مفاوضات جدة... من يملك «أوراق اللعب»؟

الشرعية أقوى أوراق الجيش و«الإخوان» ورقة «الدعم السريع» الرابحة

قوات «الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
قوات «الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
TT

مفاوضات جدة... من يملك «أوراق اللعب»؟

قوات «الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
قوات «الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

تجري في مدينة جدة السعودية، وبسرية تامة و«تكتم» ملحوظ، مباحثات معقدة ودقيقة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بوساطة سعودية - أميركية تهدف إلى تهدئة الأوضاع ووقف الاقتتال المستمر بين الطرفين منذ قرابة الشهر، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين من الحرب، ولا تُعرف على وجه الدقة «أوراق التفاوض» التي قدمها ويقدمها كلا الطرفين لتحسين موقفه التفاوضي.

ولم تكشف الوساطة المشتركة عن أي معلومات عما يدور داخل «الغرف»؛ ما اضطر وسائل الإعلام إلى الاعتماد على «مصادر مجهولة»، وتحليلات تستند إلى متابعتها لما يجري على الأرض في الخرطوم ومدن البلاد الأخرى، مثلما لم تكشف عن تقديمها مقترحات محددة للطرفين للاتفاق عليها، فما هي مصادر قوة المتفاوضين من الطرفين للحصول على أكبر حصة ومكاسب، بعد أن عجزا عن حسم المعركة ميدانياً طوال الأسابيع الماضية.

سيارة وبنايات مدمرة في السوق المركزية بالخرطوم خلال اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع (رويترز)

ويقول مستشار الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية اللواء معتصم عبد القادر الحسن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أقوى أوراق الجيش السوداني تتمثل في تمسكه بـ«استسلام» قوات الدعم السريع، وعودة أفرادها إلى ثكناتهم خارج العاصمة الخرطوم، قبل توقيع أي اتفاق. ويرى أن الجيش «لن يقبل بأقل من ذلك»، وتابع «الجيش السوداني، لن يقبل بأقل من استسلام قيادة الدعم السريع، وتقديمهم لمحاكمات لتمردهم على القيادة العسكرية»، وأضاف «الخياران أمام الجيش السوداني: أن يتم الحسم عبر التفاوض وهذا هو الأفضل، أو هزيمة القوات المتمردة وإجبارها على قبول الاستسلام».

في حين قال المحلل السياسي عبد الله آدم خاطر لـ«الشرق الأوسط» إن الطرفين «غير مؤهلين» للوصول لتسوية توقف الحرب وتعود بالبلاد إلى الانتقال المدني الديموقراطي، موضحاً أن الوصول لحل «يتطلب أن تتجه القوى المدنية المعنية بالانتقال المدني الديموقراطي، لإجراء حوارات مفتوحة مع الطرفين تتم بموجبها استعادة المسار الوطني الديموقراطي، وتوحيد الجيوش عبر الحوار والتفاوض، وهو ما فشلت فيه الحرب حتى الآن».

ويرى خاطر «أن أي حل يتم الوصول إليه عبر القوة العسكرية، لن يحل مشاكل البلاد، بل يزيد تأزيمها ويحمل في طياته نزر حروب قادمة». وأوضح، أن الحرب نشبت بين الطرفين «على قضايا فنية، كان يمكن حلها بالحوار والتفاوض، وكادت القوى المدنية أن تقود العملية إلى بر الأمان». وتابع «دمج القوات في الجيش عملية مهمة وأساسية، لكنها لن تتم بالقوة، ولا يستطيع أي من الطرفين فرضها على الآخر».

ودعا خاطر قوى الثورة المدنية «إلى رص صفوفها لتقديم رؤى سياسية ديموقراطية تخرج البلاد من أزمتها الراهنة، وتعود بها إلى الحلول المدنية للقضايا الوطنية»، مستبعداً وجود «عناصر قوة تفيد أياً من الطرفين في تحقيق مكاسب عجز عن تحقيقها في الأرض، وتسرع في الحصول عليها بالدخول في الحرب».

