الحرائق تلتهم أحراج لبنان... إبادة بيئية وإهمال وقدرات محدودة

وزير البيئة السابق يتحدث عن هبة 3.5 مليون دولار لم تجد طريقها للتنفيذ

الحرائق تتمدد في بلدة شحيم في إقليم الخروب (الوكالة الوطنية للإعلام)
الحرائق تتمدد في بلدة شحيم في إقليم الخروب (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الحرائق تلتهم أحراج لبنان... إبادة بيئية وإهمال وقدرات محدودة

الحرائق تتمدد في بلدة شحيم في إقليم الخروب (الوكالة الوطنية للإعلام)
الحرائق تتمدد في بلدة شحيم في إقليم الخروب (الوكالة الوطنية للإعلام)

عاشت مناطق لبنانية عدة في الساعات الأخيرة كارثة بيئية بكل ما للكلمة من معنى، مع اشتعال الحرائق، من الشمال إلى الجبل والجنوب، حيث تستكمل أيضاً إسرائيل القضاء على ما تبقى من المساحات الخضراء التي قضت عليها خلال الحرب الأخيرة، لا سيما في ظل الظروف المناخية وسرعة الرياح التي أدت إلى توسّع رقعة النيران وصعّبت مهمّة إخمادها على فرق الإطفاء.

ومنذ بعد ظهر الاثنين، بدأت الحرائق تشتعل وتتوسع في مناطق في الشمال وفي إقليم الخروب (جبل لبنان) والجنوب، لا سيما في أحراج الصنوبر والسنديان والزيتون في بلدتي العيشية والجرمق في قضاء جزين، التي تسببت بها الغارات الجوية الإسرائيلية التي تعرضت لها المنطقة، الاثنين.

وامتدت النيران إلى أحراج الجبل الرفيع وجبل الريحان في إقليم التفاح (قضاء النبطية)، وأتت على مساحات كبيرة من غابات الصنوبر في أضخم حريق تشهده المنطقة امتد لكيلومترات، وقضى على أهم ثروة حرجية تحتوي آلاف أشجار الصنوبر والبلوط والزيتون.

وواجهت فرق الدفاع المدني صعوبات كبيرة في السيطرة على الحريق بسبب وعورة المنطقة، ووجود أجسام مشبوهة غير منفجرة من مخلفات الحرب.

رجال الإطفاء يخمدون الحريق في منطقة العيشية (الوكالة الوطنية للإعلام)

وبعد ساعات من الحريق الذي تسببت فيه محلقات إسرائيلية ألقت موادّ حارقة على المنطقة، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام»، تمكنت فرق الدفاع المدني من إخمادها في ثلاثة أحراج بين بلدات رومين وعزة وأركي، وأتت على مساحات واسعة من أشجار البلوط والملول والأشجار المثمرة.

إقليم الخروب

وفي إقليم الخروب، تشتعل النيران لساعات وانتشرت بسرعة كبيرة في خراج بلدات الزعرورية والمطلة والجليلية (الشوف)، حيث لم تفلح جهود الدفاع المدني لإخمادها طوال ساعات الليل بسبب وعورة المنطقة وشدة الرياح، التي تتسبب في اتساع رقعة الحريق التي وصلت إلى المنازل.

فيما نجحت الجهود في إخماد الحريق في بلدة شحيم، بمشاركة طوافة للجيش وسط استنفار أمني وبلدي وشبابي.

وأفادت دائرة الإعلام والعلاقات العامة في الدفاع المدني في بيان، بأن «الفرق تمكنت من إخماد الحرائق التي اندلعت في مناطق في الشمال وجبل لبنان والجنوب»، مشيرة إلى أن «العناصر استخدموا آليات الإطفاء والوسائل اليدوية، وعملوا على تطويق النيران ومنع امتدادها إلى المنازل والأراضي الزراعية، إلى أن تمت السيطرة عليها بالكامل، فيما دخلت كل هذه الحرائق مرحلة التبريد لضمان عدم تجددها».

