في الضفة... فلسطينيون يعيشون بخوف من هجمات المستوطنين

جنود إسرائيليون يكبحون جماح مستوطنين يهود بعد اقتحامهم قرية دير شرف الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يكبحون جماح مستوطنين يهود بعد اقتحامهم قرية دير شرف الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

في الضفة... فلسطينيون يعيشون بخوف من هجمات المستوطنين

جنود إسرائيليون يكبحون جماح مستوطنين يهود بعد اقتحامهم قرية دير شرف الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يكبحون جماح مستوطنين يهود بعد اقتحامهم قرية دير شرف الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

يروي فلسطينيون في الضفة الغربية أنهم يتعرضون لمضايقات متزايدة من مستوطنين إسرائيليين يغلقون الطرق، وينفذون هجمات مسلحة، ويدمرون آبار مياه، مشيرين إلى أن هؤلاء يزدادون عدائية منذ بداية الحرب بين إسرائيل و«حماس» في قطاع غزة، بحسب تقرير نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال عمران نواجعة، وهو مزارع يبلغ 46 عاماً من سوسية قرب الخليل في جنوب الضفة الغربية: «حتى الجيش الإسرائيلي كان يريد إعادة فتح الطريق، لكن المستوطنين جاءوا لمنعه من ذلك». وأضاف: «هم مَن يصدر الأوامر الآن هنا».

على الطريق المؤدية إلى بلدته، وضعت حجارة ضخمة في بداية الحرب، على قوله، من مستوطنين أو الجيش؛ ما أدى إلى قطعها.

في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ 56 عاماً، يعيش 490 ألف مستوطن بين 3 ملايين فلسطيني. وتعدّ الأمم المتحدة هذه المستوطنات غير قانونية، بموجب القانون الدولي.

منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حماس»، في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، سجل «مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)» أكثر من 6 «حوادث» (من سرقة مواشٍ إلى العنف الجسدي) يومياً بين المستوطنين والفلسطينيين، مقارنةً مع 3 حوادث في الأشهر السابقة.

جندي إسرائيلي يقوم بدورية في قرية تالة البدوية الفلسطينية (ثالة) بالضفة الغربية في 26 أكتوبر 2023، بعد تعرض سكانها لهجوم من قبل مستوطنين إسرائيليين في اليوم نفسه (أ.ف.ب)

وقال جابر دبابسي، وهو مزارع فلسطيني وناشط يبلغ 35 عاماً، من قرية خلة الضبعة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يستخدمون الحرب ذريعة لطردنا من منازلنا والاستيلاء على أراضينا».

ودان دبلوماسيون أوروبيون وأميركيون مراراً تزايد أعمال عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين المدنيين منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد الهجوم غير المسبوق الذي شنَّته «حماس» في إسرائيل.

وقُتل نحو 1200 شخص في هذا الهجوم، غالبيتهم من المدنيين، وفقاً للسلطات الإسرائيلية. كما تم خطف نحو 240 شخصاً، ويُحتجزون رهائنَ في غزة، بحسب الجيش.

في قطاع غزة، أدَّى القصف الإسرائيلي المتواصل إلى مقتل 11320 شخصاً، معظمهم من المدنيين، بينهم 4650 طفلاً، وفقاً لوزارة الصحة التابعة لحركة «حماس».

«إعطاء المستوطنين أسلحة والحق في التحرك»

في هذه الأجواء المتوترة للغاية «يرتدي بعض المستوطنين اللباس العسكري»، كما قال مصعب رابه، وهو مزارع وعامل بناء يبلغ 36 عاماً.

ويضيف من إحدى قرى مسافر يطا جنوب الخليل: «لقد سلموا أسلحة، ومُنحوا الحق في التحرك كجنود؛ فهم يعتقلون الأفراد، ونحن نعتقد أنهم جنود».

ومن أصل الهجمات الـ235 التي نفَّذها المستوطنون ضد الفلسطينيين، والتي أحصاها مكتب «أوتشا» منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، بعضها قاتل، «تم تنفيذ أكثر من ثلثها من خلال التهديد باستخدام سلاح أو إطلاق النار».

