العراق: السوداني متمسك بالولاية الثانية والكرد برئاسة الجمهورية

عنصر من قوات الأمن العراقية يؤمّن أحد مراكز الاقتراع خلال الانتخابات البرلمانية في بغداد (د.ب.أ)
عنصر من قوات الأمن العراقية يؤمّن أحد مراكز الاقتراع خلال الانتخابات البرلمانية في بغداد (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني متمسك بالولاية الثانية والكرد برئاسة الجمهورية

عنصر من قوات الأمن العراقية يؤمّن أحد مراكز الاقتراع خلال الانتخابات البرلمانية في بغداد (د.ب.أ)
عنصر من قوات الأمن العراقية يؤمّن أحد مراكز الاقتراع خلال الانتخابات البرلمانية في بغداد (د.ب.أ)

في الوقت الذي حذّر الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، بزعامة مسعود بارزاني، من محاولات جارية للتلاعب بنتائج الانتخابات، خصوصاً في مقاعد «الكوتا»، تلقت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات 36 طعناً عقب إعلان النتائج النهائية يوم السبت الماضي.

وجاء تحذير الحزب «الديمقراطي الكردستاني» على خلفية مساعٍ تبذلها جهات سياسية، بما في ذلك المحافظات المختلطة (شيعياً وكردياً وسنياً) مثل ديالى وواسط، فضلاً عن بعض مناطق المحافظات المتنازع عليها بموجب الدستور، وهي كركوك ونينوى وصلاح الدين، بهدف التأثير على المقاعد المخصصة للمسيحيين والكرد الفيليين. وعدّ الحزب هذه المحاولات «مرفوضة تماماً»، محذراً من اتخاذ موقف سياسي جاد إذا ما جرى التلاعب أو تغيير النتائج التي أعلنتها المفوضية.

مسؤولو الاقتراع العراقيون يقومون بفرز الأصوات في مركز اقتراع في شرق بغداد (أ.ف.ب)

إلى ذلك، أكد الدكتور رائد فهمي، سكرتير الحزب «الشيوعي العراقي» والقيادي في التيار المدني، أن «الانتخابات افتقرت وبشكل صارخ وغير مسبوق إلى مقومات العدالة والحدود الدنيا من التكافؤ». وقال فهمي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «المال السياسي استخدم في هذه الانتخابات بشكل مفرط من قبل القوى والأحزاب القابضة على المال والسلطة والسلاح؛ حيث جرى شراء الأصوات بصورة مكشوفة وعلى نطاق واسع، من دون اتخاذ إجراءات رادعة».

وأضاف فهمي، وهو أحد المرشحين الخاسرين في الانتخابات، أن «من أبرز الأسباب التي أدّت إلى خسارة التيارات والقوى المدنية هو قانون الانتخابات نفسه، ونظام (سانت ليغو)، فضلاً عن استخدام موارد الدولة بشكل غير مسبوق من قبل مرشحين يشغلون مواقع عليا، إضافة إلى أحزاب تمتلك أذرعاً مسلحة، في مخالفة صريحة لما نص عليه قانون الانتخابات».

وأوضح فهمي أنه «إلى جانب ذلك، يجب الإقرار بأن القوى المدنية، بما فيها (الحزب الشيوعي)، لم تنجح في إقناع الجمهور العازف والمقاطع للعملية الانتخابية، وقد يعود ذلك إلى مجموعة من العوامل التي تخضع حالياً للدراسة».

وعن سبب عدم خوض التيار المدني الانتخابات ضمن تحالف موحد، قال فهمي إن «التيار المدني يتكون من قوى وأحزاب وجمعيات وشخصيات ثقافية وأكاديمية وحركات، وقد جرت بالفعل محاولات لتوحيد الجهود، وما زلنا نعمل على ذلك، رغم استمرار وجود صعوبات تتمثل في تعدد مراكز القرار، وعدم تقديم تنازلات متبادلة لتجاوز الاعتبارات الذاتية وغيرها من العوامل الأخرى».

