سوريون يبلغون عن مواقع محتملة لمقابر جماعية بعدما أضناهم البحث عن أحبائهم

صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)
صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)
TT

سوريون يبلغون عن مواقع محتملة لمقابر جماعية بعدما أضناهم البحث عن أحبائهم

صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)
صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)

بعدما فقد الأمل في العثور على شقيقيه ضمن الأحياء إثر إخراج المعتقلين من السجون، بدأ زياد عليوي رحلة بحث مضنية عنهما في مقابر جماعية محتملة يبلغ سكان عن مواقعها، وسط ضعف الخبرات المحلية في التعاطي مع ملفات مماثلة.

ويشكل مصير عشرات آلاف المفقودين والمعتقلين في سوريا، والمقابر الجماعية التي يُعتقد أن النظام السوري أقدم على دفن معتقلين فيها كانوا قضوا تحت التعذيب، أحد أبرز وجوه المأساة السورية بعد أكثر من 13 عاماً من نزاع مدمر تسبب في مقتل أكثر من نصف مليون شخص.

قرب بلدة نجها الواقعة جنوب شرقي دمشق، يشير عليوي (55 عاماً) إلى خندق عميق محفور بعناية في أرض قاحلة يزنّرها سور مرتفع وتحيط بها غرف مراقبة عسكرية. ويقول وسكان آخرون في المكان إن الخندق الذي يتجاوز عمقه 5 أمتار، وهو واحد من 3 خنادق على الأقل، يضم رفات معتقلين اعتاد الأمن العسكري على نقله في برادات بين الحين والآخر ودفنه، فيما كان يُمنع على المدنيين الاقتراب من المكان.

رجال يحفرون ليساعدوا أعضاء «الوكالة التركية لإدارة الكوارث - آفاد» خلال بحثهم عن سجناء بسجن صيدنايا على بعد نحو 28 كيلومتراً شمال دمشق (أ.ف.ب)

ويقول الرجل المقيم في ريف دمشق ويعمل سائقاً بمكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» إنه بعد إطاحة الأسد «بحثت عن شقيقيّ في كل السجون... بحثنا عن خبر، عن ورقة، عن هوية... تدل على أنهما كانا هناك، ولم نجد شيئاً». ويضيف: «نريد أن نعرف أين أولادنا وإخوتنا... هل قتلوهم وهم مدفونون هنا؟».

اعتُقل شقيقا عليوي بين عامي 2012 و2014، إضافة إلى 4 من أولاد عمه، من دون أن يعلموا شيئاً عن مصيرهم، مثل عائلات كثيرة ما زالت تنتظر خبراً يبلسم جراح الفقد.

ويشرح: «ربما إذا كشف أطباء مختصون على المكان، فإنه يمكن لكل منا أن يرتاح باله، ويكف عن الاحتفاظ بالأمل أن ابنه ما زال حياً».

مائة بلاغ

يقول عليوي: «نبحث عن آلاف من الناس، لا عن واحد أو اثنين أو ثلاثة»، مضيفاً: «الناس في صدمة، فعندما يموت ابنك وتتسلمه، تعرف أنه مات وتدفنه، لكنك الآن لا تعلم أين هو، ولا دليل لديك» على مصيره.

ومع افتقاد سوريا فرقاً مختصة في التعاطي مع ملف المقابر الجماعية وكيفية إعادة حفرها والحفاظ على الأدلة، يطالب عليوي المنظمات الدولية والحقوقية بأن «تأتي وتفتح هذه المقابر حتى نعرف أين أولادنا».

أحد أفراد فريق من «الوكالة التركية لإدارة الكوارث - آفاد» خلال عمليات بحث عن أقبية أو زنزانات يعتقد أنها مخفية تحت الأرض بسجن صيدنايا (أ.ف.ب)

وأعرب سوريون خلال الأسبوع الأخير في سجون ومستشفيات بدمشق ومحيطها عن خيبة أملهم بعد فتح السجون من دون أن يعثروا على أقربائهم. ويتوجه كثر منهم إلى مواقع أمنية بمناطق نائية يعتقدون أنها قد تضم رفات معتقلين كانوا قضوا تحت التعذيب في ما ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية» وفق منظمات حقوقية.

