هدنة السبت صامدة... والبرهان مع أي حل ينهي الحرب في البلاد

تحت مراقبة الأقمار الصناعية... طرفا القتال في السودان ملتزمان بالهدنة

عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)
عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)
TT

هدنة السبت صامدة... والبرهان مع أي حل ينهي الحرب في البلاد

عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)
عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)

لم يشهد يوم السبت أي خرق لاتفاق وقف إطلاق النار في السودان من طرفي القتال، الجيش وقوات «الدعم السريع»، وتوقف القصف الجوي والاشتباكات في العاصمة الخرطوم، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وفي أثناء ذلك، أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الاتحاد الأفريقي، رئيس جزر القمر، غزالي عثماني، أنه مع أي حل ينهي الحرب مع قوات «الدعم السريع».

وكان الطرفان قد تعهدا بالالتزام بالهدنة لمدة 24 ساعة، وفقاً لمقترح من الوساطة السعودية الأميركية، خلال المحادثات الجارية في مدينة جدة السعودية، بعد فشل هدنتين سابقتين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتحذيرات من دولتي الوساطة بتعليق المحادثات.

وتأتي الهدنة القصيرة في أعقاب سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار انتهكها طرفا الصراع، وهما الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، اللذان تحول صراعهما على السلطة إلى أعمال عنف بدأت منذ ثمانية أسابيع، ما أدى إلى أزمة إنسانية.

وقالت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية إنهما تشعران بـ«خيبة أمل» بسبب الانتهاكات، في بيان الإعلان عن الهدنة الأخيرة، وهدد الوسيطان بتأجيل المحادثات التي استمرت بشكل غير مباشر في الآونة الأخيرة، إذا تواصل القتال. ووفقاً لمكتب الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية الأميركية، تخضع الهدنة الحالية لرقابة صارمة بالأقمار الصناعية وأدوات أخرى، لرصد أي خروقات من قبل الطرفين المتحاربين.

التزام بالهدنة

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر متعددة من مدن العاصمة السودانية الثلاث (الخرطوم، بحري، وأم درمان) بهدوء الأوضاع، وتوقف أصوات القصف الجوي والمضادات الأرضية، كما لم تسمع أصوات تبادل إطلاق النار تشير إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين. ووفقاً لشهود عيان، لم تشهد سماء المدينة تحليقاً للطيران الحربي التابع للجيش السوداني منذ الساعات الأولى لسريان الهدنة.

وقال علي عثمان، المقيم في منطقة «الحاج يوسف» شرق النيل: «لقد توقف القصف الجوي تماماً، ويبدو أنه لا توجد اشتباكات بين الجيش والدعم السريع»، مضيفاً: «نتمنى ألا يتجدد القتال مرة أخرى».

عودة الحركة للأسواق في الخرطوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب متابعات «الشرق الأوسط»، ساد الهدوء التام في العاصمة، وعادت الحركة شبه طبيعية، لكنها محدودة في العديد من أحياء شرق الخرطوم، الواقعة بالقرب من المقر الرئيسي لقيادة الجيش، والتي شهدت اشتباكات وقصفاً مدفعياً طيلة الأسبوع الماضي.

غزالي عثمان يدعو إلى حل أفريقي

وذكر بيان صادر عن رئاسة مجلس السيادة السوداني أن رئيسه عبد الفتاح البرهان، تلقى السبت اتصالاً هاتفياً من رئيس الاتحاد الأفريقي، تطرق خلاله إلى الجهود المبذولة عبر منبر جدة لحل الأزمة في السودان.

وعزا البرهان فشل جميع الهدنات السابقة إلى عدم وجود آليات فعالة وملزمة لمتابعة خروقات قوات «الدعم السريع»، وعدم التزامها بإخلاء منازل المواطنين والمستشفيات والمرافق العامة والمقرات الحكومية.

الفريق عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

وقال البرهان إن «حكومة السودان مع أي حل ينهي حرب قوات الدعم السريع بمعاونة المرتزقة الأجانب، ويعيد الطمأنينة للشعب السوداني».

بدوره، أكد رئيس الاتحاد الأفريقي، غزالي عثمان، أهمية أن يكون الحل أفريقياً لإحلال السلام في السودان.

