تصاعد القتال بين طرفي الصراع في السودان

السعودية تدين الهجمات على البعثات الدبلوماسية في الخرطوم

TT

تصاعد القتال بين طرفي الصراع في السودان

تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم، الثلاثاء (أ.ف.ب)
تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم، الثلاثاء (أ.ف.ب)

مع دخول الحرب في السودان شهرها الثاني، تصاعدت وتيرة الضربات الجوية والقصف المدفعي بشدة منذ ساعات الصباح الأولى، الثلاثاء، في وقت اتهم فيه الجيش قوات «الدعم السريع» باقتحام السفارات والممثليات الدبلوماسية، بما فيها مقر الملحقية العسكرية السعودية، وإتلاف الوثائق الرسمية، لكن قوات «الدعم السريع» كذّبت تلك الأنباء. وأعلنت نقابة أطباء السودان إحصائية جديدة للمعارك، مشيرة إلى أن عدد القتلى تخطى الـ800.

وذكر شهود في الخرطوم أنهم سمعوا دوي ضربات جوية واشتباكات وانفجارات في جنوب الخرطوم، وكان هناك قصف عنيف في مناطق بمدينتي بحري وأم درمان المجاورتين اللتين يفصلهما نهر النيل عن العاصمة. وشهدت منطقة شرق النيل اشتباكات بالأسلحة الثقيلة.

وشهدت مناطق متفرقة من الخرطوم معارك عنيفة بين الطرفين في شمال «الكدرو» بمدينة بحري، وقصف الطيران الحربي للجيش عدداً من المواقع لقوات «الدعم السريع» في جنوب الخرطوم.

ويتركز القتال بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في العاصمة، لكنه أثار اضطرابات في أنحاء أخرى من السودان، خاصة في إقليم دارفور بغرب البلاد.

وفجّر الصراع أزمة إنسانية تنذر بزعزعة استقرار المنطقة، وأجبر آلافاً على الفرار إلى بلدان مجاورة، وأسفر عن نزوح ما يربو على 700 ألف داخل السودان.

تصاعد الدخان بعد قصف طال سوق أم درمان المركزية (رويترز)

ويكافح من بقوا في العاصمة للنجاة بحياتهم، في ظل شح الإمدادات الغذائية، وانهيار الخدمات الصحية، وانتشار الفوضى. وسجل المسؤولون 822 حالة وفاة، وأكثر من 5500 إصابة، لكن من المتوقع أن تكون الأعداد الحقيقية أعلى بكثير مع ورود كثير من التقارير عن جثث تُركت في الشوارع وأشخاص يعانون لدفن الموتى.

وقال أحد السكان، ويدعى أيمن حسن (32 عاماً): «هذا وضع لا يطاق، خرجنا من منزلنا إلى منزل أحد الأقرباء في الخرطوم هرباً من الحرب، لكن الضرب يلاحقنا، أين نذهب؟!». وأضاف: «لا نعرف ما ذنب المواطن. لماذا الحرب في وسط البيوت؟!».

وبحسب سكان وشهود، هاجمت قوات «الدعم السريع» قواعد عسكرية رئيسية في شمال أم درمان وجنوب الخرطوم، الثلاثاء، في مسعى لمنع الجيش من نشر أسلحة ثقيلة وطائرات مقاتلة على ما يبدو. وقالت قوات «الدعم السريع»، في بيان، إنها أسرت مئات من قوات الجيش بهجوم مضاد في بحري، ونشرت لقطات فيديو تظهر رجالاً يرتدون الزي العسكري ويجلسون على الأرض، بينما يحتفل عناصر من القوة شبه العسكرية حولهم.

ولم يتسنَ التحقق من صحة مزاعم قوات «الدعم السريع»، التي نفاها الجيش.

ويعمل الجيش على قطع خطوط إمداد قوات «الدعم السريع» من خارج العاصمة، وتأمين مواقع استراتيجية. من بينها المطار بوسط الخرطوم، ومصفاة الجيلي الرئيسية للنفط في بحري، حيث احتدم القتال مرة أخرى الثلاثاء.

الهجمات على المقرات الدبلوماسية

تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم، الثلاثاء (أ.ف.ب)

وتبادل طرفا النزاع السوداني الاتهامات بالاعتداء على المقرات الدبلوماسية. وفيما وجّهت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، أصابع الاتهام مباشرة لقوات «الدعم السريع» بالاعتداء على عدد من مقرات السفارات، وعلى رأسها السعودية والأردن وجنوب السودان والصومال والأردن وأوغندا، ومقر الملحقيتين العسكريتين للسعودية والكويت، وإتلاف وثائق فيهما، ردّت قوات «الدعم السريع» بتكذيب هذا البيان.

وذكر بيان الخارجية السودانية أن قوات «الدعم السريع» قامت بالعبث بالمستندات وإتلاف الأثاث وسرقة أشياء ثمينة، بما في ذلك أجهزة الحاسوب والسيارات الدبلوماسية.

وعدّت الخارجية السودانية تلك الأفعال انتهاكات للقانون الدولي والأعراف المعنية بحرمة وحماية مقرات وممتلكات البعثات الدبلوماسية.

