الاتفاقية الدفاعية المصرية - الصومالية لاحتواء «الطموح» الإثيوبي وموازنة «النفوذ» التركي

السيسي لوّح سابقاً بالتدخل لحماية «سيادة مقديشو»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الاتفاقية الدفاعية المصرية - الصومالية لاحتواء «الطموح» الإثيوبي وموازنة «النفوذ» التركي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

أثار «اجتماع استثنائي» للحكومة الصومالية لإقرار اتفاقية دفاعية مع مصر تساؤلات وردود فعل حول توقيت الاجتماع وآثار الاتفاقية الموقعة على منطقة القرن الأفريقي، التي باتت «ساحة لصراع دولي على النفوذ».

الاتفاقية بين مصر والصومال عدّها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» تأتي ما بين «احتواء استراتيجي» لدول جوار إثيوبيا، التي بدورها تطمح لفرض نفوذها بـ«القرن الأفريقي»، وأيضاً «موازنة النفوذ التركي الواسع بالمنطقة»، في ظل إدراك مصر لوضعية الصومال الخاصة، وأهميته للأمن القومي المصري والعربي.

والسبت، أعلن التلفزيون الرسمي الصومالي، في تدوينة نشرها على منصة «إكس»، عن موافقة الحكومة الصومالية خلال «اجتماع استثنائي» لمجلس الوزراء الصومالي، جرى مساء الجمعة، على اتفاقية دفاعية بين مصر والصومال، تم توقيعها بين البلدين في يناير (كانون الثاني) الماضي.

اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء الصومالي لتمرير الاتفاقية مع مصر (التلفزيون الصومالي - إكس)

وتأتي الاتفاقية عقب توقيع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي مذكرة تفاهم في يناير (كانون الثاني) مع إثيوبيا، تمنح الأخيرة بموجبها حقّ استخدام واجهة بحرية بطول 20 كيلومتراً من أراضي أرض الصومال لمدة 50 عاماً، عبر اتفاقية «إيجار». وهو ما رفضته مقديشو ومصر، واستدعى اجتماعاً عربياً طارئاً آنذاك أدان الاتفاق، وتضامن مع الموقف الصومالي، الذي عدّها «باطلة وغير مقبولة».

وإقليم «أرض الصومال» هو محمية بريطانية سابقة، أعلن استقلاله عام 1991، لكن لم يعترف به المجتمع الدولي.

احتواء استراتيجي

تستهدف الاتفاقية المصرية - الصومالية، وفق الخبير الاستراتيجي المصري، اللواء سمير فرج، «تعزيز العلاقات ودعم الصومال، عبر تدريب الجيش الصومالي، في ظل الحرب الشرسة التي يخوضها ضد الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها (حركة الشباب)، في ظل الخبرات الكبيرة للجيش المصري، ومن دون أي وجود لقواعد عسكرية»، وهو أمر سبق أن نفّذته القاهرة خلال السنوات الماضية.

فالصومال مهم لمصر، كما يقول اللواء سمير فرج، لـ«الشرق الأوسط»، كونه «يلعب دوراً كبيراً في الملاحة بالبحر الأحمر لموقعه قرب مضيق باب المندب، الذي يمثل بوابة جنوبية للبحر الأحمر، وهو ما يؤكد الأهمية الجيوسياسية بالنسبة للقاهرة».

كما أن الاتفاقية تمثل أيضاً «رسالة غير مباشرة» لإثيوبيا بعد اتفاقيتها مع «أرض الصومال» ومساعيها لإنشاء قاعدة عسكرية هناك، في ظل طموحها لفرض السيطرة، ما دفع القاهرة إلى «الاحتواء الاستراتيجي» لدول جوار إثيوبيا، كما تسعى مصر لموازنة الوجود التركي بالمنطقة، بحسب فرج.

وتولي القاهرة أهمية كبيرة لتعزيز علاقاتها مع دول القرن الأفريقي، وفق وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال استقباله الأسبوع الماضي مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي، أنيت فيبر.

وأجرى عبد العاطي أولى رحلاته الخارجية، منذ توليه منصبه مطلع يوليو (تموز) الحالي، إلى الصومال وجيبوتي، لافتتاح أول خط طيران مباشر بين الدول الثلاث، وهو ما يعكس «عمق وأهمية علاقات مصر مع الدولتين، وحرص مصر على تحقيق قدر أعلى من الترابط مع دول القرن الأفريقي لما تمثله من عمق استراتيجي للأمن القومي المصري»، وفق بيان للخارجية المصرية.

تعاون وليس صراعاً

أمين سر «لجنة الدفاع والأمن القومي» في مجلس النواب المصري (البرلمان)، النائب محمد عبد الرحمن راضي، ربط بين تصريحات الرئيس المصري خلال زيارة نظيره الصومالي حسن شيخ محمود للقاهرة في يناير (كانون الثاني) والاتفاقية الجديدة، حين أكد آنذاك «الوقوف ضد أي تهديد» يواجه دولة عربية في ظل محاولات إثيوبية لـ«بثّ الاضطرابات» في محيطها الإقليمي.