وكان الجيش السوداني أعلن موافقته على وقف إطلاق النار لمدة يوم واحد، لكنه أكد احتفاظه بالتعامل مع أي انتهاكات تصدر من جانب قوات «الدعم السريع»، التي بدورها أعلنت موافقتها على الاتفاق وكل الاتفاقيات السابقة المتعلقة بوقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية.

مالك عقار: تعدد المنابر لا يخدم الحل

من جهة ثانية، جدد نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، لدى لقائه في أديس أبابا، أمس، رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، ثقة بلاده في آلية رؤساء دول «منظمة التنمية الحكومية» (إيقاد) بشأن الحل في السودان.

وقال عقار: «أوضحت لرئيس الوزراء الإثيوبي أن تعدد المنابر الماثل الآن مضر ولا يساعد في الحل». وذكر بيان مجلس السيادة السوداني أن آبي أحمد شدد على أهمية الإسراع بوقف القتال بكافة السبل، مبدياً تأثره البالغ بالوضع الإنساني الكارثي الذي يمر به السودانيون. وأبدى آبي أحمد استعداده الكامل لزيارة الخرطوم مهما كلف الأمر، وذلك للجلوس مع الطرفين للوصول إلى وقف لإطلاق النار.

مالك عقار صار نائباً لرئيس مجلس السيادة (رويترز)

ودعا عقار القوى الإقليمية والدولية إلى توحيد الجهود والتنسيق الكامل لوقف تعدد المنابر والمبادرات الحالية.

وقطع اتفاق وقف إطلاق النار معارك ضارية تدور بين طرفي القتال في السودان، حول عدد من المناطق العسكرية الاستراتيجية التابعة للجيش في جنوب الخرطوم.

وأدى القتال إلى نزوح أكثر من 1.9 مليون شخص، عبر 200 ألف منهم أو أكثر الحدود إلى مصر.

شكوى النازحين إلى مصر

ويشتكي أولئك الذين يقطعون هذه الرحلة الطويلة إلى مصر، من الأوضاع السيئة وأوقات الانتظار الطويلة.

وقال شخصان كانا يحاولان عبور معبر «أشكيت» الحدودي، السبت، إن قراراً جديداً دخل حيز التنفيذ، يُلزم جميع السودانيين بالحصول على تأشيرة قبل دخول مصر، وهو ما يناقض اتفاقاً سابقاً بين البلدين كان يضمن حرية دخول الأطفال والنساء وكبار السن من الرجال دون الحصول على تأشيرة.

وقالت الطبيبة سندس عباس، في مكالمة مع وكالة «رويترز»، بينما كانت تقف في نقطة تفتيش بين البلدين: «أمضينا ليلتين في المنطقة المحايدة، والآن يعيدوننا. بعض الناس يرفضون المغادرة».

نازحون سودانيون يصطحبون أمتعتهم في محطة للنقل بمدينة أسوان (إ.ب.أ)

وفي تأكيد على القرار الجديد، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، إن السلطات رصدت «أنشطة غير مشروعة يقوم بها بعض الأفراد والجماعات على الجانب السوداني»، منها إصدار تأشيرات مزورة.

وأشار إلى أن مصر لا تسعى لمنع دخول السودانيين وإنما إلى تنظيمه، مضيفاً أنه جرى توفير المعدات اللازمة لسرعة إصدار التأشيرات.

مراقبة بالأقمار الصناعية

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في وقت متأخر من مساء الجمعة، إنها تدعم منصة يطلق عليها «مرصد نزاع السودان» لنشر نتائج عمليات المراقبة عبر الأقمار الصناعية للقتال ووقف إطلاق النار.

ووثق تقرير أولي للمرصد تدميراً «واسع النطاق وموجهاً» لمنشآت المياه والكهرباء والاتصالات.

كما وثق ثماني هجمات «ممنهجة» لإحراق الممتلكات عمداً، دمرت قرى في دارفور، وكذلك عدة هجمات على مدارس ومساجد وغيرها من المباني العامة في مدينة «الجنينة» في أقصى غرب البلاد، والتي شهدت هجمات عنيفة شنتها جماعات محلية وسط انقطاع للاتصالات.

