إسرائيل تبدأ تدمير أبراج غزة... و«حماس» تحرّك ورقة الرهائن

80 ألفاً نزحوا من مدينة غزة... وكاتس يتحدث عن رفع الأقفال عن «بوابات جهنم»

غزيون يتابعون عملية تدمير برج المشتهى بمدينة غزة اليوم (إ.ب.أ)
غزيون يتابعون عملية تدمير برج المشتهى بمدينة غزة اليوم (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تبدأ تدمير أبراج غزة... و«حماس» تحرّك ورقة الرهائن

غزيون يتابعون عملية تدمير برج المشتهى بمدينة غزة اليوم (إ.ب.أ)
غزيون يتابعون عملية تدمير برج المشتهى بمدينة غزة اليوم (إ.ب.أ)

صعّدت إسرائيل عملياتها داخل قطاع غزة، وخاصةً في مدينة غزة التي صادَق مؤخراً المستويان السياسي والعسكري على خطة للسيطرة عليها، في إطار محاولة الضغط على حركة «حماس» للإفراج عن المختطفين الإسرائيليين لديها.

وفي أحدث موجة تصعيد ترافقت مع تحريك «حماس» ورقة الرهائن لديها، قصفت طائرات حربية بعدة صواريخ، وعلى مرحلتين، برج مشتهى السكني والمكتبي، الذي يضم مئات الشقق، وهو يُعد من الأبراج الشاهقة في غرب مدينة غزة، وأحد أهم معالم المدينة.

وهزّت انفجارات قوية مدينة غزة، بعد أن صدرت أوامر للسكان والنازحين في البرج بإخلائه في فترة زمنية قياسية لم تتعدّ ثلاثين دقيقة، قبل أن تُهاجمه الطائرات الإسرائيلية على مرحلتين وتدمره بالكامل ليصبح أثراً بعد عين.

إسرائيل عادت لتدمير أبراج غزة (إ.ب.أ)

وقال أحد الأهالي؛ ويدعى أحمد أبو وطفة (45 عاماً) ويسكن في شقة أقاربه شِبه المدمرة في الطابق الخامس من مبنى بغرب مدينة غزة، إن «أنباء بدء إسرائيل قصف الأبراج والمباني السكنية مُرعبة. الجميع خائفون ولا يعرفون إلى أين يذهبون». وأضاف، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في اتصال هاتفي: «أطفالي مرعوبون، وأنا أيضاً. لا يوجد مكان آمن، كل ما نتمناه أن يأتي الموت سريعاً».

وادعى الجيش الإسرائيلي أنه هاجم البرج بسبب وضع «حماس» بنى تحتية «إرهابية» في داخله، مضيفاً أنها زرعت فيه كمائن ومسارات «هروب للمخرّبين»، منها كاميرات تصوير وأدوات استخباراتية وغيرها.

في المقابل، نفت إدارة البرج، في بيان، الادعاءات الإسرائيلية، وأكدت أنه منذ استهدافه، العام الماضي، يخضع لرقابة صارمة من قِبل الإدارة، ولا يسمح بدخوله إلا للمدنيين النازحين فقط، مؤكدةً خلوَّه من أي كاميرات أو تجهيزات أمنية، وأن جميع طوابقه مفتوحة ومكشوفة، ولا تحتوي على أي أسلحة خفيفة أو ثقيلة.

وكان البرج قد تعرَّض لغاراتٍ طالت الطوابق العليا منه، خلال الحرب الحالية المستمرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وفي ظل عدم وجود أماكن يلجأ إليها السكان اتخذوا من شققه أماكن للنزوح والسكن فيها مؤقتاً.

وأثار قصف البرج مخاوف سكان مدينة غزة من أن هذه قد تكون مرحلة جديدة من توسيع العمليات في المدينة، والتي تأتي في ظل تهديدات واضحة من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي غرّد، عبر منصة «إكس»، قبيل قصف البرج بالقول: «بدأنا بإزالة القفل عن بوابات جهنم في غزة».

فلسطينيون ينتظرون قصف برج المشتهى في غزة بعد صدور أوامر إسرائيلية بإخلائه (أ.ف.ب)

ويرى بعض المتابعين أن عملية قصف البرج في قلب المنطقة المحيطة بالآلاف من النازحين، إنما هي رد انتقامي واضح من إسرائيل على «حماس»، بعد إصدار «كتائب القسام»، الجناح العسكري للحركة، مقطع فيديو لمختطَفيْن إسرائيليين يتجولان في مركبة بين مبانٍ مدمرة في مدينة غزة، ويؤكد أحدهما أن هناك 8 مختطَفين في المدينة، طالباً من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، باللغة العبرية، عدم تنفيذ الهجوم العسكري المخطط له للسيطرة على المدينة.

