معاناة أصحاب المؤسسات في جنوب لبنان: خسائر فادحة وتعويضات غائبة

بعضهم افتتح محلات في بلدات أخرى بانتظار العودة

مواطن لبناني يتفقد أحد المواقع التي استهدفت في قصف إسرائيلي على جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مواطن لبناني يتفقد أحد المواقع التي استهدفت في قصف إسرائيلي على جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

معاناة أصحاب المؤسسات في جنوب لبنان: خسائر فادحة وتعويضات غائبة

مواطن لبناني يتفقد أحد المواقع التي استهدفت في قصف إسرائيلي على جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مواطن لبناني يتفقد أحد المواقع التي استهدفت في قصف إسرائيلي على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مُني غالبية التجار على الحدود الجنوبية، لا سيّما قرى وبلدات الحافة الأمامية، بخسائر فادحة، بعدما دمرت مصالحهم، ومؤسساتهم، ومحالهم التجارية نتيجة الحرب الأخيرة، وباتوا اليوم يعيشون في أزمة خانقة، لا سيما في ظل غياب أي تعويضات من جهات حزبية، أو رسمية.

الخسائر كبيرة

الحاج سمير حمدان واحد من هؤلاء التجار، هو وأشقاؤه الخمسة، يملكون مركزاً تجارياً استهدفته إسرائيل، ويمتهن هو بيع السجاد، والأدوات المنزلية، والأنتيكا، وغيرها الكثير.

بدأت حكاية الحاج سمير مع التجارة منذ الصغر، ورث المهنة عن والده التاجر أيضاً، يقول: «نحن من التجار القدامى في البلدة، والمساهمين في نهضة وإنماء البلدة منذ سبعينات القرن الماضي، ومع الأيام طورنا أعمالنا، خصوصاً بعد التحرير في العام 2000»، لكن الحرب الأخيرة أفقدته تجارته في البلدة، إذ دمرت إسرائيل صالات العرض التي يملكها؛ تبلغ مساحة كل واحدة منها نحو ألف متر، وفقد كامل بضاعته.

يروي الحاج سمير تفاصيل يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حين خرج كما غالبيّة أبناء القرى الأماميّة من منزله بعد دخول «حزب الله» على خط المعركة مع الإسرائيليين، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «يومها خرجنا بثيابنا فقط، حتّى من دون أوراقنا الثبوتية. لم نكن نعلم أن العودة ستكون بعيدة، اعتقدنا أن الحرب ستنتهي خلال أيام قليلة، لكننا أخطأنا بتقديراتنا».

ومنذ نحو السنة ونصف يعيش الحاج سمير وعائلته خارج بلدته، يقول: «دمرت إسرائيل منزلي، وكل منازل عائلتي، وكذلك مؤسساتنا التجارية، ومستودعاتنا، احترقت معظم البضائع، وأخرى تكسرت، وخسائرنا تجاوزت ملايين الدولارات»، ويضيف: «تعب العمر تحول إلى خراب...».

وكما تجار كثر، قرر سمير الانطلاق مجدداً من الصفر، فافتتح قبل نحو 6 أشهر صالة عرض جديدة لبيع الأدوات المنزلية، وأخرى لبيع السجاد في زفتا (قضاء النبطية) بانتظار عودته إلى بلدته، لكن الإنتاج ضعيف، ولا يقارن بما كان عليه في ميس الجبل، قبل الحرب».

أسواق تجارية كاملة تمّ نسفها

ما قبل الحرب، كان لميس الجبل، البلدة الحدودية في قضاء مرجعيون، ثقل تجاري في الجنوب، من يقصد البلدة يرى المحال التجارية تصطف على طول شوارعها، ممتلئة بشتى أنواع السلع. عائلات كثيرة، مثل حمدان، وقاروط، وقبلان، وغيرها، برزت أسماؤها في تجارة السجاد، والأدوات المنزلية، والمفروشات.

يقول رئيس بلدية ميس الجبل عبد المنعم شقير: «كانت أشبه بمدينة، فيها سجل للنفوس، ومستشفى حكومي، وسوق تجاري ضخم، وهي من كبرى بلدات الشريط الحدوديّ من حيث المساحة، وعدد السكان». ويروي لـ«الشرق الأوسط» كيف كان سوقها مزدهرة يقصدها الزبائن من مختلف المناطق اللبنانية، من الشمال، والجنوب، وبيروت، لكن البلدة اليوم «باتت منكوبة».