وفي نصف الحالات تقريباً، قامت قوات الأمن الإسرائيلية «بمرافقة المهاجمين أو دعمهم بشكل نشط»، وفقاً لـ«أوتشا».

في 10 أكتوبر (تشرين الأول) أعلنت الشرطة الإسرائيلية أنها ستقوم بتسليح المدنيين، وقال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير اليميني المتطرف، إنه يعمل على تخفيف معايير الحصول على تصاريح حمل السلاح.

وكشفت جلسة برلمانية إسرائيلية أنه، خلال الأسبوع الأول من الحرب، تقدم 41 ألف إسرائيلي بطلبات للحصول على تصاريح لحمل أسلحة نارية، مقارنة مع 38 ألف طلب في أوقات السلم خلال عام.

يروي فلسطينيون في الضفة الغربية أنهم يتعرضون لمضايقات متزايدة من مستوطنين إسرائيليين

وقال مصعب رابه: «أخشى أن يقتلوا أطفالي»، مؤكداً أنه عهد بأولاده الأكبر سناً إلى أقاربه في قرية أخرى لإبعادهم عن الاشتباكات المحتملة.

وأضاف بمرارة: «إذا قتلوا أطفالي فلن يكترث أحد، ولن يحدث شيء». ووفقاً لمنظمة حقوق الإنسان غير الحكومية «يش دين»، فإن الإفلات من العقاب هو السائد.

بين أكثر من ألف حالة من أعمال عنف المستوطنين تم رفعها إلى القضاء الإسرائيلي الذي درسها بين عامي 2005 و2021، رأى أن 92 في المائة من القضايا لا أساس لها، وفقاً لما ذكرت هذه المنظمة الإسرائيلية غير الحكومية.

24 ساعة للمغادرة

إلى الجنوب، في سوسية، يقول عمران نواجعة إنه يعيش الجحيم نفسه: «في السابق كانت لدينا مشكلات، ولكن ليس بشكل يومي، وليس بالحجم نفسه» كما أكد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي قرية التواني المحاذية لمستوطنة ماعون التي تم إنشاؤها مطلع الثمانينات، نُصِبت خيمة استيطانية، وأقيمت منشآت زراعية على أراضي رعاة.

وقال أحد السكان مكتفياً بذكر اسمه الأول، باسل، لـ«الوكالة الفرنسية»: «يريدون الاستيلاء على مزيد من الأراضي. كانوا ينتظرون لحظة كهذه منذ فترة طويلة حتى يتمكنوا من الذهاب أينما أرادوا».

وأضاف: «يأتون ليلاً، ويقطعون الأنابيب، ويثقبون خزانات المياه، ويقولون لنا: (أمامكم 24 ساعة للرحيل)».

وتابع: «علينا أن نغادر سيراً لأنهم يقطعون الطرق بكتل إسمنتية ثم يدمرون كل شيء بالجرافات».

بعد أكثر من 5 أسابيع من الحرب في غزة، قال 69 في المائة من الفلسطينيين إنهم يخشون هجمات يشنها المستوطنون مستقبلاً، حسبما أفاد به «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية»، ومقره رام الله، حيث مقر السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل عملية اختطاف مسؤول بارز في «حماس»

المشرق العربي فلسطينيون بموقع غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الثلاثاء الماضي واكبت اختطاف مسؤول أمني في «حماس» (إ.ب.أ)

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل عملية اختطاف مسؤول بارز في «حماس»

كشفت مصادر من «حماس» تفاصيل جديدة من عملية اختطاف المسؤول الأمني البارز في الحركة، معين العرابيد، يوم الثلاثاء الماضي، على يد قوة خاصة إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

نصف سكان إسرائيل شربوا من مياه ملوثة بمجاري غزة

دخلت إسرائيل أزمة مياه نتيجة للتلوث، وقد ظهرت هذه الأزمة قبل أسبوعين، عندما كُشف أن مدينة عسقلان (أشكلون) الجنوبية ومنطقتها تشرب مياهاً ملوثة بمجاري قطاع غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينية تودع شقيقتها إسراء الحاسي (7 سنوات) بعد أن قُتلت بنيران الجيش الإسرائيلي وسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» مصدومة من اختطاف العرابيد... وإسرائيل تتحدث عن «كنز استخباري»

