«اللي وراه حاجة يعملها، نص ساعة والكهرباء هتقطع»، هكذا تُطلق المصرية منى مصطفى، الأربعينية، التي تقيم في محافظة المنوفية (دلتا مصر) تحذيرها اليومي المتكرر، وهي تقف في «صالة» منزلها، في السابعة والنصف مساءً، محذرة ابنتيها من اقتراب موعد انقطاع الكهرباء اليومي في الثامنة، لتتحرك الفتاتان بين الغرف والمطبخ، لأجل إنهاء ما وراءهن من أعمال المنزل قبل العد التنازلي لانقطاع الكهرباء.
يأتي هذا في ظل استمرار قرار الحكومة المصرية بـ«تخفيف الأحمال» لمدة ساعة يومياً بحد أقصى بالتبادل بين الأحياء والمدن في ربوع البلاد، وذلك ضمن خطة الحكومة لمواجهة موجة «الحر الشديدة» التي ضربت البلاد أخيراً. الإجراءات الحكومية دفعت لتساؤل حول كيف يتعامل المصريون مع «ساعة» انقطاع الكهرباء اليومية؟
من جانبها، تحاول منى يومياً قبل الساعة الثامنة أن تُنهي أعمال المنزل، وتتأكد من شحن كشاف الإضاءة لاستخدامه في فترة الانقطاع، وكذلك شحن الهواتف المحمولة. وأضافت أن ساعة الانقطاع، هي موعد يومي للجلوس أعلى «سطح» المنزل الذي تقطن به، في حديث ودي مع ابنتيها، في خلفيته تنبعث أغان من راديو قديم يعمل بالبطاريات.
أما المصري محمد كمال، صاحب مكتب للدعاية والإعلان، ويسكن في منطقة «الألف مسكن» بالقاهرة، فيوضح أنه اضطر على مدار الأسبوعين الماضيين أن ينهي أعماله سريعاً، وتبكير موعد عودته من مكتبه بسبب ساعة انقطاع الكهرباء المقرر لها الساعة السادسة مساءً، فمع وجود شقته في الطابق الـ11 كان عليه الوجود أمام باب المصعد لاستقلاله قبل السادسة مساء بعشر دقائق، لأنه لن يستطيع صعود 11 طابقاً على قدميه حال انقطاع الكهرباء، لافتاً إلى أنه بسبب زحام الشوارع فإنه يلجأ إلى الركض أحياناً للوصول قبل الموعد، مضيفاً: «عند لحظة انقطاع الكهرباء، نجد أصوات الاستغاثة ممن كان حظه العاثر بالوجود في المصعد وقت الانقطاع».
ووجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أخيراً بسرعة «انتهاء فترة (تخفيف الأحمال) بتعزيز الخطط الوطنية لزيادة مقدار الطاقة المتجددة وتعظيم قيمتها». وهنا قال محمود عواد، ويعمل حارس أمن ويسكن في حي منشأة ناصر بالقاهرة، إنه «حاول التأقلم مع ساعة انقطاع الكهرباء بتغيير مواعيد عمله لتنتهي في السادسة مساء بدلاً من السابعة، وبالتبعية الاستيقاظ مبكراً ساعة كاملة، لـ(ضبط) موعد عودته لمنزله وتناول طعام الغذاء قبل انقطاع الكهرباء». وتمنى أن «ينتهي انقطاع الكهرباء قريباً».
بين نداء منى، وركض كمال، وأُمنية عواد، قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي المصري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الشخصية المصرية دائماً توائم نفسها على الظروف المحيطة، وهو ما نلمسه على مدار أحداث تاريخية واجتماعية عديدة مرت بها، حيث نرى مواقف يوائمون فيها أنفسهم حتى لا يتعرضوا للضغوط، وهو نوع من القبول وتقبل الموقف بـ(صدر رحب) حتى لا يمثل الموقف عبئاً عليهم، وبالتالي يعد مرونة في التعامل مع الظروف المحيطة».
عندنا ف البيت عملنا وحده قياس جديده اسمها "قبل النور ما يقطع "ومبقناش نستخدم الساعة خلاصيعنى قوم حط الموبيل ع الشاحن قبل م النور يقطع قوم سقع أزازه المايه قبل النور م يقطع وهكذا
— eman Essam (@emanEssam730823) August 6, 2023
«كيف تعامل المصريون مع (ساعة) انقطاع الكهرباء اليومية؟»، تساؤل أجاب عنه متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية. فقالت إيمان عصام: «عندنا في البيت عملنا وحدة قياس جديدة اسمها (قبل النور ما يقطع)، ومبقناش نستخدم الساعة خلاص... يعنى قوم (حط الهاتف) على الشاحن قبل ما النور يقطع، وقوم سقع أزازه المياه قبل النور ما يقطع وهكذا».
ولأن «الإنسان في صراع مع الوقت علشان يلحق يعمل اللي عاوزه قبل ما النور يقطع»، بحسب تغريدة «روان»، فإن فرحة «تضبط تنبيه هاتفها قبل موعد انقطاع الكهرباء لتقوم بتشغيل جهاز التكييف لتبريد غرفتها». بينما ترى «إسراء» أن أعظم إنجازاتها هو «كي طرحتها» قبل قطع الكهرباء. فيما تعكس تغريدة «رضا» إنجازاً آخر، بتمكنه من شحن هاتفه قبل موعد الانقطاع.
* الحمد لله 98% - علمي ولا أدبي * لا ده ولا ده شحنت الموبايل قبل النور ما يقطع
— Reda Salim (@RedaSal16314959) August 3, 2023
الدكتورة سوسن العوضي، خبيرة علوم البيئة وتغيرات المناخ، قالت إن «سلوكيات المصريين التي ظهرت مع انقطاع الكهرباء لم تأت نتيجة قراءة كتاب أو تعليم؛ بل هي أمور فطرية لديهم». وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الصحة النفسية تتأثر بشكل كبير بالتغيرات المناخية، لذا نرى أن المصريين لجأوا إلى مثل هذه التصرفات لكي تساعدهم على تخط أسرع لهذا الظرف (أي انقطاع الكهرباء) الذي حدث إثر ارتفاع درجة الحرارة بسبب التغيرات المناخية، من دون أن تتأثر صحتهم النفسية».