من معارك الأربعاء في الخرطوم (أ.ف.ب)

من جهته، يقول ماهر أبو الجوخ، وهو صحافي من المتحدثين باسم القوى الموقّعة على الاتفاقية الإطارية، في إفادة مكتوبة أرسلها لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «أقوى أوراق الجيش هي رهانه على رفض الأطراف الإقليمية والدولية فكرة إحلال ميليشيا في الجيش، وتفوقه النوعي في أسلحة الردع: قوات جوية، مدفعية بعيدة المدى، مدرعات، إلى جانب أن ساحة المواجهة مقتصرة على العاصمة، مع وجود غضب شعبي ضد الدعم السريع؛ بسبب تكوينه القبلي، وارتباطه بجرائم حرب في دارفور، ومشاركته في فض اعتصام القيادة، وما يواجهه من اتهامات بضلوع قواته في جرائم سلب ونهب، والاستيلاء على منازل وممتلكات المواطنين التي زادت من الحنق عليه».

ويرى أبو الجوخ «أن أبرز أوراق الضغط التي يملكها الدعم السريع، تتمثل في معرفته المسبقة بضعف الجيش في سلاح المشاة، وتبنيه تكتيكات حجّمت من عوامل تفوقه النوعي، المتمثلة في الطيران الحربي والمدفعية والمدرعات، وذلك بالتواجد داخل الأحياء والتحرك في أرتال صغيرة ومسافات متباعدة، وتركيزه للمعركة في الخرطوم، باعتبارها الأكثر تأثيراً في حسم المواجهة وإنهاء المعركة سياسياً وعسكرياً». ويضيف «لا يعتمد الدعم السريع على السيطرة على المواقع، لكونها تُمكّن من حصار قواته؛ لذلك يتبنى استراتيجية الكرّ والالتفاف السريع لتطويق أي قوات مهاجمة، مستغلاً عربات الدفع الرباعي، وتكتيك حرب السيارات في المواجهات الميدانية، في مقابل التكتيك التقليدي للجيوش بالتقدم سيراً على الأقدام».

ووفقاً لأبو الجوخ «فإن الدعم السريع يراهن أيضاً على الحفاظ على المناطق التي سيطر عليها، وحصاره لنصف القيادة العامة».

ويتابع «تعتبر أقوى أوراق الدعم السريع، إعلانه خوض الحرب ضد حزب البشير المحلول وعناصره العسكرية، باعتبارها فئة غير مرحب بعودتها شعبياً وإقليمياً ودولياً، والتي عززها الظهور الإعلامي اللافت لعناصر نظام البشير».

ويرى أبو الجوخ أن الدعم السريع يتفوق في الإعلام الحربي على إعلام الجيش، ويقول «دائماً يلجأ لفيديوهات تعزز أي تصريحات يقدمها في مسار المعركة؛ ما يجعل التصريحات المنسوبة إليه ذات مصداقية أعلى، في حين يلجأ الجيش لاستخدام أساليب الحرب النفسية والدعاية؛ ما جعل رواياته تظهر بأنها لا تتوافر لها المصداقية والدقة».



السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
TT

السودان يجدد تمسكه بالحل السلمي والتوافق الوطني لإنهاء الحرب

وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)
وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم خلال مشاركته بالمنتدى الحضري الثالث عشر في باكو (الخارجية)

جدّد السودان التأكيد على استعداده للالتزام بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية، وبناء توافق وطني شامل يمهد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية، استناداً إلى مبادرة قدمها إلى الأمم المتحدة العام الماضي رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لتحقيق السلام ووقف الحرب.

وقال وزير الخارجية السوداني محيي الدين أحمد سالم، في كلمته أمام المشاركين في المنتدى الحضري الثالث عشر الذي انعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، إن بلاده ملتزمة بمبادرة البرهان، عادّاً أنها تعكس التزام السودان بإنهاء الأزمة عبر الوسائل السلمية وصولاً إلى توافق وطني شامل يفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية.

وأضاف الوزير، حسب بيان صحافي صادر عن وزارة الخارجية في وقت مبكر من صباح الاثنين، أن مبادرة البرهان حظيت بدعم وتأييد عدد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، كما تضمنت خريطة طريق متكاملة لإنهاء النزاع وتحقيق سلام مستدام، تشمل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم اللاجئين والنازحين، إلى جانب برامج نزع السلاح والتسريح، وإعادة الدمج والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار.

رئيس «مجلس السيادة» السوداني قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

ووصف وزير الخارجية المنتدى بأنه «منصة دولية مهمة» لتبادل الخبرات ومناقشة التحديات المرتبطة بالتنمية الحضرية وبناء المدن الآمنة والقادرة على الصمود، مشيراً إلى أن شعار الدورة الحالية «إسكان العالم: مدن ومجتمعات آمنة وقادرة على الصمود»، يعكس بصورة مباشرة واقع السودان وتطلعات شعبه.