ووفقاً لتقرير في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، فإن «حماس» تستعد، منذ فترة، لدعاية إعلامية بمثل هذه الطريقة لمحاولة منع أو إبطاء عملية الجيش الإسرائيلي داخل مدينة غزة.

وتخشى عوائل المختطَفين الإسرائيليين على حياة أبنائها، في ظل العملية المرتقبة وتأكيد مصادر عسكرية للعوائل أن الجيش لا يعرف أماكن وجود المختطفين الذين قد يكونون في خطر حقيقي.

كانت مصادر مطلعة من «حماس» وخارجها قد قالت، لـ«الشرق الأوسط»، في الأسابيع القليلة الماضية، إن الحركة وفصائل فلسطينية تدرس الاحتفاظ بأسرى في مدينة غزة، أو نقلهم إليها من مناطق أخرى بالقطاع كي يكونوا في المدينة، خلال العملية؛ بهدف ممارسة ضغط على إسرائيل، وربط مصير حياة بعضهم بقرارات حكومة نتنياهو المصمِّمة على احتلال القطاع.

برج المشتهى في غزة خلال عملية تدميره الجمعة (أ.ف.ب)

وقد يكون الفيديو، الذي نشرته «كتائب القسام»، تأكيداً بجدية هذه الخطوة التي كانت «حماس» تدرسها، ويبدو أنه جرى البت فيها، خاصةً أن أحد المختطفين قال، في الفيديو، إن آسِرِيه أبلغوه بأنه سيبقى في مدينة غزة. والمختطَفان اللذان ظهرا في الفيديو هما جاي جلبوع دلال، وألون أوهيل، وهما من بين 48 محتجَزاً حتى الآن لدى «حماس» في غزة، ويُعتقد أن 20 منهم لا يزالون على قيد الحياة، وفق «رويترز». وكان العدد الأصلي للمحتجَزين لدى «حماس» في قطاع غزة هو 251 أخذتهم بعد هجومٍ نفّذته عبر الحدود على تجمعات سكانية في جنوب إسرائيل. وتقول إسرائيل إن الهجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص، مما أدى إلى اندلاع الحرب.

وبينما ترغب إسرائيل في دفع سكان مدينة غزة إلى جنوب القطاع، تحاول «حماس» التقليل من أهمية ذلك، وتطالب السكان بالبقاء في مناطقهم، وعدم منح الاحتلال الإسرائيلي الفرصة لتحقيق أهدافه. وتؤكد مصادر، من جهات محلية، وكذلك من المواطنين، عدم توافر أماكن في وسط القطاع أو جنوبه، لاستيعاب أعداد كبيرة إضافية من النازحين، علماً بأن أماكن إيواء النازحين مكتظة حالياً في ظل النزوح الكامل من مدينة رفح ومناطق خان يونس.

فلسطينيون ينزحون بعد صدور الأوامر الإسرائيلية بإخلاء برج المشتهى في غزة (أ.ف.ب)

ويواجه سكان مدينة غزة، في الواقع، ظروفاً قاسية تمنعهم من النزوح، حيث تشير التقديرات المتوافرة بحلول مساء الخميس إلى أن 80 ألفاً نزحوا من المدينة باتجاه الجنوب، وذلك من أصل مليون و200 ألف ما زالوا يعيشون فيها. ونصَبَ غالبية مَن نزحوا من جنوب المدينة وشمالها خيامهم على شاطئ البحر في مناطق كانت تُصنفها إسرائيل بأنها حمراء، بالقرب من منطقة الفروسية في أقصى شمال غربي مدينة غزة.

ويؤكد سكان أنهم لا يمتلكون المال للنزوح إلى جنوب القطاع، خاصةً أن ذلك مكلِّف مادياً، بينما غالبية الذين تمكنوا من النزوح لا يجدون أماكن يقيمون فيها في ظل عدم وجود متسع لهم بمناطق وسط وجنوب القطاع، وغلاء إيجار الأراضي والشقق السكنية.

يأتي ذلك كله في وقتٍ تُواصل فيه القوات الإسرائيلية توسيع عملياتها في الأحياء الجنوبية والشمالية لمدينة غزة، استعداداً لبدء عملية «مركبات جدعون 2»، التي جرى حشد أكثر من 60 ألف جندي احتياط للمشاركة فيها، ويتوقع مشاركة أكثر من 130 ألف جندي في العملية ما بين القوات الاحتياطية والنظامية.