ويضيف: «دمرت إسرائيل كل المؤسسات التجارية، وقضت على محتوياتها، حيث تقدر خسائر التجار بعشرات ملايين الدولارات، إذ كان في البلدة 165 مؤسسة تجارية، ومتاجر صغيرة، ومتوسطة، يعمل فيها مئات العمال، وتعتاش منها عائلات كثيرة. فميس مدينة تجارية بامتياز، تضمّ معارض للمفروشات، والأثاث المنزلي، والأدوات المنزلية، والطلاء، وصالات عرض السجاد، ومصانع، وشركات كبرى.

مناطق تفتقد لمقومات الحياة

ووفق شقير، فإن حجم الدمار في البلدة بلغ مائة في المائة، ففي ميس 4800 وحدة سكنية، 3 آلاف منها دمرت كلياً، والباقي تعرض لأضرار جزئية، يعقب قائلاً: «ما أصابنا أشبه بزلزال، المنطقة باتت خالية من الحياة، لا كهرباء، ولا ماء، ولا زرع، ولا مواشي، ولا أي مقومات للعيش، ما يعني أن التجار من سكان البلدة يحتاجون لفترة زمنية ليست بقصيرة من أجل العودة وإعادة الإعمار»، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من أصحاب المؤسسات في البلدة عمدوا إلى افتتاح محلات في النبطية، والجنوب، وبيروت، «لكنهم أرغموا على فعل ذلك، وفي القلب غصة».

مع العلم أنه ومع دخول «حزب الله» جبهة الإسناد تمكن بعض التجار في بلدة ميس الجبل والقرى المجاورة من إخراج بضائعهم رغم المخاطر الكبرى التي كانت تحيطهم، بهدف إعادة تشغيلها، واستثمارها في أماكن أخرى، وهو جزء بسيط جداً من البضائع التي يملكها تجار المنطقة هناك، والتي تمّ تدمير غالبية المتبقي منها.

دبابة إسرائيلية متمركزة في قرية ميس الجبل تظهر من نافذة مركبة مدرعة تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة جنوب لبنان (أ.ب)

من جهته، يقول التاجر أحمد قاروط وهو صاحب شركة: لـ«الشرق الأوسط»: «تمكنا من إخراج جزء من بضاعتنا، قبل عام ونصف تقريباً، وما بقي منها تمّ تدميره في المستودعات، وبعضها فُقد بعدما أخذها الجنود الإسرائيليون مثلما سرقوا شجر الزيتون من قرانا»، مضيفاً «تقدّر خسائرنا بملايين الدولارات».

تمكن قاروط من افتتاح صالات جديدة في بيروت، والنبطية. لكنه يقول: «مستعدون للعودة فوراً، وفتح مصالحنا من جديد، في حال ضمان عودة آمنة لنا»، ويضيف: «نحن نعتبر أن الحرب لا تزال قائمة طالما أننا نعيش خارج قرانا الحدودية، وإسرائيل تستهدفنا متى تشاء». ويسأل: «ما ذنب المواطنين الذين خسروا أرزاقهم؟».

حركة بيع وشراء مقبولة

أحمد منصور صاحب متجر لبيع الأدوات الكهربائية، انتقل من بلدته في عيتا الشعب (قضاء بنت جبيل)، وافتتح متجره الخاص في بلدة البازورية (قضاء صور) قبل عام تقريباً، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «تمكنا من إخراج ما يقارب ثلث بضاعتنا، والباقي دمّر في القصف الإسرائيلي. حركة البيع والشراء جيدة راهناً، نتيجة التعويضات التي حصل عليها الأهالي، وتمكنوا من خلالها شراء بديل عن الأدوات الكهربائية التي دمرتها إسرائيل، خصوصاً لاستخدامها في المنازل التي نزح إليها الناس».

سنعود ونفتح متاجرنا

لكن التكلفة اليوم على منصور باتت أكبر، بسبب بدل الإيجارات التي يدفعها نتيجة النزوح من بلدته، ويقول: «نزور بلدتنا يومياً، لكن لا إمكانية للحياة فيها بعد. سنعود ونفتح متاجرنا؛ الأمر يحتاج إلى المزيد من الوقت».

