مصر تشكو إثيوبيا في مجلس الأمن عقب افتتاح «سد النهضة»

القاهرة اعتبرت تصرفات أديس أبابا «خرقاً جديداً» للقانون الدولي

تقول إثيوبيا إن الهدف من السد هو التنمية (حساب آبي أحمد - فيسبوك)
تقول إثيوبيا إن الهدف من السد هو التنمية (حساب آبي أحمد - فيسبوك)
TT

مصر تشكو إثيوبيا في مجلس الأمن عقب افتتاح «سد النهضة»

تقول إثيوبيا إن الهدف من السد هو التنمية (حساب آبي أحمد - فيسبوك)
تقول إثيوبيا إن الهدف من السد هو التنمية (حساب آبي أحمد - فيسبوك)

قالت مصر إنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل»، خلال خطاب وجهته إلى مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء، في خطوة تصعيدية جديدة ضد «سد النهضة» الذي افتتحته الحكومة الإثيوبية، بمشاركة عدد من قادة الدول الأفريقية.

ورأى مراقبون أن افتتاح «سد النهضة» رسمياً يقلص فرص «الحوار» بين إثيوبيا ومصر والسودان، للوصول إلى اتفاق يهدئ مخاوف دولتي مصب نهر النيل من التأثيرات المحتملة للسد على حصتهما في مياه النهر، وفي المقابل يفسح - الافتتاح - المجال لخيارات أكثر تصعيداً.

وافتتح رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، «سد النهضة»، رسمياً الثلاثاء، وعدَّه «مصدر إلهام»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية. وقالت الحكومة الإثيوبية في بيان عقب الافتتاح: «نحن الإثيوبيين شعب متمسك بالإنسانية والأخلاق، ولا نستخدم النهر لإيذاء الآخرين». وأضافت: «أديس أبابا انتصرت في وجه من هددوها دون مراعاة القوانين الدولية».

خلال الافتتاح الرسمي لـ«سد النهضة» (حساب وزير الدولة الإثيوبي في وزارة الخارجية - إكس)

وفي أول رد رسمي لمصر، قالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان: «رغم كل المساعي الواهية لمنح السد الإثيوبي غطاءً زائفاً من القبول والشرعية، فإن السد يظل إجراءً أحادياً مخالفاً للقانون والأعراف الدولية، ولا ينتج عنه أي تبعات من شأنها التأثير في النظام القانوني الحاكم لحوض النيل الشرقي، طبقاً للقانون الدولي».

ورأت «الخارجية المصرية» أن التصرفات الإثيوبية الأخيرة تمثل «خرقاً جديداً يضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات الإثيوبية للقانون الدولي، بما في ذلك البيان الرئاسي لمجلس الأمن الصادر في 15 سبتمبر (أيلول) 2021».

وكان مجلس الأمن دعا في بيانه مصر والسودان وإثيوبيا إلى استئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل السد.

وبدأت إثيوبيا بناء «سد النهضة» على نهر النيل عام 2011، وهو مشروع تبلغ تكلفته مليارات الدولارات، وتعده مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه أطول أنهار أفريقيا. وتوقفت مفاوضات بين مصر وإثيوبيا برعاية الاتحاد الأفريقي في أبريل (نيسان) 2021 بعد الإخفاق في التوصل لاتفاق؛ ما دفع مصر إلى اللجوء لمجلس الأمن الدولي للمطالبة بالضغط على أديس أبابا.

ونوهت مصر، خلال خطابها لمجلس الأمن، بممارستها أقصى درجات ضبط النفس على مدار السنوات الماضية، «واختارت اللجوء للدبلوماسية والمنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة، ليس نتيجة عدم قدرة عن الدفاع عن مصالحنا الوجودية، وإنما انطلاقاً من اقتناع مصر الراسخ بأهمية تعزيز التعاون، وتحقيق المصلحة المشتركة بين شعوب دول حوض النيل، وفقاً للقانون الدولي، بما يحقق المصالح التنموية، ويراعي شواغل دول المصب».

وفي المقابل: «تبنت أديس بابا مواقف متعنتة، وسعت للتسويف في المفاوضات وفرض الأمر الواقع، مدفوعة في ذلك بأجندة سياسية - وليست احتياجات تنموية - لحشد الداخل الإثيوبي ضد عدو وهمي متذرعة بدعاوى زائفة حول السيادة على نهر النيل الذي يمثل ملكية مشتركة لدوله المتشاطئة»، وفق الخطاب المصري لمجلس الأمن.