وتُواصل الطائرات الإسرائيلية تدمير المنازل واستهداف مجموعات المواطنين التي تحاول الوصول لتفقُّد منازلها في تلك الأحياء، وتحديداً الزيتون والصبرة جنوب المدينة، وبلدتي جباليا البلد والنزلة، وأطراف حي الشيخ رضوان شمالاً، كما يجري تفجير عربات عسكرية مفخّخة، وإلقاء قنابل حارقة، وصناديق متفجرة على المنازل والممتلكات المختلفة لإجبار ما تبقّى من السكان بالقرب من تلك المناطق على النزوح منها.

وقُتل ما لا يقل عن 55 فلسطينياً، منذ منتصف ليل الخميس-الجمعة، وحتى ساعات الظهيرة الجمعة، غالبيتهم في مدينة غزة التي قُصفت فيها شقق سكنية وخيام تسببت بمقتل عدد من العوائل بشكل كامل، ومسحها من السجل المدني.

ووصل إلى مستشفيات قطاع غزة، وفق إحصائية وزارة الصحة، خلال آخِر 24 ساعة (من ظهيرة الخميس حتى الجمعة)، 69 قتيلاً و422 إصابة، ما رفع حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 64300 قتيل، و162005 إصابات منذ السابع من أكتوبر عام 2023.

أطفالي مرعوبون وأنا أيضاً لا يوجد مكان آمن كل ما نتمناه أن يأتي الموت سريعاً

أحمد أبو وطفة أحد سكان مدينة غزة


مقالات ذات صلة

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

تحليل إخباري خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار».

أحمد جمال (القاهرة)
الخليج خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

السعودية تُرحِّب ببدء ثاني مراحل «خطة غزة»

رحَّبت وزارة الخارجية السعودية، الجمعة، بالإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، وتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي) play-circle

إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

نفى الجيش الإسرائيلي صحة تقرير يفيد بأنه نقل خط الترسيم الأصفر إلى داخل قطاع غزة، أيْ وسّع المنطقة التي تخضع لسيطرته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة بتشكيل لجنة إدارة القطاع التي واجهت على الفور سيل تصريحات إسرائيلية بشأن التمسك باسترجاع الرفات الأخيرة أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا الدمار يظهر في موقع غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً وسط قطاع غزة (رويترز) play-circle

يدعو لتنفيذها بالكامل... الاتحاد الأوروبي يرحّب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب بشأن غزة

رحَّب الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، بإعلان البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

القوات السورية تتقدَّم في الرّقة بعد حلب

جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
TT

القوات السورية تتقدَّم في الرّقة بعد حلب

جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)
جنود سوريون يدخلون على ظهر دبابة مدينة مسكنة في ريف حلب الشرقي بعد انسحاب قوات «قسد» منها أمس (أ.ف.ب)

بدأ الجيش السوري، أمس، دخولَ محافظة الرقة في شمال البلاد، بعد انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) من ريف حلب الشرقي، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين.

ودخل قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، على خط الأزمة، وقال في بيان: «ندعو قوات الحكومة السورية لوقف أي عمليات هجومية بين حلب والطبقة» جنوب الرقة. وتابع: «نرحّب بجهود جميع الأطراف في سوريا لمنع التصعيد والسعي للحل عبر الحوار».

وجاء موقفه عقب إعلان الجيش السوري سيطرته على حقلَي نفط بريف الرقة كانا بيد القوات الكردية المنضوية ضمن «قسد»، وذلك غداة دخوله مدينتَي دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي.

وأعلنتِ القوات الكردية، السبت، فرض حظر تجوّل في الرقة، على وقع المعارك مع الجيش السوري الذي يتقدم في المنطقة. في المقابل، نشرت وزارة الدفاع السورية خريطة تحدّد مواقع داخل المحافظة، ودعتِ المدنيين للابتعاد عنها، مهدّدة بضربها «بشكل دقيق»، ومنها هدف قرب مدينة الرقة.

وقالت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيان أمس: «تتواصل الاشتباكات العنيفة بين قواتنا وفصائل دمشق التي أقدمت على انتهاك الاتفاقات الأخيرة، وغدرت بقواتنا في أثناء تنفيذ بنود الانسحاب»، مؤكدة تعرّض الريف الغربي لمدينة الرقة لـ«قصف مدفعي وصاروخي متواصل».