جدل الولاية الثانية

في الأثناء، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني رغبته في تولي رئاسة الحكومة المقبلة، عادّاً أن الحصول على ولاية ثانية ليس طموحاً شخصياً بقدر ما هو استحقاق انتخابي ناتج عن فوز كتلة «الإعمار والتنمية».

وقال السوداني، خلال مشاركته في ندوة حوارية على هامش منتدى السلام والأمن في الشرق الأوسط بدورته السادسة، الذي تنظّمه الجامعة الأميركية في دهوك، إن «نتائج الانتخابات لم تكن في أي دورة سابقة هي الفيصل والحاكم في تشكيل الحكومة». ورغم تأكيده أنه لا يزال جزءاً من «الإطار التنسيقي» الشيعي، أوضح أنه «سيباشر الحوارات مع باقي الكتل السياسية للتأسيس للاستحقاقات الدستورية وتشكيل الرئاسات، وهو المسار الذي نؤمن به».

وأضاف السوداني، الذي تحوّلت حكومته إلى حكومة تصريف أعمال يومية، أن «مسألة الولاية الثانية ليست طموحاً شخصياً بقدر ما هي استعداد لتحمل المسؤولية واستكمال المشروع الذي بدأناه، والمنجز المتحقق على الأرض، وفوز مستحق للكتلة التي حصدت المرتبة الأولى في هذه الانتخابات، وهي كتلة الإعمار والتنمية، إضافة إلى ما نمتلكه من مشروع للمرحلة المقبلة».

وجدّد السوداني رغبته في تولي رئاسة الوزراء ولاية ثانية، غير أن «ائتلاف دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ينفرد برفض التجديد للسوداني لولاية ثانية دون باقي قوى «الإطار التنسيقي».

وقال القيادي في الائتلاف علاء الحدادي، في تصريح صحافي الأربعاء، إن «كل كتلة داخل (الإطار) تمتلك طموحاً بأن يكون مرشحها هو رئيس الوزراء، إلا أن السياق العام داخل (الإطار) يقوم على التشاور والمداولة، وليس على فرض الإرادات».

وأوضح أن «اعتراض أي طرف رئيسي داخل (الإطار) على مرشح ما قد يؤدي إلى استبعاده، لأن الهدف الأهم هو الحفاظ على وحدة (الإطار) وقابليته السياسية، وتجنب طرح شخصية مثيرة للجدل».

مؤيدو رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يحتفلون عقب إعلان النتائج الأولية للانتخابات في بغداد (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أعلن الكرد تمسّكهم بمنصب رئيس الجمهورية، في وقت أبدت قيادات سنية رغبتها في أن يكون المنصب هذه المرة من نصيب عربي سنّي، مقابل تسلُّم الكرد رئاسة البرلمان.

وفي السياق نفسه، شدّد وزير الخارجية العراقي والقيادي في الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، فؤاد حسين، في تصريح صحافي على أن «منصب رئيس جمهورية العراق المقبل من حصة الكرد، وسيبقى كذلك».


مقالات ذات صلة

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

المشرق العربي عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

تواجه الحكومة العراقية اختباراً لجهودها في حصر السلاح بيد الدولة، مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل مسلحة فيها

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسك الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت؛ استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي سفن في مضيق «هرمز» كما تظهر من مسندم بعمان 19 أكتوبر الحالي (رويترز)

بغداد تقلل من تأثير قطع كابلات الإنترنت في «هرمز»

قلل وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند من المخاوف المتعلقة باحتمالات استهداف أو قَطع خطوط الكابلات البحرية والإنترنت عبر إيران أو مضيق هرمز.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي يؤدي اليمين الدستورية وإلى جانبه رئيس الحكومة علي الزيدي وخلفهما وزراء جدد (إعلام حكومي)

مبادرة عراقية تهاجم «توزيع الغنائم» في حكومة الزيدي

ما زالت قضية إكمال الكابينة الحكومية لرئيس الوزراء علي الزيدي، التي صوَّت عليها البرلمان الاتحادي الخميس الماضي، تثير المزيد من مشاعر الإحباط.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيَّرات ضُبطت بالمحافظة (إعلام أمني)

كييف تنفي نشر آلاف المسيَّرات في سماء العراق

نفت السفارة الأوكرانية في العراق ما وصفتها بـ«الادعاءات» الإيرانية عن قيام كييف بنشر آلاف الطائرات المسيَّرة في العراق.