على بعد كيلومترات عدة من نجها، استجاب فريق من الدفاع المدني السوري لاتصالات عدة وردتهم من سكان أفادوا بمشاهدتهم «سيارة رمت في جنح الظلام أكياساً بداخلها عظام متعددة الأحجام»، من دون أن يعرفوا مصدرها، و«كان طاقم من نحو 10 أشخاص، يرتدي عدد منهم زياً أبيض من رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، ينقلون أكياساً بيضاء صغيرة ويجمعونها داخل أكياس سوداء كبيرة مع ترقيمها».

سوريون بين حفر حفرها باحثون عن زنازين تحت الأرض بسجن صيدنايا شمال دمشق (أ.ف.ب)

ويشرح عمر السلمو (40 عاماً)، وهو عضو مجلس إدارة في الدفاع المدني السوري، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «منذ سقوط النظام، تلقينا أكثر من مائة بلاغ عن وجود مقابر جماعية؛ إذ يعتقد الناس أنه في كل نقطة عسكرية توجد مقابر جماعية، بالنظر إلى أن عدد الذين خرجوا من السجون قليل جداً وعدد المفقودين كبير جداً».

ورغم أنه لا تقديرات رسمية بشأن العدد الإجمالي لمن خرجوا من السجون، فإنه لا يقارن بعدد المعتقلين منذ عام 2011. ووفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فقد لقي أكثر من 100 ألف شخص حتفهم في السجون ومراكز الاعتقال السورية منذ بدء النزاع.

«حماية» المواقع

وتعمل فرق الدفاع المدني حالياً على أخذ عينات من المواقع المحتملة بهدف إجراء فحوص الحمض النووي ومطابقته مع حمض عائلات أبلغت عن وجود مفقودين.

ومن بين أعضاء الفريق الذي كان يوم الاثنين في الموقع، تلقى اثنان فقط «تدريباً بسيطاً» في وقت سابق للتعامل مع حالات مماثلة، وفق السلمو، الذي يقول: «نحاول العمل بخبراتنا المتواضعة»، لافتاً إلى ضرورة الحصول على دعم من المنظمات الدولية المختصة التي «حتى اللحظة لم تبذل أي جهد لمساعدتنا» في حفظ الأدلة وتحليل العينات.

ودعت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقرير الثلاثاء، السلطات الانتقالية إلى «تأمين الأدلة وجمعها وحفظها، بما فيها تلك الموجودة في مواقع المقابر الجماعية والسجلات والأرشيفات الحكومية»، وإلى التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، «التي يمكنها أن تقدم الخبرة والدعم الأساسيَّيْن لحماية هذه السجلات».

ودعت المنظمة إلى ضرورة «حماية» مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق، حيث عاين فريقها الأسبوع الماضي «أعداداً كبيرة من الرفات البشري في موقع مجزرة وقعت خلال أبريل (نيسان) 2013».

وكان مقطع فيديو جرى تسريبه قبل سنوات أظهر 11 شخصاً معصوبي الأعين بينما تطلق مجموعات موالية للنظام السابق الرصاص عليهم من قرب، ثم تدفعهم إلى حفرة، إلى جانب جثث 13 شخصاً آخرين.

وعدّت المنظمة أن هذه «المجزرة ليست سوى حادثة مروعة واحدة في نمط العنف الذي مارسته الدولة وجرائم الحرب المفترضة».