تسيطر حالة من الصدمة على حركة «حماس» بعد اختطاف إسرائيل المسؤول الأمني البارز في الحركة وحكومتها، معين العرابيد، فيما تتوقع تل أبيب «كنزاً استخبارياً».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم من غزة (صفحته على «إكس») p-circle 00:34

نتنياهو من قطاع غزة: إسرائيل «لن تنسحب»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء تفقده قواته في غزة، إن الدولة العبرية لن تنسحب من القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطيني يمشي في موقع غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الثلاثاء واكبت اختطاف مسؤول أمني في «حماس» (إ.ب.أ) p-circle 02:42

خاص «سيارة خضراوات للتمويه»... كيف اختطفت إسرائيل مسؤولاً أمنياً كبيراً في «حماس»؟

في عملية نادرة؛ اختطفت قوة خاصة إسرائيلية معين العرابيد، المسؤول الكبير في الأمن الداخلي التابع لحكومة حركة «حماس» في قطاع غزة، وقتلت زوجته وطفلين من المارة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: عملية الدمج بعد «قسد» ماضية إلى نهايتها

رتل قوى الأمن وقوات المهام الخاصة يدخل مقر فوج «معسكر الطلائع» في الحسكة (إعلام الحسكة)
رتل قوى الأمن وقوات المهام الخاصة يدخل مقر فوج «معسكر الطلائع» في الحسكة (إعلام الحسكة)
TT

مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: عملية الدمج بعد «قسد» ماضية إلى نهايتها

رتل قوى الأمن وقوات المهام الخاصة يدخل مقر فوج «معسكر الطلائع» في الحسكة (إعلام الحسكة)
رتل قوى الأمن وقوات المهام الخاصة يدخل مقر فوج «معسكر الطلائع» في الحسكة (إعلام الحسكة)

أكد نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن عملية الدمج التي نص عليها «اتفاق 29 يناير (كانون الأول) 2026»، انتقلت بعد حل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) و«الإدارة الذاتية» الكردية السابقة، من «مرحلة التفاهمات والتفاوض إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، سواء في المؤسسات المدنية أو الأمنية والعسكرية»، واصفاً الوضع الأمني حالياً بأنه «أفضل بكثير، وهناك حالة من الاستقرار تتعزز تدريجياً»، ومؤكداً أن العملية «ماضية إلى نهايتها، وما نريده هو أن تتم بهدوء».

نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي (فيسبوك)

وتشهد الحسكة منذ إعلان قائد «قسد» مظلوم عبدي من القصر الرئاسي بدمشق في 25 أغسطس (آب) الماضي، حل «قسد» و«الإدارة الذاتية»، تطورات وتغييرات تشير إلى أن مرحلة جديدة تتشكل في المحافظة، عنوانها حضور الدولة في المجالات كافة، وتعزيز الأمن والاستقرار وتوحيد المؤسسات وإنهاء الازدواجية الإدارية، تنفيذاً لـ«اتفاق 29 يناير».

وبيّن الهلالي في تصريحه، أن «عملية الدمج ليست مجرد نقل مبانٍ أو تغيير أسماء، وإنما إعادة توحيد المرجعيات والقرار الإداري والأمني والعسكري تحت مظلة الدولة السورية، وقد أُنجزت خطوات مهمة في هذا الاتجاه، فيما يجري العمل على استكمال الملفات المتبقية بصورة منظمة، بما يمنع حدوث فراغ مؤسساتي أو أمني ويحافظ على استقرار المحافظة».

وقبل الإعلان عن حل «قسد» كانت معظم المدن والمناطق في الحسكة تشهد حالات فوضى أمنية تقوم بها «الشبيبة الثورية»، وتزايدت بعد توقيع «اتفاق 29 يناير»، حيث منعت عناصرها تسليم المؤسسات للحكومة، إلا أن هذا المشهد اختفى حالياً.

وفد عسكري من وزارة الدفاع خلال اجتماع في محافظة الحسكة (المحافظة)

وأعرب الهلالي عن اعتقاده بأن السبب الرئيسي وراء اختفاء حالات الفوضى السابقة، هو أن «المرحلة تغيّرت»، موضحاً: «في السابق كانت هناك محاولات لعرقلة عملية تسلّم مؤسسات الدولة، وظهرت بعض التحركات التي هدفت إلى تعطيل هذا المسار، لكن مع تطور تنفيذ الاتفاق ووضوح الاتجاه نحو إنهاء الازدواجية المؤسساتية والأمنية، تراجعت هذه المظاهر بشكل كبير».

