سوريون يبلغون عن مواقع محتملة لمقابر جماعية بعدما أضناهم البحث عن أحبائهم

صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)
صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)
TT

سوريون يبلغون عن مواقع محتملة لمقابر جماعية بعدما أضناهم البحث عن أحبائهم

صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)
صور مفقودين معلقة على البوابة الرئيسية لسجن صيدنايا بشمال دمشق (أ.ف.ب)

بعدما فقد الأمل في العثور على شقيقيه ضمن الأحياء إثر إخراج المعتقلين من السجون، بدأ زياد عليوي رحلة بحث مضنية عنهما في مقابر جماعية محتملة يبلغ سكان عن مواقعها، وسط ضعف الخبرات المحلية في التعاطي مع ملفات مماثلة.

ويشكل مصير عشرات آلاف المفقودين والمعتقلين في سوريا، والمقابر الجماعية التي يُعتقد أن النظام السوري أقدم على دفن معتقلين فيها كانوا قضوا تحت التعذيب، أحد أبرز وجوه المأساة السورية بعد أكثر من 13 عاماً من نزاع مدمر تسبب في مقتل أكثر من نصف مليون شخص.

قرب بلدة نجها الواقعة جنوب شرقي دمشق، يشير عليوي (55 عاماً) إلى خندق عميق محفور بعناية في أرض قاحلة يزنّرها سور مرتفع وتحيط بها غرف مراقبة عسكرية. ويقول وسكان آخرون في المكان إن الخندق الذي يتجاوز عمقه 5 أمتار، وهو واحد من 3 خنادق على الأقل، يضم رفات معتقلين اعتاد الأمن العسكري على نقله في برادات بين الحين والآخر ودفنه، فيما كان يُمنع على المدنيين الاقتراب من المكان.

رجال يحفرون ليساعدوا أعضاء «الوكالة التركية لإدارة الكوارث - آفاد» خلال بحثهم عن سجناء بسجن صيدنايا على بعد نحو 28 كيلومتراً شمال دمشق (أ.ف.ب)

ويقول الرجل المقيم في ريف دمشق ويعمل سائقاً بمكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» إنه بعد إطاحة الأسد «بحثت عن شقيقيّ في كل السجون... بحثنا عن خبر، عن ورقة، عن هوية... تدل على أنهما كانا هناك، ولم نجد شيئاً». ويضيف: «نريد أن نعرف أين أولادنا وإخوتنا... هل قتلوهم وهم مدفونون هنا؟».

اعتُقل شقيقا عليوي بين عامي 2012 و2014، إضافة إلى 4 من أولاد عمه، من دون أن يعلموا شيئاً عن مصيرهم، مثل عائلات كثيرة ما زالت تنتظر خبراً يبلسم جراح الفقد.

ويشرح: «ربما إذا كشف أطباء مختصون على المكان، فإنه يمكن لكل منا أن يرتاح باله، ويكف عن الاحتفاظ بالأمل أن ابنه ما زال حياً».

مائة بلاغ

يقول عليوي: «نبحث عن آلاف من الناس، لا عن واحد أو اثنين أو ثلاثة»، مضيفاً: «الناس في صدمة، فعندما يموت ابنك وتتسلمه، تعرف أنه مات وتدفنه، لكنك الآن لا تعلم أين هو، ولا دليل لديك» على مصيره.

ومع افتقاد سوريا فرقاً مختصة في التعاطي مع ملف المقابر الجماعية وكيفية إعادة حفرها والحفاظ على الأدلة، يطالب عليوي المنظمات الدولية والحقوقية بأن «تأتي وتفتح هذه المقابر حتى نعرف أين أولادنا».

أحد أفراد فريق من «الوكالة التركية لإدارة الكوارث - آفاد» خلال عمليات بحث عن أقبية أو زنزانات يعتقد أنها مخفية تحت الأرض بسجن صيدنايا (أ.ف.ب)

وأعرب سوريون خلال الأسبوع الأخير في سجون ومستشفيات بدمشق ومحيطها عن خيبة أملهم بعد فتح السجون من دون أن يعثروا على أقربائهم. ويتوجه كثر منهم إلى مواقع أمنية بمناطق نائية يعتقدون أنها قد تضم رفات معتقلين كانوا قضوا تحت التعذيب في ما ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية» وفق منظمات حقوقية.