وفي هذا السياق، يروي منصور كيف يستهدف الجنود الإسرائيليون كل من عاد ورمم متجره، وافتتحه في بلدة عيتا الشعب، والبلدات المجاورة، ويقول: «كأنهم يقولون ممنوع عليكم أن تشعروا بالأمان هنا» لضمان ألا يعود ويستقر الناس، لكن رغم ذلك «يقصد أهالي عيتا الشعب بلدتهم يومياً ثمّ يعودون إلى المنازل التي نزحوا إليها مع بداية الحرب، واختاروا أن تكون في قرى وبلدات الجوار، مثل حداثا، وكفرا، وصديقين» وفق منصور.

في المقابل، خسر تجار كثر أموالهم، ولم يتمكنوا من إعادة فتح أبواب متاجرهم مجدداً، لا سيّما أصحاب المحال التجارية الصغيرة الذين يعانون أزمات مضاعفة بسبب خسارة مصالحهم، وخوض تجربة النزوح منذ أكثر من عام ونصف.


مقالات ذات صلة

هل يبدّد لقاء سلام - روبيو المخاوف اللبنانية من توسعة إسرائيل للمنطقة الأمنية؟

المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)

هل يبدّد لقاء سلام - روبيو المخاوف اللبنانية من توسعة إسرائيل للمنطقة الأمنية؟

يولي الفريق اللبناني المؤيد لـ«اتفاق الإطار» أهمية خاصة للقاء المرتقب بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، الاثنين، في واشنطن.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

كثّف الجيش الإسرائيلي إجراءاته العسكرية الهادفة إلى تحويل شريط القرى المحاذي لـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خارج الخط.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (أرشيفية - إ.ب.أ)

أزمة قيادة في «حزب الله» بعد اغتيال نصر الله

في الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، لم ينجح الحزب في أن يتجاوز بالكامل غياب الرجل الذي أمسك بقيادته لأكثر من ثلاثة عقود.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)

سلام في الأمم المتحدة: لبنان يتمسك بالانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام تمسك بلاده بسيادة «تقتضي انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية»، كما «تقتضي بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
المشرق العربي آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

تدخل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان مرحلة مختلفة، مع اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص حجم قواته وإعادة تنظيمها على امتداد ما يسميه «الخط الأصفر».

صبحي أمهز (بيروت)

هل يبدّد لقاء سلام - روبيو المخاوف اللبنانية من توسعة إسرائيل للمنطقة الأمنية؟

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)
TT

هل يبدّد لقاء سلام - روبيو المخاوف اللبنانية من توسعة إسرائيل للمنطقة الأمنية؟

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)

يولي الفريق اللبناني المؤيد لـ«اتفاق الإطار» مع إسرائيل أهمية خاصة للقاء المرتقب بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، الاثنين، في واشنطن، باعتباره يُشكل محطة أساسية لاستكشاف الموقف الأميركي قبل شهر من موعد إجراء انتخابات الكنيست في إسرائيل.

يأتي اللقاء في ظل ارتفاع منسوب المخاوف اللبنانية من احتمال إقدام رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو على توسعة المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، خلال الفترة التي تفصله عن موعدها، باستهدافه المرتفعات الواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان، في حال تأكد له أنه بحاجة لتوسيعها لضمان عودته إلى رئاسة الحكومة.

مخاوف مشروعة

فالمخاوف اللبنانية هذه تبقى مشروعة أكثر من أي وقت مضى، في حال تأكد لسلام وجود نية لدى الإدارة الأميركية لترحيل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، برعاية أميركية، إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل. ويتزامن ذلك مع ما أعلنه الجيش الإسرائيلي عن استهدافه بلدة سجد وتدميره مخزناً لـ«حزب الله» تُخزَّن فيه وسائل قتالية متعددة، في ضوء ما نقلته «القناة 12» الإسرائيلية عن استكمال الجيش تدمير البنى التحتية العسكرية للحزب في المنطقة الواقعة، ضمن «الخط الأصفر»، جنوب نهر الليطاني، واستعداده الآن للانتقال إلى مرحلة جديدة من القتال.

