السودان: شبح الحرب الأهلية يلوح في دارفور

بعد مقتل أحد أبرز قادة الإقليم... وإدانات محلية ودولية واسعة

صورة متداولة لوالي ولاية غرب دارفور الراحل خميس أبكر
صورة متداولة لوالي ولاية غرب دارفور الراحل خميس أبكر
TT

السودان: شبح الحرب الأهلية يلوح في دارفور

صورة متداولة لوالي ولاية غرب دارفور الراحل خميس أبكر
صورة متداولة لوالي ولاية غرب دارفور الراحل خميس أبكر

يخشى على نطاق واسع من أن يتسبب مقتل حاكم ولاية غرب دارفور في السودان، بنقل التوتر الناجم من الحرب بين الجيش وقوات «الدعم السريع» على السلطة والنفوذ، إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر يتقاتل فيها الناس على أساس إثني، وأن تحرق نارها البلاد بأكملها، معيدة للأذهان سيرة الصراع الدامي الطويل الذي شهدته دارفور عام 2003، وأدى لمقتل أكثر من 300 ألف ونحو مليوني لاجئ ونازح، ووجهت بسببها المحكمة الجنائية الدولية اتهامات للرئيس السابق عمر البشير، وعدد من كبار مساعديه، تهماً تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي.

ونقلت وسائل إعلام إقليمية ووسائط تواصل اجتماعي سودانية، مساء الأربعاء، صوراً للوالي خميس عبد الله أبكر المضرج في دمائه، وحوله مجموعة ترتدي أزياء مجموعة إثنية دارفورية، وأخرى بأزياء «الدعم السريع»، تتبادل التكبير والتهليل ابتهاجاً بما أطلقوا عليه «العدو» الرئيسي.

تراشق الاتهامات

وفور ذيوع النبأ، سارع قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى اتهام خصمه قائد قوات «الدعم السريع»، بارتكاب الجريمة، وقال في بيان رسمي: «رئيس مجلس السيادة إذ يستنكر هذا الحدث المؤسف، يؤكد أن ما تقوم به ميليشيا (الدعم السريع) المتمردة من قتل وسلب ونهب وترويع المواطنين، واستهداف المنشآت الخدمية والتنموية بمدينة الجنينة، يعكس مدى الفظائع التي تقوم بها هذه القوات المتمردة ضد الأبرياء العزل».

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

ونفت قوات «الدعم السريع» ضلوعها في الجريمة، وقالت في بيان رسمي هي الأخرى، إن من أسمتهم «فلول النظام البائد» نجحوا في تأزيم الأوضاع في دارفور، وفي زج المكونات المجتمعية بمواجهات ذات طابع قبلي، لتحويل حربها مع الجيش من حرب سياسية بينها وبين الجيش، إلى حرب قبلية بين مكونات الإقليم. وأضافت: «ما يحدث في دارفور قتال قبلي يجب أن يتوقف فوراً»، وفي بيان لاحق، اتهمت «متفلتين» لم تسمهم بالضلوع في مقتل الرجل.

الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي" (رويترز)

وأدان البيان ما أطلق عليه «التطور الخطير في الصراع بين المكونات القبلية بغرب دارفور، واتهمت «استخبارات القوات الانقلابية بالتورط في إشعال الحرب القبلية وتغذية القتال بتسليح القبائل، ما أدى إلى اشتداد فتيل الأزمة على نحو متسارع».

من هو أبكر؟

وتسلم الوالي القتيل عبد الله أبكر، منصبه وفقاً لما نص عليه اتفاق جوبا لسلام السودان بين الحكومة السودانية وحركات الكفاح المسلح، الموقع في 2020، لكونه يترأس حركة مسلحة استجابت لنداء السلام، وهي حركة «قوات تحالف القوى الشعبية»، ضمن تقاسم أنصبة السلطة المخصصة للحركات المسلحة التي كانت تقاتل القوات الحكومية، والتي نصت عليها اتفاقية «جوبا»، ويعد مقتله وفقاً لخبراء ضربة قوية للاتفاقية، وتهديداً مباشراً للأوضاع في إقليم دارفور.

