هل «هدنة غزة» وشيكة؟

مصر دعت لقبول «مقترح بايدن» وحذّرت من «فوضى» في المنطقة

وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحافي، الاثنين، مع نظيره الإسباني (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحافي، الاثنين، مع نظيره الإسباني (الخارجية المصرية)
TT

هل «هدنة غزة» وشيكة؟

وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحافي، الاثنين، مع نظيره الإسباني (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحافي، الاثنين، مع نظيره الإسباني (الخارجية المصرية)

راكمت مبادرة الرئيس الأميركي جو بايدن للهدنة في غزة، ردود فعل إيجابية على أكثر من مستوى وتجاوباً أولياً من حركة «حماس»، وسط اتصالات مصرية ودعوات قطرية وانقسام إسرائيلي.

الردود المتباينة غلفت مفاوضات الهدنة بـ«غموض وتفاؤل مشروط»، وسط مخاوف من «تعثر جديد»، وفق دبلوماسي مصري سابق ومحللين سياسيين، أحدهما قطري، والآخر أميركي. ويرى الخبراء أن الوصول لهدنة بغزة قد يكون «احتمالاً وارداً»، قبل حلول عيد الأضحى (16 يونيو الحالي فلكياً)، حال قبلت إسرائيل، لكن استمرار حالة التباين الحالية والمناورة من جانب تل أبيب، ستقود إلى «تعثر».

محاولات حثيثة

وزير الخارجية المصري سامح شكري، حذر في مؤتمر صحافي، الاثنين، مع نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، بالعاصمة مدريد، من تعرض المنطقة لـ«فوضى»، حال استمرار الحرب، وأكد أن «المقترح الحالي بشأن وقف إطلاق النار في غزة جديرٌ بقبوله»، مشيراً إلى أن «حماس» رحبت باقتراح بايدن و«ننتظر الآن رد إسرائيل».

سبق ذلك مباحثات هاتفية مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ركزت على جهود وقف إطلاق النار في غزة، وفق بيان الخارجية المصرية. فيما تحدث مصدر مصري رفيع المستوى إلى «القاهرة الإخبارية» المصرية عن «مواصلة مصر اتصالاتها مع الأطراف كافة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بغزة».

في المقابل، نقلت هيئة البث الإسرائيلية، الاثنين، عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قوله: «نستطيع وقف الحرب 42 يوماً بهدف استعادة المحتجزين، لكننا لن نتنازل عن النصر المطلق»، مشيراً إلى أن «مقترح صفقة التبادل يتضمن تفاصيل أخرى لم يكشف عنها بايدن».

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن نتنياهو أيضاً أن المرحلة الأولى من الخطة التي تروج لها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في غزة، والتي تتضمن إطلاق سراح عدد محدود من الرهائن لدى حركة «حماس»، «يمكن تنفيذها دون الاتفاق على كل شروط المراحل اللاحقة»، ما يوحي برغبة إسرائيل باتفاق جزئي.

ويقف يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية، في صف المؤيدين لمقترح بايدن، وقال الاثنين: «على الحكومة الموافقة على مقترح الصفقة الجديد، وإرسال وفد إلى القاهرة لوضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل النهائية»، غداة تحذيره من أن التراجع عن القبول «سيسبب أزمة ثقة مع الأميركيين والدول الوسيطة (مصر وقطر)».

كان بايدن، الذي تعد بلاده وسيطاً في مفاوضات الهدنة بغزة، أعلن الجمعة، أنّ إسرائيل عرضت مقترحاً من 3 مراحل لإنهاء الحرب في غزة، وطالب «حماس» التي قدمت واشنطن المقترح لها عبر قطر، بقبول الاتفاق، مؤكداً أن «وقت انتهاء حرب غزة قد حان».

وتضمنت المرحلة الأولى من المقترح وقف إطلاق النار، والإفراج عن عدد من الرهائن، وانسحاباً إسرائيلياً محدوداً، على أن تتلوها مرحلة ثانية تشمل إطلاق سراح جميع الرهائن، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وأخيراً إعادة الإعمار، وتسليم جثث الرهائن القتلى.

وبعد ساعات من الخطاب، ردت «حماس»، السبت، على المقترح، وقالت إنها «تنظر بإيجابية إلى ما تضمنه خطاب بايدن»، فيما صدر بيان مشترك من الوسطاء الثلاثة يدعو الطرفين لإبرام اتفاق.