الدخان يتصاعد من قرية مجدل زون في جنوب لبنان بعد ضربة إسرائيلية أمس (أ.ف.ب)

ويأتي لقاء الاثنين بين سلام وروبيو لاستكشاف حقيقة الموقف الأميركي في حال ترحيل الجولة الثامنة من المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل، خلافاً لما كان لبنان قد تبلّغه مراراً من أن واشنطن عازمة على مواصلة المفاوضات في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. في المقابل، توقّع سفيرها لدى لبنان، ميشال عيسى، الموجود حالياً في واشنطن، تأجيل الجولة إلى موعد لاحق، من دون تحديد أي موعد جديد.

تقطيع الوقت

وفي حال تأكد أن واشنطن تؤيد تأجيل المفاوضات، فإن لبنان، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، سيدخل مرحلة سياسية يغلب عليها تقطيع الوقت بأقل الأثمان الأمنية. وهذا ما يُفترض أن يتصدر لقاء سلام - روبيو، إلى جانب معرفة ما إذا كانت الإدارة الأميركية ستتدخل للضغط على إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار، بما يضمن أن يكون مشمولاً بوقف الأعمال العدائية، خصوصاً أن «حزب الله» لا يزال ملتزماً، حتى الساعة، بعدم الرد على خروق إسرائيل واعتداءاتها، وإن كان يُهدد بعدم العودة إلى مرحلة ما قبل 2 مارس (آذار) الماضي.

جدلة آلية التحقق

وسأل المصدر الوزاري: كيف سيتصرف روبيو، وماذا سيقول لسلام لطمأنته، ولا سيما فيما يتعلق بالضغط على إسرائيل لمنعها من توسيع المنطقة الأمنية، بدلاً من مطالبتها بتوسيع «المنطقة التجريبية» لتشمل مدناً وبلدات محتلة، وحسم الجدل الدائر حول تشكيل «آلية التحقق» من انتشار الجيش اللبناني فيها والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه؟ كما يُفترض أن يتناول اللقاء البحث في البديل الذي سيخلف قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» فور انتهاء انتدابها، لمؤازرة الجيش اللبناني في الانتشار جنوب الليطاني، في نهاية العام الحالي.

فالتوافق اللبناني - الأميركي على البديل يتلازم هذه المرة مع تأكيد سلام، في خطابه أمام الأمم المتحدة، تمسّك لبنان بـ«اتفاقية الهدنة» و«القرار 1701»، رغم أنهما لم يُدرجا في صلب «اتفاق الإطار». وهو ما دفع مؤيدي الاتفاق ومعارضيه إلى التساؤل عن كيفية تطبيقه، وعن القوة البديلة التي ستُكلَّف، بالإنابة عن «يونيفيل»، بتنفيذه، وعن موقف واشنطن منه، خصوصاً أن إلغاءه لا يمكن أن يتم بشحطة قلم، بل يتطلب صدور قرار بديل عن مجلس الأمن الدولي ينهي مفاعيله على الأرض.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يشارك في القمة متعددة الأطراف التي استضافتها الولايات المتحدة وترأسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رئاسة الحكومة)

وبالعودة إلى استئناف المفاوضات، أكد مصدر وزاري أن الخبر اليقين عن مصيرها سيحمله معه سلام إلى بيروت، رغم أن لبنان لم يتبلّغ من واشنطن حتى الساعة بموعد انعقاد الجولة الثامنة في روما ولا بموعد لقاء الوفدين على المستوى العسكري في فلوريدا، كما يتردد من حين لآخر.

وقال إن لبنان في أمسّ الحاجة إلى تحقيق تقدم في المفاوضات، بما يمكِّنه من تعزيز موقفه في مواجهة «حزب الله» وإسقاط الذرائع التي يتمسك بها للاحتفاظ بسلاحه ورفض حصره بيد الدولة. وهذا ما يشغل بال اللبنانيين ويثير قلقهم، في حال جنوح نتنياهو نحو التصعيد العسكري عبر استهداف المرتفعات التي يسيطر عليها «حزب الله» والواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان. وفي المقابل، يبقى السؤال: هل تهديده يندرج في إطار الضغط لإشعار الناخبين في إسرائيل بأنهم بحاجة إليه للعودة إلى رئاسة الحكومة، بما يطمئن المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة إلى أنهم في أمان، لا سيما بعد تأكيد جيشه أنه دمَّر البنية التحتية لـ«حزب الله» على امتداد الخط الأصفر الذي يحتله؟

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عقدت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية الثلاثاء (أ.ب)

ولفت المصدر إلى أن سلام يسعى إلى الحصول من روبيو على ضمانات في حال ترحيل المفاوضات بعدم إقدام الجيش الإسرائيلي، بطلب من نتنياهو، على توسيع المنطقة الأمنية، اعتقاداً منه بأنه يفرض خريطة جديدة بوصفه أمراً واقعاً ما بعد سيطرته على تلال «علي الطاهر»، وما قبل إجراء الانتخابات لإدراجها بنداً أساسياً على جدول أعمال المفاوضات، في حال تقرر استئنافها لاحقاً بعد التأكد من ترحيلها.