بقايا صورة لبشار الأسد في قاعدة المزة الجوية بدمشق (أ.ف.ب)

على بعد 70 كيلومتراً جنوب دمشق، استعاد محمّد خالد الأسبوع الماضي مزرعته في بلدة إزرع بمحافظة درعا، بعدما كان الأمن العسكري قد وضع يده عليها قبل سنوات طويلة. ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «جئت بعدما خرجوا؛ لاستثمارها من جديد، وفوجئت بها منطقة موحشة وأرضها متعرجة. شككت في الأمر وأبلغت الجهات المختصة».

وحضر فريق ضم رئيس النيابة العامة في إزرع وطبيباً شرعياً ووجهاء من البلدة إلى الموقع. وبحضور طبيب شرعي من المحافظة، وبعد عملية تنقيب «بدائية»، يقول خالد: «فوجئنا بوجود جثة ثم اثنتين وثلاث». وفي مرحلة أولى يوم الاثنين جرى «انتشال 22 جثة».

ونبّهت الباحثة لدى «هيومن رايتس ووتش»، هبة زيادين، إلى أنه «من دون جهود سورية ودولية فورية لتأمين المواقع المحتملة للجرائم الجماعية وحفظها؛ من أجل عمليات منسّقة لاستخراج الجثث وإجراء تحقيقات جنائية، فإن هناك خطراً يتمثل في ضياع الأدلة الأساسية للمساءلة».

وتابعت: «يستحق أحباء الأشخاص الذين قُتلوا بوحشية هنا أن يعرفوا ما حدث لهم... الضحايا يستحقون مساءلة الجناة».


مقالات ذات صلة

وفاة شخص وإنقاذ 15 مدنياً وإجلاء عائلات جراء السيول في سوريا

المشرق العربي مياه الأمطار والسيول تغرق شوارع المحافظات السورية (سانا)

وفاة شخص وإنقاذ 15 مدنياً وإجلاء عائلات جراء السيول في سوريا

نفَّذت فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث 165 استجابة ميدانية جراء الهطولات المطرية الغزيرة والسيول التي شهدتها محافظات سورية عدة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، استدعاء السفير الأردني في دمشق للاحتجاج على غارات جنوب البلاد، الثلاثاء، أوقعت 7 قتلى بينهم أطفال.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في مطار دمشق الأربعاء في أول زيارة يقوم بها إلى دمشق (الرئاسة السورية)

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

تكمن أهمية الزيارة في كونها الأولى لرئيس حكومة في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وتتويجاً لتحسن تدريجي في العلاقات السياسية والتنسيق الأمني بين الطرفين

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عمر ديابي رئيس «فرقة الغرباء» في إدلب (أرشيفية - فرنس بلو)

مواجهة بين أمن إدلب وعناصر من «فرقة الغرباء» الفرنسيين

أفادت قيادة الأمن الداخلي في محافظة إدلب بمواجهةٍ بين دورية تابعة لها ومجموعة مسلحة من «مخيم الفرنسيين» جرت الأربعاء باتجاه منطقة حارم بريف إدلب...

«الشرق الأوسط» (إدلب (سوريا))
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري يقفون على مركبة عسكرية (رويترز)

القوات السورية تعلن مقتل مُسلح فرنسي خلال تبادل لإطلاق النار

أعلنت قوات الأمن السورية، اليوم الأربعاء، مقتل إرهابي فرنسي خلال تبادل لإطلاق نار مع عناصرها في محافظة إدلب في شمال غربي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)

تجمع القوى السياسية على أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تدخل حالياً في «إجازة»، تبقى مدتها معلّقة على هوية المكلّف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، وما إذا كان سيُعاد تكليف بنيامين نتنياهو، أم سيرسو الخيار على منافسه، رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، رغم توافقهما في التعامل مع الملف اللبناني بشقّيه الأمني والسياسي. ويعود الخلاف بينهما إلى هوية مَن سيتزعّم الحكومة، في ضوء النتائج التي أسفرت عنها انتخابات «الكنيست».