وأوضحت أن «الحريق الوحيد الذي كان لا يزال مستمراً، هو الذي امتد على مساحة واسعة بين بلدات شحيم والمطلة وداريا في إقليم الخروب، إضافة إلى بؤر متجددة في وادي جهنم، حيث تواصل فرق الدفاع المدني جهودها الحثيثة لإخماده».

إبادة بيئية في الجنوب

وتحدثت وزيرة البيئة تمارا الزين عن أسباب الحرائق، مؤكدة أن لا حرائق تنشب دون تدخّل بشري، سواء كان متعمّداً أو غير متعمّد. وكتبت على حسابها على «فيسبوك» أنه «في جنوب لبنان تحديداً، أحرق العدو ما يزيد على 8700 هكتار من الأراضي الزراعية والحرجية، والبارحة (الاثنين) أيضا استكمل الجريمة البيئية عبر إلقاء أجسام حارقة في العديد من الأحراج مما زاد من حجم الكارثة»، متحدثة عن «إبادة بيئية على أيدي العدو».

وأكدت الزين ضرورة دعم الدفاع المدني الذين يعملون باللحم الحي على جميع المستويات، لافتة إلى أنه «يحصل أن تعجز فرق التدخل عن الحد سريعاً من النيران، تماماً كما حصل في كاليفورنيا وإيطاليا وفرنسا».

وبينما أشارت إلى عمل وزارة الزراعة على «أنظمة تخزين للمياه في المناطق المعرّضة للحرائق»، أكدت أن «الجهد الأكبر، خاصة في ظل ضعف الإمكانات المادية واللوجيستية، هو عبر الوقاية وتأسيس أنظمة الإنذار المبكر غير الموجودة حالياً».

نتائج مشروع الحد من الحرائق بعد ثلاث سنوات

وقالت الزين: «منذ أشهر قليلة أطلقنا مشروع الحد من حرائق الغابات في السراي الكبير وهو مشروع متواضع لا يغطي سوى ثلاث بقع صغيرة تشهد حرائق متكررة ولن تبرز مخرجاته المحدودة إلا عند انتهائه بعد ثلاث سنوات، وفيه تأسيس لأنظمة إنذار بالتعاون مع اتحادات البلديات المعنية، وفيه أيضاً بعض التجهيزات لفرق التدخل والاستجابة. هذا المشروع هو عيّنة ميكروسكوبية عن حاجات البلد الفعلية التي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات ما بين أنظمة إنذار مبكر ومعدات للاستجابة والتدخل وعمليات تأهيل».

وزيرة البيئة تمارا الزين في جولة سابقة لها في جنوب لبنان (وزارة البيئة)

وكانت وزارتا البيئة والزراعة أطلقتا في يوليو (تموز) الماضي الحملة الوطنية تحت عنوان «ما تلعب بالنار»، وقال وزير الزراعة نزال هاني إن «الحملة تقوم على تنظيف الأحراج، وإنشاء شبكات إنذار مبكر، وتطبيق القوانين بحق المخالفين، وتعزيز دور البلديات».

وقدّمت حينها الزين أرقاماً أظهرت ارتفاع عدد الحرائق من 4264 في 2023 إلى 6365 في 2024، محذرة من «شح المتساقطات» وتداعياته على الزراعة والبيئة والسياحة.

ياسين: أين مشروع الـ3.5 مليون دولار؟

ويلفت وزير البيئة السابق، ناصر ياسين، إلى ثلاثة عوامل أساسية تؤدي إلى اندلاع الحرائق في لبنان، وهي الشرارة الأولى التي يكون سببها الأساسي الإهمال والظروف المناخية، إضافة إلى ضعف الجاهزية المرتبطة بفرق الإطفاء، مشيراً إلى أن هذا الإهمال في معظمه يكون مفتعلاً.