وفي مايو (أيار) الماضي، قدمت مصر مقترحاً نوقش في اجتماعات متتالية بالقاهرة من 3 مراحل أيضاً، وكان قاب قوسين أو أدنى من الوصول لهدنة ثانية بالقطاع بعد هدنة ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لكن إسرائيل اعترضت عليه، وفي اليوم التالي 7 مايو (أيار) الماضي، أعلنت السيطرة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، وسط رفض مصري وتوتر مع تل أبيب لا يزال مستمراً.

موقف غامض

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، يرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن الموقف بشكل عام «غامض وملتبس»، موضحاً أنه «لا مباحثات انطلقت في ظل مناورات وانقسام بإسرائيل إزاء مقترح الهدنة».

ويعتقد أن الهدنة لن تصل إلى «انفراجة»، طالما استمر الموقف الإسرائيلي، مستبعداً أن تحقق ضغوط واشنطن «نقاطاً إيجابيةً على تل أبيب في هذا الصدد». وتساءل: «أين الانفراجة في تحقيق هدنة وإسرائيل مصرة على استمرار الحرب؟».

تفاؤل مشروط

في المقابل، يرى مدير «مركز القمة للدراسات» بالدوحة، والمحلل السياسي القطري، صالح غريب، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «مقترح بايدن يأتي في ظل مبادرات سابقة وجولات بين باريس والقاهرة والدوحة (منذ يناير/ كانون الثاني 2024)، لكن سيصطدم بتمسك نتنياهو باستمرار الحرب».

مواقف «حماس» والوسيطين مصر وقطر، واضحة في الذهاب لهدنة، حسب صالح غريب، «في ظل جهود سعودية أيضاً لإنهاء الأزمة بغزة».

ويعتقد أن «نتنياهو لا يملك جرأةً كي يوقع على هذا الاتفاق، ولو وقع على الاتفاق سيكون في اليوم التالي مهدداً بالملاحقة وسقوط حكومته، لذا لا يريد هدنة توقف الحرب وإنما تطلق سراح أسراه فقط الذين لم يعثر عليهم منذ الهدنة الأولى (في ديسمبر الماضي التي استمرت أسبوعاً)».

غير أن المحلل القطري عاد وأبدى تفاؤلاً «بإمكانية أن تتحقق هدنة في عيد الأضحى المقبل، في ظل جهود الوسطاء، رغم إشكالية عدم تلاقي المطالب، وحرص بايدن على تقديم مبادرة انتخابية وليست تقبل التطبيق».

تعثر محتمل

التفاؤل المشروط يقابله قطعاً «تعثر محتمل» في رأي عضو الحزب الديمقراطي الأميركي، مهدي عفيفي، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

ويذهب عفيفي إلى أن «مبادرة بايدن انتخابية، ولن تثمر جهود الوسطاء هدنة وشيكة حقيقة»، مرجعاً ذلك إلى أن نتنياهو وحكومته عائقان أمام الوصول لهذه الهدنة، ويراوغان ولا يستجيبان لأي ضغوط معلنة من بايدن.


مقالات ذات صلة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

خاص فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

عاد الحراك مجدداً لملف قطاع غزة بعد اتصالات جديدة بين حركة «حماس» والوسطاء بشأن دفع المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من الشرطة الفلسطينية في أحد شوارع قطاع غزة (الداخلية الفلسطينية)

مقتل ثمانية عناصر شرطة بغارة إسرائيلية في غزة

أفاد مصدر طبي بمقتل ثمانية عناصر من قوات الشرطة في غارة إسرائيلية في قطاع غزة.

المشرق العربي وصل أحد رجال الإنقاذ إلى موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مجمعاً سكنياً في ضاحية حارة حريك جنوب بيروت (أ.ف.ب) p-circle

مقتل قيادي من «حماس» بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان

قُتل قيادي في حركة «حماس» في غارة إسرائيلية على منطقة شرحبيل قرب صيدا بجنوب لبنان، اليوم (الأحد).