فلبنان يمرّ حالياً بمرحلة يغلب عليها الترقّب، وسط خشية، وفق ما قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، من أن تطول فترة «الإجازة» المفروضة عليه، في حال تعذّر تشكيل الحكومة الإسرائيلية والدعوة مجدداً إلى انتخابات، ما لم تبادر واشنطن إلى التدخل لإفساح المجال أمام التوصل إلى تسوية بين نتنياهو ومنافسه آيزنكوت، خصوصاً أن الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي، الذي رعته وزارة الخارجية الأميركية واستضافته في فلوريدا، لم يحقق أي تقدّم.

في المقابل، بدأ مصدر في «الثنائي الشيعي»، أقرب إلى «حزب الله»، يروّج لبوادر انفراج إيراني - أميركي، رغم أن الحكم النهائي يبقى رهناً بنتائج الوساطات الساعية إلى تهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات بين طهران وواشنطن، ما دفع مصدراً وزارياً إلى التساؤل عن مدى صحة ما يُروّج له.

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

وكشف المصدر الوزاري أن واشنطن لم تضغط على إسرائيل لإخراج «اتفاق الإطار» من المراوحة، بذريعة أنها ليست في وارد التدخّل ما دام نتنياهو لم يقدّم التسهيلات اللازمة لتفعيل الاتفاق، وهو يستعد لخوض انتخابات «الكنيست»، على أن يُترك ما بعدها لما ستؤول إليه النتائج، تفادياً لاستغلال هذه المسألة من قبل منافسه آيزنكوت.

ولفت إلى أن ما يهم واشنطن، من خلال رعايتها الاجتماع العسكري، هو تأكيد استمرارية المفاوضات، فيما تبقى الدعوة إلى استئنافها على المستوى السياسي معلّقة على نتائج الانتخابات في إسرائيل وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأميركية.

وقال إن واشنطن فضّلت عدم التدخّل للضغط على نتنياهو لوقف اعتداءات جيشه وخروقه، وهو ما ألمح إليه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بقوله إن الاتصالات في هذا الخصوص لا تزال بلا نتائج.

حجة لاستقواء «حزب الله» على الحكومة

وأكد المصدر أن عدم تجاوب واشنطن مع طلب عون الضغط على نتنياهو لوقف اعتداءاته من شأنه أن يوفّر مادة سياسية لـ«الثنائي الشيعي»، خصوصاً «حزب الله»، للاستقواء على الحكومة، عبر سؤال نوابه عمّا تحقق للبنان حتى الآن من دخوله في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

وقال إنه كان يتوقع من الإدارة الأميركية التدخّل خلال الجولات السياسية السابقة التي عُقدت بين البلدين برعاية أميركية، لتعزيز الموقف اللبناني المؤيد للتفاوض من جهة، وإسقاط ما يتذرّع به الحزب لتبرير تمسّكه بـ«مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية من جهة ثانية، رغم أنها لم ترَ النور بعد، ولا تزال معلّقة على الجهود التي يبذلها الوسطاء لإقناع الطرفين الموقّعين عليها باستئناف المفاوضات.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة في بيروت قبل أسبوعين (إ.ب.أ)

ورأى أن الاجتماع العسكري انتهى إلى وضع لائحة بنقاط الخلاف، على أن تحال لاحقاً على الاجتماع السياسي من دون تحديد موعد انعقاده، ويُترك لواشنطن تحديده بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وعندها سيكون في وسعها الضغط على تل أبيب لتفعيل الاتفاق ووضعه على سكة التنفيذ.

وقال إن الوفد العسكري رفض الموافقة على تشكيل لجنة تنسيق ثنائية يراد منها أن تحل مكان قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» فور مغادرتها الجنوب نهاية العام الحالي، فيما يُطالب لبنان بأن يكون البديل قوة أوروبية متعددة الجنسية، تحظى بغطاء الأمم المتحدة. لذلك يصر لبنان على التمسك بـ«اتفاق الإطار» باعتباره الخيار الأوحد، ولن يتراجع عن حصرية السلاح بيد الدولة بعد أن جرّب «حزب الله» الحل العسكري فيما حكومته تتطلع للضغط على إسرائيل، ما يضع الولايات المتحدة أمام تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لعون عندما التقاه في البيت الأبيض بتوفير كل أشكال الدعم لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار».

