المجاعة تتفشى في غزة... فما الذي يمنع إعلانها رسمياً؟

فلسطينية تحمل طفلها المصاب بسوء تغذية بدرجة كبيرة بمدينة غزة الخميس الماضي (رويترز)
فلسطينية تحمل طفلها المصاب بسوء تغذية بدرجة كبيرة بمدينة غزة الخميس الماضي (رويترز)
TT

المجاعة تتفشى في غزة... فما الذي يمنع إعلانها رسمياً؟

فلسطينية تحمل طفلها المصاب بسوء تغذية بدرجة كبيرة بمدينة غزة الخميس الماضي (رويترز)
فلسطينية تحمل طفلها المصاب بسوء تغذية بدرجة كبيرة بمدينة غزة الخميس الماضي (رويترز)

إن كانت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات غير الحكومية تحذر من خطر مجاعة وشيكة ومعممة في قطاع غزة، فإنه لا يمكن إعلان المجاعة رسمياً إلا بموجب معايير محددة تقوم على أدلة علمية.

ومن المستحيل حالياً جمع هذه الأدلة لأسباب عدة أبرزها؛ صعوبة الدخول إلى القطاع أو حتى التنقل فيه في ظل الحصار الإسرائيلي المحكم عليه.

ما المجاعة؟

تم تعريف مصطلح «المجاعة» منذ عام 2004 بموجب مقاييس دقيقة وصارمة تستند إلى مؤشر لقياس الأمن الغذائي يعرف بـ«التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC) ويقوم على معايير علمية دولية.

فلسطينيون يكافحون للحصول على الغذاء من مطبخ خيري بمدينة غزة السبت (أ.ب)

المجاعة هي المرحلة الخامسة والأشدّ من هذا المقياس (IPC5)، وتتميز بـ«الحرمان الشديد من الغذاء».

تحدث المجاعة في منطقة محددة عند بلوغ ثلاث عتبات، وهي حين تواجه 20 في المائة من الأسر فيها نقصاً حاداً في الغذاء، ويعاني 30 في المائة من الأطفال سوء التغذية الحاد، ويموت شخصان بالغان من كل عشرة آلاف يومياً «كنتيجة مباشرة للجوع أو للتفاعل بين سوء التغذية والمرض».

وعندما تتحقق هذه المعايير، يعود للجهات المعنية على مستوى البلاد كالحكومات ووكالات الأمم المتحدة أن تعلن حالة المجاعة.

ما الوضع في غزة؟

قالت أماند بازيرول، منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود: «لا يمكننا اليوم إجراء التحقيقات التي تسمح لنا بتوصيف المجاعة رسمياً»، مضيفة: «من المستحيل علينا معاينة (السكان)... لأخذ مقاساتهم وتقييم نسبة الوزن إلى الطول وما إلى ذلك».

وقال جان رافايل بواتو، مسؤول الشرق الأوسط في منظمة «العمل ضد الجوع» إن «ما يعقد الأمور إلى حد بعيد كل هذه التنقلات المتواصلة (نزوح السكان القسري مع إصدار الجيش الإسرائيلي تعليمات بالإخلاء)، وتعذر الذهاب إلى شمال (القطاع) كما إلى أماكن كثيرة حيث السكان الأكثر عرضة لنقص الغذاء».

طفلة فلسطينية تنتظر للحصول على ماء بمدينة غزة السبت (د.ب.أ)

وأوضح نبيل طبال، من برنامج الطوارئ الصحية في منظمة الصحة العالمية «واجهنا صعوبات على صعيد البيانات والوصول إلى المعلومات»، مشدداً «نحن في حاجة ماسة للاستناد إلى بيانات موثوقة... وهذا العمل جار».

والمؤشرات القليلة المتوافرة ترسم صورة مقلقة عن الوضع الغذائي في القطاع، في وقت حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، بأن «نسبة كبيرة» من السكان «تتضور جوعاً».

وأعلنت منظمة أطباء بلا حدود أن ربع أطفال غزة بين سن الستة أشهر والخمس سنوات والنساء الحوامل والمرضعات الذين قصدوا عياداتها للمعاينة الأسبوع الماضي، كانوا يعانون سوء التغذية الحاد، متهمة إسرائيل باستخدام الجوع «سلاح حرب».

وأعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الجمعة، أن نحو ثلث سكان القطاع «لا يأكلون لأيام»، مشيراً إلى تزايد سوء التغذية بشكل كبير.

وأكد أحد مستشفيات غزة الثلاثاء وفاة 21 طفلاً خلال 73 ساعة من جراء سوء التغذية والجوع.

فلسطينية تحمل رضيعها المصاب بسوء تغذية كبير في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة الخميس الماضي (أ.ف.ب)

والمواد الغذائية النادرة جداً المتوفرة في القطاع لا يمكن الحصول عليها بسبب ارتفاع أسعارها إلى حدّ باهظ، حيث بلغ سعر كيلوغرام الطحين مائة دولار، في وقت جعلت الحرب الأراضي الزراعية غير صالحة.