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مشيعون يحملون جثمانَي ضابطين فلسطينيين قُتلا في خان يونس (أ.ب)

مقتل 8 فلسطينيين في غزة بغارات إسرائيلية

قُتل 8 فلسطينيين جراء قصف إسرائيلي اليوم على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مقاتلان من «حماس» يحرسان موقعاً سلمت فيه الحركة جثث أربعة رهائن إسرائيليين إلى الصليب الأحمر في خان يونس بغزة (د.ب.أ)

​«حماس» تدعو إيران لعدم استهداف «دول الجوار»

دعت حركة «حماس» اليوم (السبت) إيران لعدم استهداف «دول الجوار» في منطقة الخليج رداً على الغارات الأميركية - الإسرائيلية التي تتعرض لها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

يتقدم في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال فتح مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة أي اتفاق على النجاح أو الصمود إذا بقي محصوراً بالساحة اللبنانية، في ظل مواقف معلنة لقيادات في «حزب الله» ومسؤولين إيرانيين تؤكد ترابط جبهات الصراع في المنطقة.

ورغم مواصلة الرئيس اللبناني جوزيف عون، جهوده لإنجاح المبادرة التي أطلقها حول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، التي نفى وزير خارجيتها جدعون ساعر الأحد، «وجود أي توجه لإجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان لإنهاء الحرب»، عبّرت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية عن خشيتها من أن يربط «حزب الله» وإيران مسار التفاوض بالجبهتين، واصفة أي توجّه في هذا الإطار بـ«الغباء».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً الجمعة بأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قصر بعبدا الرئاسي بمناسبة زيارته السريعة إلى لبنان (أ.ب)

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس عون أطلق مبادرته بمعزل عن الملف الإيراني ولأنه رأى البلد يحترق، ومن مسؤوليته بوصفه رئيساً للجمهورية أن يتحرك «لا سيما أننا ندرك أننا ليست لدينا قدرة على مواجهة إسرائيل، ولا فعل أي شيء يقارن بهمجيتها ووحشيتها، كما أن الانتظار حتى يقرر الآخرون مصير البلد ليس خياراً».

وترى المصادر أن الأيام المقبلة «ستكشف نوايا (حزب الله) كما إيران وإسرائيل على حد سواء». وتضيف: «إذا جرى ربط مسار المفاوضات بالجبهتين، فستتكشف عندها النوايا الحقيقية، ولن يكون بإمكان (حزب الله) القول إنه يحافظ على لبنان أو على وحدته، وكل الشعارات ستسقط حينها»، محذرة في الوقت عينه من أي «تشويش» عسكري سياسي محتمل من الجانب الإيراني إذا سلكت المبادرة طريقاً إيجابياً «وعندها ستتكشف كل الأدوار والالتزامات».

مسار محدود بلا تسوية إقليمية

في ظل غياب مؤشرات حول أي مفاوضات محتملة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن فعلاً التوصل إلى اتفاق حول الجبهة اللبنانية وحدها؟ أم أن أي تسوية محتملة ستظل مرتبطة بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل إيران وحلفاءها في المنطقة؟

يقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية الدكتور عماد سلامة: «من غير المرجح أن تنطلق مفاوضات فعلية ومنتجة بين لبنان وإسرائيل قبل الوصول إلى تسوية أوسع على مستوى الإقليم، تحديداً فيما يتعلق بالصراع المرتبط بإيران». ويوضح سلامة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «طالما أن (حزب الله) يواصل الانخراط في دعم المجهود الحربي الإيراني، فإن أي مسار تفاوضي سيبقى محدود النتائج، لأن القرار الاستراتيجي المرتبط بالحرب والسلم لا يزال متداخلاً مع الحسابات الإقليمية. لذلك، فإن أي تقدم حقيقي في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يبقى مرهوناً إلى حد كبير بتبلور تسوية إقليمية أشمل تعيد ترتيب موازين القوى، وتفتح المجال لتفاهمات أكثر استقراراً».

خيمة لنازحين في وسط بيروت حيث تساقطت الأمطار بكثافة يوم الأحد (رويترز)

ضغط سياسي على «حزب الله»

مع ضخ المعلومات المتناقضة حول المفاوضات، يرى سلامة «أنه قد يكون هناك دافع لدى إسرائيل وبعض القوى اللبنانية المعارضة لـ(حزب الله)، إضافة إلى الحكومة اللبنانية، لاستئناف الحديث عن المفاوضات حتى في غياب تسوية إقليمية نهائية، بهدف ممارسة ضغط سياسي على (حزب الله)، وإظهار التزام لبنان بالمسار الدبلوماسي بما يعزز علاقاته مع الغرب، ويضمن استمرار الدعم للمؤسسات اللبنانية، هذا في وقت ترى فيه إسرائيل أن فتح باب التفاوض أداة لزيادة الانقسامات الداخلية في لبنان، وربما تعميق التباينات السياسية حول دور (حزب الله) وسلاحه».