واليوم وفي ظل انتشار الحرائق في هذه المناطق تحديداً، يشير ياسين في حديثه مع «الشرق الأوسط»، إلى هبة مادية من البنك الدولي كان قد وقّع عليها قبل مدة قصيرة من انتهاء ولاية الحكومة الماضية، وتقدر بـنحو 3.5 مليون دولار، «لكن يبدو أن خطواتها العملية لم تنطلق وصرف أموالها لم يبدأ بعد لأسباب غير معروفة، علماً أن المناطق التي اندلعت فيها الحرائق تقع ضمن المشروع»، وهو ما تحدث عنه أيضاً الخبير البيئي، أنطونيو معيكي، في بيان له، لكن في المقابل تعذّر الحصول على إجابة عن هذا الأمر من وزيرة البيئة، تمارا الزين.

وزير البيئة السابق ناصر ياسين يطلع على عمل الدفاع المدني (الشرق الأوسط)

ويتحدث ياسين لـ«الشرق الأوسط» عن خطة كانت قد عمل عليها خلال توليه الوزارة بين عامي 20022 و 2024، أدت إلى تراجع نسبة المساحات المحترقة بشكل كبير، حيث سجّل عام 2022 تراجعها بنسبة 91 في المائة، وعام 2023 بنسبة 86 في المائة، بينما للأسف كان سبب معظم الحرائق التي سجّلت عام 2024 القصف الإسرائيلي ورمي الفوسفور لأهداف معروفة.

وبينما يشدد ياسين على الظروف المناخية القاسية هذا العام، التي أدت بشكل كبير إلى توسع رقعة الحرائق، يلفت إلى أن نجاح وزارته خلال الأعوام الماضية بتقليص المساحات المحترقة هو العمل المحلي والمجتمعي، وتحديداً مع البلديات والجمعيات المحلية، والأهم عبر إنشاء داتا تضم أسماء أكثر البلدات عرضة للحرائق، حيث تم تركيز العمل عليها، وهي مناطق، عكار، الضنية، المتن الأعلى، بعبدا، إقليم الخروب، وذلك انطلاقاً من مبدأين أساسيين، هما؛ الرصد المبكر والتحرك السريع، رغم الإمكانات المادية المحدودة.


مقالات ذات صلة

عون يتعهد عدم زج لبنان في «مغامرات انتحارية»

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

عون يتعهد عدم زج لبنان في «مغامرات انتحارية»

أكد رئيس الجمهورية اللبناني، جوزيف عون، أمس، حرصه على «عدم الزجّ بلبنان في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً كثيراً»، مضيفاً أن البلد أنجز «تنظيف مناطق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

اجتماع رباعي في فبراير لتنسيق استجرار الطاقة من مصر والأردن إلى لبنان

كشف مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط» أنّ اجتماعاً رباعياً يضم مسؤولين لبنانيين وسوريين ومصريين وأردنيين سيُعقد في فبراير المقبل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)

التباعد بين «حزب الله» و«التيار» في الانتخابات النيابية: خسائر سياسية للأول وعددية للثاني

مع اقتراب الاستحقاق النيابي، يتحول التباعد بين «التيار الوطني الحر» و«حزب الله»، إذا استمر، إلى عامل انتخابي أساسي بالنسبة إلى الطرفين.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

عون يؤكد الحرص على «عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحارية»

أبلغ الرئيس اللبناني، جوزيف عون، أعضاء السلك الدبلوماسي لدى بيروت، أن لبنان أنجز «تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي» في منطقة جنوب الليطاني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف بجوار حاجز على جبل الشيخ 8 يناير 2025 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته

أعربت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي عن معارضتها لمضمون المحادثات الجارية بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية»

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)