وتفيد المنظمات غير الحكومية بأن شاحنات المساعدات العشرين تقريباً التي تدخل القطاع يومياً تتعرض بشكل منتظم للنهب، وهي بالأساس غير كافية إطلاقاً لسد حاجات أكثر من مليوني نسمة من سكان غزة.

وقالت أماند بازيرول: «بات الأمر محض تقني أن نشرح أننا في وضع انعدام حاد للأمن الغذائي من الدرجة الرابعة على التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يطول السكان بصورة شبه كاملة، فهذا لا يعني شيئاً للناس، في حين أننا في الواقع نتوجه بسرعة إلى المجاعة، هذا مؤكد».

فلسطينية تحمل كيسا فيه مساعدات إغاثة في شارع الرشيد غرب جباليا الخميس (أ.ف.ب)

هل ما زال من الممكن تفاديها؟

دعت نحو مئة منظمة غير حكومية دولية بينها أطباء بلا حدود وأطباء من العالم وكاريتاس ومنظمة العفو الدولية وأوكسفام، إسرائيل إلى فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية.

لكن الجيش الإسرائيلي ينفي أن يكون يمنع دخول المساعدات، وأكد، الثلاثاء، أن ثمة 950 شاحنة مساعدات في غزة تنتظر أن تتسلمها الوكالات الدولية لتوزيعها.

غير أن المنظمات غير الحكومية تندد بالقيود الصارمة التي تفرضها إسرائيل، وتنتقد نظام التوزيع الذي أقامته إسرائيل والولايات المتحدة عبر هيئة خاصة تُعرف بـ«مؤسسة غزة الإنسانية».

واتهمت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، الجيش الإسرائيلي بقتل أكثر من ألف شخص في غزة منذ نهاية مايو (أيار) في أثناء سعيهم للحصول على مساعدات إنسانية، وكان معظمهم قرب مراكز مؤسسة غزة الإنسانية.

وترى فرنسا أن «خطر المجاعة» في غزة هو «نتيجة الحصار» الذي تفرضه إسرائيل، على ما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية، الأربعاء.

ورد المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية ديفيد مينسر: «ليس هناك في غزة اليوم مجاعة تسببت بها إسرائيل»، متهماً حركة «حماس» بمنع توزيع المساعدات وبنهبها، وهو ما تنفيه الحركة.

ويرى البعض أن هذا الجدل الفني أو اللفظي حول إعلان المجاعة لا معنى له إزاء الوضع الطارئ والحاجات الملحة.

وقال جان مارتان باور، مدير تحليل الأمن الغذائي في برنامج الأغذية العالمي إن «أي إعلان مجاعة... يأتي بعد فوات الأوان. حين تعلن المجاعة رسمياً، تكون أزهقت أرواحاً كثيرة».

ففي الصومال، حين أعلنت المجاعة رسمياً عام 2011، كان نصف العدد الإجمالي لضحايا الكارثة قضوا جوعاً قبل ذلك الحين.


مقالات ذات صلة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: تطمينات للفصائل بحق العمل السياسي بعد حصر السلاح في غزة

خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» (أرشيفية - رويترز)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: تطمينات للفصائل بحق العمل السياسي بعد حصر السلاح في غزة

يبدو أن إسرائيل لن تتمكن من تحقق هدفها المعلن بالقضاء على «حماس» وسط كلام عن تطمينات أميركية للفصائل بحرية العمل السياسي في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي التحذير الذي أصدرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي (حساب المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي)

بحجة إلغاء أوراق نقدية... إسرائيل تسعى إلى خنق «حماس» اقتصادياً

حذّرت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي سكان قطاع غزة من أنهم يتعاملون بأموال قد تفقد قيمتها بأي لحظة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني (وزارة الخارجية الإيطالية)

خاص نائب رئيس الوزراء الإيطالي: السعودية شريك لا غنى عنه في الاستقرار الإقليمي

شدد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي، أنطونيو تاياني، على استراتيجية العلاقة بين الرياض وروما.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
المشرق العربي فلسطيني يستخرج الحديد من أنقاض المنازل التي دمَّرها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس (د.ب.أ)

عصابة مسلحة تحاول اختطاف ناشط من «حماس»

حاول أفراد عصابة مسلحة في قطاع غزة، مساء السبت، اختطاف ناشط من حركة «حماس» في منطقة أصداء شمال خان يونس جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي نازحون فلسطينيون يسيرون بين منازل مدمّرة في جباليا (إ.ب.أ)

«حماس» تؤكد استعدادها لتنفيذ اتفاق غزة شرط التزام إسرائيل به

أكد مسؤول في «حماس»، اليوم السبت، أن الحركة لا تزال مستعدة لتنفيذ اتفاق غزة الذي ينص على نزع سلاحها، على أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لتنفّذ التزاماتها.