تهم فساد تلاحق عيدروس الزبيدي

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

تهم فساد تلاحق عيدروس الزبيدي

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

أصدر النائب العام اليمني، القاضي قاهر مصطفى، أمس، قراراً بتكليف لجنة تحقيق خاصة للنظر في اتهامات واسعة بالفساد والإثراء غير المشروع وجرائم أخرى منسوبة لرئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل عيدروس الزبيدي.

ونصَّ القرار على مباشرة اللجنة القضائية التحقيق في الوقائع المنسوبة إلى الزبيدي، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة حيالها وفقاً للقانون، مع إلزام الجهات المختصة بتنفيذ القرار بدءاً من تاريخ صدوره.

ويأتي هذا التطور على خلفية تقارير كشفتها قيادات جنوبية، تضمَّنت اتهامات للزبيدي باستغلال النفوذ والسيطرة غير القانونية على أراضٍ وعقارات عامة، والتدخل في قطاع النفط، إلى جانب إدارة شركات تجارية عبر مقربين، ما أسهم - حسب تلك التقارير - في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي بمحافظات الجنوب.

وتشمل الاتهامات الاستحواذ على مساحات واسعة من أراضي المنطقة الحرة وهيئة موانئ عدن، ومنشآت خدمية وتعليمية، إضافة إلى التحكم في عمليات استيراد المشتقات النفطية وتوريد شحنات عبر موانٍ محددة، فضلاً عن امتلاك شركات صرافة وتجارة كبرى.


الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
TT

الجيش السوري يعلن سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات

قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)
قوات كردية عند مدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة شمال سوريا (ا.ف.ب)

أعلن الجيش السوري، في وقت مبكر من اليوم (الأحد)، سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات المجاور في شمال البلاد، في خطوة جديدة في مسار تقدمه بمواجهة القوات الكردية التي تمتعت بإدارة ذاتية منذ أكثر من عشر سنوات في المنطقة.

عناصر من القوات الكردية في شاحنة عند مدخل مدينة الطبقة (ا.ف.ب)

بعد أكثر من عام على توليه السلطة، يبسط الرئيس أحمد الشرع، سيطرته على أجزاء جديدة من البلاد، بعدما أصدر الجمعة مرسوماً ينصّ على اعتبار الكردية «لغة وطنية" والنوروز «عيداً وطنياً»، للمرّة الأولى منذ استقلال سوريا عام 1946، إضافة إلى منح كل الأكراد المقيمين في سوريا جنسيتها.

وكان الجيش السوري في بيان سابق أكّد سيطرته على مطار الطبقة العسكري بعد ساعات من بدء دخوله الى المدينة الاستراتيجية المجاورة لأكبر سدود البلاد، وأحد أكبر منشآت الطاقة الكهرومائية في سوريا. وتشكّل الطبقة عقدة مواصلات على محور يربط حلب بشرق سوريا، وتجاور المطار الذي تحول إلى قاعدة عسكرية استراتيجية.

وقبل ذلك أعلن الجيش صباح السبت أن قواته سيطرت على مساحات واسعة من ريف حلب الشرقيّ، غداة إعلان القوات الكرديّة موافقتها على الانسحاب منها، وهدد بقصف محافظة الرقة حيث فرضت الإدارة الذاتية حظرا للتجول.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن وزير الإعلام حمزة مصطفى قوله «يسيطر الجيش السوري على مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة، بما في ذلك سد الفرات، وهو أكبر سد في سوريا».

ونشرت «سانا» مقطع فيديو بدت فيه سيارات، وقالت إنه يظهر «لحظة دخول قوات الجيش العربي السوري إلى مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة».

وأعلنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد من جهتها أنها «اتخذت الإجراءات اللازمة وأعادت الأمن والاستقرار» إلى هذه المنطقة الواقعة على بعد حوالي أربعين كيلومترا من الرقة.

ودعمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديموقراطية لسنوات طويلة، لكنها الآن تدعم أيضاً السلطة الجديدة في دمشق التي تشكلت عقب إسقاط حُكم عائلة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

خرق الاتفاق

وحضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر القوات الحكومية السورية، السبت، على وقف «أي أعمال هجومية» في المنطقة الواقعة بين مدينتي حلب والطبقة بشمال البلاد، مرحّبا بالجهود «لمنع التصعيد» بينها وبين القوات الكردية.

ومساء الجمعة، أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، أن قواته ستنسحب صباح السبت من المناطق الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب «بناء على دعوات من الدول الصديقة والوسطاء، وإبداء لحسن النية في إتمام عملية الدمج» مع السلطات السورية بناء على اتفاق وقّعه الطرفان في العاشر من مارس (آذار) الماضي.