فاضل النشمي (بغداد)

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

تواجه الحكومة العراقية اختباراً لجهودها في حصر السلاح بيد الدولة، مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل مسلحة فيها، بما يهدد مساعي بغداد لإبعاد البلاد عن صراع إقليمي.

تأتي هذه المخاوف في وقت تتحدث فيه تقارير أميركية وإسرائيلية عن إعداد خطط لاستئناف الضربات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.

ويضع هذا الاحتمال حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام معادلة معقدة؛ منع استخدام الأراضي العراقية في أي مواجهة جديدة، والحفاظ على العلاقات مع واشنطن، في وقت لا تزال فيه فصائل تحتفظ بقدرات عسكرية وقرار عملياتي مستقل عن الحكومة، وفق مراقبين.

كان الزيدي قد عرض، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» خلال زيارته نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي، خطة مرحلية لحصر السلاح بيد الدولة، تنتهي في 30 يونيو (حزيران) 2027، بعدما كان الموعد السابق المحدد لذلك هو 30 سبتمبر 2026.

وتقوم الخطة، وفق ما أعلنه الزيدي، على مرحلة أولى تمتد 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن مهاجمة المصالح الأميركية أو دول الجوار، مقابل امتناع القوات الأميركية عن استهدافها، قبل الانتقال إلى تسليم الأسلحة تدريجياً خلال الأشهر الستة التالية.

لكن الإعلان عن الجدول الزمني لم ينهِ الخلافات بشأن آليات التنفيذ، خصوصاً مع استمرار رفض فصائل نافذة التخلي عن سلاحها، وربط بعضها ذلك بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي. كما أن المواقف المعلنة بشأن حصر السلاح لا تعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم على تسليم الأسلحة الثقيلة أو الصواريخ والطائرات المسيّرة.

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

احتمالات التصعيد

يقول طالب محمد كريم، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن طبيعة الضربة الأميركية ومدى مشاركة إسرائيل فيها سيكونان عاملين حاسمين في تحديد مستوى انخراط الفصائل العراقية.

ويضيف أن اتساع الحرب ليشمل ضربات إسرائيلية مباشرة ضد إيران سيجعل انتقال بعض الفصائل من استهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة إلى استهداف العمق الإسرائيلي «أكثر جدية»، بما قد يفتح الباب أمام عمليات متبادلة وتوسع جغرافي للمواجهة.

ويرى كريم أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على ضبط الفصائل، بل تشمل منع استخدام الأراضي العراقية في الحرب وحماية السيادة والمصالح الوطنية وفقاً للدستور.

من جهته، يرجح غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية، أن يكون تدخل الفصائل، إذا تجددت الحرب، غير مباشر في البداية، عبر استهداف المصالح الأميركية في الخليج العربي.

ويقول الدعمي لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل أعلنت استعدادها للمشاركة إلى جانب إيران إذا اندلعت الحرب مجدداً، لكنها قد تجد نفسها في «ورطة» إذا اختارت المشاركة الصريحة والمعلنة.

أما عبد الرحمن الجبوري، المتخصص في الشأن الأميركي، فيرى أن حسابات الفصائل لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الحكومة العراقية، مشيراً إلى أن «كتائب حزب الله» تعمل وفق عقيدتها السياسية المرتبطة بشكل مباشر بالمرشد الإيراني.

ويعتبر الجبوري أن «موقف الزيدي لا يلزم هذه الجماعات، وأن بعضها يؤكد التزامه بالهدنة، لكنه لم يغير نظرته إلى الولايات المتحدة بوصفها عدواً».