على بعد كيلومترات عدة من نجها، استجاب فريق من الدفاع المدني السوري لاتصالات عدة وردتهم من سكان أفادوا بمشاهدتهم «سيارة رمت في جنح الظلام أكياساً بداخلها عظام متعددة الأحجام»، من دون أن يعرفوا مصدرها، و«كان طاقم من نحو 10 أشخاص، يرتدي عدد منهم زياً أبيض من رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، ينقلون أكياساً بيضاء صغيرة ويجمعونها داخل أكياس سوداء كبيرة مع ترقيمها».

سوريون بين حفر حفرها باحثون عن زنازين تحت الأرض بسجن صيدنايا شمال دمشق (أ.ف.ب)

ويشرح عمر السلمو (40 عاماً)، وهو عضو مجلس إدارة في الدفاع المدني السوري، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «منذ سقوط النظام، تلقينا أكثر من مائة بلاغ عن وجود مقابر جماعية؛ إذ يعتقد الناس أنه في كل نقطة عسكرية توجد مقابر جماعية، بالنظر إلى أن عدد الذين خرجوا من السجون قليل جداً وعدد المفقودين كبير جداً».

ورغم أنه لا تقديرات رسمية بشأن العدد الإجمالي لمن خرجوا من السجون، فإنه لا يقارن بعدد المعتقلين منذ عام 2011. ووفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فقد لقي أكثر من 100 ألف شخص حتفهم في السجون ومراكز الاعتقال السورية منذ بدء النزاع.

«حماية» المواقع

وتعمل فرق الدفاع المدني حالياً على أخذ عينات من المواقع المحتملة بهدف إجراء فحوص الحمض النووي ومطابقته مع حمض عائلات أبلغت عن وجود مفقودين.

ومن بين أعضاء الفريق الذي كان يوم الاثنين في الموقع، تلقى اثنان فقط «تدريباً بسيطاً» في وقت سابق للتعامل مع حالات مماثلة، وفق السلمو، الذي يقول: «نحاول العمل بخبراتنا المتواضعة»، لافتاً إلى ضرورة الحصول على دعم من المنظمات الدولية المختصة التي «حتى اللحظة لم تبذل أي جهد لمساعدتنا» في حفظ الأدلة وتحليل العينات.

ودعت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقرير الثلاثاء، السلطات الانتقالية إلى «تأمين الأدلة وجمعها وحفظها، بما فيها تلك الموجودة في مواقع المقابر الجماعية والسجلات والأرشيفات الحكومية»، وإلى التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، «التي يمكنها أن تقدم الخبرة والدعم الأساسيَّيْن لحماية هذه السجلات».

ودعت المنظمة إلى ضرورة «حماية» مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق، حيث عاين فريقها الأسبوع الماضي «أعداداً كبيرة من الرفات البشري في موقع مجزرة وقعت خلال أبريل (نيسان) 2013».

وكان مقطع فيديو جرى تسريبه قبل سنوات أظهر 11 شخصاً معصوبي الأعين بينما تطلق مجموعات موالية للنظام السابق الرصاص عليهم من قرب، ثم تدفعهم إلى حفرة، إلى جانب جثث 13 شخصاً آخرين.

وعدّت المنظمة أن هذه «المجزرة ليست سوى حادثة مروعة واحدة في نمط العنف الذي مارسته الدولة وجرائم الحرب المفترضة».

بقايا صورة لبشار الأسد في قاعدة المزة الجوية بدمشق (أ.ف.ب)

على بعد 70 كيلومتراً جنوب دمشق، استعاد محمّد خالد الأسبوع الماضي مزرعته في بلدة إزرع بمحافظة درعا، بعدما كان الأمن العسكري قد وضع يده عليها قبل سنوات طويلة. ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «جئت بعدما خرجوا؛ لاستثمارها من جديد، وفوجئت بها منطقة موحشة وأرضها متعرجة. شككت في الأمر وأبلغت الجهات المختصة».

وحضر فريق ضم رئيس النيابة العامة في إزرع وطبيباً شرعياً ووجهاء من البلدة إلى الموقع. وبحضور طبيب شرعي من المحافظة، وبعد عملية تنقيب «بدائية»، يقول خالد: «فوجئنا بوجود جثة ثم اثنتين وثلاث». وفي مرحلة أولى يوم الاثنين جرى «انتشال 22 جثة».