سوريا... وقف للنار و4 أيام لخطة الاندماج

سكان يحاولون عبور جسر متضرر (بفعل «قسد» حسب رواية الجيش السوري) في الرقة أمس (رويترز)
سكان يحاولون عبور جسر متضرر (بفعل «قسد» حسب رواية الجيش السوري) في الرقة أمس (رويترز)
TT

سوريا... وقف للنار و4 أيام لخطة الاندماج

سكان يحاولون عبور جسر متضرر (بفعل «قسد» حسب رواية الجيش السوري) في الرقة أمس (رويترز)
سكان يحاولون عبور جسر متضرر (بفعل «قسد» حسب رواية الجيش السوري) في الرقة أمس (رويترز)

أعلنت السلطات السورية عن التوصل إلى تفاهم جديد مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في محافظة الحسكة، معقلها في شمال شرقي البلاد، وعن وقف للنار لمدة 4 أيام، وذلك بعد تقدم القوات الحكومية في المنطقة.

وقالت الرئاسة السورية، في بيان، إنه «تم التوصل إلى تفاهم مشترك حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة». وأشارت إلى أنه تمّ الاتفاق على «منح (قسد) مدة 4 أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً». وإثر ذلك، أعلنت وزارة الدفاع عن وقف للنار لمدّة 4 أيام، بدءاً من الساعة الثامنة من مساء أمس.

وعلّق المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، على التفاهم الجديد، بقوله إن «وظيفة (قوات سوريا الديمقراطية) كقوة رئيسية في التصدي لتنظيم (داعش) انتهت»، مشيراً إلى أن القوات الحكومية باتت مؤهلة لتولي أمن السجون والمخيمات حيث يُحتجز المتطرفون وأفراد عائلاتهم.

وأضاف برّاك أن اللحظة الحالية تتيح للأكراد «مساراً للاندماج الكامل في دولة سورية موحدة، بما يشمل حقوق المواطنة الكاملة، وحماية الهوية الثقافية، والمشاركة السياسية، وهي حقوق حُرم منها الأكراد طويلاً في عهد بشار الأسد».


عون يتعهد عدم زج لبنان في «مغامرات انتحارية»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون يتعهد عدم زج لبنان في «مغامرات انتحارية»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

أكد رئيس الجمهورية اللبناني، جوزيف عون، أمس، حرصه على «عدم الزجّ بلبنان في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً كثيراً»، مضيفاً أن البلد أنجز «تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي» في منطقة جنوب الليطاني الحدودية مع إسرائيل.

وقال عون، أمام أعضاء السلك الدبلوماسي ورؤساء البعثات الدولية، إن القوى المسلحة اللبنانية «تولت مهام هائلة لجهة تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي؛ من أي نوع أو تبعية كان، وقد أنجزنا ذلك، رغم كل الاستفزازات، واستمرار الاعتداءات، والتشكيك والتخوين والتجريح والتجني».

وشدد على ضرورة أن يكون «جنوب لبنان، كما كل حدودنا الدولية، في عهدة قوانا المسلحة حصراً، ولنوقف نهائياً أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا، بينما الآخرون، كل الآخرين بلا استثناء، يتحاورون ويتفاوضون ويساومون من أجل مصالح دولهم».


انفجاران يهزان مدينة القامشلي بريف الحسكة في شمال شرق سوريا

صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)
صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)
TT

انفجاران يهزان مدينة القامشلي بريف الحسكة في شمال شرق سوريا

صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)
صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)

أفاد الإعلام السوري عن وقوع انفجارين في مدينة القامشلي بريف الحسكة في شمال شرق سوريا.

وكانت السلطات ومسؤولون أكراد في سوريا، أعلنوا، الثلاثاء، الالتزام بوقف جديد لإطلاق النار، تمهيداً لاستكمال البحث في اتفاق دمج القوات الكردية بالمؤسسات الحكومية، في وقت قالت واشنطن إن وظيفة الأكراد في التصدي لتنظيم «داعش» قد انتهت، بعدما دعمتهم سنوات.