الفصائل العراقية تضع شروطاً لحصر السلاح (إكس)

تباين داخل الفصائل

لا يتوقع باسل حسين، رئيس مركز «كلواذا» للدراسات السياسية، أن تتعامل الفصائل العراقية مع أي تجدد للحرب بين واشنطن وطهران بموقف موحد.

ويقول حسين لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل الأوثق صلة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء»، قد تربط قرارها بحسابات طهران، وتوسع عملياتها لتشمل المصالح الأميركية ومنشآت الطاقة في المنطقة.

ويرجح حسين أن تنأى بنفسها الفصائل التي أعلنت التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، ومنها «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، وإن كان ذلك لا يحسم وحده طبيعة موقفها إذا اتسعت الحرب.

ويضيف أن الاختبار الأصعب سيواجه حكومة الزيدي، لأن تجدد المواجهة قد يمنح الفصائل الرافضة للتخلي عن سلاحها ذريعة إضافية للتمسك به، فضلاً عن تعريض العراق لردود أميركية وإقليمية.

من جانبه، يطرح عباس عبود، الباحث والأكاديمي، مسارين محتملين أمام الفصائل: الالتزام بالاتفاق مع الحكومة، الذي يقوم على حصر السلاح أولاً بيد القائد العام للقوات المسلحة، ثم تسليمه على مراحل، أو الانخراط في عمليات تستهدف المصالح الأميركية داخل العراق أو خارجه.

ويحذر عبود من أن المسار الثاني قد ينسف برنامج الحكومة الأساسي، قائلاً إن دخول الفصائل الحرب إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة سيضع بغداد أمام تداعيات أمنية وسياسية كبيرة، وقد يجر البلاد إلى المواجهة «رغماً عنها وعن قرارها السياسي».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

ضغوط اقتصادية وسيادية

وفي المقابل، يرى هاني عاشور، الباحث السياسي، أن «تأكيد الزيدي حصر السلاح بيد الدولة وإسناد قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الدستورية يعكس الموقف الرسمي العراقي الرامي إلى تجنب الدخول في أي مواجهة إقليمية جديدة».

ويقول عاشور لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب الأميركية ـ الإيرانية تهدد بخلط الأوراق في المنطقة، بينما يحاول العراق النأي بنفسه عنها قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها.

ويضيف أن الحكومة لن تسمح، وفق تقديره، بانخراط الفصائل في الحرب تحت أي ذريعة، مشيراً إلى أن عدداً منها أعلن بالفعل حصر سلاحه بيد الدولة.

لكن هذا التقدير يبقى رهناً بقدرة الحكومة على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات فعلية، في ظل تفاوت مواقف الفصائل بشأن تسليم السلاح، واستمرار الخلاف على توقيت التنفيذ وشروطه.

وفي هذا السياق، يرى فلاح المشعل، الباحث في الشأن السياسي، أن إنذارات الحكومة الموجهة إلى من يروجون للسلاح خارج نطاق الدولة تنسجم مع المنهاج الوزاري للزيدي، مشيراً إلى أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالتحريض أو الأفعال الإرهابية قد تصل عقوباتها إلى الإعدام، وفقاً للقوانين النافذة.


لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
TT

لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

توسّعت دائرة الملاحقات القضائية في ملف شحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، مع صدور مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق شخصين تواريا عن الأنظار بعد استدعائهما للتحقيق، فيما تواصل مخابرات الجيش وشعبة المعلومات تدقيق المعطيات المستخرجة من هواتف مرتبطة بالقضية، وسط استمرار تعذّر إحضار مسؤولين في الحزب سبق أن صدرت بحقهما مذكرتا إحضار، ورفض الحزب تسليم المطلوبين ومطالبته باستعادة الشاحنة وحمولتها.

