مضيفاً أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «سيكون متفهماً لذلك، في أي حال (...) أنا أثق به في هذا الأمر»، مشيراً إلى أنه أجرى معه «محادثات معمقة جداً».

كان الصحافي الرياضي الفرنسي قد أوقف في مايو (أيار) 2024 في منطقة القبائل، شمال شرق الجزائر، حيث كان ينجز تحقيقاً صحافياً، وحُكم عليه في يونيو (حزيران) 2025 بالسجن سبع سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وكشفت عائلته أنه سحب في مارس (آذار) طعناً قضائياً في مسعى إلى إفساح المجال لعفو من الرئيس تبون.

واعتبر وزير العدل الفرنسي أن الرئيس الجزائري قادر على «القيام بهذه المبادرة من أجل هذه العائلة، وبالطبع من أجل علاقتنا الجيدة».

وأجرى دارمانان زيارة استمرت يومين للجزائر لبحث قضية غليز، إضافة إلى التعاون القضائي بين البلدين. وجسدت هذه الزيارة تهدئة بين البلدين بدأت في الأشهر الأخيرة، بعد أزمة حادة استمرت نحو عامين.


المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
TT

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

قال ‌مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء، إن الليبي خالد الهيشري، المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا، كان معروفاً بأنه «يعذب من دون رحمة»، مما دفع المعتقلين لتلقيبه بـ«عزرائيل». ويمثل هذا الإجراء أول مثول فعلي لمتهم أمام المحكمة، يواجه اتهامات بجرائم ارتكبت داخل الأراضي الليبية منذ بدء تفويض المحكمة قبل نحو 15 عاماً. وذكر المدعون العامون أن الهيشري (47 عاماً) كان يشرف على جناح النساء في سجن معيتيقة، الذي يديره «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» في ليبيا. مضيفين حسب وكالة «رويترز» أن «آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون أساس قانوني في ظروف غير ‌إنسانية، وتعرضوا ‌للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج».

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

وقالت نزهة ‌شميم ⁠خان، نائبة المدعي ⁠العام، في بداية الجلسات التي تستمر ثلاثة أيام، والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به: «كان الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة، يمارس التعذيب وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة».

وأضافت، خلال الجلسة، أن قضية الهيشري تمثل «محطة مفصلية ومهمة في مسار العدالة الدولية لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا، بغض النظر عن نفوذهم أو سلطتهم»، مشددة على أن القضية تبعث برسالة واضحة مفادها أن «لا أحد فوق القانون».

وفي عرض الادعاء، نقلت نائبة المدعي العام عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان «من أسوأ المحرّضين على العنف»، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ«ملاك الموت». لافتة إلى أن «إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، حسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصاً في الساق والركبة». كما كان «يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف»، وفق الادعاء. وتحدّثت عن ظروف «لا يمكن تصوّرها» داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري، الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء، استخدم الأمراض «سلاحاً» من خلال وضع المعتقلين في زنازين يحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء. كما أوضح المدعون أن ⁠الهيشري اعتدى شخصياً على سجينات، وعذبهن واغتصبهن ‌في إطار نمط ‌من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة ضده، من بينها ارتكاب ‌جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير «شباط» 2015 حتى أوائل 2020.

كما تشمل لائحة الاتهام الموجهة للمسؤول السابق في السجن، الذي احتجز فيه آلاف الأشخاص لفترات طويلة، ارتكاب أعمال تعذيب وقتل، والشروع في القتل، والاعتداء الصارخ على الكرامة الشخصية، والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، بالإضافة إلى الاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي ضد المحتجزين.

واجهة المحكمة الجنائية الدولية (أ.ب)

وأوضحت النيابة العامة للمحكمة أن هناك «أسساً قوية» تدعو للاعتقاد بأن الهيشري يتحمل مسؤولية جنائية فردية عن هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أن المتهمين استغلوا حالة «الإفلات من العقاب»، والفراغ الأمني الذي أعقب سقوط نظام القذافي، واستمرار النزاع المسلح غير الحكومي لتمرير جرائمهم.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري، الذي اعتقل ⁠في ألمانيا في يوليو (تموز) 2025، لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، لكنّ محاميه طلبوا من ‌القضاة رفض التهم، وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية.

في هذا السياق فند محامي الدفاع عن الهيشري التهم الموجهة لموكله أمام المحكمة، مؤكداً أن الوقائع المنسوبة إليه صيغت «على خلاف الحقيقة»، ودفع بأن سجن «معيتيقة» هو مؤسسة تابعة رسمياً للنيابة العامة، وتخضع لرقابة وإشراف وزارة العدل الليبية، وليس لسيطرة «جهاز الردع».

ويعتقد الدفاع بأن «جهاز الردع» هو جهة «حكومية شرعية»، منشأة بموجب قرارات سيادية صادرة عن الدولة، وليس «جماعة أو ميليشيا مسلحة كما روجت له النيابة العامة للمحكمة».

وإذا أكد القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. يشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في مزاعم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في 2011. وتهدف هذه الجلسات الإجرائية إلى تحديد ما إذا كانت هناك أدلة كافية لإثبات وجود «أسباب جوهرية» للاعتقاد بأن المتهم قد ارتكب هذه الجرائم؛ وفي حال اعتماد الدائرة التمهيدية تهمة واحدة أو أكثر، ستحال القضية رسمياً إلى الدائرة الابتدائية لبدء مرحلة المحاكمة الفعلية.

وبالتزامن مع بدء الجلسات، نظم عدد من الناشطين والحقوقيين وقفة تأييد أمام مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بينما ينظر مراقبون إلى هذه القضية باهتمام بالغ، كونها تفتح «الصندوق الأسود» لانتهاكات المجموعات المسلحة في طرابلس، خصوصاً وأن سجن معيتيقة خاضع لسيطرة واحدة من أقوى الفصائل الأمنية والعسكرية في الغرب الليبي، مما يضع ملف المحاسبة الدولية على طاولة الصراع الراهن بين سلطة الدولة وقوة السلاح.