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

إشارة إيرانية إيجابية لـ«حزب الله»

في المقابل، يأمل المصدر المقرّب من «الثنائي الشيعي»، الذي أخذ على عاتقه الترويج لبوادر انفراج في العلاقات الأميركية - الإيرانية، بما يعيد الاعتبار إلى «مذكرة التفاهم» الموقّعة بين البلدين، أن تنجح الوساطات في استئناف التواصل بينهما، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وكشف أن توقعاته بحدوث ذلك لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى التواصل بين الحزب والقيادة الإيرانية، وإن كان الحكم النهائي يبقى رهناً بما ستؤول إليه جهود الوساطة. وأكد أنه لا مصلحة لـ«الثنائي» في استباق النتائج، ملمّحاً إلى ما تردّد عن طلب ترمب من نائبه جي دي فانس توجيه رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، يُراد منها تأمين الإمدادات للشعب الإيراني.

وأشار إلى أن الحزب بدأ الترويج لبوادر الانفراج منذ مساء الاثنين الماضي، بعدما تلقّى إشارة إيجابية في هذا الشأن من مسؤولين في القيادة الإيرانية، التي يُفترض أنها أطلعت رئيس مجلس النواب نبيه بري على ما لديها من معطيات، نظراً إلى تواصلها الدائم معه وحرصها على إبقائه مطّلعاً على حركة الموفدين والوسطاء الذين يترددون على طهران سعياً إلى تقريب وجهات النظر بينها وبين واشنطن. واكتفى بري بالقول أمام زوّاره إن «الحكم النهائي متروك لخواتيمها، ليكون بوسعنا أن نبني على الشيء مقتضاه».

توقيت بيان قاسم

وتوقف عند البيان الذي أصدره الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، مرجّحاً أن يكون قد اختار توقيت صدوره استناداً إلى ما تبلّغه من القيادة الإيرانية، وتحديداً «الحرس الثوري»، الذي تعود إليه الكلمة الفصل. وأشار إلى أن البيان لم يحمل أي جديد، بل كرّر مواقف الحزب المتمسّك بسلاحه، مؤكداً أنه «لا محل للنقاش حول سحبه ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً»، وأنه لا شرعية لـ«اتفاق الإطار»، الذي عدّه بحكم المعدوم، مضيفاً: «نحن نهتم باتفاق إيران - أميركا الذي أثبت فاعليته بتخفيض مستوى العدوان على لبنان بمجرد إطلاق مذكرة التفاهم».


عون: التقدم في المفاوضات لم يتحقق... وبري يحذّر من إنهاء مهمة «يونيفيل»

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان (رئاسة الجمهورية)
TT

عون: التقدم في المفاوضات لم يتحقق... وبري يحذّر من إنهاء مهمة «يونيفيل»

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان (رئاسة الجمهورية)

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون تمسّك لبنان بالحلول الدبلوماسية والتفاوضية لمعالجة النزاعات، مشيراً إلى أن التقدم المطلوب في المفاوضات مع إسرائيل لم يتحقق حتى الآن، فيما حذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري من «خطورة إنهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان قبل التطبيق الكامل للقرار (1701)، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كلياً».

وجاءت مواقف عون وبري خلال استقبالهما وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان، التي التقت أيضاً رئيس الحكومة نواف سلام في بيروت؛ حيث تناول لقاءاتها التطورات اللبنانية والإقليمية، وسبل تعزيز التعاون بين لبنان وألمانيا، إضافة إلى الدعم الأوروبي للمؤسسات اللبنانية.

