ارتدادات الزلزال على سوق العقارات في شمال غربي سوريا

الرعب دفع السكان الناجين للبحث عن الدور العربية بدل الطوابق العليا

TT

ارتدادات الزلزال على سوق العقارات في شمال غربي سوريا

سكان الشمال الغربي أصبحوا يهتمون بالسؤال عن أسس المباني ومتانتها للشعور بالأمن قبل الإقامة بها (الشرق الأوسط)
سكان الشمال الغربي أصبحوا يهتمون بالسؤال عن أسس المباني ومتانتها للشعور بالأمن قبل الإقامة بها (الشرق الأوسط)

في مدينة عزمارين، التابعة لمنطقة حارم، في ريف إدلب الشمالي، استيقظ محمد غنام على ضجيج لم يميّزه، فجر السادس من فبراير (شباط) من العام الماضي... «ظننت أننا نتعرض لقصف قبل أن ندرك أنه زلزال»، قال الشاب البالغ من العمر 19 عاماً لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً: «كنا نشعر بالرعب ونظرنا من الشرفة لنرى البنايات المحيطة بنا قد انهارت».

تمكن محمد مع عائلته من مغادرة بيتهم في الطابق الثاني في الوقت المناسب، بينما بدأ تشقق الدرج الداخلي وانهارت بعض أقسامه، ومنذ ذلك الحين لم يعودوا للإقامة فيه.

الدمار الذي سببه الزلزال في بلدة جندريس بشمال سوريا (أرشيفية - د.ب.أ)

ما زال رعب لحظات الهروب مهيمناً على ذاكرة محمد، وعلى غيره من سكان المباني الطابقية، حتى تلك التي لم تتضرر بشكل بالغ، لذا في الأيام الأولى التي تبعت الزلزال كان السؤال الأبرز لسكان شمال غربي سوريا: «كيف سأحصل على خيمة؟» لتجنب مخاطر انهيار السقف والجدران والاضطرار إلى الهرب من جديد خصوصاً مع تكرار الهزات الارتدادية الشديدة.

انتقل محمد مع عائلته إلى دار عربية، أي إلى منزل أرضيّ من دون طوابق، وعلى الرغم من سوء حالة المسكن الجديد فإنه وفّر الراحة النفسية لساكنيه لقدرتهم على إخلائه السريع عند الحاجة، فقد «كنا نرغب قبل الزلزال أن نقيم في شقق طابقية ولكن من بعده أصبحنا نرغب في البيوت العربية... بعد الرعب الذي عشناه بالزلزال أصبحنا نغادر المنزل فور حدوث أي هزات ارتدادية».

 

الانخفاض ابتعاداً عن المخاطر

لم يكن أثر الزلزال، الذي بلغت شدته 7.8 درجات، محدوداً بمقتل وإصابة أكثر من 13 ألف شخص في الشمال الغربي، والدمار الواسع للأبنية والبنى التحتية، ولكنه أدى إلى تحول تام في سوق العقارات الذي كان يشهد ازدياداً متسارعاً في أعمال البناء وحركة البيع والشراء خلال السنوات الأربع الماضية.

ما زالت التشققات الناجمة عن الزلزال واضحة ضمن أبنية شمال غربي سوريا (الشرق الأوسط)

تعرّض 10600 مبنى شمال غربي سوريا للدمار بسبب الزلزال، حسب بيانات الأمم المتحدة؛ 1869 مبنى دُمِّر بشكل كلي و8731 بشكل جزئي، مما سبَّب احتياج أكثر من 280 ألف شخص إلى الملاجئ العاجلة.

بعد استقبال الشمال الغربي، الخارج عن سيطرة النظام السوري، للمهجَّرين من سكان المحافظات الجنوبية والشرقية، بدءاً من عام 2014 والنازحين من ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي بداية عام 2020، توسع العمران في المنطقة لاستيعاب تضاعف أعداد السكان، إذ حسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن من أصل 4.5 مليون مقيم في ريف حلب الشمالي وإدلب، 2.9 ملايون هم من المهجّرين والنازحين داخلياً، بينهم قرابة مليونين يقيمون في المخيمات.

