تفاؤل لبناني بالانتخابات الرئاسية بعد أكثر من عامين على الفراغ

برّي لـ«الشرق الأوسط»: إنجازها أولويتي عقب وقف النار

المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان مجتمعاً مع رئيس البرلمان نبيه برّي (إ.ب.أ)
المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان مجتمعاً مع رئيس البرلمان نبيه برّي (إ.ب.أ)
TT

تفاؤل لبناني بالانتخابات الرئاسية بعد أكثر من عامين على الفراغ

المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان مجتمعاً مع رئيس البرلمان نبيه برّي (إ.ب.أ)
المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان مجتمعاً مع رئيس البرلمان نبيه برّي (إ.ب.أ)

حرّك رئيس البرلمان نبيه برّي «المياه الراكدة» في ملف انتخابات الرئاسة اللبنانية المعطلة منذ أكثر من سنتين، بتحديد موعد لجلسة انتخابات في التاسع من يناير (كانون الثاني) المقبل، قال إنها ستكون «مثمرة»، وإنه سيدعو لحضور السفراء المعتمدين لدى لبنان، في تلميح منه لاحتمال نجاحها بانتخاب رئيس للبلاد بعد فراغ طويل في هذا المنصب سببه الخلافات بين القوى السياسية. وقال برّي لـ«الشرق الأوسط» إن أولويته بعد وقف النار مع إسرائيل ستكون انتخابات الرئاسة، مشدداً على أنها «ضرورة وطنية».

وتزامن هذا الموقف مع وصول الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت وقيامه بجولة على القيادات اللبنانية لبحث إمكانية إحياء الحراك الذي توقف بسبب الحرب. وفي مستهل الجلسة التشريعية التي عُقدت لتمديد ولاية القادة الأمنيين والعسكريين عاماً إضافياً بسبب عدم القدرة على تعيين بدلاء، قال برّي: «كنت آليت على نفسي أنه فور وقف إطلاق النار سأحدد موعداً لجلسة انتخاب رئيس»، مشيراً إلى أن «الجلسة ستكون مثمرة، ومن أجل هذا الأمر أعطيت مهلة شهراً من أجل التوافق».

وكان لودريان قد بدأ لقاءاته في بيروت بالاجتماع مع عدد من النواب قبل أن ينتقل إلى البرلمان ويحضر الجزء الأخير من جلسة التمديد للقادة الأمنيين من مقاعد الضيوف في القاعة العامة، ومن ثم يعقد اجتماعه مع برّي، ويلتقي بعد الظهر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.

المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان مجتمعاً مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي (أ.ب)

وأفاد مكتب رئيس البرلمان بأن برّي التقى لودريان، وكان بحث بالمستجدات السياسية وملف انتخابات رئاسة الجمهورية، فضلاً عن تطورات الأوضاع العامة على ضوء وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان.

وصباحاً، كان قد اجتمع لودريان مع النواب فؤاد مخزومي وميشال معوض والنائبين سليم الصايغ وميشال الدويهي، إلى مائدة فطور، تم خلالها عرض التطورات في ظل سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

وأكد الوفد دعمه لاتفاق وقف إطلاق النار، وطالب بـ«تطبيقه كاملاً والانتقال إلى وقف إطلاق نار مستدام وهدنة دائمة تحفظ سيادة لبنان وتؤمن الاستقرار على طرفَي الحدود، استناداً للدستور وتطبيق القرارات الدولية بكل مندرجاتها»، واعتبر أن «انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة خلال مهلة الستين يوماً، هو جزء لا يتجزأ من آلية إنجاح الاتفاق وتطبيقه فعلياً، بحيث يكون على عاتق الرئيس المنتخب والحكومة في المرحلة الأولى تأمين حضور الشرعية اللبنانية ودورها الحصري الممثل بالجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، واستعادة الثقة في علاقات لبنان العربية والدولية، توصلاً إلى المساهمة في إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، كما سيكون على عاتقهم تنفيذ البنود الواضحة التي نص عليها الاتفاق في الجنوب وعلى الحدود الشرقية والشمالية وعلى كامل الأراضي اللبنانية، والتي تمنع وجود أي سلاح لأي تنظيم خارج الدولة ومؤسساتها الدستورية».

المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان يحضر الجزء الأخير من الجلسة التشريعية في البرلمان اللبناني (أ.ف.ب)

وشكر الوفد فرنسا والمجتمعَين الدولي والعربي على «الجهد الذي تم بذله لإنجاح المفاوضات»، مثمّناً «الدور الفرنسي الساعي إلى المساعدة، ووقف الحرب نهائياً، ولوضع حد للتعطيل والفراغ ابتداء من انتخاب رئيس، واستعادة الدولة لسيادتها كاملة غير منقوصة».

ومن ثم، التقى لودريان «اللقاء التشاوري النيابي المستقل» الذي ضم النواب الياس بوصعب وإبراهيم كنعان وآلان عون وسيمون أبي رميا، بحضور السفير الفرنسي لدى لبنان إرفيه ماغرو، وعرض معهم تطورات ما بعد وقف إطلاق النار والمسار السياسي وأولوية انتخاب رئيس للجمهورية.

وكتب النائب نعمة افرام عبر منصة «إكس» بعد لقائه لودريان قائلاً: «لقاء ممتاز مع السيّد لودريان. هناك شعور بضرورة ملحّة للغاية لانتخاب رئيس للجمهوريّة، بقدر ما هناك حاجة لتثبيت اتّفاق وقف إطلاق النار».

وأضاف: «أولويّة أخرى تُضاف إلى القائمة الطويلة للرئيس الجديد: التطبيق السليم للاتفاق بما يتماشى مع متطلّبات المجتمع الدوليّ، وكذلك مع الأطراف اللبنانيّة. تحدٍّ إضافيّ جديد». كذلك، تلقى رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل الموجود في الخارج، اتصالاً من لودريان الذي أطلعه على طبيعة مهمته في لبنان، وتم الاتفاق على استمرار التواصل بين الجانبين.

تفاؤل بإنجاز الاستحقاق الرئاسي

ويأتي هذا الحراك الرئاسي الذي يعوّل عليه اليوم الأفرقاء اللبنانيون بعد أكثر من عامين من الفراغ في هذا المنصب لغياب التوافق بين القوى السياسية حوله. ومنذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال عون في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فشل البرلمان 12 مرة في انتخاب رئيس؛ إذ لا يحظى أي فريق بأكثرية واضحة في البرلمان تخوله إيصال مرشحه، على وقع انقسام سياسي يزداد حدة بين «حزب الله» وحلفائه من جهة، وخصومهم من جهة ثانية.

ولاقت دعوة برّي لجلسة الانتخاب ترحيباً وتفاؤلاً بإنجاز الاستحقاق الرئاسي، وقال نائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب إن «جو التفاؤل بانتخاب رئيس الجمهورية زاد»، داعياً إلى «عدم التلهي بالمناكفات؛ لأن الخلافات الداخلية ستعرقل انتخاب الرئيس الذي يدعو إلى طاولة حوار لبت الأمور العالقة».

وفي حين تشير بعض المعلومات إلى أنه يتم العمل على التوافق لانتخاب قائد الجيش رئيساً للجمهورية، قال عضو كتلة حزب «القوات اللبنانية» جورج عدوان بعد الجلسة التشريعية الخميس: «دعوة رئيس البرلمان لجلسة انتخاب رئيس خطوة مهمّة، ونحن ندعم قائد الجيش على رأس المؤسّسة العسكريّة، أمّا ترشّحه لرئاسة الجمهوريّة فهو ملفّ آخر».

المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان خارجاً من مقر البرلمان اللبناني بعد اللقاء برئيسه نبيه برّي (إ.ب.أ)


مقالات ذات صلة

عام دراسي «استثنائي»... أهالي جنوب لبنان يحسمون خياراتهم على هاجس الحرب

المشرق العربي متطوعون في «الصليب الأحمر» ينظمون نشاطات لأطفال نازحين في مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت إلى مركز للنزوح خلال الحرب الأخيرة (رويترز)

عام دراسي «استثنائي»... أهالي جنوب لبنان يحسمون خياراتهم على هاجس الحرب

لم يعد قرار تسجيل الأولاد في المدرسة بالنسبة إلى كثير من أهالي جنوب لبنان قراراً يحسم مع نهاية العام الدراسي، كما جرت العادة.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

لبنان بين مسارين متعاكسين: تفاوض معلّق وميدان يتسارع

تتسع في لبنان الفجوة بين مسار تفاوضي يتحرك ببطء وميدان تتسارع تطوراته، مع استمرار العمليات الإسرائيلية مقابل تعثر الترتيبات التي يفترض أن تقود إلى جولة جديدة.

صبحي أمهز
المشرق العربي الدخان يتصاعد من منازل استُهدفت بقذائف دبابات إسرائيلية في قرية ميس الجبل المجاورة وذلك في 21 أغسطس (أ.ف.ب)

عمليات تفجير وتدمير إسرائيلية لـ«تطويع جغرافيا» جنوب لبنان

تتواصل في جنوب لبنان عمليات التفجير والتدمير الإسرائيلية بوتيرة متصاعدة، في مشهد ميداني يتكرر ليلاً وفجراً، ويطول المنازل والأحياء والأحراج.

كارولين عاكوم (بيروت)
الاقتصاد علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

استمرار «الصراع» يطيح بفرصة التعافي الهش في لبنان

اختصر عنوان «اقتصاد أنهكه الصراع» الذي اختاره البنك الدولي حقيقة تعرّض التعافي الهش في لبنان لانتكاسة حادة، بسبب تجدد جولات المواجهات العسكرية في الربيع الماضي.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في زيارة للجنوب (الشرق الأوسط)

سلام يتفقد وحدات الجيش اللبناني جنوب الليطاني: نريده تحت سلطة واحدة

ربط رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام استعادة الدولة سلطتها في جنوب لبنان بمسار يتجاوز الانتشار العسكري، ليشمل تثبيت حضور المؤسسات والخدمات وإعادة الإعمار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كاتس: كلام براك «حافل بالمغالطات»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

كاتس: كلام براك «حافل بالمغالطات»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)

ندّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم (السبت)، بتصريحات السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، المكلّف أيضاً الملف السوري في واشنطن، بعدما انتقد ضربة إسرائيلية استهدفت«مطار أبو الظهور» قرب الحدود التركية.

وكتب كاتس على منصة «إكس»، أن إسرائيل نقلت «معلومات استخباراتية إلى الجهات الأميركية المخوّلة» قبل الضربة، معتبراً أن تصريحات باراك «حافلة بالمغالطات والمواقف التي تتعارض مع موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه بشأن هضبة الجولان».

وبعيد الضربة، كتب باراك على منصة «إكس» أن الولايات المتحدة «قلقة للغاية» كون الضربات تُشكل «تصعيداً غير ضروري».

وردّ كاتس أيضاً، على انتقادات داخلية للقصف على سوريا، خصوصاً من بعض قادة المعارضة. واعتبر أن «محاولة بعض المعارضين وبعض وسائل الإعلام تسييس العملية في سوريا تنبع من مزيج من جهل، وعدم فهم للمصالح الأمنية الإسرائيلية، ورغبة دائمة في مهاجمة الحكومة، وهذا الأمر يستحق كل إدانة».


المخاوف من انفجار الضفة الغربية تسيطر على التقييمات الإسرائيلية

مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)
مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)
TT

المخاوف من انفجار الضفة الغربية تسيطر على التقييمات الإسرائيلية

مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)
مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)

حذَّرت قيادة الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي في إسرائيل من أن الوضع في الضفة الغربية على وشك انفجار عنيف؛ حيث تستمر هجمات المستوطنين والبؤر الاستيطانية غير القانونية في الانتشار في جميع أنحاء المنطقة.