وقال الجيش السوري في بيان بثّه التلفزيون الرسميّ «نعلن عن بسط سيطرتنا على 34 قرية وبلدة بريف حلب الشرقي»، من بينها دير حافر ومسكنة، إضافة إلى مطار عسكريّ.

لكنه اتهم قوات سوريا الديموقراطية بـ«خرق الاتفاق» وإطلاق النار على قواته ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين.

وقال أيضا إنه أمّن «خروج أكثر من 200 مقاتل من عناصر تنظيم قسد بسلاحهم».

قوات من الجيش السوري خلال عملية استعادة السيطرة على منطقة الطبقة شمال سوريا (ا.ف.ب)

في المقابل، اتهمت قوات سوريا الديموقراطية دمشق بـ«الإخلال ببنود الاتفاق» المبرم «برعاية دولية»، ودخول مدينتي دير حافر ومسكنة «قبل اكتمال انسحاب مقاتلينا ما أدى إلى وضع بالغ الخطورة» متحدثة في بيان لاحق عن «اشتباكات نتيجة الخروقات".

وقالت في بيان إن عددا لم تحدده من مقاتليها قُتل بنيران الجيش السوري.

وجاء هذا الانتشار بعدما تمكن الجيش السوري الأسبوع الماضي من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، ثاني كبرى المدن السورية، وطلبه منها إخلاء المنطقة الممتدة حتى نهر الفرات على بعد 30 كيلومتراً إلى الشرق.

وأعلنت القوات الكردية، السبت، فرض حظر تجوّل في الرقة بشمال سوريا، على وقع معارك تخوضها مع الجيش السوري الذي يتقدم في المنطقة وأعلن عزمه قصف مواقع عسكرية في هذه المحافظة.

في المقابل نشرت وزارة الدفاع السورية خريطة تحدد مواقع داخل المحافظة، ودعت المدنيين للابتعاد عنها، مهددة بضربها «بشكل دقيق»، ومنها هدف قرب مدينة الرقة.

لكن سرعان ما أعلن الجيش السوري بدء الدخول الى مدينة الطبقة الاستراتيجية «من عدة محاور بالتوازي مع تطويق» مقاتلي حزب العمال الكردستاني «داخل مطار الطبقة العسكري».

وقبيل ذلك، أعلنت السلطات السورية سيطرتها على حقل صفيان النفطي (...) وحقل الثورة بالقرب من مدينة الطبقة في محافظة الرقة، فيما أعلنت الشركة السورية للبترول (حكومية) تسلمها الحقلين تمهيدا «لإعادة وضعهما بالخدمة».

اتفاق مارس وتبادل الاتهامات

تتبادل دمشق والإدارة الكردية منذ أشهر الاتهامات بإفشال تطبيق اتفاق مارس الذي كان يُفترض إنجازه في نهاية 2025، ونصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية.

والتقى عبدي في أربيل، السبت، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك ورئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني.

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبارزاني في اتصال السبت إلى «احتواء فوري للتصعيد» في سوريا و«الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار»، حسبما أورد قصر الإليزيه في بيان.

وإثر إطاحة حكم بشار الأسد، أبدى الأكراد مرونة تجاه السلطة الجديدة، ورفعوا العلم السوري في مناطقهم. إلا أن تمسّكهم بنظام حكم لامركزي وبتكريس حقوقهم في الدستور لم يلقَ استجابة في دمشق.

والجمعة، أصدر الشرع مرسوما يمنح أكراد سوريا حقوقا وطنية لأول مرة منذ استقلالها عام 1946.

وجاء في المرسوم «يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، (...) وتُعد اللغة الكردية لغة وطنية (...) وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم (...) ويُعد عيد النوروز (21 مارس) عيداً وطنياً».

وكان نحو 20 بالمئة من الأكراد حرموا من الجنسية إثر إحصاء مثير للجدل أجري في العام 1962.

ووصفت الإدارة الذاتية الكردية السبت المرسوم الذي أصدره الشرع بأنه «خطوة أولى» لكنه «لا يلبي طموحات الشعب السوري».

وقالت الإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها إن «الحقوق لا تُصان بالمراسيم المؤقتة» بل «بالدساتير التي تعبّر عن إرادة الشعوب والمكوّنات كافّة».

ورأى البيان أن «الحلّ الجذريّ» لمسألة الحقوق والحريات هو «في دستور ديموقراطي لا مركزي»، داعياً إلى «حوار وطنيّ شامل» بهذا الشأن.