الحلول الدبلوماسية أساس الاستقرار

وأكد الرئيس عون، خلال لقائه الوزيرة الألمانية، أن «لبنان يتمسّك بالحلول الدبلوماسية والتفاوضية لمعالجة النزاعات، انطلاقاً من قناعته بأن الحروب لم تُحقق الأهداف المرجوة منها، وأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها».

وشدّد على ضرورة «وقف الاعتداءات الإسرائيلية والالتزام بالتفاهمات القائمة»، مشيراً إلى أن «استمرار العمليات العسكرية واستهداف المناطق المدنية والبنى التحتية يزيدان من معاناة السكان، ويقوّضان الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار»، في وقت يحتاج فيه أبناء الجنوب إلى الأمن والطمأنينة والعودة إلى حياتهم الطبيعية.

عون: لا تقدم في المفاوضات حتى الآن

ولفت عون إلى أن لبنان طرح خلال الاتصالات والمفاوضات 4 ملفات أساسية، هي «وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وترسيم الحدود، وملف الأسرى»، إلا أن التقدم المطلوب لم يتحقق حتى الآن.

وأكد عون أن «الدولة اللبنانية والجيش اللبناني مستعدان لمعالجة أي هواجس أمنية عبر الآليات الرسمية والتنسيق المعتمد، بدلاً من اللجوء إلى العمليات العسكرية»، داعياً إلى تعزيز الدعم الأوروبي للجيش، نظراً للمسؤوليات الملقاة على عاتقه في حفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات، وضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية.

وعدّ أن «دعم الجيش والمؤسسات الأمنية اللبنانية يشكّل استثماراً مباشراً في استقرار لبنان والمنطقة، وينعكس إيجاباً على أمن أوروبا أيضاً»، نظراً للترابط الوثيق بين ضفتي المتوسط.

وتناول اللقاء مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية؛ حيث أشار عون إلى استمرار العمل مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية لاستكمال الإصلاحات الضرورية واستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني.

كما أعرب عن تطلعه إلى إسهام ألمانيا في جهود إعادة الإعمار، ولا سيما ضمن أي إطار يجري العمل على إعداده بقيادة البنك الدولي وبالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، مشدداً على أهمية «الانتقال تدريجياً من مرحلة المساعدات الطارئة إلى بناء شراكة اقتصادية وتنموية مستدامة».

بري: استمرار «يونيفيل» حتى تطبيق القرار «1701»

والتقت الوزيرة الألمانية رئيس مجلس النواب نبيه بري بحضور السفير الألماني لدى لبنان، توماس تسانايزن، وتناول اللقاء الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة، والمستجدات الميدانية الناتجة عن مواصلة إسرائيل عدوانها على لبنان وتدميرها القرى والبلدات اللبنانية في الجنوب، وعدم التزامها، وفق ما أكد بري، بقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار «1701»، فضلًا عن عدم التزامها بالاتفاقات المبرمة عام 2024 واتفاق الإطار الأخير، وكل منهما برعاية أميركية.

ومع اقتراب انتهاء ولاية «يونيفيل» أواخر العام الحالي، حذّر رئيس البرلمان من «خطورة إنهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان قبل تطبيق القرار (1701) كاملاً وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كلياً»، مشدداً على «وجوب تعزيز الشراكة بين لبنان وألمانيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي، والاستمرار في تقديم الدعم للجيش اللبناني».

سلام لمساندة التعافي وإعمار الجنوب

بدوره، شكر رئيس الحكومة نواف سلّام خلال استقباله الوزيرة الألمانية دعم بلادها المتواصل للبنان، مؤكداً أهمية مساندة التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب، ومساعدة الأهالي على العودة إلى قراهم، وتعزيز قدرات الدولة.