وأكد مسؤولون أمنيون لوسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش غاضب؛ لأنه متروك وحيداً في مواجهة عنف المستوطنين في الضفة، من دون أي تدخل من المستوى السياسي أو الأجهزة الأمنية الأخرى. وقد أوصى مراراً المستوى السياسي بالتدخل لكنه قوبل بالتجاهل.

وقال مسؤول عسكري كبير لـ«القناة 12» الإسرائيلية، إن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً لوقف العنف. وأعرب عن أسفه لأن بعض المسؤولين الحكوميين يدعمون المستوطنين المتطرفين. وأضاف: «هناك جماعة هنا تسعى للفوضى. إن الدعم المقدَّم من بعض القيادات المحلية وبعض الجهات الحكومية يُصعِّب عملية تطبيق القانون. من غير الواضح ما إذا كان هناك من يرغب في تطبيق القانون أصلاً. يشعر القادة الميدانيون بالعزلة في هذه الحملة».

مركبتان يستخدمهما المستوطنون في قرية قصرة بالضفة الغربية حيث يحاصرون منازل فلسطينيين يوم 18 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وحذَّر الجيش من أنه مع هذا الوضع فالضفة على وشك الانفجار.

وأبلغ قادة الجيش المستوى السياسي بأن الفلسطينيين العاديين قد يبدأون التحرك، إذا استمر عنف المستوطنين دون رادع.

وحسب صحيفة «يسرائيل هيوم»، قدَّم الجيش الإسرائيلي تحذيرات حول الضفة الغربية عندما التقى قادته بوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الأسبوع الماضي، وقالوا له إن الوضع في الضفة الغربية يوشك على الاشتعال.

وقالت الصحيفة إن الجيش قدَّم تفاصيل حول إرهاب المستوطنين في الضفة، بما في ذلك عدد الاعتداءات على الفلسطينيين، وعلى الجيش نفسه، محذراً من فقدان السيطرة.

وقال قادة الجيش لكاتس إن هجمات المستوطنين عامل مركزي في التصعيد، وقد تُخرج الفلسطينيين من حالة اللامبالاة نحو التحريض والمبادرة التي ستكون لها تكلفة كبيرة.

وطالب الجيش بموقف من المستوى السياسي ضد هجمات المستوطنين في الضفة وليس دعمهم، إلى جانب ضرورة تنفيذ عملية تشمل بقية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، من أجل السيطرة على المستوطنين وكبح جماح التصعيد المتوقع.

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو يوم 18 أغسطس 2026 (رويترز)

وأكدت هيئة البث الإسرائيلية (كان) أن الجيش غير راضٍ عن تركه وحيداً.

ونقلت «كان» عن مصادر دفاعية انتقادات حادة، إزاء ما وصفته بترك الجيش وحيداً في مواجهة المستوطنين في الضفة الغربية.

وقالت المصادر إن الجنود يضطرون إلى التعامل مع الأحداث ميدانياً، في ظل غياب إنفاذ حازم من جانب الشرطة وسائر أجهزة الدولة، وفي بعض الحالات من دون امتلاك الأدوات الملائمة ولا الحصول على الدعم الكافي.

وأضافت المصادر أن هذه الأحداث تقع أمام أنظار المجتمع الدولي، وتتسبب في أضرار سياسية كبيرة لإسرائيل، فضلاً عن استنزاف قوات الجيش المنتشرة في المنطقة، وتحويلها عن مهامها الأساسية.

وترى المصادر أن التعامل مع المخالفات التي يرتكبها مستوطنون يجب أن يكون من مسؤولية أجهزة إنفاذ القانون المدنية، لا أن يتحول الجنود إلى الجهة الرئيسية التي تتعامل معهم في الميدان.

معدات ثقيلة محترقة في محجر فلسطيني بعد هجمات شنَّها مستوطنون قرب رام الله بالضفة الغربية (أرشيفية- رويترز)

وصعَّد المستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، وراحت هذه الهجمات تأخذ منذ بداية الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 منحى دموياً. وتشمل تنفيذ هجمات واسعة شبه يومية على مناطق في الضفة، شملت المناطق تحت سيطرة السلطة الفلسطينية مثل «أ» و«ب»، وخلالها تم قتل فلسطينيين، وإحراق منازل ودور عبادة ومساجد، وتخريب ممتلكات ومركبات وأراضٍ، وقتل ماشية وسرقة أخرى، والاستيلاء على أراضٍ ومنازل.