أحمد، صاحب مكتب عقاري في جنديرس، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرعب الذي اختبره سكان المنطقة حوّل رغبتهم بشكل كامل من الإقامة في الأبنية إلى الدور العربية، موضحاً: «قبل الزلزال كان 75 في المائة من الزبائن يطلبون الإقامة في الشقق الطابقية، أما الآن فلا تبلغ نسبتهم 1 في المائة». المباني الطابقية كانت الأكثر تأثراً بالزلزال، إذ يزداد تأرجح البناء واهتزازه مع ازدياد الارتفاع.

صاحب المكتب العقاري ثروت غنام يتحدث مع زبون عن خيارات السكن المتاحة في عزمارين (الشرق الأوسط)

كانت مدينة جنديرس، التابعة لعفرين في ريف حلب الشمالي، من أكثر المناطق دماراً بسبب الزلزال الذي أثّر في 148 مدينة وبلدة شمال غربي سوريا. فمن مجمل أعداد المباني المدمَّرة كانت 57 في المائة في منطقتي حارم وعفرين.

«لم يحسب أحد حساباً للزلزال»، قال أحمد مشيراً إلى آلية البناء واهتمامات الزبائن من قبل، مضيفاً: «لم يكن أحد يسأل عن المتانة، كان الزبون يسأل عن الموقع ويطلب الشقق الطابقية، أمّا الآن فيبدأ السؤال من أسس البناء إلى فوق».

 

تعافٍ بطيء

حين تسير في شوارع المدن التي تأثرت بالزلزال في الشمال الغربي، بالإمكان مشاهدة التشققات التي ما زالت واضحة بعد عام على المباني الطابقية. تاريخ بناء تلك المباني كان واضحاً لدى السكان أيضاً، فأغلبها حديث وبُني خلال الأعوام القليلة السابقة.

برأي السمسار العقاري أحمد، «القَدَر» هو سبب سقوط مبانٍ دون أخرى، مشيراً إلى أن الكثير من الأبنية المتهالكة قَبل الزلزال بقيت واقفة في حين انهارت مبانٍ ثابتة وجيدة البناء.

لكنّ ثروت غنام، وهو صاحب مكتب للعقارات في عزمارين، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن البناء كان عشوائياً خلال الأعوام الأولى من الحرب، ولم يأخذ في الاعتبار المتانة اللازمة للتهيؤ للكوارث، خصوصاً أن زلزالاً كهذا لم يمر بزمن الآباء والأجداد مثله. وقال: «أخذوا بعين الاعتبار بقاء البناء ثابتاً في مكانه ولم يحسبوا حساب تعرضه للاهتزاز».

تحدث ثروت عن إحجام الزبائن عن شراء الشقق والأبنية وتوقف عمليات البناء، بعد أن ازدادت رغبة السكان في اقتناء الخيام، على الرغم من المصاعب الكثيرة المرتبطة بالإقامة ضمنها خلال العواصف وموجات الحر والبرودة.

وأصدرت سلطات الأمر الواقع، في إدلب وريف حلب الشمالي، مراسيم وقوانين متعددة للتشديد على منح التراخيص الخاصة بالبناء وفرض نسب الحديد والإسمنت بعد حدوث الزلزال، فيما كانت الرقابة ضعيفة على عمليات البناء من قبل، وكان لهذا التحول أثر إضافي بتوقف حركة البناء، حسب تقدير ثروت.

لا يشعر سكان المنطقة، الذين فقدوا منازلهم أو تعرضت للضرر نتيجة الزلزال، بالاستقرار حتى اليوم، فمع استمرار الهزات الارتدادية في المنطقة تبقى الإقامة في الدور الأرضية، أو في المخيمات، الخيار الأسلم والأجدى مادياً بالنسبة لهم وسط ركود اقتصادي وانخفاض مستمر في المساعدات الإغاثية ومساعدات الترميم المقدمة من المنظمات الإنسانية.


مقالات ذات صلة

معهد: زلزال بقوة 6.2 درجة شرق خليج عدن

المشرق العربي صورة لرصد زلزال (رويترز)

معهد: زلزال بقوة 6.2 درجة شرق خليج عدن

قال المركز الأورومتوسطي لرصد الزلازل، إن هزة أرضية بقوة 6.2 درجة وقعت مساء الخميس في خليج عدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟ اكتشف حقائق عام 1613 قبل الميلاد والعلاقة الجيولوجية المذهلة بأسطورة قارة أطلنطس المفقودة التي كتب عنها أفلاطون.