وقال إن بلاده تعيش ظروفاً استثنائية نتيجة الهجمات التي اتهم قوات «الدعم السريع» بشنها على المدن والبنية التحتية والمرافق الحيوية، مضيفاً أن السودان شهد دماراً واسعاً شمل المناطق السكنية والمنشآت الصحية وشبكات الكهرباء والمياه والمؤسسات التعليمية، ما أدى إلى نزوح الملايين، وفرض تحديات كبيرة أمام جهود إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل المدن والمجتمعات المتضررة.

كما كشف المسؤول السوداني عن شروع حكومته في تنفيذ برامج وطنية لإعادة تأهيل الخدمات الأساسية في المناطق التي بدأت تشهد عودة النازحين واللاجئين ضمن برامج العودة الطوعية «بدعم من عدد من الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية العاملة في المجال التنموي».

وأعلن كذلك إطلاق خطة لبناء مليون وحدة سكنية مخصصة للشباب من ذوي الدخل المحدود، ضمن مشروع لتوفير المأوى للمواطنين، رغم التحديات التي تواجهها البلاد، بهدف تعزيز الاستقرار المجتمعي وتوفير السكن الملائم للفئات المتأثرة بالحرب والنزوح.

وقدم سالم شرحاً للمشاركين حول «مبادرة السلام الشاملة» التي سلمتها الحكومة السودانية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن أواخر عام 2025، والتي تتضمن خريطة طريق لإنهاء النزاع وتحقيق سلام مستدام عبر وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم اللاجئين والنازحين، إلى جانب برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار.

وكان وزير الخارجية قد ترأس الوفد السوداني إلى المنتدى الحضري الثالث عشر الذي انعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، بتنظيم مشترك مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وبمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات والوزراء وممثلي المنظمات الدولية.

وفي نهاية العام الماضي، قدّم البرهان مبادرة سلام إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، كشف عنها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن في ديسمبر (كانون الأول)، وقال إنها تتكامل مع المبادرة الأميركية - السعودية - المصرية - الإماراتية المعروفة بـ«مبادرة الرباعية».

ونصت المبادرة السودانية لإحلال السلام، التي عُرفت إعلامياً بـ«مبادرة البرهان»، على استعداد السودان للدخول في عملية سياسية تنسحب بموجبها قوات «الدعم السريع» من المدن، وتتجمع في مواقع يتم الاتفاق عليها في إقليم دارفور، قبل الشروع في أي مفاوضات.


مصر تُجدد التزامها بدعم استقرار ليبيا وأمنها القومي  

بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)
بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)
TT

مصر تُجدد التزامها بدعم استقرار ليبيا وأمنها القومي  

بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)
بدوي وصالح في مقر البرلمان المصري (البرلمان)

أكد رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي أن استقرار ليبيا وأمنها القومي «ركن أصيل والتزام ثابت علينا»، مشيراً إلى أن «أي تهديد لوحدتها ينعكس سلباً على الأمن القومي المصري والأمن العربي بأكمله».

وأكد بدوي، خلال جلسة للمجلس، الاثنين، مع رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، أن «مصر تلتزم التزاماً ثابتاً بدعم الدولة الليبية ووحدتها، وصون مؤسساتها الوطنية والدستورية».

وأشار إلى أن الجهود المصرية «تهدف إلى دعم الحلول السياسية الليبية - الليبية دون تدخلات خارجية، مع الحفاظ على المسار الليبي الخالص».

وتأتي هذه الجلسة، «في إطار دعم أواصر التعاون المشترك، وتستهدف بحث آليات تعزيز التنسيق السياسي والبرلماني بين البلدين، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار ودعم جهود التنمية والتعاون المشترك»، على ما أُفيد رسمياً.

بدوره، أشاد صالح بـ«الدور التاريخي والراسخ» لمصر في دعم استقرار ليبيا، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين تمثل «نموذجاً للمصير الواحد، وتستند إلى روابط الأخوّة والجوار».

وشدد صالح على عمق العلاقات بين مصر وليبيا، التي قال إنها «تتجاوز المفهوم التقليدي وتتجاوز الجغرافيا والحدود»، لافتاً إلى أن «روابط اللغة والنسب والأخوّة تربط الشعبين منذ مئات السنين».