وبينما يحاصر مستوطنون منذ نحو أسبوعين 3 منازل في قصرة القريبة من نابلس، يشن آخرون بشكل شبه يومي هجمات، وقد قتلوا الجمعة الفتى كريم شلالدة، البالغ من العمر 17 عاماً، خلال مواجهات اندلعت في بلدة سعير.

وحسب بيانات رسمية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 سجلت «أعلى حصيلة سنوية للشهداء الفلسطينيين جرَّاء اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، منذ بدء رصد البيانات في عام 2019».

وأكدت الهيئة «استشهاد 25 فلسطينياً منذ مطلع العام الجاري وحتى 21 أغسطس، ما يعكس تصاعداً خطيراً وغير مسبوق في وتيرة العنف الممارَس من قبل المجموعات الاستيطانية في مختلف محافظات الضفة الغربية».

وأوضحت التقارير أن هذه الحصيلة الدموية تجاوزت إجمالي عدد الشهداء الذين ارتقوا برصاص المستوطنين خلال عام 2025 كله، بنسبة وصلت إلى 79 في المائة.

مستوطنون وجنود إسرائيليون في الضفة الغربية (أرشيفية- أ.ف.ب)

وحسب البيانات التراكمية، فقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين سقطوا جرَّاء هذه الاعتداءات منذ مطلع عام 2019 وحتى أغسطس الجاري نحو 87 قتيلاً، منهم 61 قُتلوا منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، ما يشير إلى استغلال المستوطنين الظروف الراهنة لتكثيف هجماتهم.

ويخشى الجيش الإسرائيلي تحديداً من أن عنف المستوطنين هذا سيجعل الفلسطينيين يفقدون صبرهم، على الرغم من أنهم يُظهرون نشاطاً متوقعاً في الضفة منذ بداية الحرب.

ومع غياب أفق سياسي وضغوط اقتصادية قادت إلى تراجع جودة الحياة في الضفة، يحذِّر الجيش من أن الإرهاب الذي يقوده المستوطنون ويعتبره الفلسطينيون جزءاً من حرب دينية لطردهم، قد يغير الواقع.

ومن ضمن السيناريوهات التي يخشاها الجيش أن كل هذا الضغط السياسي والاقتصادي والأمني على السلطة الفلسطينية والفلسطينيين، قد يؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية.

وقال موقع «واللا» الإخباري، إن قائد فرقة الضفة الغربية، العميد كوبي هيلر، أجرى مؤخراً تدريباً واسع النطاق بمشاركة الشرطة وقوات حرس الحدود ومنظمات الإنقاذ، استعداداً لسيناريو كارثي يتمثل في انهيار السلطة الفلسطينية، أو محاولات من قبل حشود فلسطينية لاقتحام مستوطنات. وقال الموقع إن المناورة ليست سوى غيض من فيض، في وقت ينتقل فيه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى فصل جديد، بثقل استراتيجي مختلف تماماً عما عرفناه: واقع سياسي وأمني ومدني مختلف تماماً.


دمشق تدين استهداف إسرائيل سيارة سورية وتحذر «من تداعيات الاعتداءات المتكررة»

بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

دمشق تدين استهداف إسرائيل سيارة سورية وتحذر «من تداعيات الاعتداءات المتكررة»

بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
بقايا قذيفة إسرائيلية تظهر في بلدة «بيت جن» بعد عملية عسكرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أدانت سوريا «بأشد العبارات»، السبت، استهداف مسيّرة إسرائيلية ‏سيارة مدنية على طريق مزرعة «بيت جن» في ريف دمشق ‌‏الغربي، ما أدى إلى وقوع عدة إصابات في صفوف المدنيين.‏