وقالت الهيئة النقابية لأطباء ولاية غرب دارفور، إن مدينة «الجنينة» تحولت إلى «مدينة أشباح»، وأشارت إلى وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، منها فرض «حصار» على المدينة، وحرمان المدنيين من الوصول للمياه، وقتل كبار السن.

وقال مواطنون إن بعض الرجال الذين هاجموا المدينة كانوا يرتدون زي قوات «الدعم السريع».

وسمح وقف إطلاق النار السابق بوصول بعض المساعدات الإنسانية، لكن وكالات الإغاثة قالت إنها لا تزال تواجه عراقيل بسبب القتال والقيود البيروقراطية والنهب.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود»، اليوم السبت، إن قوات «الدعم السريع» أوقفت بعض موظفيها و«أجبرتهم» على الإدلاء ببيان وزعته القوات شبه العسكرية لاحقاً.

ودب الخلاف بين الجيش وقوات «الدعم السريع» حول خطط لدمج القوات شبه العسكرية في الجيش، وإعادة تنظيم تسلسل القيادة في إطار المرحلة الانتقالية.



الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».


«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

باتت معادلة النفوذ الدولي تتصدر أسئلة المشهد في مالي، عقب هجمات غير مسبوقة على باماكو التي اقتربت من موسكو، وابتعدت عن الغرب منذ انقلاب عسكري عام 2020، لا سيما بعد اغتيال وزير الدفاع، ساديو كامارا، واختفاء غامض لقائد المجلس العسكر، آسيمي غويتا، وسط أكبر هجوم منسق بين المتمردين الانفصاليين والمتشددين منذ سنوات.

ذلك المشهد المضطرب في مالي الذي أطاح بالرجل الثاني في المجلس العسكري الحاكم في مالي بعد أشهر من حصار المتمردين المتشددين المرتبطين بالقاعدة للعاصمة باماكو في 2025، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يمثل إعادة لترتيبات النفوذ بين روسيا والغرب.

وأكد نائب وزير الخارجية الروسي، جيورجي بوريسينكو، الثلاثاء، تكبد قوات «فيلق أفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية خسائر بشرية جراء هجوم شنه متمردون في مالي.

وتواجه مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، تمرداً مستمراً من جماعات مسلحة مرتبطة بــ«القاعدة» وتنظيم «داعش»، وبعد الانقلابات العسكرية اتجهت هذه الدول نحو روسيا بدلاً من الحلفاء الغربيين لمكافحة هذه الجماعات، من دون تحقيق تقدم.

وإثر الهجمات التي استهدفت باماكو ومدينة كاتي بالقرب منها وسيفاري وموبتي في الوسط وكيدال وجاوه في شمال مالي، بخلاف مطار العاصمة، قتل وزير الدفاع المالي، بينما لا يزال قائد المجلس العسكري متوارياً، ولم يصدر عنه أي تصريح منذ بدء المعارك، وسط أنباء عن سيطرة المتمردين عن كيدال.

وأقرت الحكومة، في بيان الأحد، بمقتل وزير الدفاع بخلاف إصابة 16 شخصاً على الأقل من مدنيين وعسكريين، إضافة إلى مقتل عدد من المسلحين، بينما فرضت السلطات حظر تجول ليلي لثلاثة أيام، وأكدت أن الوضع تحت السيطرة تماماً.

وتبنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في بيان بالعربية، الأحد، التنسيق مع جبهة تحرير أزواد، واستهداف مواقع بينها مقرا الرئيس المالي ووزير الدفاع.

الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، يعتقد أن العملية التي نفذتها جماعة «نصرة الإسلام» وكذلك الجبهة الانفصالية بما فيها من هجمات غير مسبوقة طالت الرجل الثاني من المجلس العسكري ومطار العاصمة وغيرها من المناطق تقود لتحولات كبيرة تشهدها مالي، وستتسع معها الاضطرابات، وقد تمدد العمليات العسكرية الإرهابية بعد فشل مقاربة ماباكو في السيطرة على البلاد أمنياً، وقد تعيد ترتيبات النفوذ بتلك البلد الأفريقي المتنازع عليه بين روسيا والغرب.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

ويرى الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، ماهر فرغلي، أن الوضع في باماكو مقلق للغاية، مشيراً إلى أن ما يحدث يتجاوز كونه صراعاً محلياً، بل هو صراع إقليمي ودولي، في ظل حرص غربي على طرد الروس من هذه المنطقة.