ألمانيا تؤكد دعم لبنان... وترفض الفراغ في الجنوب

وبعد لقائها رئيس الجمهورية في القصر الجمهوري، أدلت وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان بتصريح، تناولت فيه أهداف زيارتها، وموقف بلادها من التطورات في لبنان والمنطقة. وأكدت أن «ألمانيا تدعم نهج الإصلاحات وبناء مؤسسات دولة فعالة وإرساء شروط حياة أفضل لأهل هذا البلد، لا سيما لأولئك الأكثر تضرراً من الأزمة».

وأشارت إلى أن الحكومة الألمانية تلمس تقدماً في الإصلاحات التي تنفذها الحكومة اللبنانية، مؤكدة أن بلادها ستواصل دعم المؤسسات اللبنانية والتعاون في مجالات تعزيز الحوكمة والشفافية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتحسين التعليم المهني، وإعادة تأهيل البنى التحتية في المناطق المتضررة.

وفي معرض حديثها عن مستقبل «يونيفيل»، قالت ريم العبالي: «نحن نراقب الوضع من كثب، وطبعاً يجب ألا يكون هناك فراغ في هذا الشأن». وشددت على أن «ألمانيا تريد أن تدعم الجيش اللبناني؛ لأنه بالفعل ركن أساسي لاستقرار البلد، وسنقوم بذلك الآن وفي المستقبل».


أحكام بالسجن على سياسيين عراقيين في قضية «فساد نفطي»

جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)
جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)
TT

أحكام بالسجن على سياسيين عراقيين في قضية «فساد نفطي»

جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)
جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (مواقع تواصل)

أعلن القضاء العراقي، الخميس، صدور حكمين بالسجن بحق مثنى السامرائي، زعيم ثاني أكبر تحالف سني في البلاد، وزياد الجنابي، النائب والرئيس السابق لـ«لجنة النزاهة» البرلمانية، في قضية بشأن الانتفاع من عقود لشركات مَصَافٍ نفطية، ضمن حملة لمكافحة الفساد أطلقتها الحكومة في يونيو (حزيران) الماضي.

وقالت «هيئة النزاهة الاتحادية»، في بيان، إن المحكمة حكمت بسجن السامرائي 6 سنوات، والجنابي 5 سنوات، بعد إدانتهما بالانتفاع من عقود مرتبطة بشركتَي مصافي «الشمال» و«الجنوب».

وأضافت أن المحكمة ألزمت السامرائي ردّ 30 مليار دينار عراقي، قالت إنه حصل عليها من خلال التوسط في العقود، فيما ألزمت الجنابي ردّ 4 مليارات دينار، قال البيان إنه انتفع بها من العقود ذاتها.

واعتُقل السامرائي في 28 يونيو 2026، ضمن حملة توقيفات طالت نواباً ومسؤولين حاليين وسابقين على خلفية اتهامات بالفساد، وأُطلق عليها إعلامياً اسم «صولة الفجر».

وأطلق رئيس الوزراء، علي الزيدي، الحملة بعد توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا فساد. غير أن وتيرتها تراجعت لاحقاً تحت ضغوط سياسية، وفق تقارير محلية.

وترتبط القضية بمسؤول سابق في وزارة النفط، هو عدنان الجميلي، وبشبهات بشأن الحصول على منافع وعمولات من عقود حكومية.

وكان السامرائي قد أُحيل إلى المحاكمة بموجب «المادة319» من قانون العقوبات العراقي، التي تتناول انتفاع الموظف أو المكلف خدمةً عامة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من الأشغال والمقاولات والتعهدات المرتبطة بمهامه.

وتأتي الأحكام الجديدة في سياق سلسلة من الإجراءات القضائية التي طالت نواباً ومسؤولين حاليين وسابقين، بينهم عالية نصيف، وطلال الزوبعي، ومحمد الكربولي، وبهاء النوري، وحسن الخفاجي، وبشرى القيسي، وهند العباسي، إضافة إلى مسؤولين في وزارة النفط.

ولا يزال عدد من المسؤولين المطلوبين، وفق المعلومات المتاحة، خارج قبضة السلطات، بينهم وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي، الذي كان يقود فصيلاً مسلحاً ضمن «الحشد الشعبي».