موقف مصر، وفق راضي، ثابت تجاه أمن الصومال ودعمه، لافتاً إلى أن رسائل السيسي آنذاك عكست إدراك القيادة المصرية لوضعية الصومال الخاصة وأهميتها للقاهرة، مشيراً إلى أن اتفاقية الدفاع الحالية «ترميم ثغرات في جدار الأمن القومي العربي».

البرلماني المصري أكد أن الاتفاق الدفاعي يمثل تأكيداً للمفاهيم المصرية بشأن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، كما أن القاهرة والصومال تربطهما «اتفاقية الدفاع العربي المشترك»، وتنويه الرئيس المصري لإمكانية تفعيلها في أي وقت «يعكس نية مصر الوقوف إلى جانب أشقائها الصوماليين إذا تعرضوا إلى تهديد، وفق الاتفاقية التي تعود لعام 1950، وتتضمن بنداً ينص على أن أي عدوان على أي دولة موقعة على البروتوكول يعدّ عدواناً على بقية الدول».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استقبل السيسي الرئيس الصومالي، وشهد المؤتمر الصحافي «رسائل قوية» إلى إثيوبيا بشأن اتفاقها مع «أرض الصومال» لاستخدام واجهة بحرية من أراضيها عبر اتفاقية «إيجار»، فضلاً عن رسائل دعم قوية إلى الصومال، تضمنت التذكير بميثاق الجامعة العربية بالدفاع المشترك لأي تهديد له وحماية سيادته.

وفي 4 يوليو (تموز) الحالي، تلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً من نظيره الصومالي، تناول «سبل تعزيز العلاقات الثنائية» والترحيب بـ«الزخم الذي يشهده التعاون بين البلدين» في الفترة الأخيرة، وحرصهما على توسيع آفاق هذا التعاون لتشمل مختلف المجالات، فيما أكد السيسي حرص مصر على أمن واستقرار وسيادة الصومال.

دلالات مهمة

يحمل الاتفاق الجديد بين البلدين أبعاداً ودلالات مهمة في ظل احتدام الصراع بين كثير من القوى الإقليمية والدولية في منطقة القرن الأفريقي، خصوصاً في ظل «حمى القواعد العسكرية» من جيبوتي إلى الصومال، كما يشير المحلل السوداني في الشأن الأفريقي، محمد تورشين.

ويرى تورشين أن «مصر تثبت حضوراً قوياً في منطقة تتمتع فيها بعلاقات جيدة مع دولها، في ظل تنامي دور إثيوبيا وتركيا وغيرهما من الدول»، وعدّ «الاتفاقية رسالة لأديس أبابا بأن القاهرة حاضرة وبقوة».

ومن خلال الاتفاق، ستوظف مصر كثيراً من مقدراتها فيما يتعلق بتدريب الجيش الصومالي والتعاون الاستخباراتي والأمني، خاصة أن الصراعات في المنطقة لديها تأثير كبير على الأمن القومي المصري، ومن ثم استبقت القاهرة أي مخاطر بتعزيز وجودها بشكل رسمي، بحسب تورشين.

ويتفق المحلل الصومالي المختص في قضايا الأمن والإرهاب في منطقة القرن الأفريقي، عبد الرحمن سهل، بأن «مقديشو في ظل تنامي الإرهاب باتت تحتاج إلى من يقف معها في حماية وحدتها، وتحقيق الأمن والاستقرار لدحر حركة (الشباب) المرتبطة بتنظيم (القاعدة)».

ويعول سهل على الاتفاقية بين الجانبين لـ«حماية سيادة مقديشو من تدخل أي دول أخرى تسعى إلى تفتيت وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية»، عبر دعم الجيش الصومالي ضد الإرهاب، باعتباره «مربط الفرس وحجر الزاوية» وهو ما سيلاقي ترحيباً واسعاً بالبلاد، كما يؤكد الخبير الصومالي.

ويتوقع أن يلاقي الحضور الاستراتيجي المصري في الصومال رداً إثيوبياً بسبب «الصراع بين الدولتين حول مياه النيل»، رغم أن التعاون المصري - الصومالي أكبر من مجرد مواجهة الاتفاق بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، كما يؤكد «سهل».

وهناك خلافات بين مصر والسودان من ناحية، وإثيوبيا على الجهة الأخرى، بشأن «سد النهضة» الذي تبنيه إثيوبيا على فرع النيل الأزرق، والذي تقول القاهرة والخرطوم إنه سيؤثر بشكل كبير على حصصهما من مياه النيل، وتتمسكان بالتوصل أولاً إلى «اتفاق ملزم» مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد، لضمان استمرار تدفق حصتيهما المائية من نهر النيل، وهو ما تنفيه إثيوبيا، وتؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بدولتي مصبّ النيل.


مقالات ذات صلة

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات في ظل اضطرابات بمضيق هرمز جراء حرب إيران.

محمد محمود (القاهرة )
العالم أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو يناير الماضي (إ.ب.أ)

رفض عربي وأفريقي تعيين إسرائيل مبعوثاً دبلوماسياً لدى «أرض الصومال»

أدانت دول عربية وأفريقية بأشد العبارات إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى ما يسمى «أرض الصومال».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء لقائه الرئيس الصومالي على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد التزامها بدعم الصومال سياسياً وعسكرياً وأمنياً

أكدت مصر مواصلة دعم الصومال في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإنسانية، وذلك في ضوء العلاقات القوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال» خطوة باطلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.