«الشرق الأوسط» (غزة )

العراق: خطة لتطويق فصائل يديرها «الحرس» الإيراني

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
TT

العراق: خطة لتطويق فصائل يديرها «الحرس» الإيراني

صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014
صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014

كشفت مصادر عراقية، أمس، عن ملامح خطة حكومية تتضمّن «تطويق مواقع» لفصائل يديرها «الحرس الثوري» الإيراني؛ تمهيداً لتفكيكها «تدريجياً».

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الخطة الحكومية تقضي بنشر قوات من الجيش و«جهاز مكافحة الإرهاب»، بعد 30 سبتمبر (أيلول) في محيط مراكز عمليات تابعة لفصائل مسلحة، وعلى طرق مؤدية إليها؛ بهدف تقييد حركة الإمداد من هذه المواقع وإليها.

وأوضحت المصادر أن القوات الحكومية ستبدأ تدريجياً بنصب مفارز تفتيش بإمرة ضباط لرصد حركة الأسلحة، ومصادرتها، مع التركيز على المسيّرات والصواريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الخطة تتركز بشكل أساسي على موقعي جرف الصخر، معقل «كتائب حزب الله»، وجرف النداف، معقل «حركة النجباء»، وكلاهما جنوب بغداد.

وأثارت الخطة قلق مسؤولين إيرانيين حول مصير أسلحة استراتيجية بحوزة الفصائل، ومراكز قيادة وتحكم يعمل فيها مستشارون يتبعون «الحرس الثوري»، في حين أبلغوا قيادات في «الإطار التنسيقي» أن توقيت الحملة سيئ للغاية؛ لأن الوضع الإقليمي يتطلب من الحلفاء التمسك بسلاحهم، خصوصاً في العراق.


«أوبك» متفائلة بنمو الطلب على النفط في 2027

شعار «أوبك» خلف نموذج لحفارة نفط (رويترز)
شعار «أوبك» خلف نموذج لحفارة نفط (رويترز)
TT

«أوبك» متفائلة بنمو الطلب على النفط في 2027

شعار «أوبك» خلف نموذج لحفارة نفط (رويترز)
شعار «أوبك» خلف نموذج لحفارة نفط (رويترز)

رفعت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، أمس، توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2027 إلى نحو 2.2 مليون برميل يومياً، ارتفاعاً من تقديرها السابق البالغ 1.9 مليون برميل يومياً.

ورغم أن «أوبك» خفّضت توقعاتها بشكل طفيف لإجمالي الطلب العالمي على النفط في الربع الأخير من عام 2026 إلى 107.66 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ107.72 مليون برميل يومياً متوقعة الشهر الماضي، فإنها رفعت تقديراتها بشكل طفيف لإجمالي الطلب العالمي على النفط في عام 2026 إلى 105.74 مليون برميل يومياً، من توقعاتها السابقة البالغة 105.16 مليون برميل يومياً.

وبالنسبة لعام 2027، تتوقع «أوبك» أن يصل إجمالي الطلب العالمي على النفط 107.90 مليون برميل يومياً، دون تغيير تقريباً عن توقعاتها لشهر يوليو (تموز) البالغة 107.88 مليون برميل يومياً.

إلى ذلك، تركت «أوبك» توقعاتها لنمو إمدادات النفط من المنتجين خارج تحالف «أوبك بلس»، دون تغيير، عند 640 ألف برميل يومياً في عام 2026، ما يُطابق تقديراتها لشهر يوليو. كما حافظت على توقعاتها لنمو الإمدادات من خارج «أوبك بلس» في عام 2027 عند 620 ألف برميل يومياً.


لبنان يُفكّك مشكلة الموقوفين الإسلاميين

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزيف كليرفيلد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزيف كليرفيلد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يُفكّك مشكلة الموقوفين الإسلاميين

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزيف كليرفيلد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزيف كليرفيلد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

بدأ قانون «العفو العام» الذي أقره البرلمان اللبناني، أمس، بتفكيك مشكلة الموقوفين الإسلاميين الذين أمضى بعضهم أكثر من عشر سنوات خلف القضبان من دون محاكمة. وأقرّ البرلمان القانون بأغلبية وازنة، في مقابل انسحاب نواب «حزب الله» و«التيار الوطني الحر»، اعتراضاً على شموله أشخاصاً يتهمون بقتل عناصر من الجيش اللبناني خلال أحداث أمنية سابقة.

وأوضح مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، أن «نحو 2300 سجين يمكن الإفراج عنهم في المرحلة الأولى، وهم ممن تنطبق عليهم شروط الاستفادة من العفو، ومن الملاحقين بجرائم مختلفة».

في غضون ذلك، يخوض رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، مباحثات أمنية وعملياتية ضمن جولات مكوكية بين بيروت وتل أبيب، يُنظر إليها على أنها ترجمة لضغط أميركي لإنقاذ «اتفاق الإطار» في ظل المراوحة الإسرائيلية والتمنع عن تنفيذ مطالب لبنان.