وقال إن لبنان لم يعد يحتمل الإبقاء على المفاوضات تراوح مكانها ومعلّقة إلى ما بعد إجراء الانتخابات في إسرائيل وتشكيل حكومة جديدة.

وأكد أن مجرد موافقة واشنطن على تجميدها من شأنه أن يفتح الباب أمام ضمان عدم اشتعال المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل إذا ما أصرّت على توسيع المنطقة الأمنية بإلحاق مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان بها؛ لأن الحزب بتوسيعها سيضطر للنزول بكل ثقله للدفاع عنها، كونها معركة وجود، وتشكل موقعاً استراتيجياً مهماً بالنسبة له، وأن مجرد سيطرة إسرائيل عليها تعني، من وجهة نظره، أنه تخلى عن آخر خطوطه الدفاعية في مواجهة إسرائيل.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يشارك في القمة متعددة الأطراف التي استضافتها الولايات المتحدة وترأسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رئاسة الحكومة)

ويبقى السؤال: هل يستمر الضغط الإسرائيلي عبر توسيع المنطقة الأمنية، في إطار الضغط على الدولة لتسلّم هذه المرتفعات، أسوةً بما فعله نتنياهو عندما اضطر إلى السيطرة على تلال «علي الطاهر» بعد رفض «حزب الله» التخلي عنها لمصلحة الجيش؟

وعليه، هل يحقق لقاء سلام - روبيو النتائج المرجوّة منه، بما يتيح لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الذي يتولى الإشراف على المفاوضات، أن يبني، بالتعاون مع الحكومة، على ما تحقق؟ أم أن المفاوضات ستُرحّل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وهو ما يُبقي الأنظار مشدودة إلى لقاء واشنطن، علّه يعبّد الطريق أمام استكمال تطبيق «اتفاق الإطار»؟


سودانيون عادوا إلى الخرطوم يشكون نقص مقومات الحياة

امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)
امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)
TT

سودانيون عادوا إلى الخرطوم يشكون نقص مقومات الحياة

امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)
امرأة تقدم طعاماً للمحتاجين في مطبخ خيري بالخرطوم (أ.ب)

بعد فرارهم خلال الحرب، عاد قسم كبير من سكان الخرطوم إليها آملين باستعادة حياتهم، لكنهم باتوا أمام خيار المغادرة مجدداً أو البقاء على مضض، في ظلِّ افتقارها لمقوّمات حياتية أساسية، رغم مرور أشهر على عودتها إلى كنف الجيش.

ترك نحو 4 ملايين شخص العاصمة بعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. ويُقدّر بأن 2.7 مليون شخص عادوا بعدما استعاد الجيش المدينة العام الماضي، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن بالنسبة لكثيرين، زالت فرحة العودة أمام الواقع المعيشي الصعب.

من هؤلاء رجل الأعمال عماد خالد أحمد (43 عاماً) الذي عادت أسرته من القاهرة قبل شهر، لكنه بات يستعد لإعادتها مجدداً إلى العاصمة المصرية.

ويوضح: «لا أقول إني نادم، لكن قرار عودة الأسرة كان خطأ». وأبلغ مسؤولون حكوميون، طُلب منهم العودة إلى الخرطوم، «وكالة الصحافة الفرنسية»، بأنهم يعتزمون كذلك إبقاء أسرهم في الخارج.

تبقى ندوب الحرب حاضرة في الخرطوم. فجسر شمبات الذي كان شرياناً حيوياً بين شطرَي المدينة، لا يزال جزء منه مفقوداً منذ تعرُّضه لغارة جوية. وفي وسط العاصمة، تنتشر سيارات متروكة سُرقت إطاراتها ونخر الرصاص هيكلها.