واختتمت الحكومة المصرية بيانها بالتشديد على تمسكها «بإعمال القانون الدولي في نهر النيل»، قائلة إنها «لن تسمح للمساعي الإثيوبية للهيمنة على إدارة الموارد المائية بصورة أحادية، وتحتفظ بحقها في اتخاذ جميع التدابير المكفولة بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن المصالح الوجودية لشعبها».

لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عام 2019 (الرئاسة المصرية)

واستنكر مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، افتتاح «سد النهضة» دون تنسيق مع دولتي المصب، وعدَّه «عملاً أحادياً عدائياً غير مسبوق». وشدد حجازي لـ«الشرق الأوسط» على أن بلاده «لن تتهاون في الدفاع عن حقوقها التاريخية والقانونية المكتسبة والراسخة عبر القرون في مياه النيل»، مشيراً إلى أن «لمصر أدوات دبلوماسية خشنة يمكن من خلالها مواصلة حصار والضغط علي الموقف الإثيوبي، من خلال العودة مجدداً لمجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي، والضغط من خلال أطراف خارجية علي القيادة الإثيوبية، ومحاصرة تمويل مشروعات إثيوبيا المستقبلية».

وسبق أن دعا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مصر والسودان، إلى العودة للمفاوضات حول السد، في مارس (آذار) الماضي، وهي الدعوة التي تجاهلتها الدولتان بعدما انخرطتا في المفاوضات لسنوات، بينما تواصل إثيوبيا أعمالها في السد.

«سد النهضة» الإثيوبي (آبي أحمد - فيسبوك)

من جانبه، اعتبر خبير المياه المصري ضياء الدين القوصي، افتتاح «سد النهضة» «مكيدة سياسية»، قائلاً إن «ما لديه من معلومات أن العمل في تدشين السد لم ينتهِ، ولم تُكمل إثيوبيا محطة توليد الكهرباء داخل السد»، مشككاً في جدية الافتتاح.

وأضاف القوصي لـ«الشرق الأوسط»: «حصة مصر لم تتأثر من النيل في السنوات الماضية كونها كانت سنوات فيضانات مرتفعة، لكن بمجرد أن تأتي مواسم فيضانات منخفضة فستتأثر حصة مصر، وهو ما لن تسمح به»، موضحاً أن «النيل الأزرق مجرى مياه دولي، وأي قرار أحادي بخصوصه لا يُعتد به، ولا يصح أن يدخل كوثيقة للأمم المتحدة، ومصر لن تسمح بتشغيله وإدارته على حسابها مهما كانت الظروف».

وحذر القوصي من أن «مصر لن تدخر جهداً في اللجوء إلى الإجراءات الدبلوماسية والسياسية، أو حتى إلى الإجراءات الخشنة إذا دعت الضرورة لذلك... فمصر لن تعطش حتى تولد إثيوبيا كهرباء».

وكان عضو مجلس النواب (البرلمان) مصطفى بكري، قال عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً) إن «افتتاح إثيوبيا لـ(سد النهضة) لا يعني أنها نجحت في إلغاء اتفاقية 1959، التي حددت حصة مصر بـ55.5 مليار متر مكعب من المياه. مصر لن تفرط في أمنها المائي، المياه قضية وجود بالنسبة لنا».

وسبق أن شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة على مدار سنوات أن «مياه النيل خط أحمر».


مقالات ذات صلة

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي: حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به

جددت مصر تمسكها بحقها في نهر النيل، وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن «حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به»، في وقت صعَّدت فيه إثيوبيا لهجتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السد العالي في جنوب مصر (أرشيفية - رويترز)

سخرية مصرية تدفع وزيراً إثيوبياً لحذف منشوره عن «السد العالي»

أثار وزير إثيوبي جدلاً واسعاً بتصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيها مصر مطالباً إياها أن «تفسر سبب قيامها ببناء السد العالي».

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي في قصر الاتحادية (أرشيفية - د.ب.أ)

السيسي: مصر ترفض أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم (الأحد) موقف بلاده الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - د.ب.أ)

السيسي يبحث مع رؤساء إريتريا والصومال وبوروندي أمن البحر الأحمر ومياه النيل

نفت مصر، السبت، علاقتها بالأزمة الحالية في إثيوبيا، معربةً عن استغرابها الزجّ بها في قضية إثيوبية داخلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.