المبعوث الأميركي لسوريا: هجوم تدمر يؤكد استمرار خطر «داعش»

مراقبون يرون الهجوم دليلاً جديداً على تضارب المصالح الدولية في سوريا

الجيش السوري الجديد خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد في دمشق يوم 8 ديسمبر (أ.ب)
الجيش السوري الجديد خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد في دمشق يوم 8 ديسمبر (أ.ب)
TT

المبعوث الأميركي لسوريا: هجوم تدمر يؤكد استمرار خطر «داعش»

الجيش السوري الجديد خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد في دمشق يوم 8 ديسمبر (أ.ب)
الجيش السوري الجديد خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد في دمشق يوم 8 ديسمبر (أ.ب)

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، إن الهجوم الذي أودى بحياة جنديَين أميركيَين ومترجم مدني في مدينة تدمر بوسط سوريا، أمس السبت، يؤكد استمرار خطر تنظيم «داعش» المتطرف، «ليس على سوريا فقط بل على العالم بأسره».

ونفذ الهجوم مسلح يشتبه في انتمائه إلى «داعش»، بينما قال متحدث باسم وزارة الداخلية إنه كان أحد المنتسبين لقوات الأمن السورية.

السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا توماس براك خلال مقابلة مع «رويترز» في بيروت يوليو 2025 (رويترز)

وقال براك في منشور على «إكس»، اليوم الأحد، إن استراتيجية الولايات المتحدة تتمثل في تمكين الشركاء السوريين بدعم أميركي عملياتي محدود من ملاحقة شبكات تنظيم «داعش» وحرمانها من الملاذات الآمنة ومنع عودتها إلى النشاط.

وأضاف: «يبقي هذا النهج المواجهة محلية، ويحد من تعرض الولايات المتحدة للمخاطر، ويتجنب حرباً أميركية واسعة النطاق أخرى في الشرق الأوسط». وأكد براك أن هجوم تدمر «لا يبطل هذه الاستراتيجية، بل يعززها».

تجمع في موقع هجوم بطائرة من دون طيار ببلدة بزاعة في ريف حلب حيث قتلت غارة أميركية زعيم تنظيم «داعش» في سوريا يوليو 2023 (أ.ف.ب)

وقال المبعوث الأميركي: «الإرهابيون يضربون تحديداً لأنهم يتعرضون لضغط متواصل من شركاء سوريين يعملون بدعم أميركي، بما في ذلك الجيش السوري بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ومع استمرار تحقيقاتنا وظهور وقائع جديدة، تبقى هذه الحقيقة دون تغيير».

ومضى يقول: «من خلال مواجهة تنظيم (داعش) وهزيمته على الأراضي السورية، فإن وجودنا العسكري المحدود بالشراكة مع القوات المحلية يحمي الولايات المتحدة فعلياً من تهديدات أكبر بكثير. منع عودة (داعش) في سوريا يقطع مسارات محتملة لتدفقات إرهابية عبر أوروبا وصولاً إلى سواحلنا».

هذا، وبينما تسعى العديد من الأطراف الدولية لتثبيت دعائم النظام الجديد في سوريا بشتى الطرق لأهداف بعضها

معلوم، والآخر خفي. حسب قول «وكالة الأنباء الألمانية»، جاء الهجوم الذي وقع في مدينة تدمر وسط البلاد ليعكس بوضوح هشاشة الوضع هناك، وكيف تحولت سوريا إلى فسيفساء من مناطق النفوذ التي تتصادم فيها مصالح دولية كبرى، وكأن أرضها باتت رقعة شطرنج كبيرة يتبارى فوقها لاعبون كثر.

قوات من الجيش السوري في أثناء عرض عسكري بدير الزور في 8 ديسمبر (إكس)

الهجوم الذي وجهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام فيه لتنظيم «داعش»، وسط تهديد بـ«رد ساحق»، يطرح من جديد مسألة سيادة الدولة واستباحة أراضيها، كما أنه يفرض تساؤلاً بشأن المنفذ الحقيقي للهجوم، لا سيما أن «داعش» لم يعلن مسؤوليته عنه، في ظل فرضيات عن أن منفذه ربما ينتمي لفصائل موالية لإيران بهدف الضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا.

