جعل الفراعنة للخبز قدسية، فكانوا يضعونه في قبر المتوفى، ومع توالي الأزمنة ارتبط المصريون برغيف الخبز، حتى إنهم سموه «العيش»، في دلالة على أنه يرتبط بحياتهم ومعيشتهم، كما تقول المراجع التاريخية. ولأجل ذلك، عملت الحكومات في مصر على دعم رغيف الخبز، وعدَّته بمثابة «خط أحمر» لا تقربه، حتى في أشد الأزمات.
وقررت الحكومة المصرية، قبل ساعات، بناءً على توجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الإبقاء على سعر رغيف الخبز المدعم، على أن تتحمل الدولة فرق الزيادة بالنسبة للأفران التموينية التي تعمل بالسولار أو الغاز. وجاء قرار الحكومة المصرية، بعدما قررت «لجنة تسعير المنتجات البترولية»، مساء الخميس، تحريك سعر البنزين والسولار بنسب تتراوح ما بين 8 إلى 33 في المائة، بعد تأجيل الزيادة أكثر من مرة في ضوء ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
ووفق تصريحات الشهر الماضي لرئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، فإنَّ آخر تحريك لسعر رغيف الخبز في مصر كان عام 1988، حيث أصبح سعره «5 قروش». وبيَّن حينها أن تكلفة الرغيف على الدولة المصرية 65 قرشاً، مُلمحاً حينها إلى التفكير في رفع الدعم عن الخبز بقوله إنَّ «هناك تفكيراً في وجود نوع من التحرك الطفيف، وسيظل هناك دعم (مش قليل)، لكن (دعم كبير)»، موضحاً أن الدولة تدرس هذا الأمر بشكل متكامل، وتجلس مع خبراء كُثر، حتى يجري تطبيق هذا الموضوع بقدر كبير من الاطمئنان، إلا أن تلك التلميحات لم تنفذ بعد التوجيه الرئاسي بـ«الإبقاء على سعر رغيف الخبز المدعم»، ما يؤكد أن «رفع الدعم لا يزال عصياً على رغيف الخبز»، وفق مراقبين.
وتشير إحصاءات وزارة التموين المصرية إلى إنتاج 250 مليوناً إلى 270 مليون رغيف يومياً، من خلال 30 ألف مخبز بلدي، منتشرة على مستوى المحافظات المصرية، ويستفيد من منظومة الخبز المدعم ما يقرب من 72 مليون مواطن، من خلال بطاقات التموين بمعدل 150 رغيفاً شهرياً لكل فرد مقيد ببطاقة التموين.

ومن جهته، أكد وزير التموين والتجارة الداخلية، علي المصيلحي، أن الدولة ممثلة في الهيئة العامة للسلع التموينية التابعة للوزارة سوف تتحمل فارق تكلفة تصنيع رغيف الخبز المنتج بالمخابز البلدية، والتي تعمل بوقود السولار أو الغاز، وذلك في أعقاب صدور قرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية. وأكد الوزير، في بيان، الجمعة، أن المواطن يحصل على الخبز البلدي المدعم من خلال بطاقة التموين بسعر 5 قروش فقط، واستمرار تحمل الدولة فرق تكلفة الإنتاج وسدادها لأصحاب المخابز من خلال هيئة السلع التموينية، وذلك في إطار حرص الوزارة على توفير الخبز البلدي المدعم على بطاقات التموين وصرفه للمواطنين بشكل منتظم.
ويصرف المواطن رغيف الخبز بسعر 5 قروش على بطاقة التموين، رغم أن تكلفة إنتاج الرغيف تتجاوز 1 جنيه (الدولار يساوي 46.5 جنيه مصري) في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وفق «غرفة صناعة الحبوب» باتحاد الصناعات المصرية.
ويعلل أستاذ علم الاجتماع الاقتصادي في مصر، جمال حماد، لـ«الشرق الأوسط»، أهمية الخبز لدى المواطن المصري وإخضاعه للدعم، بقوله: «الخصائص الاقتصادية للمجتمع المصري تشير إلى أنه مجتمع محدود الدخل، وبالتالي معظم الفئات الفقيرة سلة طعامها اليومي لا يخلو من الخبز، فهو بديل عن النشويات على سبيل المثال وفي مقدمتها الأرز والمكرونة، وزادت الظروف الاقتصادية التي مر بها المجتمع أخيراً من جعل عناصر سلة الغذاء الأخرى مرتفعة للغاية مقارنة برغيف الخبز المدعم، وبالتالي أصبح هو الملاذ الذي يلجأ إليه مواطن الطبقة الفقيرة وكذلك ضحايا الطبقة الوسطى لكي يسدوا رمق يومهم، ومن ثم تعي الحكومة ذلك، وتعمل على استمرار دعم الخبز».

وفي السياق نفسه، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مصطفى كامل السيد، لـ«الشرق الأوسط» إن «الخبز كان بمثابة خط أحمر بالنسبة للحكومات عندما كان يوجد فقط نوع واحد منه، هو الخبز البلدي، أما الآن فلم يعد الأمر كذلك، وأصبح هناك نحو 10 أنواع، يمكن أن يشتري المواطن من بينها، وهو ما يدعونا للقول إن دعم الخبز لم يعد يمثل عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة المصرية، بمعنى أنه لا يمثل نسبة كبيرة من إنفاق الحكومة في الوقت الحالي».
ووفقاً لغرفة «صناعة الحبوب» باتحاد الصناعات المصرية فإن «موازنة دعم الخبز ارتفعت من 51 مليار جنيه خلال العام الماضي إلى 91 مليار جنيه حالياً، قابلة للزيادة مرة ثانية مع ارتفاع أسعار السولار».
وهنا قال السيد: «نعم الحكومة المصرية توفر الخبز المدعم بسعر 5 قروش، لكن نوعيته ليست جيدة، وبالتالي يلجأ بعض المواطنين لشراء ما يطلق عليه الخبز السياحي».