شروط جديدة

بعد تجارب سابقة باءت كلّها بالفشل، وعما يفترض أن تتضمنه أي مفاوضات أو اتفاقات جديدة محتملة، يقول سلامة: «إذا استؤنفت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، فمن المرجح أن تختلف طبيعتها وشروطها عمّا كان مطروحاً في السابق»، موضحاً أن «إسرائيل ستسعى إلى ربط أي تقدم تفاوضي بتعاون وثيق مع الجيش اللبناني فيما يتعلق بعملية نزع سلاح (حزب الله)، بما في ذلك آليات مراقبة مباشرة وشفافة لانتشار الجيش. وقد يشمل ذلك إعادة تموضع الجيش اللبناني داخل معاقل تقليدية لـ(حزب الله)، ليس فقط في الجنوب الحدودي بل أيضاً في مناطق نفوذه مثل الضاحية الجنوبية وبعض مدن الجنوب الرئيسية كمدينة النبطية، بما يهدف إلى إثبات قدرة الدولة على بسط سلطتها الأمنية».

الدخان يتصاعد من شقة في مبنى في صيدا تعرض لغارة إسرائيلية (إ ب أ)

ويضيف سلامة: «في المقابل، من المتوقع أن يحظى الجيش اللبناني بدعم سياسي ومالي وعسكري أكبر من الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول العربية، بما في ذلك دعم لعملية إعادة هيكلة القيادة العسكرية وتعزيز قدراته. وعلى هذا الأساس، قد تربط إسرائيل انسحابها التدريجي من الجنوب اللبناني بمدى التقدم المحقق في انتشار الجيش وتنفيذ هذه الترتيبات، مع تقديم الولايات المتحدة ضمانات أمنية وسياسية للطرفين لضمان تنفيذ الالتزامات المتبادل».

مع العلم أنه بات معلناً أن قرار الحزب مرتبط بالكامل بطهران؛ فمنذ اتخاذ قرار «إسناد إيران» وإطلاق الصواريخ ثأراً للمرشد الإيراني علي خامنئي، أكد المسؤولون الحزبيون مراراً أنه جزء من محور إقليمي في مواجهة إسرائيل، وأن العلاقة مع إيران تقوم على تحالف استراتيجي.

وفي سياق الحديث عن المواجهة الحالية، وصف أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، المعركة مع إسرائيل بأنها «معركة وجودية»، مؤكداً أن الحزب مستعد لمواجهة طويلة إذا استمر التصعيد، وأن قدراته العسكرية تتيح له مواصلة القتال مهما طال أمد الحرب.

طفلة على متن حافلة تحوّلت إلى خيمة لعائلة نازحة هرباً من القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ولا يقتصر هذا الربط بين الجبهات على خطاب «حزب الله» فقط؛ بل يظهر أيضاً في مواقف القيادة الإيرانية بشكل دائم، وهو ما كان واضحاً أيضاً في بيان «الحرس الثوري» مساء الأربعاء الماضي، بشأن مشاركة «حزب الله» في عملية «العصف المأكول».


«حزب الله» يكشف بيروت أمنياً ويأمر بنزع كاميرات المراقبة

آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
TT

«حزب الله» يكشف بيروت أمنياً ويأمر بنزع كاميرات المراقبة

آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)

حوّل «حزب الله» بعض مناطق العاصمة بيروت إلى مربعات أمنية، يفرض على سكانها شروطه، وآخرها الإيعاز لأصحاب المؤسسات التجارية والمدارس ولجان الأبنية في أحياء البسطة الفوقا والبسطة التحتا وخطّ النويري، والشوارع المتفرعة منها وصولاً إلى الخندق الغميق والباشورة، بإطفاء كاميرات المراقبة الخاصة بها بشكلٍ كامل، وفصلها عن شبكة الإنترنت، وصولاً إلى قطع الكهرباء عنها بحيث تتوقف عن العمل كليّاً.