وأدانت الخارجية ما أسمته بالسلوك الإجرامي والهمجي لقوات «الدعم السريع» «المتمردة»، داعية المجتمع الدولي لإدانة تلك الممارسات، باعتبارها تصدر من «منظمة إرهابية»، وتحميلها المسؤولية القانونية والأخلاقية أمام آليات العدالة الدولية.

وكرر الجيش السوداني مرات كثيرة توجيه الاتهامات لقوات «الدعم السريع»، التي يقودها محمد حمدان دقلو، الشهير باسم «حميدتي»، بالتمادي في التعدي على السفارات العربية والأجنبية في البلاد.

وبدورها، نفت قوات «الدعم السريع» أي صلة لأفرادها بالاعتداءات التي حدثت لمقار البعثات الدبلوماسية بالخرطوم، وقالت، في بيان، الثلاثاء، إن «قادة الجيش وكتائب الظلام الإرهابية يواصلون بث الشائعات والأكاذيب».

وكانت دول عدة أصدرت بيانات، أدانت فيها الاعتداءات التي حدثت لسفاراتها بالخرطوم.

إدانات سعودية

وأعلنت المملكة العربية السعودية عن رفضها التام لكل أشكال العنف والتخريب التي طالت أخيراً البعثات والممثليات الدبلوماسية في العاصمة الخرطوم. وقالت وزارة الخارجية السعودية إنها تابعت ببالغ الأسف ما حدث من اقتحام لسفارة الأردن، ومقر سكن رئيس المكتب العسكري في السفارة الكويتية بالعاصمة السودانية.

وطالبت السعودية الأطراف السودانية كافة «بالالتزام بالتهدئة وفق نتائج مباحثات جدة الأخيرة، والانخراط في المسارات السياسية التي تسعى للوصول إلى حل عادل وشامل للأزمة في جمهورية السودان الشقيقة».

من جانبه، أعرب جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، عن إدانته واستنكاره الشديدين لتعرض مقر سكن رئيس المكتب العسكري بسفارة الكويت في مدينة الخرطوم للاقتحام والتخريب.

وشدد البديوي على ضرورة احترام الاتفاقيات الدولية والأعراف الدبلوماسية التي تضمن حرمة وسلامة مقرات البعثات الدبلوماسية، داعياً جميع الأطراف في السودان إلى اتخاذ الإجراءات الفورية واللازمة لحماية الدبلوماسيين والمقرات الدبلوماسية.

وأدانت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» تعرض مبنى السفارة الأردنية في العاصمة السودانية للاقتحام والتخريب، وشددت على ضرورة إنهاء العنف واحترام حرمة المباني الدبلوماسية، وتوفير الحماية اللازمة للدبلوماسيين والمباني الدبلوماسية، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، وخاصة «اتفاقية فيينا» للعلاقات الدبلوماسية.

ومن العاصمة المصرية، أدان رئيس البرلمان العربي عادل العسومي بشدة تعرض مبنى سفارة الأردن في الخرطوم للاقتحام والتخريب، وقال في بيان: «إن هذا العمل الإجرامي يتنافى مع قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية التي تفرض حماية البعثات الدبلوماسية، وتوفير الأمن لها، واحترام حرمتها»، معرباً عن تقدير البرلمان العربي للدور الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية في السودان في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها، ومجدداً دعوته إلى جميع الأطراف للاستجابة لدعوات التهدئة كافة، واللجوء إلى الحوار السلمي، والالتزام بما نص عليه إعلان جدة من أجل توفير الحماية للمدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وخلال عمليات إجلاء الرعايا الأجانب في الأيام الأولى للحرب، منتصف أبريل (نيسان) الماضي، تبادل الجيش و«الدعم السريع» اتهام بعضهما لبعض بالتعرض لعملية إجلاء البعثة الدبلوماسية الفرنسية، ما أدى إلى إصابة أحد الفرنسيين بطلق ناري.

كما تعرض أيضاً السفير التركي في الخرطوم لإطلاق نار على سيارته في منطقة بوسط العاصمة (الخرطوم).

رجل يسير بينما يتصاعد الدخان فوق المباني بعد قصف جوي في شمال الخرطوم، 1 مايو 2023 (رويترز)

ويدعي كل من الجيش وقوات «الدعم السريع» التعاون والتنسيق مع كثير من الدول في تأمين وحماية عمليات الإجلاء الواسعة للسفراء والمواطنين الأجانب من البلاد.

وخرق الطرفان كثيراً من «الهدن» في وقت سابق، من أجل فتح ممرات آمنة للمدنيين في مناطق الصراع، واستكمال عمليات إجلاء الرعايا الأجانب من البلاد.

وتم إجلاء كثير من البعثات الدبلوماسية والموظفين الدوليين من العاصمة (الخرطوم) عن طريق البر إلى ميناء «بورتسودان»، شرق البلاد، ومنها عبر الطيران والبواخر إلى بلدانهم، بسبب تصاعد الاشتباكات بين الجيش و«الدعم السريع» في مطار الخرطوم الدولي.


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».