مذكرتا بحث وتحرٍّ وأسماء جديدة

وتترافق التحقيقات الأولية مع قرارات تتناسب مع مستجداتها، وكشف مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، أن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، «سطّر مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق زوجة الموقوف هيثم أمهز، وصاحب الشاحنة التي نقلت المتفجرات، بعدما جرى استدعاؤهما للتحقيق أمام مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، لكنهما امتنعا عن الحضور، وتواريا عن الأنظار». وأكد أن التحقيق «شهد تقدماً في مسألة تحديد أسماء جديدة للاشتباه في علاقتها بشحنة المتفجرات».

ويُمثل هذا الإجراء تطوراً جديداً بمسار التحقيق الأمني، الذي لا تزال يلاحق المعلومات المتصلة بالشحنة والأشخاص المرتبطين بنقلها. كما يضيف اسمين إلى دائرة المطلوبين، في وقت لم تُنفذ فيه مذكرتا الإحضار الصادرتان بحق مسؤولين في الحزب يُعرفان باسمَي «ساجد» و«ذو الفقار».

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة ببيروت اعتراضاً على توقيف الضالعين بنقل المتفجرات (المركزية)

رفض تسليم المطلوبين والمطالبة باستعادة المتفجرات

ورغم التطورات التي تشهدها القضية، لا يزال الحزب يُطالب الدولة بإعادة الشاحنة وحمولتها من المتفجرات، بالتوازي مع رفضه إتاحة مثول مسؤوليه وعناصره المطلوبين أمام التحقيق. ولا يكتفي بهذا الرفض، بل رفع مستوى تحدّيه للدولة اللبنانية، إذ اعتبر أن «أي محاولة لتوقيف مسؤول أو عنصر تابع له سيجري التعامل معها بوصفها عدواناً إسرائيلياً».

في المقابل، أكد المصدر القضائي أن التحقيق الأولي «مستمر في المسارين المعتمدين، أمام مخابرات الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بما يُشير إلى مواصلة العمل على الملف رغم عدم حضور الأشخاص المستدعين». ولم يربط المصدر استمرار التحقيق بتسليم المطلوبين، بل شدد على أن «الإجراءات لا تزال جارية حتى نهايتها».

تدقيق في الهواتف والاتصالات

وأوضح أن تفريغ هواتف الموقوفين علي الكردي وهيثم أمهز، إضافة إلى هاتف زوجة الأخير «وفّر معلومات يجري التحقق منها ومقاطعتها مع معطيات محددة». وقال: «تبقى هذه المعلومات في إطار التدقيق، من دون إعلان نتائج نهائية بشأنها، أو تحديد ما يمكن أن يترتب عليها من إجراءات لاحقة».

ويكتسب فحص الهواتف أهمية، في ضوء تعذّر الاستماع إلى المطلوبين. وأشار المصدر إلى أن أهميتها «تكمن في مضمون الاتصالات أو طبيعة الصلات التي يبحث فيها المحققون». وأضاف «لا شكّ في أن هناك معلومات مهمة توفرت وهي قيد التدقيق، لتحديد مسؤولية كل شخص له علاقة أو صلة معينة بهذه الشحنة».

أنصار لـ«حزب الله» يلوِّحون بأعلام الجماعة في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 27 سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)


إحالة متفجرات «حزب الله» إلى «المجلس العدلي» تنتظر انتهاء التحقيقات

مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إحالة متفجرات «حزب الله» إلى «المجلس العدلي» تنتظر انتهاء التحقيقات

مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

أبقى مجلس الوزراء اللبناني طلب إحالة ملف المتفجرات العائدة إلى «حزب الله» المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر إلى المجلس العدلي قيد البحث، في انتظار تقدم التحقيقات القضائية، فيما تحدث مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن تفاهم سياسي بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، سبق الجلسة الحكومية وأسهم في التوصل إلى هذا المخرج الذي لم يمنع انسحاب وزراء «القوات اللبنانية»، كما لم يمنع تصاعد الانتقادات السياسية لعدم حسم الإحالة.