وأثنى صالح على «دور مصر التاريخي في مساندة ليبيا منذ أيام الاحتلال وحتى الآن»، وقال إنها «منذ بدء تأسيس الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، وقفت مصر وقيادتها وشعبها موقف الأخ الشقيق والجار، واصطفت إلى جانبنا في مواجهة الجماعات الإرهابية حتى تم اجتثاثها بالكامل».

بدر عبد العاطي ومسعد بولس في لقاء سابق (القاهرة الإخبارية)

وفي شأن آخر يتعلق بالملف الليبي أيضاً، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «موقف مصر الثابت والداعم لوحدة واستقرار ليبيا»، مشدداً على الأهمية البالغة لتوحيد المؤسسات الوطنية في البلاد.

ودعا عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي جرى الاثنين مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إلى «التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية عبر مسار ليبي - ليبي خالص، يمهد الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن في أقرب وقت ممكن، لإنهاء حالة الانقسام السياسي».

وكان بولس قد أعرب عن «ارتياحه الشديد» لاجتماع ممثلين عن شرق ليبيا وغربها مجدداً لاتخاذ خطوات عملية تسهم في تعزيز الوحدة والاستقرار في البلاد.

وقال، في تدوينة عبر منصة «إكس»، الأحد، إن الفريق الفني المشترك الليبي لتنسيق أمن الحدود، وبوساطة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، اتفق على تدابير لتعزيز التعاون المشترك في أمن الحدود، وتفعيل مراكز أمن الحدود المشتركة في بنغازي وطرابلس.

وشارك في الاجتماع الأخير ضباط كبار من «الجيش الوطني» ووزارتي الدفاع والداخلية، بحضور قادة مكونات حرس الحدود من الجانبين.


وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)
الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)
TT

وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)
الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)

أفادت مصادر إعلامية وسياسية في الجزائر وباريس، بأن الملف المتفجَر المسمى «مافيا دي زاد»، يتصدر الملفات التي يبحثها وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان خلال زيارته إلى الجزائر التي بدأها، ليل الأحد - الاثنين، في خضم انفراج لافت تشهده العلاقات بين البلدين بعد أزمة غير مسبوقة استمرت زهاء عامين.

وكان في استقبال دارمانان بمطار العاصمة الجزائرية وزير العدل لطفي بوجمعة، واكتفت الوزارة ببيان قصير تضمن خبر الزيارة فقط، دون الاشارة إلى القضايا التي تتناولها.

من جهتها، ذكرت وزارة العدل الفرنسية في بيان، أن زيارة دارمانان «مهمة للغاية، سنحاول من خلالها تجديد أواصر الثقة مع الجزائر، فأمن فرنسا يمر عبر الجزائر، والعكس صحيح». وترى الوزارة أن الأولوية تكمن في إعادة تفعيل التعاون القضائي الذي «شهد تباطؤاً شديداً»، وتجاوز «نقص التعاون الذي أملته أسباب دبلوماسية».

من جلسة المحادثات الرسمية في وزارة العدل (الوزارة الجزائرية)

وانطلقت المباحثات بين الوزيرين رسمياً، الاثنين، وتضمن جدول الأعمال ملفات عدة على درجة عالية من الحساسية؛ فمن الجانب الجزائري، يبرز ملف تسليم المطلوبين قضائياً، لا سيما بعض المعارضين الذين أدانهم القضاء الجزائري بتهم «التخابر مع قوى أجنبية» و«المساس بالوحدة الوطنية». ويشمل شقٌّ آخر مدانين في قضايا «إرهاب» ينتمي أغلبهم لما يُعرف بـ«حركة تقرير مصير القبائل» المقيمين في فرنسا؛ إذ تتهم الجزائر حكومة باريس بـ«توفير ملاذ آمن لهم»، و«توظيفهم من قبل أجهزتها الأمنية ضد المصالح الجزائرية» خلال مدة الأزمة الحادة بين البلدين.

مقايضة سياسية

يهتم الجانب الجزائري أيضاً باسترجاع «الأموال المنهوبة»، التي تتعلق بالأصول غير المشروعة التي تم تحويلها إلى فرنسا، وتتبع لوجهاء من النظام في المرحلة السابقة. ويبرز في هذا الملف، بشكل خاص، مطلب تجميد الأرصدة البنكية لوزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، علماً أن القضاء الفرنسي رفض تسليمه للجزائر، العام الماضي.

