تحلية مياه البحر... الحلّ الوحيد لدول المغرب العربي لمجابهة نقص الموارد

يعد أن تقلّصت تساقطات الأمطار... وتراجعت هذه البلدان إلى ما دون عتبة «الفقر المائي»

مهندس يقوم بتنظيف جنبات محطة سليانة لمعالجة مياه الصرف الصحي (أ.ف.ب)
مهندس يقوم بتنظيف جنبات محطة سليانة لمعالجة مياه الصرف الصحي (أ.ف.ب)
TT

تحلية مياه البحر... الحلّ الوحيد لدول المغرب العربي لمجابهة نقص الموارد

مهندس يقوم بتنظيف جنبات محطة سليانة لمعالجة مياه الصرف الصحي (أ.ف.ب)
مهندس يقوم بتنظيف جنبات محطة سليانة لمعالجة مياه الصرف الصحي (أ.ف.ب)

يدقّق مهندسون في عمليات تركيب أجهزة داخل محطة جديدة لتحلية مياه البحر ستفتح في الزارات الواقعة جنوب تونس، بعد أن وجدت البلاد، على غرار باقي دول المغرب العربي، في هذه التقنية حلّاً لمجابهة ندرة المياه، إلى جانب معالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة. وفي تونس كما في الجزائر والمغرب وليبيا، تقلّصت تساقطات الأمطار حتى في فصل الشتاء.

وتراجعت هذه البلدان إلى ما دون عتبة «الفقر المائي» (1000 متر مكعب في السنة لكل فرد)، وفقاً للبنك الدولي، الذي يتوقّع «نقصاً حاداً» (أقل من 500 متر مكعب) بحلول عام 2030 في هذه البلدان. ولذلك؛ توجّهت هذه الدول نحو تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف الصحي لضمان أمنها المائي وسدّ حاجات الزراعة.

محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي في بلدة سليانة التونسية (أ.ف.ب)

يقول المدير العام السابق للشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه (حكومية)، مصباح الهلالي، لوكالة الصحافة الفرنسية: إن اللجوء إلى تحلية المياه «هو الحلّ الوحيد اليوم» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتأمين موارد مائية جديدة، علماً أن تونس مرّت بثماني سنوات متتالية من الجفاف «فيها سنة واحدة ممطرة»، بحسب الهلالي.

لكن تقنية تحلية المياه تتعرّض باستمرار لعدة لانتقادات، كونها تستهلك الكثير من الطاقة، وبالتالي تؤثر سلباً على البيئة، حيث تمثّل الطاقة نحو 40 في المائة من تكلفة إنتاج متر مكعب واحد من المياه الصالحة للشرب في تونس؛ ولذلك شرعت السلطات في دراسة إمكانية الاعتماد على الطاقة الشمسية لتخفيض التكلفة.

حلول لتقليص الكلفة

يؤكد الهلالي أن تحلية المياه ومعالجة الصرف الصحي «مشروعات تستهلك كثيراً من الطاقة، ولكن من خلال الطاقة الشمسية يمكن تقليص التكلفة إلى النصف، من خلال تجهيز كل المحطات بالطاقة الشمسية». أما فيما يتعلق بالمياه التي يتم إرجاعها للبحر بعد استخراج العذبة منها، فيقول المسؤول: إن «نظام ضخ وإرجاع المياه ذات الملوحة العالية يخضع لقواعد علمية ولا خوف على الجانب البيئي». موضحاً أن «مناطق إرجاع المياه في البحر محبذة من الصيادين لوفرة الأسماك فيها».

إلا أن الباحثة والخبيرة في مجال المياه، راضية السمين، تشدّد في المقابل على أن «الملوحة العالية للمياه التي تعاد للبحر تضرّ بالأسماك. ومياه البحر الأبيض المتوسط لا تتجدد بسرعة كما هي الحال في المحيطات». وانطلقت تونس في تشييد محطات لتحلية المياه المالحة المستخرجة من باطن الأرض منذ الثمانينات، وأنشأت محطة أولى لتحلية مياه البحر في عام 2018 في جزيرة جربة (جنوب)، وخصّصت لتزويد غالبية محافظات الجنوب بمياه الشرب.

بدأ الفلاحون التونسيون في اعتماد تقنية تحلية مياه البحر لسدّ حاجات الزراعة (أ.ف.ب)

وتساهم محطة جربة، بالإضافة إلى 15 محطة أخرى لاستخراج المياه المالحة من باطن الأرض وتحليتها، بـ6 في المائة من مجموع المياه الصالحة للشرب في البلاد. وتعمل السلطات على مخطط لزيادة هذه النسبة إلى 30 في المائة بحلول عام 2030، وفقاً للهلالي، الذي يؤكد أن «ثلاث محطات جديدة لتحلية مياه البحر ستدخل طور الاستغلال بنهاية عام 2024». في حين تأتي بقية موارد البلاد من المياه الصالحة للشرب من 37 سدّاً منتشراً في شمال غرب البلاد بشكل خاص.