والي ولاية غرب دارفور الراحل خميس أبكر (أ.ف.ب)

ومنذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) الماضي، وقعت اشتباكات دامية بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، ترافق معها قتال أهلي بين مكونات الإقليم على خلفيات قبلية، ما أدى لمقتل المئات وجرح الآلاف ونزوح ولجوء الآلاف داخل الإقليم ودولة تشاد المجاورة، وتسبب في تدهور الأوضاع الإنسانية بصورة قاسية، بما في ذلك قطع الاتصالات وانعزال الولاية عن بقية أنحاء البلاد.

وقالت نقابة أطباء السودان في بيان، إن أعداداً كبيرة من الضحايا بينهم أطفال ونساء وكبار سن سقطوا في القتال، ووصفت الوضع في الولاية بـ«الكارثي والأسوأ على الإطلاق»، وأوضحت أنها تواجه صعوبات في حصر القتلى والمصابين؛ لأن جميع المستشفيات في مدينة الجنينة حاضرة الإقليم خرجت عن الخدمة وانقطعت الاتصالات، بيد أنها قدرت عدد القتلى حتى الأربعاء بنحو 958 قتيلاً مع إلى 4746 مصاباً، حالة بعضهم خطرة.

وكان حاكم الإقليم القتيل قد ذكر في مقابلة تلفزيونية عشية مقتله، إن ما تشهده ولايته ناتج عن النزاع بين الجيش و«الدعم السريع» في المنطقة المشتركة بينها، قبل أن ينتقل لبقية أنحاء الولاية، ونفى أن تكون بداية النزاع إثنية بين مجموعة «مساليت (الأفريقية) وعرب دارفور»، وقال أبكر إنه أبلغ حاكم الإقليم (مني أركو مناوي) وشريكه في اتفاقية جوبا لسلام السودان قبل أكثر من شهر لكنه لم يفعل شيئاً.

واتهم القتيل بشكل واضح الجيش بعدم التدخل لحماية المدنيين بقوله: «إن الفرقة (15) التابعة للجيش تقع على بعد 7 كيلومترات من مقر إقامته، بيد أنها للأسف لم تخرج من ثكناتها للدفاع عن المواطنين طوال 53 يوماً هي أيام استمرار الحرب».

ردود وإدانات

تراوحت ردود الفعل بين السير في توجيه الاتهام للدعم السريع أو التلميح بذلك، أو اتهام ميليشيات موالية له، واستنكر رئيس هيئة أركان «قوى التحالف الشعبية»، أحد مكونات التحالف السوداني الذي يترأسه أبكر، مقتل رئيسه من «قبل الدعم السريع»، واعتبره عملية غادرة تتنافى مع «المواثيق الدولية في التعامل مع الأسرى».

فيما اعتبرت حركة «العدل والمساواة» السودانية بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، وهي الأخرى من الموقعين على اتفاق جوبا للسلام، عملية الاغتيال امتداداً للانتهاكات التي ترتكب في «الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور»، بيد أنها اتهمت «ميليشيات مسلحة» باختطاف الرجل من مقره، واقتادته إلى جهة مجهولة و«اغتياله بوحشية وبربرية» لا مثيل لها، بيد أن «هيئة محامي دارفور»، وهي هيئة تطوعية، وجهت أصابع الاتهام إلى ما أسمتها «الميليشيات العابرة» المسنودة بقوات «الدعم السريع»، واعتبرت الأمر جريمة تستوجب تحقيقاً دولياً.

فولكر بيرتس رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى السودان يواصل مساعيه (رويترز)

وأدانت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان «يونيتامس» مقتل الرجل بشدة، وقالت إن شهوداً أسندوا العملية إلى «الميليشيات العربية وقوات الدعم السريع»، بيد أنها قالت إن قوات «الدعم السريع» نفت لها رسمياً تورطها في الفعل.

ودعت البعثة لتقديم الجناة بسرعة إلى العدالة، وإلى عدم توسيع دائرة العنف في المنطقة بشكل أكبر، وتابعت: «نناشد حكمة الشعب السوداني عدم الانزلاق إلى دوامة خطاب الكراهية والاستقطاب العرقي».

حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (أرشيفية)

وفيما أدان حاكم اقليم دارفور مني أركو مناوي الحادث، داعياً بالتحقيق في الحادث، طالبت حركة «تحرير السودان» غير الموقعة على اتفاق سلام مع الحكومة، في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»، بوضع حد للحرب التي تدور في البلاد، و«نبذ كافة أشكال الفرقة والشتات والأحقاد والضغائن والنعرات العنصرية والجهوية»، وشددت الحركة التي يتزعمها عبد العزيز الحلو، على أهمية وقف الحرب وإنقاذ البلاد من «شبح الحرب الأهلية»، واعتبار «استشهاد» الرجل «مهراً للتحول المدني الديمقراطي، والتغيير الجذري الشامل، وإنهاء الحرب التي تجري الآن في كافة ربوع السودان».

مطالب بتحقيق دولي

وأدانت قوى «الحرية والتغيير» في السودان «بأشد العبارات» مقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، ودعت إلى إنهاء الصراع في مدينة الجنينة، وتشكيل بعثة إقليمية ودولية لحماية المدنيين.

وطالبت قوى «الحرية والتغيير» في بيان بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بمشاركة إقليمية ودولية؛ «للتحقيق في هذه الحادثة، وكل الانتهاكات التي تمت في مدينة الجنينة، وتحديد وتقديم كل مرتكبي الانتهاكات للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب».

كما دعت القوى إلى «إنهاء الصراع في الجنينة الآن وفوراً لمنع الأوضاع من الانفلات المتنامي بوصفها حالة باتت تمثل تهديداً للسلم والأمن في البلاد والإقليم». وقالت إن الأمر «بات يتطلب التعامل مع الأوضاع في ولاية غرب دارفور عبر تدابير استثنائية عبر بعثة إقليمية ودولية مناط بها حماية المدنيين في الولاية، بجانب العمل على إنهاء الحرب التي تدور في البلاد».

وقال حزب «الأمة القومي»، في بيان، إن «مجموعة مسلحة» اختطفت الرجل، وقامت بتصفيته بطريقة بشعة تنافي جميع الأعراف الدينية والإنسانية، وحذر مما أسماه التداعيات الناتجة عن الحرب. وحمل حزب التجمع الاتحادي المعارض قوات «الدعم السريع» المسؤولية عن اغتيال الرجل، مستنداً إلى اعترافها بأن الرجل «كان في عهدتها».

وأدان سفير الاتحاد الأوروبي لدى السودان إيدان أوهارا، الخميس، مقتل الوالي أبكر وعدد غير معلوم من المدنيين جراء الصراع في البلاد. وقال السفير في تغريدة، إن عملية القتل «الوحشية» للوالي أبكر «أمر مروع»، ويأتي في ظل تقارير بشأن وقوع أعمال عنف مرعبة على نطاق واسع في دارفور.

وقال أوهارا: «حماية المدنيين في السودان ووصول المساعدات الإنسانية أمران ملزمان بموجب القانون الدولي، المسؤولون عن الانتهاكات سيخضعون للمساءلة».


مقالات ذات صلة

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قبل طرفي النزاع في السودان.

وجدان طلحة (بورتسودان) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».


الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

وقّع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة مع الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، وأنطونيو تاجاني نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي، اتفاقية شراكة للاستثمار وتشغيل وتطوير محطات الحاويات وتوسعة ميناء المنطقة الحرة في مصراتة.

وقبيل التوقيع، الذي جرى مساء الأحد في مصراتة، الواقعة على بعد 200 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس، اجتمع الدبيبة مع الوفد الإيطالي الذي ترأسه تاجاني، وبحث معه سبل تطوير التعاون بين البلدين، ولا سيما المجالات الاقتصادية والخدمية، إلى جانب بحث ملف الهجرة غير المشروعة باعتباره أحد أبرز التحديات المشتركة في منطقة المتوسط.

الدبيبة مستقبلاً الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني في مصراتة الأحد (مكتب الدبيبة)

ووسط استقبال رسمي وشعبي، كان الدبيبة في مقدمة مستقبلي رئيس الوزراء القطري في ميناء المنطقة الحرة بمصراتة للمشاركة في التوقيع، مثمناً العلاقة بين ليبيا وقطر.

وتناول الدبيبة في اجتماع رسمي عقده مع رئيس الوزراء القطري سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، وتطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب مناقشة عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.