كوثر وكيل (لندن)
آسيا صورة لرصد زلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجة قبالة سواحل اليابان

ضرب زلزال بلغت قوته 5.6 درجة على مقياس ريختر منطقة قبالة الساحل الشرقي لليابان، على بعد نحو 212 كيلومترا شرق مدينة أوناجاوا.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
أميركا اللاتينية ضرب الزلزال الذي تلته هزّة ارتدادية قوية وسط كوستاريكا الاثنين (رويترز)

زلزل وهزة ارتدادية قوية يضربان كوستاريكا ولا ضحايا

ضرب زلزال بقوة 5.4 درجات على مقياس ريختر، تلته هزّة ارتدادية قوية، وسط كوستاريكا، حيث تقع العاصمة سان خوسيه فجر الاثنين.

«الشرق الأوسط» (سان خوسيه)
آسيا يقف رجال الإطفاء من إدارة إطفاء طوكيو في شارع غمرته المياه جزئياً في الساعات الأولى من صباح اليوم إثر انفجار أنبوب مياه بعد زلزال ضرب المنطقة والمحافظات المجاورة (أ.ب)

زلزال بقوة 5.9 درجة يضرب شرقي اليابان ويصيب العشرات

ضرب زلزال متوسط بلغت قوته الأولية 5.9 درجة على مقياس ريختر شرقي اليابان، بما في ذلك منطقة طوكيو، فجر اليوم (الأحد)، مما أسفر عن إصابة أكثر من 30 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

لبنان يطالب بالتمديد لـ«اليونيفيل» ورفض أممي لتقويض 1701

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر بين منازل مدمرة في جنوب لبنان في أبريل الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تعبر بين منازل مدمرة في جنوب لبنان في أبريل الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لبنان يطالب بالتمديد لـ«اليونيفيل» ورفض أممي لتقويض 1701

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر بين منازل مدمرة في جنوب لبنان في أبريل الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تعبر بين منازل مدمرة في جنوب لبنان في أبريل الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

رفض أعضاء مجلس الأمن، خلال جلسة مغلقة، محاولات إسرائيلية لتقويض القرار 1701 أو إلغائه، وسط نقاش جدي لمطالب لبنانية بتمديد إضافي، ولو قصيراً، لتفويض مهمة القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان، «اليونيفيل»، وسط رغبة واضحة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ«دور أممي داعم» للإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل.

وبموجب القرار الـ2790 الذي اتخذه مجلس الأمن في صيف العام الماضي، ينتهي التفويض الحالي لـ«اليونيفيل» في 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، والذي ينص أيضاً على طلب تقرير من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لتقديم «بدائل» من البعثة الأممية بغية مواصلة العمل على تنفيذ كل مندرجات القرار الـ1701.

لقطة عامة لممثلي 18 دولة يجتمعون في إحدى قاعات مجلس الأمن في أغسطس 2026 قبيل جلسة لمناقشة الوضع في ليبيا (د.ب.أ)

ووفقاً لما قلته مصادر دبلوماسية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط»، ناقش أعضاء المجلس الذي عقد اجتماعه بطلب من فرنسا، السبل الآيلة لتنفيذ القرار 1701 بوصفه «الإطار المرجعي الناظم للعلاقة بين لبنان وإسرائيل»، بالإضافة إلى التقرير الذي أرسله غوتيريش إلى مجلس الأمن في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتضمن اقتراحات غوتيريش إنشاء قوة مراقبة معززة من آلاف الأفراد لتولي مهمات ما بعد (اليونيفيل)، عبر «ثلاثة خيارات»، يشمل الأول «وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة، قوامهم 350 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح من الأمم المتحدة لحماية القوة، يشمل أربع كتائب مشاة قوام كل منها 750 جندياً مسلحاً، وقوات احتياط قوامها 700 جندي مسلح».