السياسي العراقي مثنى السامرائي (إكس)

حملة لم تكتمل

وقال موسى فرج، الرئيس الأسبق لـ«هيئة النزاهة الاتحادية»، إن حملة الزيدي «تمثل تقدماً مقارنة بمراحل سابقة، حين كانت قرارات حكومية تسهم في حماية الفاسدين أو عرقلة عمل الأجهزة الرقابية والقضائية» على حد قوله.

وأضاف أن الحملة «حققت نتائج في ملفات مرتبطة بقضية الفساد في المصافي، استناداً إلى إفادات أدلى بها الجميلي أمام الجهات القضائية، فضلاً عن تحركات في قضايا الكسب غير المشروع».

لكنه رأى أن الحملة لا تزال محدودة النطاق، مشيراً إلى أن «ملفات رئيسية، بينها فساد العملة، والعقارات، وتهريب النفط، والموظفون الوهميون، لم تشملها الإجراءات بالقدر نفسه».

وقال فرج، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن من أوجه القصور أيضاً «عدم مساءلة الكتل السياسية التي ينتمي إليها مسؤولون متهمون بالفساد، رغم نفوذ تلك الكتل واستفادتها من بعض المتورطين» وفق تقديره.

وأضاف أن «استمرار الحملة وفاعليتها يتوقفان على توسيع نطاق التحقيقات وملاحقة الملفات الأوسع، إلى جانب منع الكتل السياسية من استبدال مرشحين تابعين لها بالمحكومين».

صورة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل «المنطقة الخضراء» بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد خلال يونيو 2026

المحاصصة وتكلفة الاستثمار

من جهته، قال نبيل المرسومي، أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، إن الفساد يعرقل الاستثمار والتنمية في العراق، وإنه يرفع تكلفة ممارسة الأعمال، ويجعل البيئة الاقتصادية أقل جاذبية لرؤوس الأموال المحلية.

ووصف المرسومي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، الحملة بأنها «خطوة إيجابية، لكنها لم تشمل جميع المتورطين»، مشيراً إلى توقيف شخصيات بارزة واسترداد مبالغ كبيرة من الأموال العامة.

وأضاف أن تعزيز نتائج مكافحة الفساد يتطلب «ملاحقة المتورطين في مختلف مستويات الدولة، وتجفيف مصادر الفساد، وفي مقدمتها نظام المحاصصة الحزبية والسياسية، إلى جانب تقوية استقلال الأجهزة الرقابية وقدرتها على أداء مهامها».

أحكام قابلة للطعن

وقال سيف السعدي، الخبير القانوني، إن الحكمين يستندان إلى «المادة319» من قانون العقوبات العراقي، «التي تعاقب الموظف أو المكلف خدمةً عامة إذا انتفع، مباشرة أو بالواسطة، من عقود أو أعمال له دور في إعدادها، أو إحالتها أو تنفيذها أو الإشراف عليها، أو حصل على عمولة تتصل بها».

وأضاف السعدي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن استرداد الأموال يستند إلى قانون «هيئة النزاهة والكسب غير المشروع» رقم «30 لسنة 2011» المعدل؛ «لا سيما (المادة19) منه».

وأوضح السعدي أن أحكام محاكم الجنايات قابلة للطعن أمام محكمة التمييز الاتحادية خلال المدة القانونية، التي قال إنها تبلغ 30 يوماً من تاريخ صدور الحكم. وإذا صودق على الحكم، فإنه يصبح قطعياً، وتُستكمل الإجراءات القانونية المترتبة عليه.

وأشار إلى أن شغور مقعدي السامرائي والجنابي، بعد اكتساب الحكمين الدرجة القطعية واستيفاء المتطلبات القانونية، يخضع لأحكام «قانون استبدال أعضاء مجلس النواب».

اقرأ أيضاً