ووفق الهلالي، «اليوم هناك قناعة متزايدة لدى الجميع بأن مؤسسات الدولة لا ينبغي أن تكون موضع صراع أو مواجهة، وأن عملية الدمج ماضية إلى نهايتها، وما نريده هو أن تتم هذه العملية بهدوء، بعيداً عن الاستفزاز والتوتر، وأن يشعر جميع أبناء المحافظة بأن عودة مؤسسات الدولة هي عودة للخدمات والقانون والاستقرار، وليست موجهة ضد أي مكوّن من مكونات المجتمع».

وعن موعد الانتهاء بشكل كامل من عملية دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، قال نائب محافظ الحسكة: «لا أريد أن أضع تاريخاً مصطنعاً لعملية بهذا الحجم والتعقيد، لأن هناك ملفات تحتاج إلى إجراءات فنية وإدارية وأمنية قبل إغلاقها بشكل نهائي».

مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية بالحسكة (أرشيفية - رويترز)

وأضاف: «لكن يمكنني القول إننا في مرحلة متقدمة جداً، وإن الاتجاه العام واضح نحو استكمال الدمج في أقرب وقت ممكن»، لافتاً إلى أن «الجزء الأكبر من العمل أصبح في مرحلة التنفيذ، وما تبقى هو ملفات تفصيلية تحتاج إلى استكمال الترتيبات والتدقيق والتنسيق بين الوزارات والجهات المعنية».

الملفات المتبقية

أوضح الهلالي: «الأهم بالنسبة لنا أن يكون الدمج كاملاً وحقيقياً ومستداماً، وليس مجرد إعلان سياسي ينتهي أثره بعد فترة قصيرة».

ورداً على سؤال عن أبرز الملفات العالقة حالياً لاكتمال عملية الدمج، أشار الهلالي إلى أن «الملفات المتبقية يمكن اختصارها في 3 مسارات رئيسية: أولاً الملف العسكري والأمني، فيما يتعلق باستكمال إعادة هيكلة العناصر والكوادر ودمج من تنطبق عليهم الشروط ضمن وزارتي الدفاع والداخلية وفق الأصول المعتمدة، والثاني الملف الإداري والمدني، خصوصاً أوضاع الموظفين والكوادر وآليات تثبيتهم وصرف مستحقاتهم ودمج المؤسسات والدوائر التي لم تُستكمل إجراءات انتقالها إلى الدولة، أما الثالث فيتمثل في أن هناك بعض الملفات الخدمية والفنية والإدارية المرتبطة بانتقال الصلاحيات وإعادة توحيد أنظمة العمل والبيانات والموارد».

نائب محافظة الحسكة أحمد الهلالي في استقبال مهجرين عائدين إلى مدينة الحسكة (إعلام الحسكة)

ورأى الهلالي أن «هذه الملفات لا تمثل عائقاً أمام عملية الدمج بقدر ما هي ملفات تنفيذية تحتاج إلى استكمال، فالقرار السياسي واضح، والاتجاه العام محسوم: مؤسسات الدولة ستكون موحدة، والمرجعية ستكون للدولة السورية، مع الحفاظ على حقوق جميع المواطنين ومكونات المحافظة».

يذكر أن النواة الأولى لـ«الإدارة الذاتية» الكردية، التي كانت تهدف إلى تأسيس «مشروع كردي في سوريا»، بدأت عَبْر تشكيل «الهيئة الكردية العليا» التي أسسها «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» (PYD) في سوريا، و«المجلس الوطني الكردي»، بعد التوقيع على «اتفاقية أربيل (هولير)» في 12 يوليو (تموز) 2012. وقد شُكّل جناح عسكري لـ«الهيئة» مكوَّن من «وحدات حماية الشعب» (YPG) و«وحدات حماية المرأة» (YPJ) و«الأسايش»، ثم «قسد» التي هيمن عليها الأكراد عام 2015.