وكشف مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن أن «تفاهماً سياسياً سبق جلسة مجلس الوزراء، وأسهم في تمرير النقاش بشأن إحالة الملف إلى المجلس العدلي من دون إشكالات»، مشيراً إلى أن «اتصالات ومشاورات جرت بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وأفضت إلى توافق على كيفية مقاربة الملف والتعامل معه داخل مجلس الوزراء».

التحقيقات تحسم الإحالة

وأوضح المصدر أن «مجلس الوزراء ارتأى، رغم معارضة وزراء (القوات اللبنانية)، إبقاء التحقيق في عهدة القضاء العسكري الذي يتولى الملف حالياً، على أن يُبنى أي قرار لاحق بشأن إحالته إلى المجلس العدلي على النتائج التي يتوصل إليها التحقيق»، مؤكداً أن «خيار الإحالة إلى المجلس العدلي لم يُلغَ أو يُستبعد من الحسابات، وإنما تُرك مفتوحاً في انتظار اتضاح المعطيات القضائية».

وشدد على أن «التفاهم السياسي الذي حصل لا يعني صرف النظر عن المجلس العدلي، بل يقوم على إعطاء القضاء العسكري المجال لاستكمال تحقيقاته، فإذا أظهرت النتائج ما يستوجب إحالة القضية إلى المجلس العدلي، يُصار إلى اتخاذ القرار المناسب، أما إذا لم تظهر معطيات تستدعي ذلك فسيبقى الملف ضمن مساره القضائي الحالي».

واعتبر مجلس الوزراء أن القضية تهدد أمن البلاد وسلامة المواطنين، وقرر مواصلة التحقيقات وفق القانون، ومتابعة البحث في طلب وزارة العدل إحالتها إلى المجلس العدلي، وفق تقدم التحقيق. وأوضح وزير الإعلام بول مرقص أن الملف لم يُطوَ، مشيراً إلى نقاش قانوني بشأن اكتمال الإجراءات وجدوى الإحالة حالياً.

صورة تُظهر قصر العدل في بيروت (متداول)

صلاحيات استثنائية

ويختص المجلس العدلي، بوصفه هيئة قضائية جزائية استثنائية، بجرائم محددة تمسّ أمن الدولة الداخلي والخارجي وبعض الجرائم الماسّة بالسلامة العامة. وتتم الإحالة إليه بمرسوم يتخذه مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل. ولا تقبل أحكامه طرق المراجعة العادية وغير العادية، باستثناء الاعتراض وإعادة المحاكمة، وفقاً للمادة «366» من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ويتألّف المجلس من الرئيس الأول لمحكمة التمييز وأربعة قضاة من المحكمة نفسها يُعيّنون بمرسوم حكومي باقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى. ويتولى الادعاء النائب العام التمييزي أو أحد معاونيه، في حين يتولى التحقيق «المحقق العدلي» الذي يعيّنه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى، ويجمع صلاحيات قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية، ويصدر القرار الاتهامي مباشرة تمهيداً للمحاكمة، من دون المرور بهيئة اتهامية مستقلة.

مجلس الوزراء اللبناني مجتمعاً في القصر الجمهوري (أرشيفية - أ.ف.ب)

اعتراض «القوات» وتمسّك نصار

وانسحب وزراء «القوات اللبنانية» احتجاجاً على عدم الإحالة الفورية. واعتبر وزير الصناعة جو عيسى الخوري أن انتظار التحقيقات غير مبرر، خصوصاً أن الجهة المعنية أعلنت مسؤوليتها عن المتفجرات.

وعن الاعتراض، استبعد المصدر الوزاري أن «يؤدي هذا الاعتراض إلى تغيير المسار المتفق عليه في المرحلة الراهنة»، موضحاً أن «خيار المجلس العدلي لا يزال قائماً، لكن لا يمكن اتخاذ قرار بالإحالة قبل توافر نتائج التحقيق والمعطيات التي تبرر هذه الخطوة».

وأكد أن «المسألة تبقى مرتبطة بما يتوصل إليه القضاء العسكري، ولا سيما النيابة العامة العسكرية ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، على أن تتحدد الخطوات اللاحقة في ضوء نتائج التحقيق، وبما يتيح لمجلس الوزراء اتخاذ القرار المناسب بشأن الإحالة إلى المجلس العدلي».