في البيت الأبيض نوفمبر الماضي من اليسار: وزير الخارجية السوري وأحمد الشرع ونائب ترمب والمبعوث الأميركي إلى سوريا (أ.ف.ب)

وركزت شبكة «إيه بي سي» الأميركية، على أن هذا هو أول سقوط لقتلى أميركيين في أعمال قتالية منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، مستشهدة برد فعل الرئيس الأميركي على الهجوم، الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين بينهم عسكريان وإصابة آخرين. فترمب، تحدث عن مدى غضب الرئيس السوري أحمد الشرع من الهجوم، ولم تفته الإشارة إلى أنه وقع «في منطقة شديدة الخطورة من سوريا، لا تخضع لسيطرته الكاملة».

ووفقاً لشبكة «إيه بي سي» الأميركية، هذا هو الهجوم الأكثر دموية ضد الأميركيين في سوريا منذ عام 2019 عندما قتل أربعة منهم في هجوم انتحاري في مدينة منبج شمال البلاد.

وأشارت الشبكة إلى أنه «قبل يوم السبت، كان هناك 10 قتلى من الجيش الأميركي في سوريا، بما في ذلك مزيج من القتلى في عمليات عدائية وغير عدائية. وسقط آخر قتيل من الجيش الأميركي بسوريا في عملية غير عدائية في فبراير (شباط) 2022».

أرشيفية لقافلة عسكرية أميركية على طريق في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 30 يناير 2025 (أ.ب)

من جهتها، لفتت صحيفة «الغارديان» البريطانية إلى أن الهجوم على القوات الأميركية في تدمر هو الأول الذي يسفر عن سقوط ضحايا منذ الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد قبل عام.

وبينما لا يزال الغموض يكتنف هوية منفذ هجوم تدمر، حيث أعلنت السلطات السورية أنها تحقق فيما إذا كان ينتمي لتنظيم «داعش» أم أنه كان يحمل فقط آيديولوجيته المتطرفة، وازداد الغموض مع إعلان المتحدث باسم الداخلية السورية في تصريحات تلفزيونية عن تحذيرات مسبقة من جانب قيادة الأمن الداخلي في منطقة البادية من احتمال حدوث اختراق أو هجمات متوقعة لـ«داعش»، بينما نقلت عنه شبكة «سي إن إن» الإخبارية، أن المهاجم «كان معروفاً للسلطات قبل الهجوم الدموي».

جنود من الجيش السوري وبحوزتهم قاذف مضاد للدروع خلال عرض عسكري بحلب في الذكرى الأولى للإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد (الدفاع السورية)

وتنشر الولايات المتحدة مئات الجنود في شرق سوريا بوصفه جزءاً من التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، الذي انضمت إليه سوريا الشهر الماضي. وحتى شهر أبريل (نيسان) الماضي، كان لدى الولايات المتحدة نحو 2000 جندي متمركزين في سوريا للمشاركة في مهام استشارية وتدريبية والمساعدة على مكافحة «داعش»، وفقاً لصحيفة «بوليتيكو» الأميركية.

ويرى كثيرون أن هجوم تدمر يمثل علامة استفهام كبيرة بشأن طبيعة الهدف، لا سيما أن استهداف الأميركيين جاء في الوقت الذي تتواصل فيه التوغلات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، بصورة يرى الكثير من السوريين فيها احتلالاً لأراضيهم. وتروج إسرائيل لرواية أنها تستهدف من وراء ذلك قطع طرق الإمداد الإيرانية وتأمين حدود الجولان، لكن مراقبين يرون أن ذلك يجعل الجنوب السوري منطقة نفوذ إسرائيلية مباشرة بعيداً عن سيادة الدولة السورية.

رجال متهمون بالانتماء لتنظيم «داعش» في سجن بشمال شرقي سوريا في مارس الماضي (نيويورك تايمز)

وربما تكتمل الصورة إذا ما انضمت إليها مساعي تركيا لفرض هيمنتها على مدن الشمال السوري، إذ تعتبر أنقرة «وحدات حماية الشعب الكردية» امتداداً لحزب «العمال الكردستاني»، الذي تصنفه منظمة إرهابية لديها، وتخشى من أن يشكلا معاً تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها على الحدود. وتقول تركيا إنها تعمل على إنشاء «منطقة خالية من الإرهاب»، عبر دمج الأكراد السوريين ضمن هياكل الدولة السورية بوصفه جزءاً من حل سياسي.