وتوسعت جغرافيا «الإدارة الذاتية» من 3 مقاطعات عام 2014، إلى 6 مقاطعات عام 2016، لتصل عام 2023 إلى 7 مقاطعات. ورافق هذا التوسع الجغرافي توسُّع الأجهزة العسكرية والأمنية، والمؤسسات المدنية، التابعة لـ«الإدارة» التي تضم عشرات آلاف المنتسبين إليها.

مسلحون سابقون في «قسد» خلال دورية بالحسكة بعد اندماجهم في الجيش السوري (أ.ب)

وخسرت «قسد» نسبة كبيرة من مناطق سيطرتها، في مواجهاتٍ مسلحة اندلعت أواخر عام 2025 وبداية عام 2026 بين مسلحيها والجيش السوري واستمرت نحو أسبوعين، تبعها توقيع «اتفاق 29 يناير 2026».

ونص الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و«قسد» على وقف إطلاق النار ودمج تدريجي للمؤسسات العسكرية والمدنية التي أنشأها الأكراد خلال سنوات النزاع في إطار مؤسسات الدولة السورية، وتسليم المنافذ الحدودية وحقول النفط والغاز وخروج المقاتلين الأجانب من المنطقة.


لبنان: عون يوقّع قانون العفو وسلام يعجّل بنشره

سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)
سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)
TT

لبنان: عون يوقّع قانون العفو وسلام يعجّل بنشره

سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)
سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

فتح توقيع الرئيس اللبناني جوزيف عون، قانون العفو العام، الباب أمام بدء تطبيق واحد من أكثر الملفات القانونية والاجتماعية انتظاراً في لبنان، بعدما وجّه رئيس الحكومة نواف سلام بنشره الجمعة، في عدد خاص من الجريدة الرسمية، فيما برز أول اعتراض سياسي بإعلان رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، أن تياره سيتقدم بطعن في القانون.

ويجمع القانون بين العفو عن مجموعة من الجرائم المرتكبة قبل 1 مارس (آذار) 2026، وتخفيض استثنائي لعقوبات أخرى لا يشملها العفو، فيما أبقى خارج نطاقه لائحة واسعة من الجرائم؛ أبرزها القتل والفساد والجرائم المالية والمصرفية والتجسس والاعتداءات الجنسية. وتربط أسبابه الموجبة إقراره بأزمة متراكمة في القضاء والسجون وطول فترات التوقيف الاحتياطي وتأخر المحاكمات.

واتصل سلام بعون مقدراً توقيعه القانون «الذي انتظره اللبنانيون طويلاً»، وأعطى توجيهاته إلى الدوائر المختصة في رئاسة مجلس الوزراء لنشره في عدد خاص من الجريدة الرسمية. ويكتسب النشر أهمية مباشرة، لأن القانون ينص على العمل به فور نشره، ما يسمح ببدء تطبيق أحكامه على الملفات التي تستوفي شروطه.

من يشمل العفو؟

يحمل القانون رقم 70 عنوان «منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي»، ويشمل الفاعلين والشركاء والمتدخلين والمحرضين في الجرائم التي تدخل ضمن نطاقه، على أن يؤدي العفو إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية المحكوم بها، فضلاً عن إسقاط الملاحقات والأحكام والقرارات الإدارية المرتبطة بها، مع استثناءات حددها النص، بينها ما يتصل بموظفين في جرائم فساد مالي.

في المقابل، يحدد القانون سلسلة واسعة من الجرائم المستثناة، في مقدمها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصد، وبعض الجرائم المنصوص عليها في قانون الإرهاب وقانون القضاء العسكري.

كما يستبعد جرائم الخيانة والتجسس والاتصال غير المشروع بالعدو، وحالات محددة من جرائم المخدرات، خصوصاً عند التكرار، فضلاً عن جرائم المخدرات التي يرتكبها عسكريون أو عناصر في المؤسسات الأمنية. لكنه يشمل جرائم زراعة المواد المخدرة إذا ارتُكبت قبل صدور القانون.