وأوضح أنه في حال نجاح هذه الضغوط في إخراج القوات الروسية، لن تجد الحكومة والمجلس العسكري الحاكم بديلا سوى الاستعانة مرة أخرى بالقوات الفرنسية وعودة النفوذ الفرنسي والغربي إلى مالي، نظراً لما تتمتع به البلاد من ثروات هائلة، خصوصاً في مناجم الذهب واليورانيوم.

من جهته، أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان الأحد، أعمال العنف في مالي، معبراً عن «قلق بالغ حيال التقارير عن هجمات في عدة مواقع بتلك البلد الأفريقي.

كما أدان الاتحاد الأفريقي الهجمات المسلحة بمختلف أنحاء مالي، محذراً من التهديد الذي يشكله ذلك على المدنيين والاستقرار،

وحذر فرغلي من أن ما يجري في مالي سيؤثر بشكل مباشر في الإقليم بأكمله، حيث من المتوقع أن ينتشر النشاط الإرهابي بشكل أوسع ليشمل بوركينا فاسو، وجنوب ليبيا، والحدود السودانية، والنيجر؛ ما ينذر بنشاط إرهابي ضخم في المنطقة.

ونبه إلى أن الموقف الدولي من هذه التطورات قد يكون غير موجود ظاهرياً، لكنه في الواقع يلعب دوراً من وراء الستار عبر دعم بعض الجماعات لحسم الموقف في مالي بما يخدم أجندات القوى الغربية ضد روسيا.

ويرى تورشين أن مقتل وزير الدفاع يعكس حجم المواجهات وتأثيرها وامتدادها المتوقع لدول مثل لنيجر، مؤكداً أن هناك أطرافاً خارجية غير راضية تماماً من الوجود الروسي المتمدد منذ سنوات، وقد تساعد على زيادة اتساع الاضطرابات في البلاد وهو ما يضع دول الساحل أمام مخاطر أكبر في الفترة المقبلة.


ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
TT

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)

زارت رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، رفقة نائبتها ستيفاني خوري، مدينة مصراتة الواقعة غرب ليبيا، تزامناً مع وقفة احتجاجية لأهالي المدينة للتعبير عن رفضهم لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، التي تقترح تولي صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي بدلاً من محمد المنفي، فيما يتم الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

جانب من المشاركين في لقاء تيتيه بمصراتة 28 أبريل (البعثة الأممية)

ويأتي اجتماع تيتيه، الثلاثاء، مع مجلس المدينة البلدي ومكونات مصراتة، قبل توجهها إلى العاصمة الإيطالية روما لرعاية الاجتماع الأول لأعضاء «الطاولة المصغرة»، التي اقترحتها البعثة الأممية لتجاوز الانسداد السياسي في ليبيا.

وكانت تيتيه قد استعرضت، مساء الاثنين، في كلمتها خلال افتتاح الجلسة العامة الافتراضية الثانية لـ«الحوار المهيكل» في طرابلس، تقدم المسارات الأربعة التي تشمل الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، في صياغة توصيات تهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لإجراء انتخابات وطنية.

وقالت تيتيه: «لم يتبق سوى شهر تقريباً على اختتام (الحوار المهيكل) في أوائل شهر يونيو (حزيران) المقبل، وهذا يعني أننا في المرحلة الأخيرة للتأكد من أن تكون التوصيات التي تقدمونها متينة وعملية وقابلة للتنفيذ».

وأكدت المبعوثة الأممية أهمية الشمول، مشددة على دور المرأة الليبية التي «تشكل نصف سكان ليبيا»، ودعت الأعضاء إلى «الإصغاء والتأكد من أن مساهماتكم تعكس وجهات نظر وتطلعات جميع الليبيين»، مشيرة إلى أن استطلاعات رأي أجرتها البعثة أظهرت إجماعاً ساحقاً (تسعة من كل عشرة أشخاص) على ضرورة إجراء الانتخابات بشرط حمايتها من التدخل.