مشكلة أمنية وتفشي الجرائم

وبينما لم يوضح الحزب أسباب هذا الطلب، إلا أنه سيكون له تداعيات سلبية على أداء الأجهزة الأمنية في مكافحة الجريمة؛ واعتبر مصدرٌ أمني بارز أن ما يحصل سيخلق مشكلة أمنية كبيرة، مشيراً إلى أن حوالي 90 في المائة من الجرائم «يجري اكتشافها من خلال ضبط الكاميرات وتتبعها من شارع إلى آخر». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن بأمس الحاجة إلى الكاميرات، خصوصاً في هذه المرحلة التي بات الوضع الأمني فيها صعباً بسبب كثافة النزوح والإشكالات التي تحصل في الشوارع والأحياء، والتي تستخدم فيها الأسلحة الحربية أحياناً، والمُرشّح أن ترتفع معها نسبة الجريمة»، معتبراً أن «ضبط الكاميرات وتعطيلها سيؤدي حتماً إلى تفشي الجريمة».

الدخان يتصاعد من مبنى في صيدا بعد استهدافه بغارة إسرائيلية أدت إلى مقتل قيادي في حركة «حماس» (إ.ب.أ)

قلق من استهدافات إسرائيلية

عبّر رئيس جمعية «بيروت منارتي» المحامي مروان سلام من جهته عن قلقه من تصرفات «حزب الله»، وتحدث عن تلقيه مراجعات من أهالي بيروت أفادت بأن عناصر أمنية تابعة للحزب «طلبت من أصحاب بعض المحال التجارية والبنايات نزع كاميرات المراقبة أو إطفاءها وفصلها عن شبكة الإنترنت».

وفي ظل ملاحقة إسرائيل لقياديين في «حزب الله» عبر استهدافهم في الشقق والأحياء، أكد سلام أن «أبناء المنطقة تخوّفوا من هذه الإجراءات التي تمنح مسؤولي وعناصر (حزب الله) حرية التحرك في مناطقهم وتعرضهم لخطر استهدافها من قبل الطيران الإسرائيلي»، مشيراً إلى أن هذه الخطوة «تُثير قلقاً بالغاً لدى أصحاب المؤسسات التجارية، لا سيما محلات المجوهرات والصرّافين والسوبر ماركت، الذين يخشون أن تستغلّ العصابات غياب الكاميرات لتنفيذ عمليات سرقة وسطو على مؤسساتهم»، ولفت إلى أن «هذا القلق ينسحب على لجان الأبنية السكنية الذين يراقبون عبر هذه الكاميرات من يدخل ويخرج منها، ويُحذرون من تسلّل أشخاص غير معروفين للإقامة فيها والخشية من استهدافهم».

وقال سلام لـ«الشرق الأوسط»: «نقلنا هواجس المواطنين إلى وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار الذي أفادنا بأن الأمر تحت المتابعة الحثيثة، إضافة إلى متابعته مع شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ومديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وطلبنا منهم إجراء تحقيق فوري لكشف حقيقة ما يجري وتحديد المسؤوليات».

نازحان ينقلان فرشات إسفنجية لأحد تجمعات النازحين في بيروت (إ.ب.أ)

حرية تنقّل «حزب الله»

تتعدد الأسباب التي حدت بالحزب إلى هذا التصرف، ورأى الخبير في شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش «أن كثيراً من معدات المراقبة المتداولة في الأسواق اللبنانية قابلة للاختراق تقنياً، بما في ذلك كاميرات المراقبة وأجهزة التسجيل الخاصة بها (NVR)، فهذه الكاميرات لا تقتصر وظيفتها على التصوير فقط، بل تحتوي أيضاً على عدسات (Lens) تلتقط الصورة بدقة، إضافة إلى ميكروفونات تتيح تسجيل الصوت»، لافتاً إلى أنه «في حال تمكنت جهة معادية (إسرائيل) من اختراق هذه الأجهزة، يمكنها تجنيدها لنقل الصوت والصورة بشكل مباشر لما يجري في الشوارع أو داخل نطاق تغطيتها، ما يحوّلها عملياً إلى وسيلة مراقبة يمكن الاستفادة منها لرصد التحركات».