وفي حين سعى قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إلى تسويق عودته إلى الخرطوم بوصفها محطةً مفصليةً، تكشف خلفية المشاهد التي نشرها الجيش حجم الدمار: فالقصر الجمهوري مجرد هيكل لما كان عليه، وداخله فارغ بمعظمه بعدما تعرَّض للنهب والتخريب على يد «قوات الدعم السريع».

رغم ذلك، يشجّع الجيش السكان على العودة، وأعاد بناء المطار وافتتحه من جديد لتسيير الرحلات الداخلية، وبدأ بتأهيل بعض البنى التحتية.

«في حلقنا غصّة»

إلا أن ذلك لم يكفِ لعودة الخدمات. فالكهرباء ما زالت تُقطع لأيام متتالية، وكذلك المياه، ويعاني كثيرون للتبضع في ظلِّ أسعار باهظة تواصل الارتفاع يومياً.

وتقول سعاد محمد إدريس (49 عاماً) إنها عادت إلى منزلها في الخرطوم بحري لتجد أن أثاثه قد سُرق. في ظلِّ عجزها عن شراء ثلاجة جديدة، باتت تضطر لشراء المواد الغذائية يومياً.

وتضيف السيدة، وهي أرملة وأم لـ6 أولاد: «لا بد أن اشتري الخضراوات واللحمة يومياً، والأسعار مرتفعة وكل يوم في زيادة... صحيح جئنا بشوق لبلدنا، لكن الغلاء طاحن».

تركزت العودة في الأحياء الشعبية، بينما تبقى مناطق راقية تنتظر أهلها، مثل «الخرطوم 2»، حيث ينتشر الزجاج المكسور في شوارعها المظللة بالشجر، بين منازل فخمة بعضها مُدمَّر، في صمت لا تخرقه سوى زقزقة العصافير.

بعد 3 أشهر من العودة، تحزم ثريا بابكر (86 عاماً) حقائبها مجدداً.

وتوضح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أنا وزوجي وابنتي الصغيرة سنغادر إلى الإمارات... طبعاً كنا نريد ألا نغادر، لكن وضعنا الصحي وصعوبة الحصول على العلاج» يحتّمان ذلك.

ويُشكِّل وضع القطاع الصحي الذي تعرَّض لضرر بالغ في الحرب، أولوية لكثيرين.

ورغم أن جمعيات خيرية أعادت تأهيل بعض المستشفيات مع بدء عودة السكان العام الماضي، فإن كثيراً من المستلزمات الطبية يبقى غير متوافر.

وتقول الطبيبة هيفاء عمر: «نحاول بقدر الإمكان ألا يضطر المريض وأهله لإجراء أي فحوص أو صور أشعة خارج المستشفى».

تضيف: «لكن بعض الأدوية لا تتوافر... نطلب من المريض شراءها من خارج المستشفى، وفي حلقنا غصة لأننا نعرف ظروف الناس».

حتى خارج المستشفى، ليس من السهل العثور على الدواء، بحسب ما يؤكد إمام بكر عباس الذي عاد إلى جنوب الخرطوم برفقة زوجته وطفليه ووالديه، بعدما أمضوا 3 أعوام في القاهرة.

وأمام صيدلية، يقول الرجل البالغ 34 عاماً: «والدي مصاب بضغط الدم، وللحصول على الدواء، عليّ أن أدخل 10 صيدليات لأجده، وسعره يتغير يومياً».

كما يعاني عباس لحفظ الإنسولين مبرداً لوالدته المصابة بداء السكري. ويوضح أنه ابتاع ثلاجة «لكن الكهرباء تنقطع 12 ساعة في اليوم، فيتلف».

«الأمور ليست بخير»

أصبحت الخرطوم حالياً ظلاً لما كانت عليه ذات يوم: عاصمة أفريقية كبرى يزيد سكانها على 8 ملايين نسمة.

ويقول مسؤول أممي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في الخرطوم إن حجم الدمار يفوق كل النزاعات التي شهدها، ومنها أوكرانيا.

ورغم أن «قوات الدعم السريع» تشنّ هجمات متفرقة بالمسيّرات على الخرطوم، فإن السلطات تتمسك بعودة الأمور إلى طبيعتها.

وهي أنهت نظام التعليم عن بُعد في الجامعات في يوليو (تموز)، وبات لزاماً على الطلاب العودة. ودفعت هذه الخطوة أساتذة الطب في جامعة الخرطوم إلى التلويح بتقديم استقالات جماعية.