وأوضحت تيتيه أن بعثتها تقترح «نهجاً بديلاً من خطوتين»، يتمثل في اجتماع «مجموعة مصغرة» من الأطراف الليبية الفاعلة لتحديد حلول للمرحلتين الأوليين من خارطة الطريق، يليه اجتماع أوسع إذا لزم الأمر، مشيرة إلى أن هذا الاجتماع «لن يحل محل عمل (الحوار المهيكل) بل يكمله».

ويأتي تحرك تيتيه في ظل تعثر خارطة الطريق، التي أعلنتها البعثة قبل ثمانية أشهر، والتي تتطلب من مجلسي النواب والدولة إنجاز مرحلتين أوليين لتمهيد الطريق لانتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد المؤسسات.

وتواجه «مبادرة بولس»، التي يُنظر إليها على أنها محاولة «لتوحيد السلطة التنفيذية والعسكرية والمالية» بين معسكري الدبيبة وحفتر، رفضاً شعبياً وسياسياً واسعاً في غرب ليبيا، خاصة في مصراتة.

ومن المقرر أن يختتم «الحوار المهيكل»، الذي يضم مئات المشاركين من مختلف الأطياف، بهدف صياغة رؤية وطنية مشتركة حول القضايا العاجلة والجذرية للصراع، بتوصيات ستُقدم للقيادات السياسية والشعب الليبي.

في غضون ذلك، قال رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إنه بحث، مساء الاثنين، في العاصمة طرابلس مع النائب العام الصديق الصور، سبل دعم وتطوير مقدرات منظومة العدالة الجنائية، بما يكفل رفع كفاءتها المؤسسية، وبحث آليات تعزيز جهود مكافحة جرائم الفساد، من خلال تفعيل أدوات الملاحقة القضائية.

كما بحث المنفي ونائبه عبد الله اللافي مع عبد الله قادربوه، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، تقريرها السنوي وأبرز ما تضمنه من ملاحظات ورصد للمخالفات، إلى جانب الإجراءات والتدابير، التي اتخذتها الهيئة لمعالجتها وفق الأطر القانونية المعتمدة.

كما تطرق الاجتماع إلى الخطة الاستراتيجية، التي أطلقتها الهيئة للفترة (2025 - 2030)، وما تتضمنه من برامج تطويرية، تستهدف رفع كفاءة الأداء الرقابي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وأكدت هيئة الرقابة الإدارية ضرورة الإسراع في استكمال إجراءات الإقفال بصورة عاجلة، لما لذلك من أثر بالغ في تحقيق الانضباط المالي، وتعزيز مصداقية البيانات المالية للدولة.

المنفي (إلى اليسار) وبجواره اللافي وعبد الله قادربوه (المجلس الرئاسي الليبي)

بدوره، ناقش اللافي مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، المشهد السياسي الراهن، وسبل الخروج من حالة الانسداد الحالية، كما استعرضا المبادرات المطروحة لحل الأزمة، وسبل توحيد الرؤى بين المجلسين بما يضمن الوصول إلى قاعدة صلبة تمهد الطريق لإجراء الانتخابات.

وتم التأكيد خلال اللقاء على أن أي مبادرة لحل الأزمة السياسية يجب أن تكون نابعة من روح التوافق الوطني، وفق الاتفاق السياسي الليبي، بما يضمن عدم انزلاق البلاد نحو مسارات موازية، قد تهدد وحدة المؤسسات.

في المقابل، جدد بولس تعهد بلاده بمواصلة دعم شركائها الليبيين في عملهم على تجاوز الانقسامات السابقة، والتركيز على تحقيق الازدهار والاستقرار لمستقبل ليبيا.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

واعتبر بولس، عبر حسابه على منصة «إكس»، مساء الاثنين، أن تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي نظمته القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سرت، وجمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها مع قوات العمليات الخاصة الأميركية، وممثلين عن 11 دولة أخرى، يساهم في بناء الثقة وإرساء الأساس لمؤسسات أمنية ليبية موحدة.