ونبّهت الباحثة لدى «هيومن رايتس ووتش»، هبة زيادين، إلى أنه «من دون جهود سورية ودولية فورية لتأمين المواقع المحتملة للجرائم الجماعية وحفظها؛ من أجل عمليات منسّقة لاستخراج الجثث وإجراء تحقيقات جنائية، فإن هناك خطراً يتمثل في ضياع الأدلة الأساسية للمساءلة».

وتابعت: «يستحق أحباء الأشخاص الذين قُتلوا بوحشية هنا أن يعرفوا ما حدث لهم... الضحايا يستحقون مساءلة الجناة».


مقالات ذات صلة

‎وزير الخارجية السوري: دمشق تطوي ملف عدم الامتثال النووي بعد 15 عاماً

المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

‎وزير الخارجية السوري: دمشق تطوي ملف عدم الامتثال النووي بعد 15 عاماً

قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية طوى في التاسع من سبتمبر الحالي بند عدم الامتثال المفتوح بحق سوريا.

«الشرق الأوسط» ( فيينا)
المشرق العربي محتجون بريف الحسكة قطعوا طريق M4 أمام صهاريج نقل النفط الخام احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات في سوريا (مواقع تواصل)

جلسة استماع برلمانية لوزير الطاقة السوري لمناقشة رفع أسعار النفط

وافق مكتب مجلس الشعب على عقد جلسة استماع لوزير الطاقة محمد البشير، بناءً على طلب ‏رئيس لجنة الطاقة إقبال محمد منصور، وذلك لمناقشة نشرة أسعار المشتقات النفطية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
محتجون بريف الحسكة قطعوا طريق M4 أمام صهاريج نقل النفط الخام احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات في سوريا (مواقع تواصل)

احتجاجات تطالب بإقالة وزير الطاقة السوري بعد رفع أسعار المحروقات

أثار قرار رفع أسعار المحروقات والطاقة موجة غضب شعبي واسعة، لا سيما في مناطق شرق وشمال سوريا التي تعاني من مشكلات اقتصادية وإدارية وأمنية ومعيشية معقدة.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي اجتماع سوري تركي بحضور وزيري خارجية البلدين اليوم في العاصمة دمشق بحضور الوفدين المرافقين

فيدان: زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى سوريا

كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى سوريا، مبيناً أن اللقاءات بين البلدين ستكون مكثفة وتشمل المسائل السياسية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مباحثات بين وزيرَي الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة (أرشيفية - الخارجية التركية)

فيدان بدمشق الأحد في زيارة رسمية ليومين

يبدأ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأحد، زيارة رسمية إلى سوريا تستغرق يومين. وبحسب مصادر في وزارة الخارجية التركية، يلتقي فيدان خلال الزيارة، نظيره السوري

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

«مشروع المحو»... منظمة حقوقية إسرائيل توثِّق استهداف تل أبيب الوجود الفلسطيني

صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

«مشروع المحو»... منظمة حقوقية إسرائيل توثِّق استهداف تل أبيب الوجود الفلسطيني

صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
صبي فلسطيني يغادر المدرسة ويظهر خلف سياج أمني يحيط بساحة المدرسة في قرية المغير قرب رام الله بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

اتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الاثنين، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة الغربية المحتلة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب.

وقالت المنظمة في تحقيق موسع تحت عنوان «مشروع المحو»، إن المشروع الذي يستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة يتحقق بواسطة منظومة متكاملة من خمسة محاور عمل وهي: العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتدمير السياسي والاجتماعي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز.

وأكدت «بتسيلم» أن المحاور الخمسة تعمل بالتوازي ويعزز بعضها بعضاً، وتتمثل الآلية الأولى في العنف وبثّ الرعب، اللذين يعملان كآلية مركزية للسيطرة والطرد والتفكيك.

وقالت «بتسيلم» إن الرعب يُمارَس بواسطة أذرع مختلفة للدولة منها: الجيش، بمن فيه من جنود الاحتياط ووحدات الدفاع الإقليمي، والشرطة والشاباك، وكذلك مسؤولو الأمن في المستوطنات، وفرق التأهب وميليشيات المستوطنين، وحتى مواطنون إسرائيليون يعملون بدعم الدولة أو تحت رعايتها أو ضمن مساحة من الحصانة شبه الكاملة، لبث الرعب وفرض العنف والإكراه.

ومنذ حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وحتى 31 أغسطس (آب) 2026، قتلت إسرائيل 1107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلاً.