وتقول إحدى طالبات الماجستير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «رفضتْ الجامعة مناقشة بحث للماجستير عبر الإنترنت»، رغم أن المشرف عليها «موجود في دولة أخرى».

أما طالبة أخرى كان من المقرر أن تبدأ السنة الأخيرة من مرحلة الإجازة في إدارة الأعمال، فباتت تسابق الزمن للحصول على منحة في مصر لبدء الدراسة من جديد، بعدما فاتتها الامتحانات الحضورية هذا الصيف.

وتقول بحسرة: «لم يصغوا إلينا. كل ما كان يهمهم هو أن يعود الناس».

تضيف الشابة التي طلبت عدم ذكر اسمها: «الأمر سياسي، فهم يريدون عودة الناس ليظهروا أن الأمور على ما يرام، لكنها... ليست على ما يرام أبداً».


حصيلة الحرب في غزة تتجاوز 74 ألف قتيل

خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)
خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)
TT

حصيلة الحرب في غزة تتجاوز 74 ألف قتيل

خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)
خيام تؤوي فلسطينيين نازحين وسط مبانٍ تضررت جراء الحرب في مدينة غزة (أ.ب)

أُصيب فلسطينيان، أحدهما بجروح حرجة، صباح اليوم (الأحد)، جراء قصف طائرة مسيّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين قرب الجامع الأبيض في مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزة، فيما تجاوزت حصيلة قتلى الحرب 74 ألف قتيل.

ونقلت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) عن مصادر محلية قولها: «إن مواطناً أُصيب، فجر اليوم، جراء قصف مسيّرة قرب خيام نازحين في محيط سوق حي الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة».

وفي السياق، استهدفت القوات الإسرائيلية بقصف مدفعي مناطق جنوب خان يونس، بينما أطلقت آلياتها النار شرق المدينة، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار مكثف استهدف منطقة مواصي رفح، جنوب القطاع.

كما أطلقت طائرات مروحية إسرائيلية النار بكثافة شرق مدينة غزة، بينما أطلقت الدبابات والزوارق الحربية النار تجاه المناطق الشمالية الغربية من المدينة.

وفي شمال قطاع غزة، أطلقت آليات إسرائيلية النار بكثافة غرب بيت لاهيا.

يأتي هذا في الوقت الذي تجاوزت فيه حصيلة القتلى الفلسطينيين جراء الحرب المستمرة منذ نحو 3 سنوات بين إسرائيل وحركة «حماس» حاجز الـ74 ألف قتيل، وذلك وفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة.

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار - الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي - قد أوقف المعارك الأشد ضراوة، فإن الضربات الإسرائيلية لا تزال مستمرة فيما يصفه الجيش الإسرائيلي بأنه رد على تهديدات أو هجمات، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

حيث أعلنت وزارة الصحة في غزة أمس السبت أن حصيلة القتلى الفلسطينيين ارتفعت إلى 74 ألفاً و16 شخصاً، بالإضافة إلى إصابة 175 ألفاً و68 آخرين. وكانت الحرب قد اندلعت في 7 أكتوبر 2023، حين شنَّ مسلحون بقيادة «حماس» هجوماً على إسرائيل، مما أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص - معظمهم من المدنيين - واحتجاز 251 آخرين كرهائن.

وذكرت الوزارة - التي تتبع الحكومة التي تديرها «حماس» - أنه منذ بدء وقف إطلاق النار، قُتل 1145 فلسطينياً. وتحتفظ الوزارة بسجلات مفصلة تعدّها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية موثوقة بشكل عام؛ ورغم أنها لا تميز في أرقامها بين المدنيين والمسلحين، فإنها تشير إلى أن النساء والأطفال يشكِّلون نحو نصف إجمالي الضحايا.

وفي المقابل، قُتل 7 جنود إسرائيليين منذ بدء وقف إطلاق النار.

ولا تزال جوانب أخرى من اتفاق وقف إطلاق النار - الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية - تراوح مكانها؛ إذ تسيطر القوات الإسرائيلية حالياً على أكثر من نصف الأراضي الفلسطينية، ولم تقم «حماس» بتسليم سلاحها، كما لم تتشكَّل حكومة فلسطينية جديدة، ولم تبدأ عمليات إعادة الإعمار بعد.

ويؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب ما لم تقم «حماس» بتسليم سلاحها.