ونقل مكتب الدبيبة إشادته «بمواقف دولة قطر الداعمة للشعب الليبي»، مؤكداً «أهمية البناء على العلاقات الأخوية بين البلدين وترجمتها إلى برامج ومشروعات عملية في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات».

الوفد القطري خلال الاجتماع مع الدبيبة في مصراتة (مكتب الدبيبة)

وتطرّق لقاء الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري إلى مجالات التعاون في قطاع النفط، إضافة إلى مشروعات المواصلات، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتحسين جاهزية البنية التحتية ودعم الاقتصاد الوطني.

وأكد الجانبان في ختام اللقاء حرصهما على مواصلة التنسيق وتعزيز مسارات التعاون المشترك خلال المرحلة المقبلة، بما يدعم الاستقرار والتنمية ويخدم مصالح الشعبين الشقيقين.

وكان الدبيبة قد طالب في أول اجتماع له بعد خروجه من المستشفى، صباح الأحد، روما والاتحاد الأوروبي «بتقديم دعم مباشر وواضح لحكومة (الوحدة الوطنية) في مواجهة تحديات الهجرة غير النظامية، باعتبار أن ليبيا تتحمل أعباء كبيرة على المستويين الأمني والإنساني».

وأبدى الدبيبة، بحسب مكتبه، «رفض ليبيا أن تكون موطناً للهجرة غير النظامية، أو نقطة استقرار للمهاجرين»، مشدداً على ضرورة دعم خطة الترحيل والعودة باعتبارها مساراً أساسياً لمعالجة الأزمة، وبما يضمن توزيع المسؤوليات توزيعاً عادلاً ويخفف الضغط عن المدن والمرافق الليبية.

استقبال رسمي وشعبي للشيخ محمد بن جاسم آل ثاني في مصراتة الأحد (مكتب الدبيبة)

وفي سياق التعاون الاقتصادي، استعرض رئيس مجلس الوزراء التطورات المتعلقة بالشراكات الاستراتيجية الجارية، مشيراً إلى أن مدينة مصراتة تشهد توقيع اتفاقية تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، وبمشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية، في مقدمتها شركة «إم إس سي» الإيطالية، لرفع الطاقة الاستيعابية إلى 4 ملايين حاوية سنوياً، مع توقعات بإيرادات تشغيلية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار سنوياً، وتوفير 8400 فرصة عمل مباشرة ونحو 62 ألف فرصة غير مباشرة.

وأعلن الدبيبة، عبر حسابه على منصة «إكس»، صباح الأحد، عن إطلاق المشروع، الذي قال عنه إنه «لا يعزز مكانة ليبيا فقط بين أكبر الموانئ في المنطقة من حيث الحجم والطاقة، بل يقوم على تمويلات استثمارية أجنبية مباشرة ضمن شراكة دولية متكاملة».

وقال الدبيبة إن هذا المشروع يُنفذ ضمن «تمويلات استثمارية أجنبية مباشرة وفق ترتيبات واضحة للتطوير والتشغيل، بما يضمن تنفيذه دون تحميل ميزانية الدولة أعباء إضافية».

وتطرّق الدبيبة في مباحثاته مع الوفد الإيطالي إلى بحث التعاون القائم في قطاع الطاقة، مثمناً إعلان شركة «إيني» قبل يومين، بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط و«بي بي» والمؤسسة الليبية للاستثمار، بدء أعمال حفر أول بئر استكشافية في المياه العميقة بخليج سرت.

وأكّد الجانبان في ختام اللقاء أهمية استمرار التنسيق وتعزيز الشراكة الليبية - الإيطالية بما يخدم الاستقرار والتنمية، ويسهم في معالجة التحديات المشتركة، وعلى رأسها ملف الهجرة غير النظامية.

وفي غضون ذلك، استقبل الدبيبة بمدينة مصراتة، الأحد، سفير المملكة المتحدة لدى ليبيا مارتن رينولدز، الذي نقل تحيات حكومته، متمنياً لرئيس الوزراء «دوام الصحة والعافية».

وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون الليبي البريطاني، وتنسيق الجهود في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، بما يدعم الاستقرار ويخدم المصالح المتبادلة.