وأكدت وزارة الخارجية والمغتربين، في بيان لها، أن «هذا الاعتداء ‌‏يشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الجمهورية العربية ‏السورية وسلامة أراضيها، وخرقاً سافراً للقانون الدولي، وأنه يأتي في سياق الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ‌‏على الأراضي ‏السورية.‏ وإذ تحمّل الجمهورية العربية السورية الاحتلال ‌‏الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه ‏الاعتداءات المتكررة، فإنها ‌‏تؤكد أن استمرارها من شأنه زيادة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، وتهديد ‌‏أمن وسلامة المدنيين».‏

توغل إسرائيلي جديد في حوض اليرموك جنوب سوريا (أرشيفية - متداولة)

وطالبت الوزارة «المجتمع الدولي ومجلس الأمن بتحمل ‌‏مسؤولياتهما القانونية والسياسية، والعمل على وقف هذه الاعتداءات ‏ووضع ‌‏حد للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية».‏

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن المستهدف كان يتبع «الفرقة الرابعة» في الجيش السوري السابق، التي كان يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضحت أن «مسيرة إسرائيلية واصلت التحليق على مدار اليومين الماضيين في أجواء المنطقة، إلى أن استهدفت عمار حمادة، أثناء قيادته سيارة شاحنة صغيرة (سوزوكي) في منطقة الكوع المخفي على الطريق الواصل بين مزرعة بيت جن وبلدة بيت جن على السفح الشرقي لجبل الشيخ بريف العاصمة السورية الغربي».

وأكدت المصادر أن عمار، البالغ من العمر 30 عاماً، وهو من أهالي مزرعة بيت جن، أصيب بجروح في يده اليمنى وساقة اليمنى من جراء الاستهداف، وقد تم نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، في حين اختفى طفل يعتقد أنه ابنه، كان رفقته في السيارة، مرجحة أن يكون الطفل فر من المكان بسبب حالة خوف أصيب بها من جراء الضربة.

الشاحنة المستهدفة على طريق «بيت جن» (متداولة)

وأشارت قناة «الإخبارية» السورية إلى أن قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف)، تفقدت موقع الاستهداف واستمعت إلى شهادات الأهالي.

وكانت دورية للجيش الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، باتجاه «تلة باط الوردة» بمحيط بلدة بيت جن حسب ما ذكرت حينها قناة «الإخبارية». وقبل ذلك، أدى توغل إسرائيلي في بلدة بيت جن في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إلى اندلاع اشتباكات عنيفة مع سكان محليين، أسفرت عن مقتل 13 شخصاً من أبناء البلدة وإصابة 24 آخرين.

ويأتي استهداف السبت، بعد يوم من توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة «جباتا الخشب» بريف القنيطرة الشمالي، إذ اعتقلت مواطنين ونفذت عمليات دهم وتفتيش لعدد من المنازل خلال ساعات الفجر، وكذلك في قرية «البصالي» في ريف القنيطرة الجنوبي، حيث فتشت أحد منازل الأهالي في القرية قبل أن تنسحب من المنطقة.

وتواصل القوات الإسرائيلية منذ اليوم الأول لإسقاط نظام الأسد، خروقاتها لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، من خلال توغلات متكررة في ريفي محافظتي القنيطرة ودرعا وإقامة حواجز مؤقتة فيها، لتفتيش المدنيين والسيارات، إضافة إلى تنفيذ عمليات دهم للمنازل واعتقال عدد من السكان، وتجريف الأراضي، وتثبيت 11 قاعدة ونقطة عسكرية متقدمة فيها، فضلاً عن قيامها بعمليات قصف مدفعي وبالمسيّرات بين فترة وأخرى.

قوات إسرائيلية في قرية «بيت جن» بريف دمشق (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

وتعدّت عمليات التوغل الإسرائيلية المنطقة العازلة في الجانب السوري، المحاذية لخط فك الاشتباك، وطالت بلدات وقرى خارجها، ووصلت إلى بلدات وقرى في ريف دمشق الغربي تقع على سفح جبل الشيخ.