ويحدد الخيار الثاني وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة، قوامهم 285 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح من الأمم المتحدة لحماية القوات، يشمل كتيبتين مشاة قوام كل منهما 750 جندياً مسلحاً، وقوات احتياطية قوامها 450 جندياً مسلحاً.

أما الخيار الثالث فيتطلب «وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة قوامهم 215 فرداً، بالإضافة إلى كتيبتين من المشاة الخفيفة قوام كل منهما 450 جندياً مسلحاً، وقوة رد فعل سريع قوامها 350 جندياً مسلحاً لحماية القوات».

الخيار اللبناني

وفيما بدا أن الحكومة اللبنانية تفضل الخيار الأول، يلفت دبلوماسي عبر «الشرق الأوسط» إلى «التطورات التي طرأت عقب التدخل الكارثي لـ(حزب الله) في الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران»، معتبراً أن «المبادرات التي حصلت منذ عام 2024، بما في ذلك اتفاق وقف العمليات العدائية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) عامذاك»، بالإضافة إلى اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، باتت وسيلة لتطبيق القرار 1701 الذي ينص بشكل واضح على صون حدود لبنان الدولية، فضلاً عن أن الفقرة العاملة الثامنة منه تنص على نزع سلاح الجماعات المسلحة، ومنها طبعاً «حزب الله».

وحيال عدم رغبة إسرائيل في تطبيق كل مندرجات القرار 1701 وتركيزها فقط على اتفاق الإطار الثلاثي، تحركت الدبلوماسية اللبنانية بصورة مكثفة استناداً إلى مواقف بعضها معلن وبعضها الآخر خلف الأضواء لرئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام؛ لإجراء «مشاورات واسعة النطاق منذ أشهر مع الدول المعنية بالملف اللبناني وخصوصاً أعضاء مجلس الأمن، ولا سيما الدول الخمس الدائمة العضوية بغية نقل الموقف اللبناني وتوضيحه قبل اجتماع» مجلس الأمن.

الدور الأممي

وأظهر ممثلو الدول الأعضاء تفهماً لرسالة قدمها لبنان منذ أسابيع من أجل التمديد «اليونيفيل»، كشف دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط»، عن أن التحركات الأميركية تركز على «المحافظة على دور أممي داعم لاتفاق الإطار الثلاثي» الذي توصل إليه المفاوضون اللبنانيون والإسرائيليون والأميركيون، من دون الاستجابة بصورة واضحة لمطالب إسرائيلية «بعدم إعارة أي اهتمام بالقرار 1701».

دورية لقوات «يونيفيل» في بلدة المنصوري جنوب مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأشار دبلوماسيون خلال الجلسة أيضاً إلى أن «المعطيات اختلفت بشكل كبير قبل المشكلة التي أوجدها تدخل (حزب الله) في الحرب». وركز كل أعضاء مجلس الأمن، بما في ذلك الولايات المتحدة، على «ضرورة المحافظة على الدور الأممي»، على أن يكون «مسار المفاوضات» التي ترعاها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل «متكاملاً» مع «المسار المتعدد الأطراف متمثلاً بمجلس الأمن والأمم المتحدة».

وعكست إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب موقفها بأنها «لا تؤيد التمديد» لـ«اليونيفيل»، مؤكدة أن «أي وجود دولي جديد يجب أن يكون مرتبطاً بشكل وثيق بالأهداف الملموسة للإطار الثلاثي». لكنها أبدت استعدادها لمناقشة «ترتيبات تدعم نزع سلاح (حزب الله)».

وقال مسؤول أميركي: «شهدت البلاد سبع جولات من الصراع خلال فترة وجود (اليونيفيل)، وقام (حزب الله) ببناء بنية تحتية عسكرية ضخمة في محيط مواقعه، مستغلاً في بعض الأحيان قرب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لحماية بنيته التحتية أو عملياته. لسنا مهتمين باستبدال مهمة غير فعالة مفتوحة المدة بأخرى».


الجيش الإسرائيلي يشن غارة «نادرة» على «مسلّحين» في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون في موقع الغارة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في موقع الغارة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يشن غارة «نادرة» على «مسلّحين» في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون في موقع الغارة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في موقع الغارة بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه شنّ، الجمعة، غارة جوية على «عدد من الإرهابيين» في جنين، شمال الضفة الغربية المحتلة، الأمر الذي نادراً ما يحصل في المنطقة المذكورة.