وفي ظل أحداث طائفية تطل برأسها بين الفينة والأخرى، وتهدد بتمزيق النسيج الوطني السوري، ووسط المآرب المختلفة لقوى دولية وإقليمية كبرى، يساور الكثير من السوريين القلق بشأن مصير بلدهم، وتزداد المخاوف من أن يكون ما يحدث حالياً هو عبارة عن تقسيم غير معلن للبلاد.


مقالات ذات صلة

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي  تشييع 4 عناصر أمن مساء الثلاثاء في كمين على طريق سلمية-أثريا من مشفى حماة الوطني بحضور رسمي وشعبي (مراسل الأمن في حماة)

محافظة حماه تشيّع 4 من عناصر أمن قضوا في كمين بريف السلمية

شيعت محافظة حماة، الأربعاء، 4 من عناصر أمن الطرق بوزارة الداخلية السورية، قضوا في كمينٍ خلال أداء مهامهم على طريق سلمية-أثريا، بريف حماة الشرقي ليل الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي  وحدات الأمن الداخلي في مدينة الحسكة تنتشر في شوارع المدينة الثلاثاء في إطار تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به وحظر إطلاق النار تحت أي ظرف (مديرية إعلام الحسكة)

الأمن الداخلي في شوارع الحسكة يطبق قرار حظر حمل السلاح وإطلاق النار

يأتي هذا الإجراء بعد أيام من التوتر على خلفية أعمال شغب نفذها مسلحون في مدينة الحسكة استدعت الاستنفار الأمني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي إزالة الركام والنفايات من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق ديسمبر 2025 ضمن حملة واسعة تنفذها لجنة المخيم بالتعاون مع الدفاع المدني السوري (بواية اللاجئين الفلسطينيين)

تقرير حقوقي يحذر من طمس آثار الجرائم بإزالة الأنقاض في سوريا

حذر تقرير حقوقي من إزالة الأنقاض في المدن والبلدات السورية، ما قد يؤدي لفقدان أدلة مرتبطة بالانتهاكات المرتكَبة خلال سنوات الحرب تُعرقل جهود التحقيق والمساءلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص سجناء سابقون في سجن تدمر يحيون خلال يونيو 2026 ذكرى «مجزرة حماة» أمام مبنى السجن الذي شهد اعتقال وإعدام كثير من «إخوان سوريا» وأحزاب يسارية وقومية (متداولة - فيسبوك)

خاص تحرك لإلغاء تجريم «الإخوان» يفتح ملف عودتهم السياسية في سوريا

يتحرك أعضاء في مجلس الشعب السوري لجمع التواقيع اللازمة لتقديم مقترح بإلغاء «القانون رقم 49 لعام 1980»، الذي يجرّم الانتماء إلى جماعة «الإخوان المسلمين»...

سعاد جرَوس (دمشق)

العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
TT

العراق يرجح حسم ملف القوات التركية خلال 3 أشهر

جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)
جنود أتراك في قاعدة «زليكان» شمالي العراق (واع)

رجح صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، حسم ملف القوات التركية الموجودة شمالي البلاد خلال 3 أشهر.

وتتمركز القوات التركية في قاعدة زليكان، على جبل ناحية بعشيقة التي تبعد نحو 30 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الموصل، كما أنها تنتشر في نقاط ومواقع عديدة شمالي البلاد قرب الحدود المشتركة.

وقال النعمان، في تصريحات صحافية، الأربعاء، إن حكومة بلاده «وضعت جدولاً زمنياً للتحرك خلال الشهرين إلى الأشهر الثلاثة المقبلة لإنهاء الوجود العسكري التركي في القواعد المقامة شمالي البلاد، وإن الترتيبات الخاصة بتسلم القواعد العسكرية تجري بصورة تدريجية».

ورغم تأكيد النعمان أن «التوجه الحكومي النهائي يتمثل في إنهاء وجود القواعد والقوات الأجنبية على كامل الأراضي العراقية، بما يعزز السيادة الوطنية واستقلال القرار الأمني»، لكنه لم يبين ما إذا كان الانسحاب التركي يشمل جميع قواعده ونقاط سيطرته في العراق، أم أنه يقتصر على قاعدة زليكان العسكرية.

وتشغل القوات التركية، حسب تقارير محلية، نحو 130 نقطة تفتيش تنتشر داخل الحدود العراقية وعلى الشريط الحدودي بين البلدين.

وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد عقد قمة ثنائية في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأسفرت عن اتفاق يقضي بـ«الإخلاء التدريجي» للقوات التركية من قاعدة زليكان على أن يبدأ رسمياً في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) ونقل السيطرة وإخلاء المعسكر لصالح الحكومة الاتحادية في بغداد وفق جدول زمني وآلية متفق عليها.

قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)

معضلة سنجار

ولطالما ربط الجانب التركي عملية إخلاء القاعدة بمسار التقدم الأمني الذي تحرزه بغداد في قضاء سنجار شمال محافظة نينوى، حيث تشترط أنقرة أن تقوم الحكومة العراقية ببسط سلطتها في القضاء وطرد العناصر المسلحة، لا سيما أجنحة «العمال الكردستاني» التي لم تلتزم بقرار حل الحزب وتسليم الأسلحة الذي اتخذه زعيمه عبد الله أوجلان نهاية فبراير (شباط) 2025.

ويعود تاريخ بدء الوجود والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق لملاحقة عناصر حزب العمال إلى أواسط عام 1983، حيث وقّعت بغداد وأنقرة اتفاقية «التعاون وأمن الحدود»، التي سمحت حينها للقوات التركية بالتوغل لمسافة محدودة داخل الأراضي العراقية لمطاردة عناصر الحزب.

ورغم عدم وضوح موقف السلطات العراقية بعد عام 2003، من اتفاقية «التعاون وأمن الحدود»، فإن قيام تركيا بإنشاء قاعدة زليكان التي تبعد نحو 150 كيلومتراً عن الحدود التركية، كانت لسنوات طويلة إحدى أبرز نقاط الخلاف والتوتر الدبلوماسي بين بغداد وأنقرة.

واعتبرت الحكومات العراقية المتعاقبة الوجود العسكري التركي فيها انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية.

وأنشأت تركيا القاعدة أواسط عام 2015، وفق ترتيبات محلية مع سلطات إقليم كردستان وليس الحكومة الاتحادية في بغداد، تحت مزاعم تدريب القوات المحلية في محافظة نينوى وتأهيلهم للمشاركة في الحرب ضد تنظيم «داعش» الذي سيطر على أجزاء واسعة من البلاد وضمنها محافظة نينوى عام 2014.


لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
TT

لاكروا في بيروت: تمسّك ببقاء «يونيفيل» ورفض الفراغ الدولي في الجنوب

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية)

مع اقتراب انتهاء ولاية قوات الـ«يونيفيل» في جنوب لبنان، تصدّر هذا الموضوع محادثات وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا مع المسؤولين اللبنانيين، في جولة شملت رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وعكست المواقف اللبنانية توافقاً رسمياً على ضرورة عدم ترك الجنوب أمام فراغ أمني ورقابي بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» بصيغتها الحالية، مع التشديد على أهمية استمرار الدور الدولي في دعم الاستقرار ومساعدة لبنان على استعادة سيادته الكاملة.

عون: متمسكون ببقائها

وأكد الرئيس عون، خلال استقباله لاكروا، أن «لبنان متمسك ببقاء القوات الدولية العاملة في الجنوب (يونيفيل)، نظراً إلى أهمية ما قامت به منذ بدء مهمتها حتى اليوم».

وشدد على أن «انسحاب قوات (يونيفيل) سيترك فراغاً له انعكاسات سلبية على الوضع الأمني في المنطقة، فضلاً عن أن المنطقة ستخلو من أي رقابة دولية على ما يجري فيها». وأشار إلى أن «هذه القوات تؤدي أيضاً أدواراً اجتماعية وإنسانية وصحية وتربوية، عززت العلاقة بينها وبين المواطنين الجنوبيين الذين يرتاحون لوجودها ويثقون بدورها ويتمسكون ببقائها في بلداتهم وقراهم».

وأعرب رئيس الجمهورية عن أمله في أن «يتجاوب مجلس الأمن مع الطلب الذي تقدم به لبنان للإبقاء على المهمة العملانية لـ(اليونيفيل) خلال السنة المقبلة، ولا سيما إذا تحقق انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية وانتشر الجيش اللبناني، الذي سيكون في حاجة إلى الاستفادة من الخدمات الإنسانية واللوجستية التي تقدمها القوات الدولية».

من جهته، قال لاكروا إن «الوضع الميداني لا يزال معقداً، في ظل استمرار الأنشطة العسكرية وتأثر السكان بها بشدة»، مؤكداً أنه «من المهم، بل من الضروري، أن يُسمع صوت لبنان في المناقشات داخل مجلس الأمن، باعتبار أن لبنان هو الدولة المعنية مباشرة بهذا الموضوع».