أما الآلية الثانية فهي تقييد الحركة بواسطة الحواجز والبوابات وسد الطرق، والهدف منها خلق حيز فلسطيني مجزَّأ وغير متصل مقابل خلق تواصل إقليمي يهودي بواسطة الطرق والبنى التحتية والوصول إلى المستوطنات والفصل بين مسارات حركة اليهود والفلسطينيين.

نفق يوصل مدينة القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

والآلية الثالثة هي الخنق الاقتصادي، إذ تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها، وترى «بتسيلم» أنه يهدف في النهاية للسيطرة وممارسة ضغط متواصل وزيادة اعتماد المجتمع الفلسطيني على الحكم الإسرائيلي.

والآلية الرابعة هي التدمير السياسي والاجتماعي الذي تعمل خلاله إسرائيل على ضرب البنى التي تتيح للمجتمع الفلسطيني الوجود كجسم اجتماعي وسياسي، وتقوض الشروط لوجود مؤسسات وقيادة وذاكرة ورواية مشتركة وثقافة وتعليم وصحافة ومساحات للتنظُّم وأفق سياسي.

وقالت «بتسيلم» إن إسرائيل هي التي تحدد شروط حياة الفلسطينيين الأساسية وحدود شرعية هويتهم القومية ونشاطهم السياسي.

والآلية الخامسة هي التطهير العرقي والاستيلاء على الحيز. وتقول «بتسيلم» إنها أكثر الأشكال وضوحاً لبُعدي المحو الاستعماري عبر تفكيك الشروط لوجود فلسطيني في الحيز، وفي الوقت نفسه إنشاء حيز يهودي متصل وممأسس.

وأضافت: «يتم ذلك بواسطة السلب والهدم ومنع التطوير والتهجير وإزاحة التجمعات الفلسطينية، إلى جانب بناء المستوطنات والبؤر والمزارع، وشق الطرق، وإقامة البنى التحتية، وتوسيع مناطق النفوذ، وترسيخ جهاز عسكري في خدمة الوجود اليهودي».

وتابعت: «السيطرة على الأرض ليست مجرد سيطرة على مساحة. فالأرض شرط للحياة». وقالت المديرة العامة لـ«بتسيلم»، يولي نوفاك: «ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة».

وأضافت: «يجري تهجير التجمّعات، يُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. تعمل هذه الآليات معاً لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية. العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع».

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وأكدت «بتسيلم» أن «مشروع المحو» ليس جديداً، بل يستند إلى آليات طوَّرتها إسرائيل واستخدمتها على مدى عقود، وقد تسارعت بشكل كبير منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في نهاية عام 2022، وتصاعدت مع بدء الحرب الأخيرة على قطاع غزة في أكتوبر 2023.

ويستند المشروع الحالي إلى ما تسمى «خطة الحسم» التي وضعها الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، ونشرها عام 2017، وتنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة، ولذلك تهدف الخطة إلى إلغاء وجود الفلسطينيين كطرف سياسي يحمل مطالبة قومية في الحيز.

وحسب «بتسيلم»؛ «تصوغ خطة الحسم هذه الغاية علناً وتمنح لغة سياسية صريحة لما تطبقه آليات المحو على الأرض: حسم أمر الفلسطينيين بواسطة البقاء تحت شروط التخلي والتبعية، أو الرحيل، أو القمع بالقوة».


العراق يشدد إجراءات الأمن لمنع استهداف دول الجوار

مسافرون عراقيون وإيرانيون ينتظرون عند معبر الشلامجة في البصرة يوم السبت بعدما أغلقت الحكومة العراقية المعبر الحدودي مع إيران خلال عمليات البحث عن متورطين في الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)
مسافرون عراقيون وإيرانيون ينتظرون عند معبر الشلامجة في البصرة يوم السبت بعدما أغلقت الحكومة العراقية المعبر الحدودي مع إيران خلال عمليات البحث عن متورطين في الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)
TT

العراق يشدد إجراءات الأمن لمنع استهداف دول الجوار

مسافرون عراقيون وإيرانيون ينتظرون عند معبر الشلامجة في البصرة يوم السبت بعدما أغلقت الحكومة العراقية المعبر الحدودي مع إيران خلال عمليات البحث عن متورطين في الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)
مسافرون عراقيون وإيرانيون ينتظرون عند معبر الشلامجة في البصرة يوم السبت بعدما أغلقت الحكومة العراقية المعبر الحدودي مع إيران خلال عمليات البحث عن متورطين في الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)

ما زال الهجوم الذي طال المملكة العربية السعودية، نهاية الأسبوع الماضي، يحظى باهتمام الجهات الرسمية العراقية التي تتحدث عن إجراءات مشددة للحيلولة دون تكراره ضد أي من دول الجوار. ومع أن السلطات العراقية اعترفت بانطلاق الهجوم من أراضيها، فإنها لم تعلن حتى الآن عن نتائج عمل لجان التحقيق التي شكلتها بشأن الحادث، وسط تضارب شديد في التصريحات والتحليلات السياسية بشأن الجهة الفعلية المتورطة في الهجوم.

