تسابق السلطات التونسية الزمن من أجل تمديد آجال تجميد أموال تونس المنهوبة والمهربة إلى الخارج، حيث قدمت مطالب مصحوبة بالحجج والبراهين إلى سلطات البلدان المعنية قبل نهاية شهر أغسطس (آب) الحالي، وذلك لتجنب الإجراءات المطولة، والشروط الكثيرة التي تطلبها الدول والمصارف التي توجد بها هذه الأموال المهربة حتى تستمر في تجميدها بهدف استردادها في القريب العاجل.
وكان البنك المركزي التونسي قد حدد خلال سنة 2015 قائمة الدول التي توجد بها بعض الممتلكات والأموال المنهوبة، وتشمل سويسرا وفرنسا وكندا وبلجيكا، بالإضافة إلى ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ولبنان ولوكسمبورغ. فيما ترى السلطات التونسية أن بعض الدول تساهم في تعطيل الإجراءات، كاشتراط وجود حكم حضوري ضدّ المتهمين، رغم أنها تعلم أن هؤلاء فارون بالخارج.
ورغم المطالبة المستمرة باسترجاع الأموال المنهوبة في الخارج، فإن السلطات التونسية لم تعلن عن أي أرقام رسمية ونهائية، لكن بعض المنظمات المالية الدولية رجحت أن تبلغ قيمة الأموال المهربة 20 مليار دولار أميركي خلال فترة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي. بينما قدّرت منظمة الشفافية المالية التونسية (مؤسسة غير حكومية) أن تصل قيمة الأموال المنهوبة إلى نحو 23 مليار دولار.
ومن هذا المبلغ المالي الضخم، لم تسترجع تونس خلال السنوات السابقة سوى طائرتين ويختين كانت في ملكية أقارب الرئيس السابق وأصهاره، ومبلغ مالي لا يتجاوز 250 ألف دولار بمساعدة من الحكومة السويسرية، كما نجحت في الحصول على نحو 10 ملايين دولار من لبنان من ليلى الطرابلسي، زوجة بن علي.
وبخصوص الصعوبات التي تحول دون استرجاع تونس للأموال المنهوبة، رغم مرور كل هذه السنوات الطويلة، وصدور أحكام قضائية بإدانة أقارب الرئيس السابق وأصهاره، أقر رضا الشكندالي، الخبير الاقتصادي التونسي، بوجود تعقيدات مالية وإجرائية في عملية تحديد مكان هذه الأموال، ملاحظا أن البعض «اعتمد سياسة التضليل» عند إيداع تلك الأموال في حسابات بنكية خارج تونس، أو من خلال سياسة تبييض تلك الأموال والعقارات في شركات وهمية، على حد قوله.

كما أقر الشكندالي بفشل الحكومات المتعاقبة بعد سنة 2011 في استرداد الأموال المنهوبة والمهربة، على الرغم من تسجيل بعض المحاولات الجادة، مشيرا إلى ضعف المتابعة اللازمة لهذا الملف المعقد، وإلى أن البلدان التي توجد بها تلك الأموال تطالب باحترام القانون، ولا يمكنها أن ترجع تلك الأموال دون ضمانات قانونية مشروعة.
وكانت السلطات التونسية قد شكلت منذ فبراير (شباط) 2011 لجنة خاصة لاسترجاع الأموال المنهوبة، بمساعدة «مبادرة استرداد الأموال المنهوبة» (ستار)، وهي شراكة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. وفي السنة نفسها أصدر المجلس الاتحادي السويسري أمرا بتجميد أصول بن علي، مع 36 من أقاربه، في انتظار استكمال الملف القانوني من قبل السلطات التونسية، الذي يضم إثباتات حول تهريب تلك الأموال، وصدور أحكام قضائية في الغرض. كما وجهت السلطات القضائية التونسية 57 إنابة عدلية لطلب تجميد أرصدة وأملاك الرئيس الأسبق بن علي وأقاربه، غير أن تلك التحركات لم تحقق النتائج المنتظرة. وخلال سنة 2015 تم رفع قرار التجميد عن أكثر من 10 أشخاص، فيما يسعى باقي المتهمين لرفع التجميد عن أموالهم في بنوك تلك البلدان.
في سياق ذلك، أثار الرئيس قيس سعيد، أمس الاثنين، موضوع الأموال المنهوبة في لقائه مع محمد الرقيق وزير أملاك الدولة، وعلي عباس المكلف العام بنزاعات الدولة، وعدّ أن أي تأخير يمكن أن يستفيد منه من نهبوا أموال الشعب التونسي على مدى عقود من الزمن.
وقال سعيد منتقدا طريقة تعامل بعض البلدان مع ملف الأموال المنهوبة: «لو استرجع الشعب التونسي هذه الأموال من حسابات بنكية وعقارات ومنقولات، وهي من حقه وتعد بآلاف المليارات، لما عاش في هذه الأزمة المالية، فأموال الشعب عندهم وهم يريدون إقراض التونسيين بشروطهم»، على حد تعبيره.