وأضاف أن «الأمم المتحدة لا تزال قادرة على أداء دور في دعم الجهود الرامية إلى إعادة الاستقرار إلى لبنان والمنطقة واستعادة السيادة الكاملة للبنان»، مشيراً إلى أن الخيارات التي عرضها الأمين العام بشأن استمرار الوجود الأممي بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» لا تزال مطروحة، وأن مواقف السلطات اللبنانية، ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار.

بري: موقف موحّد

بدوره، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري، خلال لقائه لاكروا والوفد المرافق، «وحدة الموقف الرسمي اللبناني لجهة التمسك بوجود القوات الدولية ومهمتها تنفيذاً للقرار 1701»، في ظل مواصلة إسرائيل حربها على لبنان وخرقها القرار الأممي.

وتناول اللقاء مفاعيل القرار 2790 والمطالب اللبنانية المتعلقة بمستقبل القوات الدولية، ودورها في مراقبة الحدود الدولية على امتداد الخط الأزرق وتصحيح مساره، ولا سيما في النقاط الخلافية التي يتحفظ عليها لبنان، إضافة إلى توثيق الخروقات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً لاكروا (الوكالة الوطنية للإعلام)

ونوّه بري بـ«جهود وتضحيات قوات (اليونيفيل) طوال ما يقارب نصف قرن من مهمتها في الجنوب، والتي تجاوزت الدور الأمني والعسكري إلى أدوار إنسانية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وإلى العيش المشترك بين أفرادها والمجتمع المحلي». وشدد على أن «لبنان سيستمر بمساعيه على مختلف المستويات من أجل صون حقوقه السيادية وحماية حدوده وتحرير آخر ذرة من أرضه من الاحتلال الإسرائيلي»، مشيراً إلى «وجود إجماع» وتحرك برلماني لبناني باتجاه المجتمع الدولي والأمم المتحدة في هذا الإطار.

سلام: لا فراغ

وأكد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، خلال استقباله لاكروا، «رفضه حصول أي فراغ بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل) بصيغتها الحالية»، مشدداً على «حاجة لبنان إلى قوة دولية تتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل».

وأبدى سلام «انفتاح لبنان على البحث في أي صيغة دولية جديدة لهذه القوة، مع التمسك بضرورة أن يكون تفويضها صادراً عن مجلس الأمن الدولي».


«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
TT

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)
محطة وقود في دمشق تعرض الأسعار في أعقاب الزيادة الأخيرة التي أثارت احتجاجات في عدة مدن سورية (رويترز)

أيقظ مشهد طفلة في محافظة الحسكة (شمال شرقي) تجمع روث الحيوانات لاستخدامه في التدفئة ذاكرة المعاناة من برد الشتاء خلال سنوات الحرب في سوريا، وسط مؤشرات اقتصادية تنذر بتجدد وتفاقم الأزمات المعيشية، من جراء ارتفاع أسعار المحروقات وتفاعل قضية «البنزين المغشوش» وتدني قيمة الليرة وما أثارته من مخاوف معيشية.

وأظهر مقطع فيديو يتم تداوله على نطاق واسع طفلة في ريف محافظة الحسكة، تجمع روث الحيوانات من الأراضي الزراعية بهدف تحويله إلى وقود «جلة» كوسيلة من وسائل التدفئة البدائية، مع اقتراب فصل الشتاء وعدم توفر المازوت لأنه «غالٍ» حسب تعبيرها.

هذا المشهد ذّكر فاطمة حميد (49 عاماً) بأول شتاء لها بعد التهجير من دير الزور إلى صحنايا بريف دمشق، لتسكن مع أطفالها الثلاثة في قبو بارد ومعتم لعدة سنوات لم تعرف خلالها الدفء.

تقول فاطمة إن ذكرى تلك الأيام السوداء أحياها رفع سعر المازوت والحديث عن توفير نوع رخيص بجودة أقل للتدفئة، وتضيف: (أيام الأسد) كانوا يبيعونا بالتقطير مازوت أسود طين للمدافئ يخنقنا برائحته»، ونخشى اليوم من أن يكون المازوت الرخيص الذي يتحدثون عنه مثل البنزين الأحمر الذي عطل السيارات.

رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الطاقة السورية رفعت أسعار المازوت والمشتقات النفطية سبتمبر (أيلول) الماضي بنسبة 40 في المائة، وحُدد سعر لتر المازوت (الديزل) بـ175 ليرة سورية من 125 ليرة. ثم طرحت لاحقاً مازوت مدعوماً أقل جودة للتدفئة والزراعة بـ115 ليرة سورية.

وسجلت قيمة الليرة تراجعاً أمام الدولار لتتجاوز 141 ليرة، الثلاثاء، بعد استقرار أشهر عند معدل 130 ليرة. وقد وضع اقتصاديون هذا التراجع في إطار التضخم الناجم عن قرار رفع سعر المحروقات.

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف، معلناً «البدء بربط وتفريغ ناقلة مازوت بسعة 16 ألف طن في ‏مستودعات ميناء بانياس، فيما تنتظر ناقلة ثانية دورها للتفريغ تلبية ‏للطلب المتزايد على مادة المازوت مع اقتراب فصل الشتاء».

مستودع حمص للمشتقات النفطية (الشركة السورية للمحروقات سادكوب)

وقال صطوف في تصريح لوكالة (سانا) الرسمية، إن الشركة ‏اتخذت مجموعة من الإجراءات أبرزها التنسيق مع مصفاة حمص لزيادة الكميات ‏المنتجة والمباشرة بتوريد المادة بسعر 150 ليرة سورية للتر ‏الواحد لجميع المحافظات بهدف سد النقص الحاصل، وإنتاج ‏كميات جديدة بسعر 115 ليرة سورية للتر الواحد ‏في مصافي الحسكة والاستفادة من المخزون المتبقي في مستودعي ‏تشرين وبانياس، متوقعاً «تحسن استقرار مادة المازوت في السوق مع ‌‏انتظام التوريدات وعودة مصفاة بانياس إلى العمل».

وما تزال قضية طرح كمية من «البنزين المغشوش» في الأسواق السورية تتفاعل منذ مطلع الشهر الحالي، وجاءت عقب أزمة في توفر المادة وارتباك حاد بسبب رفع أسعار البنزين (أوكتان 90) إلى 185 ليرة، و(البنزين أوكتان 95) إلى 195 ليرة.

من الصور المتداولة للبنزين المغشوش في سوريا

وأفاد عامل في إحدى محطات تزويد الوقود في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، بأن كميات البنزين المغشوش سحبت من جميع المحطات الحكومية «سادكوب» وتم البدء بتزويدها بنوع نظيف، منذ فجر الثلاثاء، بكميات مطابقة للمواصفات بعد التأكد في المصدر وفي موقع التسليم بدمشق، وهذا الأمر الذي أخر التوريدات إلى المحطات في العديد من المحافظات، نافياً وجود أزمة في توفر المادة، داعياً المواطنين إلى التزود بالبنزين من المحطات الحكومية حالياً، ريثما يتم الانتهاء من سحب كامل كمية البنزين المغشوش من باقي محطات القطاع الخاص.

وكان عضو لجنة المحروقات في مجلس الشعب السوري خالد جمال الخلف، طالب بإقالة ومحاسبة مدير شركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، وقال خلال مداخلة له على شاشة القناة الإخبارية السورية، الأحد الماضي، إن القبلاوي يتحمل كامل المسؤولية عما وصفه بـ«كارثة البنزين المغشوش» نظراً لحجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمركبات المواطنين.

صورة تعبيرية من فيسبوك لمحل ميكانيك

فادي الأكرم كان في ورشة لتصليح السيارات بدمشق يحاول شفط البنزين المغشوش من سيارته، والكشف عن الأضرار التي ألحقها بالمضخة، وقال إن خسارته الأولية مليونا ليرة ثمن البنزين فقط، أما إصلاح الأضرار فربما تصل إلى خمسة ملايين متسائلاً عمن يتحمل تعويضها؟

ولم تعلن نتائج التحقيقات في قضية «البنزين المغشوش» التي سبق أن قالت الشركة السورية للمشتقات النفطية «سادكوب» إنها تجريها لتحديد مصدر المادة المخالفة، وكيفية وصولها إلى المحطات، وفق بيان أصدرته لدى تزايد الشكاوى، أكدت فيه أن نتائج العينات التي تم سحبها من مراحل مختلفة من سلسلة الإمداد، أظهرت مطابقتها للمواصفات المعتمدة، مع الإقرار برصد حالات لوجود مادة غير مطابقة للمواصفات في السوق المحلية.