صورة حديثة لوزير الصناعة الجزائري السابق عبد السلام بوشوارب (ناشطون سياسيون)

ويرافق جيرالد دارمانان في هذه الجولة المدعي العام للنيابة المالية الوطنية الفرنسية، باسكال براش، في زيارة تعد الأولى من نوعها، ومن شأنها أن تسمح ببحث بعض المطالب الجزائرية المتعلقة بالأملاك والأصول العقارية التي تم الاستحواذ عليها خلال الحقبة الاستعمارية.

بالإضافة إلى هذه الملفات، تظهر الجزائر حرصاً شديداً على إنهاء سجن موظف قنصلي لديها بباريس، مسجون على ذمة التحقيق منذ 13 شهراً، حيث يتهمه الادعاء الفرنسي بخطف واحتجاز اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص، الذي يمثل صداعاً حاداً للسلطات الجزائرية، والذي رفض القضاء الفرنسي تسليمه.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص)

ونقلت قناة «فرانس 24» عن وزارة العدل الفرنسية أن الموظف القنصلي المسجون، الذي لم يعلن عن اسمه، تمكن من الاستفادة من «حقوق الزيارة» في إطار «الاحترام الصارم لاستقلالية القضاء». وفي المقابل، رخصت الجزائر لوفد قنصلي فرنسي بزيارة الصحافي كريستوف غليز، الذي ظهرت مؤشرات قوية على قرب استفادته من عفو رئاسي.

ويفيد مراقبون بأن اللقاءات القضائية والأمنية وحتى السياسية الجارية منذ أسابيع، بين الجزائر وباريس، تبدو أشبه بـ«لعبة شد وجذب» محكومة بمنطق المقايضة السياسية؛ حيث يرتبط أي تنازل فرنسي في ملف بمدى استجابة الجزائر في ملف آخر. بكلام آخر، بين رغبة باريس في استعادة مطلوبيها، ورغبة الجزائر في استرجاع أموالها المنهوبة، تبرز لغة المصالح لترسم معالم صفقة توازن قوى دقيقة.

وزيرا العدل الجزائري والفرنسي بالقاعة الشرفية للمطار (الوزارة الجزائرية)

وبالنسبة لباريس، تشكل هذه الزيارة فرصة لإعادة إطلاق، بل وتأسيس تعاون قضائي جديد تضرر بشدة جراء الأزمة الثنائية، وكذا إثارة قضية الصحافي كريستوف غليز، الذي يقضي عقوبة بالسجن 7 سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب» بعد توقيفه في أثناء إعداده استطلاعاً حول ما سُمي بـ«المنتخب الكروي القبائلي»، فضلاً عن مناقشة ملف تسليم عناصر من شبكة «دي زاد مافيا» (DZ Mafia) الذين يُعتقد أنهم لجأوا إلى الجزائر، وهو ملف متفجر ظل في السنوات الأخيرة ضمن التنسيق الاستخباراتي البحت، وأخذ مع زيارة دامانان بعداً سياسياً.

ويتعلق ملف بـ«دي زاد مافيا» بعناصر مصنفين كشبكة إجرامية، يعتقد الأمن الفرنسي أن عناصر منها لجأوا إلى الجزائر هروباً من الملاحقة في فرنسا.

المجموعة واحدة من أخطر وأكبر العصابات الإجرامية المنظمة في فرنسا، وتنشط بشكل مكثف في مدينة مرسيليا وجنوب فرنسا، وهي مسؤولة عن حروب شوارع دموية حصدت أرواح العشرات، على خلفية صراع نفوذ مرتبطة بالتهريب وتجارة السلاح والمخدرات أساساً.

ملصق لوثائقي تلفزيوني فرنسي حول شبكة «مافيا دي زاد» بمرسيليا

ورمز «DZ» مستوحى من النطاق الوطني للجزائر، وهو مرادف لكلمة «دزاير» أي الجزائر، لأن أغلب مؤسسي هذه العصابة وأفرادها يتحدرون من أصول جزائرية أو مغاربية من الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين في فرنسا، لكنها ليست عصابة نشأت في الجزائر، بل هي عصابة فرنسية المنشأ والنشاط.

وكانت باريس قد وجهت عدة طلبات للمساعدة القضائية المتبادلة إلى السلطات الجزائرية بهدف تحقيق تقدم في التحقيقات الخاصة بهذه الشبكة.

وقبل وصول دارمانان، قطع البلدان خطوات حاسمة على مسار العودة إلى الوضع الطبيعي، وذلك منذ زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر منتصف فبراير (شباط) الماضي، والتي أعادت إطلاق التعاون الأمني وفي مجال الهجرة، بعد أشهر من الانسداد التام.