صواريخ صوب إقليم كردستان

في غضون ذلك، أعلنت مديرية الأمن (آسايش) في السليمانية، الاثنين، عن سقوط 5 صواريخ في المحافظة فجر الاثنين دون خسائر، في أحدث موجة صواريخ وهجمات تتعرض لها محافظات إقليم كردستان الشمالي. وغالباً ما تأتي الهجمات من إيران أو من الفصائل الموالية لها في العراق.

وقالت المديرية، في بيان، إنه «تم استهداف عدد من المناطق في محافظة السليمانية بـ5 صواريخ فجر اليوم في تمام الساعة 03:10»، مشيرة إلى أن 3 صواريخ سقطت على منطقة (زڕگوبزله) وصاروخاً واحداً سقط قرب قرية (كوركه چيا) التابعة لناحية سيروان، والثالث سقط بين قريتي (داري زاين وميراسي خوارو) في قضاء قرداغ.

وأكدت المديرية «عدم وقوع أي خسائر بشرية جراء الهجمات» ودعت مواطنيها إلى «عدم الاقتراب من أماكن سقوط الصواريخ وعدم العبث ببقايا الصواريخ والطائرات المسيرة حفاظاً على سلامتهم».

إجراءات بغداد المشددة

معبر الشلامجة الحدودي مع إيران في محافظة البصرة يوم السبت بعدما أغلقته الحكومة العراقية على خلفية الاعتداء بالمسيّرات على المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)

وحتى مع عدم إعلان نتائج التحقيقات بشأن الهجوم على السعودية، تواصل الجهات الأمنية العراقية الحديث عن إجراءات أمنية مشددة لمنع تكرار الهجمات على دول الجوار. وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، لوكالة الأنباء العراقية، إن «القائد العام للقوات المسلحة أصدر عدداً من التوجيهات الحازمة على خلفية الأحداث الأخيرة (الاعتداء ضد المملكة العربية السعودية)، من بينها تشكيل لجنة تحقيق عليا، وإعفاء قائد شرطة محافظة ميسان ومديري الأجهزة الأمنية في المحافظة وإحالتهم إلى التحقيق مع نقلهم للإمرة».

وأضاف أن «التوجيهات تضمنت أيضاً التشديد الميداني في ضبط الحدود والمنافذ الحدودية، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمنع أي نشاط ينطلق من داخل العراق يهدد أمن المحافظات أو دول الجوار».

وجدد النعمان التأكيد على أن حكومة بلاده «لن تسمح إطلاقاً باستخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على أي من دول الجوار أو الإضرار بالأمن الإقليمي، وأن الأجهزة الأمنية والاستخبارية مستمرة في تنفيذ عمليات الملاحقة للقبض على جميع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل».

تضارب رواية الاستهداف

وبعيداً عن الرواية الرسمية بشأن الهجوم على السعودية التي لم تصدر نتائجها النهائية، تتضارب الروايات والتحليلات السياسية حول الجهات الفعلية المتورطة بذلك. ففي حين أعلنت الفصائل المسلحة أنها لم تكن طرفاً في الهجوم الذي استهدف المملكة، تشير مصادر إلى إمكانية «تورط ضباط في الحرس الثوري الإيراني» في الهجوم من دون إبلاغ الفصائل العراقية الموالية لطهران بالأمر.

ونفت طهران، الاثنين، ضلوعها بالهجوم ضد السعودية، بحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي. وكانت السلطات العراقية قد وافقت على طلب إيراني بالاشتراك في لجنة التحقيق التي شكلتها بغداد للتحقيق في الاعتداء على السعودية.