وفي المقابل، يتمسّك وزير العدل عادل نصار بالإحالة، لاعتباره أن نقل المتفجرات وتخزينها يمسّان الأمن القومي.

انتقادات سياسية

وانتقد عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب غياث يزبك، عدم الإحالة، وكتب عبر منصة «إكس»: «ما لم تلجأ الحكومة إلى تنفيذ قرار نزع السلاح من حزب إيران (حزب الله)، سيظل لبنان دولة مع وقف التنفيذ أو سيكون مصيره الزوال»، محذراً من أن تراجع الدولة أمام تهديدات الحزب يضعف مؤسساتها ويفسح المجال لشرعيات غير قانونية.

بدوره، أكد عضو كتلة «الكتائب» النائب سليم الصايغ، في حديث تلفزيوني، وجود تأييد شعبي واسع للإحالة، مشيراً إلى أن نصار تقدم بالطلب انطلاقاً من قناعته الشخصية وموقف «الكتائب». ورأى أن تبني «حزب الله» الشحنة وإعلانه تخصيصها لمواجهة إسرائيل يرتّبان مسؤولية سياسية تتجاوز نقل المتفجرات، وتستدعي توسيع التحقيق. ورفض التريث، محذراً من تهديدات الحزب لمعارضيه، وداعياً الحكومة إلى إنهاء النشاط العسكري والأمني خارج سلطتها، ومصارحة المجتمع الدولي إذا عجزت عن بسط سيادتها.

https://x.com/GhayathYazbeck/status/2113507650952397188?s=20

وأعرب عضو تكتل «القوات» النائب غسان حاصباني، في حديث تلفزيوني، عن أسفه لعدم حسم الإحالة رغم وعود سابقة، مشيراً إلى أن رئيسَي الجمهورية والحكومة طلبا مواصلة البحث دون تحديد موعد للإحالة. وأكد إمكان استمرار التحقيقات بعد الإحالة. وتساءل عما إذا كانت الحكومة تعرّضت لضغوط من «حزب الله» و«الثنائي الشيعي»، معتبراً انسحاب وزراء «القوات» خطوة اعتراض أولى قد تتبعها خطوات أخرى. وطالب بترجمة قرار الحكومة الصادر في مارس (آذار) بشأن عدم قانونية العمليات العسكرية للحزب إلى إجراءات عملية.

«حزب الله»... تريث محمود

وفي المقابل، رحّبت كتلة «الوفاء للمقاومة» النيابية بقرار الحكومة تأجيل إحالة ملف سيارة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، معتبرةً، في بيان عقب اجتماعها الدوري، أن «قرار الحكومة بالأمس تأجيل إحالة ملف سيارة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي تريث محمود بانتظار استكمال معالجته في الاتجاه الصحيح».

ورأت الكتلة أن ثمة «استهدافاً سياسياً فاضحاً» لا تستطيع القرارات والإجراءات تغطيته أو تبرير أهدافه، معتبرةً أنه لا يخدم الاستقرار الداخلي. ودعت الحكومة والقوى السياسية إلى تخفيف التوترات الداخلية وتحمّل المسؤولية الوطنية، محذّرةً من تداعيات الانقسامات في ظل التطورات الإقليمية.

خلفية القضية

وتعود القضية إلى ضبط متفجرات في ضهر البيدر ومنطقة القصر بمحافظة بعلبك الهرمل. وكان النائب حسن فضل الله قد أعلن في 15 أكتوبر (تشرين الأول) أن شاحنة ضهر البيدر تعود إلى «حزب الله»، وأن حمولتها مخصصة لمواجهة إسرائيل، مطالباً بإعادتها والإفراج عن الموقوفين. وجدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال الجلسة تأكيد حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، فيما ثمّن الرئيس عون دعوة بري إلى حماية الجيش والحفاظ على السلم الأهلي والحوار.