ويقول الطبش لـ«الشرق الأوسط» إنّ المسألة «ترتبط أيضاً بقدرة الجهات المعادية على تأكيد المعلومات ميدانياً، فعند مرور موكب معيّن قد يكون عرضة للاستهداف، يمكن التحقّق من وجوده العسكري في الشوارع عبر وسائل مراقبة متعددة، كما أن مجرد مرور أشخاص في المكان، سواء كانوا من عناصر الحزب أو حتى أفراداً يحملون هواتف ذكية، قد يساهم في تثبيت هوية الهدف».

في الحالات التي يكون فيها الوجه مخفياً لا يمكن الاستفادة من تقنية التعرّف إلى الوجه، على حدّ تعبير الخبير عامر الطبش، بل يمكن اللجوء إلى وسائل أخرى «مثل تحليل بصمة الصوت في حال التقطت الكاميرات الشخص وهو يتحدث، أو من خلال مراقبة حركة الجسد وبنية الجسم وقياسها، إضافة إلى مجموعة من المؤشرات التقنية التي تساعد على تأكيد هوية الشخص المستهدف»، مشيراً إلى أن كاميرات المراقبة في الشوارع «قد توفر بثاً مباشراً (Live Feed) يتيح متابعة تحركات الأشخاص المراقبين لحظة بلحظة، بالتزامن مع تحليق الطائرات المسيّرة فوق هذه المناطق». ويلفت إلى أنّ «طائرة الدرون قادرة على التصوير والمراقبة من الجو، فيما تتيح الكاميرات مراقبةً أكثر دقّة داخل الشوارع والأحياء الضيقة».

نازحون قرب موقع استهداف لشقة سكنية في منطقة عرمون بجبل لبنان (أ.ف.ب)

وتذكر تدابير الحزب بأحداث 7 مايو (أيار) من عام 2008، التي كان أحد أسباب اندلاعها قرار الحكومة اللبنانية آنذاك المتعلق بشبكة الاتصالات الخاصة بـ«حزب الله»، والتي رفض الحزب المساس بها، إضافة إلى قرار آخر يتصل بكاميرات المراقبة التي كانت وزارة الداخلية تعتزم تركيبها في بيروت بقدرات مراقبة عالية نسبياً في ذلك الوقت. ويؤكد عامر الطبش أن «هذه الخطوات شكّلت، بالنسبة إلى الحزب، محاولة لمراقبة نطاق تحركاته، ما تسبب باجتياح بيروت عسكرياً»، مذكراً بأن الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، كان قد دعا في الأسبوع الأول من الحرب الأخيرة في عام 2024، إلى إطفاء الهواتف الذكية، كونها قد تتحول إلى وسيلة يمكن للعدو الاستفادة منها في عمليات الرصد والتعقب، كما حذّر حينها من التصوير ومن استخدام الكاميرات.


مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)

عاد الحراك مجدداً لملف قطاع غزة بعد اتصالات جديدة بين حركة «حماس» والوسطاء بشأن دفع المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تتضمن انسحاباً إسرائيلياً من مواقع عدة في القطاع، وبدء تسلم لجنة إدارة غزة مهامها.

ومنذ الاتفاق على وقف إطلاق النار في غزة بين إسرائيل و«حماس» وفق «خطة ترمب» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي خيَّم البطء على تنفيذ بنودها، واتهم الوسطاء والفصائل الفلسطينية إسرائيل بتعمد التعطيل وتأخير الانسحاب من القطاع، وإغلاق المعابر بشكل شبه كامل.

فلسطينيون يشيعون السبت الماضي قتلى سقطوا بهجوم إسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

ووفق مصادر فلسطينية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» فإن اتصالات جرت مع الوسطاء وخاصةً في مصر وتركيا بشأن الوضع القائم، ونُقلت بعض الرسائل إلى الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل لإعادة فتح المعابر وإدخال البضائع إلى القطاع، في ظل تدهور الوضع الإنساني وتقليص إدخال المساعدات والبضائع بشكل كبير جداً.

وتعيد تلك الاتصالات الحيوية إلى ملف غزة بعدما توارى نسبياً منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قبل 3 أسابيع تقريباً، وذلك بعد تجميد شبه كامل للتواصل ما بين قيادة «حماس» والوسطاء.