وقال الجيش، في بيان مقتضب نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل قليل، نفّذ الجيش الإسرائيلي غارة دقيقة على عدد من الإرهابيين في منطقة جنين. سيجري نشر التفاصيل لاحقاً».

وأعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا واوية، «القضاء على ثلاثة مسلحين فلسطينيين؛ بينهم قيادي من (حركة) حماس» في الغارة.

وقالت: «قضت قوات الأمن، في نشاط خاص بتوجيه استخباري من (الشاباك)، على ثلاثة مخرِّبين في جنين؛ من بينهم المخرب قيس البيطاوي... المسؤول عن نشاط (حماس) المحلي» في المخيم.

وشهدت الضفة الغربية تصاعداً لأعمال العنف من جانب المستوطنين الإسرائيليين، لكنها كانت، إلى حد كبير، في منأى من الغارات الجوية الإسرائيلية التي دمّرت قطاع غزة، منذ هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وفي مطلع عام 2025، شنّ الجيش الإسرائيلي عملية واسعة النطاق استهدفت مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية، مُعلناً أنها تهدف إلى القضاء على الفصائل الفلسطينية المسلّحة.

وفي فبراير (شباط) من العام نفسه، نشر الجيش دبابات في جنين المعروفة بكونها معقلاً للعمل الفلسطيني المسلّح، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسببت هذه العملية الواسعة النطاق في نزوح نحو 40 ألف شخص من المخيمات، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا».

ومنذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، قُتل ما لا يقل عن 1100 فلسطيني في الضفة الغربية، بينهم عدد من المقاتلين، سواء بأيدي جنود إسرائيليين أم مستوطنين، وفق إحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى بيانات السلطة الفلسطينية.

وأظهرت بيانات إسرائيلية رسمية مقتل ما لا يقل عن 48 إسرائيلياً، من مدنيين وعسكريين، في هجمات فلسطينية أو في عمليات عسكرية إسرائيلية، خلال الفترة نفسها. وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967.


«هآرتس»: ميليشيات إسرائيل ترتكب «جرائم حرب» في غزة

عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

«هآرتس»: ميليشيات إسرائيل ترتكب «جرائم حرب» في غزة

عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)
عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

كشف تحقيق لصحيفة «هآرتس» العبرية أن الميليشيات الخمس المسلحة التي أنشأتها إسرائيل في قطاع غزة، لا تشكل عقبة في طريق تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فحسب، بل تقوم بممارسات تقع تحت طائلة ارتكاب جرائم حرب؛ إذ تُرحِّل الفلسطينيين من بيوتهم وتنهب الممتلكات والمدخرات وتمارس القتل.

وقالت الصحيفة في مقال افتتاحي لها، الجمعة، إن عمل هذه الميليشيات يدل على «ذروة جديدة في فقدان الحدود، الذي يجد تعبيره في التعاون العميق بين الجيش والشاباك (المخابرات العامة في إسرائيل) والميليشيات الفلسطينية، التي تعارض (حماس). فما بدأ كظاهرة موضعية، تطور على مدى الزمن، وبقوة أكبر بعد الإعلان عن وقف النار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. والآن تعد شبكة الميليشيات التي تستخدمها إسرائيل خمس ميليشيات بارزة، أصبحت الذراع التنفيذية للجيش والشاباك في القطاع وترتكب جرائم حرب».

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وقالت الصحيفة إن تحقيقها الصحافي بني على أساس صور جوية وشهادات جنود ومصادر في غزة، ومعلومات من الأمم المتحدة وتحليل معلومات من الشبكة. ونتائجه يجب أن تقلق كل إسرائيلي وإسرائيلية.

وحذرت من أن التعاون مع الميليشيات يعرض جنود الجيش الإسرائيلي أنفسهم للخطر، الذين يجدون أنفسهم حاضرين في استخدام آلية تحكيم داخلية للميليشيات، بما في ذلك استخدام السلاح الناري، مثلما روى لـ«هآرتس» مقاتل كان في المكان. لكن الأمور لا تتوقف هناك. فالميليشيات تعمل أيضاً ضد مدنيين غير متورطين، وضمن أمور أخرى تنشغل بطرد غزيين من بيوتهم، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي.