وبينما برّأ عضو «عصائب أهل الحق» حسين الشيحاني ساحة الفصائل في الضلوع بالهجوم وأشار إلى «وجود طرف ثالث مجهول سيتم الكشف عنه لاحقاً». قال بلال الناصري العضو في ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، إن «طرفاً عابثاً ومجهول الاسم والتوجهات دبّر عملية إطلاق المسيّرات لدفع الحكومة إلى مواجهة مسلحة مع الفصائل».


‎وزير الخارجية السوري: دمشق تطوي ملف عدم الامتثال النووي بعد 15 عاماً

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

‎وزير الخارجية السوري: دمشق تطوي ملف عدم الامتثال النووي بعد 15 عاماً

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رافاييل غروسي المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في «قصر تشرين» بدمشق يوم 18 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية طوى في التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي، بند عدم الامتثال المفتوح بحق سوريا منذ عام 2011، ورفعه نهائياً عن جدول أعماله، معتبراً الخطوة بداية فصل جديد من التعاون بين دمشق والوكالة.

وأوضح الشيباني، خلال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، اليوم، أن سوريا اتخذت منذ يوليو (تموز) الماضي خطوات لفتح ملف التعاون مع الوكالة، شملت توجيه رسالة رسمية في 17 يوليو أفصحت فيها عن وجود مواد نووية في موقع غير معلن، قبل توقيع مذكرة تفاهم مع الوكالة في 29 يوليو، مقرونة بخارطة طريق للاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وأضاف أن سوريا فتحت موقع دير الزور أمام الوكالة ليكون مديرها العام أول من يطأ أرض الموقع في 16 أغسطس (آب)، بعد قرابة عقدين من الإغلاق، مشيراً إلى بدء العمل مع خبراء الوكالة على رفع بقايا المفاعل من تحت طبقات الخرسانة المسلحة. وقال إن سوريا قدمت المعلومات التصميمية وتقارير جرد المواد النووية التي كان مجلس المحافظين يطالب بها منذ عام 2011، مضيفاً أن 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي أصبحت تحت إشراف وضمانات الوكالة وباتت آمنة في سوريا.

الدورة السنوية التاسعة والستون للمؤتمر العام (وكالة الطاقة الذرية)

دعم إقليمي ودولي

ووصف الشيباني إغلاق ملف عدم الامتثال بأنه «ثمرة عملنا المشترك»، موجهاً الشكر إلى مصر والسعودية والأردن والمغرب، التي قال إنها رعت وقدمت مشروع القرار، إضافة إلى الدول التي دعمت المسار السوري وأمانة الوكالة وفرق التفتيش العاملة في الميدان.

وأكد أن «الشفافية» تمثل بالنسبة إلى سوريا «نهجاً سيادياً راسخاً وقراراً استراتيجياً دائماً»، مشيراً إلى أن سوريا الجديدة تختلف جذرياً عن النظام السابق الذي تسبب في هذا الإرث.

وجدد الشيباني دعوة سوريا إلى إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل، وإخضاع جميع المنشآت النووية في المنطقة، دون استثناء، لنظام ضمانات الوكالة الشاملة، عملاً بقرار عام 1995.

اتهامات لإسرائيل بانتهاك السيادة السورية

وفي الشأن الإقليمي، اتهم الشيباني إسرائيل بمواصلة انتهاك السيادة السورية واستهداف الأراضي السورية، معتبراً ذلك خرقاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 والقوانين الدولية، وطالب بضغط دبلوماسي ودولي «فاعل وحازم» لوقف ما وصفها بالاعتداءات الممنهجة.

وقال إن الاستقرار الإقليمي مرهون بإلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاقية عام 1974 والانسحاب الكامل إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2014، محذراً من أن التغاضي عن هذه الانتهاكات يهدد الأمن والسلم الدوليين.

الطاقة النووية في خدمة التنمية

وأشار الوزير إلى أن خريطة الطريق الموقعة مع الوكالة دخلت حيز التنفيذ الفعلي، موضحاً أن أولويات سوريا في الاستخدام السلمي للطاقة النووية تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية للطب النووي، وتوظيف تقنيات النظائر في تقييم وإدارة موارد المياه الجوفية لمواجهة تداعيات الجفاف، ورفع كفاءة الرقابة الإشعاعية على الأغذية والمحاصيل.

وقال الشيباني إن سوريا تسعى إلى توظيف الطاقة النووية في التنمية، من خلال الطب النووي والبحث العلمي والزراعة والمياه والكهرباء، مختصراً ذلك بقوله إن سوريا تريد من الذرة «ما يشفي، وما يطعم، وما ينير».