تطبيق بنود المرحلة الثانية

ووفقاً للمصادر، فإن الاتصالات أنتجت حراكاً جديداً حول استئناف مباحثات المرحلة الثانية وتطبيق بنودها بما يشمل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع لمباشرة مهامها، وكذلك العمل على تنفيذ البنود المتعلقة بها، ومنها تسلم الحكم وإدارة الشأن اليومي للسكان، وكذلك بنود أخرى لا زالت عالقة مثل إدخال القوات الدولية للانتشار في مناطق الخط الأصفر بشكل محدد وأساسي.

رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب المصادر، فإنه من المتوقع طرح قضية نزع سلاح «حماس» مجدداً بعد عيد الفطر المبارك، إذ تُعقد لقاءات بين قيادة «حماس» والوسطاء، ورجحت المصادر أن «اللقاءات ستكون بشكل أساسي في القاهرة خلال الفترة المقبلة».

وكثيراً ما تتحدث «حماس» عن مقاربات في قضية السلاح، في وقت تتمسك فيه إسرائيل بتسليمه بالكامل سواء الثقيل أو الخفيف منه.

وتقول المصادر إن التركيز حالياً على تحسين الوضع الحياتي والإنساني للسكان، والسماح للجنة إدارة القطاع بمباشرة مهامها بشكل كامل، وإعادة فتح معبر رفح مع توسيع حرية العمل فيه، مبينةً أنه كان هناك وعود إسرائيلية للوسطاء بإعادة فتحه الأحد، غير أنه لم يتم الالتزام بذلك.

ويواجه قطاع غزة ظروفاً إنسانية صعبة مع استمرار الفتح الجزئي لمعبر كرم أبو سالم جنوب القطاع والرابط بين غزة ومصر وإسرائيلي، وتدخل منه بضائع محدودة تتضمن 80 شاحنة أو أقل يومياً، الأمر الذي تسبب في ندرة البضائع، وارتفاع أسعارها.

استعدادات لنشر القوات

وذكرت هيئة البث الإسرائيلية، مساء السبت، أن إسرائيل تستعد لبدء المرحلة التالية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في غزة، والتي تتضمن دخول آلاف الجنود الأجانب إلى القطاع ضمن قوة الاستقرار الدولية، وذلك في الأول من مايو (أيار) المقبل، مبينةً أنها ستنتشر مبدئياً في محيط المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية برفح جنوب القطاع، ثم لاحقاً في مناطق أخرى بنطاق الخط الأصفر.

ولفتت إلى أن هناك خطة لنشر 5 آلاف جندي من إندونيسيا، وسينضم إليهم العشرات من دول أخرى وسيشاركون جميعاً في تدريبات تمهيدية تشمل التدريب بالذخيرة الحية كجزء من الاستعدادات لدخول غزة، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن يصل ممثلون عن تلك الدول إلى إسرائيل في جولات تمهيدية لزيارة محيط قطاع غزة نهاية الشهر الحالي.

مقاتلون من «حماس» خلال تشييع قيادي بالحركة في غزة (أرشيفية - رويترز)

وعلى صعيد ميداني، تواصلت الخروقات الإسرائيلية، إذ قال مسعفون، يوم الأحد، إن ‌ثمانية ‌أشخاص على ​الأقل ‌قتلوا ⁠في بلدة الزوايدة بوسط قطاع غزة، جرَّاء ⁠غارة ‌جوية ‌إسرائيلية ​استهدفت عناصر ‌من ‌قوة الشرطة ‌التي تديرها «حماس».

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن أحد المستهدفين بالغارة هو إياد أبو يوسف، الذي يعمل كعنصر في شرطة «حماس» كما أنه قائد ميداني في كتائب «القسام» الذراع لعسكرية لـ«حماس»، موضحة أن الرجل تعرض سابقاً لمحاولتي اغتيال وأصيب بهما.

كما استهدفت إسرائيل في ساعة مبكرة من صباح الأحد، ناشط في «القسام» وزوجته وطفلهما وطفل آخر، في قصف استهدفهما بمنطقة السوارحة غرب بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، بينما قتل ناشط آخر من «القسام» متأثراً بجروحه بقصف استهدفه قبل أيام بمدينة غزة برفقة آخرين.

وارتفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي، إلى أكثر من 663 شخصاً، بينما ارتفع العدد الإجمالي منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى أكثر من 72 ألف قتيل.