البحث عن موارد مائية غير تقليدية

واتخذت باقي دول المغرب خطوات لافتة في مجال البحث عن موارد مائية غير تقليدية. وفي هذا السياق تبدو الجزائر الأفضل وضعاً لكونها بلداً منتجاً للطاقة، حيث تستغلّ 23 محطة لتحلية المياه لإنتاج 840 مليون متر مكعب سنوياً، وتعمل على إنشاء 14 أخرى إضافية لإنتاج ملياري متر مكعب في عام 2030، وفقاً للباحث والخبير في التصرّف في الموارد المائية، مصطفى كمال الميهوبي.

وفي سنة 2022، أمكن تزويد 18 في المائة من السكان، البالغ عددهم 44 مليوناً في البلاد، بهذه المياه، في حين تعمل السلطات وفق برنامج لبلوغ نسبة 60 في المائة من مجموع عدد السكان. ولا تختلف الصورة كثيراً في المغرب، الذي تضرّر بشدة العام الماضي من أسوأ موجة جفاف منذ عقود بتراجع كبير في هطول الأمطار؛ إذ بلغ معدّل ملء السدود 32.4 في المائة، وفقاً للأرقام الرسمية.

وأنشأت المملكة 12 محطة تحلية بطاقة إجمالية تبلغ 179.3 مليون متر مكعب سنوياً، تخصص 47 في المائة منها للشرب، و25 في المائة للزراعة، و27 في المائة للاستخدام الصناعي، بحسب بيانات وزارة التجهيز والمياه. كما تخطّط السلطات لإنشاء سبع محطات جديدة بنهاية 2027، بطاقة إجمالية تبلغ 143 مليون متر مكعب سنوياً، وتعمل «على المدى القصير» للوصول إلى طاقة إنتاجية إجمالية، تتجاوز مليار متر مكعب سنوياً، بحسب الوزارة.

قلة التساقطات أدت إلى إصابة أراضٍ كثيرة بالتصحر (أ.ف.ب)

أما في تونس، فتعالج 125 محطة نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً من مياه الصرف الصحي في بلاد يقطنها 12 مليون شخص. ولا تستفيد المناطق الزراعية إلاّ بما بين 5 و7 في المائة فقط من مجموع المياه المعالجة، وفقاً للمسؤول في «الديوان الوطني للتطهير»، ثامر الجوادي، الذي يؤكد أنه «حلّ ضروري» لمساعدة قطاع الزراعة.

تأثر الزراعة

تمتدّ ضيعة لطفي عطياوي (52 عاماً) على مساحة سبعة هكتارات في شمال غرب تونس، زرع منها أربعة هكتارات فقط بأشجار لوز، وأعلاف بسبب قلة موارده المائية. يقول عطياوي: «كنت أستعمل 20 متراً مكعباً من الماء للسقي يومياً، لكنني اليوم وصلت إلى 150 متراً مكعباً... إنها مياه حيوية للزراعة». أما الجارة الجزائر، فتشغّل 211 محطة لمعالجة المياه المبتذلة.

ويتحدّث الميهوبي عن ضرورة «العمل على الوصول إلى نسبة 39 في المائة منها في ري الزراعات»، لافتاً إلى أن «30 في المائة فقط من المنشآت متصلة بقنوات الصرف الصحي».

أما في ليبيا، فيبدو الوضع هناك هو الأصعب بين جيرانها منذ 2011. فقد كان هذا البلد ذو المناخ الصحراوي رائداً في إنشاء مشروع «النهر الصناعي العظيم» منذ مطلع الثمانينات لضخّ المياه من 1300 بئر من جنوب البلاد إلى شمالها. لكن غالبية مصانع التحلية باتت خارج الخدمة اليوم.


مقالات ذات صلة

42 قتيلاً باشتباكات على موارد المياه في شرق تشاد

أفريقيا عناصر من الجيش التشادي (أرشيفية-رويترز) p-circle

42 قتيلاً باشتباكات على موارد المياه في شرق تشاد

أفادت السلطات بمقتل 42 شخصاً، على الأقل، في شرق تشاد جراء اشتباكات اندلعت بسبب النزاع على موارد المياه.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)
صحتك يُنصح بالابتعاد عن تناول الأطعمة الحارة والمُهيّجة بكثرة لتفادي الإصابة بالتهابات المسالك البولية (رويترز)

5 أمور يجب على مريض التهاب المسالك البولية تجنبها

يبرز الوعي بالسلوكيات اليومية بوصفه عاملاً حاسماً في الوقاية من مرض التهابات المسالك البولية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

عراقجي يتهم القوات الأميركية بضرب محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم

اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة، السبت، بمهاجمة محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شمال افريقيا اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)

«ميزان مصر المائي» يُظهر فجوة تتجاوز 23 مليار متر مكعب

أظهر تحديث لـ«ميزان مصر المائي» وجود فجوة بين الموارد والاحتياجات تتجاوز 23 مليار متر مكعب سنوياً، حسب وزارة الري والموارد المائية.

عصام فضل (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال مائدة مستديرة حول دعم المزارعين بالبيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يهدد المكسيك بزيادة الرسوم 5% بسبب نزاع حدودي على المياه

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الاثنين بفرض رسوم جمركية إضافية خمسة بالمئة على المكسيك، متهما إياها بانتهاك معاهدة لتقاسم المياه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».