وقال ضابط في سلاح الجو: «أنت ترى كيف تبعث دولة إسرائيل بميليشيات مسلحة ومدربة لارتكاب جرائم حرب، وأنا من يتعين عليّ أن أحميهم في زمن النشاط كي لا يصابوا بأذى».

المعروف أن إسرائيل أقامت خمس ميليشيات فلسطينية مسلحة في غزة، خلال الحرب: الأولى في الشمال بمنطقة بيت لاهيا، ويقودها أشرف المنسي؛ والثانية بالقرب من حي الشجاعية بمدينة غزة في الشمال، بقيادة رامي عدنان حلس؛ والثالثة في الوسط بالقرب من دير البلح بقيادة شوقي أبو نصيرة؛ والرابعة في خان يونس بقيادة حسام الأسطل؛ والخامسة كانت بقيادة ياسر أبو شباب وتعمل في منطقة رفح، ومنذ اغتيال أبو شباب حل محله غسان الدهيني، الذي انتشرت إشاعة في غزة بأنه أصيب مؤخراً في محاولة اغتيال.

عناصر من شرطة «حماس» في أحد شوارع مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

وحسب تقرير «هآرتس»، كشفت شهادات جنود وضباط إسرائيليين عن أن هذه الميليشيات، التي أقامتها إسرائيل لمحاربة «حماس»، لا تُستخدم ضد أفراد «حماس» فقط، بل أيضاً ضد سكان غزة الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة في القطاع، موضحة أنها عملت في مرحلة ما بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي على طرد سكان غزة من منازلهم. وارتكبت جرائم حرب وانتهاكات واسعة بحق سكان قطاع غزة، شملت إطلاق النار عليهم وطردهم من منازلهم ونهب ممتلكاتهم وإحراق منازلهم.

وروى ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي ما شاهده أثناء تعقبه إحدى هذه الميليشيات بواسطة طائرة مسيّرة للاستطلاع والهجوم، برفقة عنصر من «الشاباك» فقال: «رأيناهم يصلون في شاحنتين أو ثلاث شاحنات صغيرة، تشبه إلى حد كبير شاحنات (حماس). ركضوا وأطلقوا النار على الناس. اقتحموا كل مبنى، ونهبوا كل ما وقع بين أيديهم، ثم خرجوا بأكوام من الممتلكات وأحرقوا المنزل».

وقالت الصحيفة في كلمتها الافتتاحية: «إسرائيل تشترط للتقدم في خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة نزع سلاح (حماس)، فيما (حماس) ترى في الميليشيات تهديداً وتطالب بنزع سلاحها كشرط لنزع سلاحها هي أيضاً. وهكذا تحول مشروع الميليشيات إلى عائق في وجه تنفيذ اتفاق ترمب الذي هدفه أن ينهي الحرب بشكل حقيقي ويؤدي إلى نزع سلاح (حماس)، انسحاب إسرائيلي من القطاع. فلا تخطئوا: مشروع الميليشيات هو عصا أخرى تدقها إسرائيل في دواليب الاتفاق. وإلى هذا تضاف هجمات الجيش الإسرائيلي، التي تتواصل في القطاع، وتموضع الجيش الإسرائيلي على طول الخط الأصفر وتحويله عملياً إلى خط حدود جديد لإسرائيل، مع أفق ضيق للانسحاب. رئيس الوزراء مرة أخرى يوجه إسرائيل إلى وضع انتقالي في القطاع آخذ في التثبت كوضع دائم خطير، أثمانه عالية على السكان في غزة وعلى إسرائيل نفسها. هذا الوضع يتضمن قتالاً بقوى متدنية، سكان محليين يعانون، عبئاً على الجيش الإسرائيلي المتوتر على أي حال في ساحات عديدة. وفوق كل شيء، غياب التقدم لحكم بديل لـ(حماس). على إسرائيل أن تبذل جهوداً للتقدم في المسار السياسي في غزة. خطوة أولى في هذا الاتجاه ستكون إنهاء مشروع الميليشيات المسلحة الآن».