وتشمل الاستثناءات أيضاً الجرائم الواقعة على المال العام، والتزوير وتقليد النقد، والإفلاس الاحتيالي، والجرائم المرتبطة بقانون النقد والتسليف والأنظمة المصرفية، إضافة إلى الإثراء غير المشروع واختلاس الأموال العامة والتهرب الضريبي وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وعدد من الجرائم المتعلقة بأموال المودعين.

ويبقي القانون خارج العفو كذلك جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين، إلى جانب الجرائم المرتبطة بالتعذيب والمفقودين والمخفيين قسراً، وجرائم الآثار وبعض الجرائم البيئية، فضلاً عن حالات محددة من السرقة عند تكرار الملاحقات أو الأحكام.

صورة جوية لسجن رومية (إكس)

تخفيض العقوبات والتوقيف الطويل

لا يقتصر القانون على إسقاط العقوبات في الجرائم المشمولة بالعفو، بل يقر تخفيضات استثنائية لجرائم بقيت خارجه. وبموجب المادة الثالثة، تستبدل عقوبة الإعدام بالسجن لمدة 28 سنة، وتخفض الأشغال الشاقة المؤبدة إلى 17 سنة، فيما تخفض سائر العقوبات المتبقية بمقدار الثلث.

لكن الاستفادة من التخفيض تخضع لشروط إضافية في عدد من جرائم القتل المقترنة بظروف مشددة، ومنها الحالات المرتبطة باعتداء جنسي أو بالتعذيب أو الخطف أو التشويه، والاغتيالات السياسية. كما يربط القانون الاستفادة من التخفيض في حالات محددة يكون فيها المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي، بإسقاط الحق الشخصي مع إبقاء حقوق المتضررين المدنية قائمة.

ويعالج النص كذلك ملف الموقوفين احتياطياً؛ إذ يتيح إخلاء سبيل المدعى عليه حكماً في الجرائم المرتكبة قبل 1 مارس 2026 والتي لم يصدر فيها حكم، إذا تجاوز توقيفه سنتين سجنيتين، على أن تستمر محاكمته وفق الأصول.

ويعفي أيضاً المحكومين الذين أمضوا عقوباتهم وبقوا في السجن بسبب عجزهم عن تسديد الغرامات والرسوم، بينما يُسلَّم غير اللبناني المستفيد من القانون بعد خروجه إلى المديرية العامة للأمن العام لاتخاذ الإجراء القانوني المناسب بحقه. وفي المقابل، يضع القانون ضوابط لحالات التكرار، بحيث يمكن أن يسقط العفو عن المستفيد إذا ارتكب جرماً جديداً وفق الحالات التي حددها النص.

باسيل يعلن الطعن

تزامناً مع الانتقال إلى مرحلة نشر القانون، أعلن باسيل أن «التيار الوطني الحر» سيتجه إلى الطعن به.

وكتب عبر حسابه على منصة «إكس»: «أما وقد وقّع رئيس الجمهورية على قانون العفو العام... فنحن سنطعن به، حمايةً للعدالة، واحتراماً للشهداء، وتصدياً لجريمة... ولكي يبقى في هذا الوطن من يجرؤ أن يقول (لا) حفظاً لكرامة وبقيةً لعنفوان وتحيةً لجيش».

وبذلك ينتقل الاعتراض على القانون إلى مسار جديد بالتوازي مع بدء تطبيقه، بعدما ظل العفو العام لسنوات موضع خلاف حول الفئات التي ينبغي أن تستفيد منه والجرائم الواجب إبقاؤها خارجه.

لقطة من فيديو لسجناء في «رومية» أثناء أعمال الشغب (الشرق الأوسط)

تراكم قضائي وأزمة سجون

تضع الأسباب الموجبة للقانون أزمات القضاء والسجون في صلب المبررات التي دفعت إلى إقراره، مشيرة إلى ظروف سياسية ودستورية استثنائية مرت بها البلاد، من تأخر تشكيل الحكومات والشغور الرئاسي وتعثر عمل مؤسسات الدولة، بالتوازي مع إضرابات واعتكافات في الجسم القضائي وتأخر التعيينات، ما انعكس على انتظام المحاكم وسرعة الفصل في الدعاوى.

وترى الأسباب الموجبة أن تراكم هذه العوامل، إلى جانب الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، أدى إلى إطالة أمد المحاكمات والتوقيف الاحتياطي، بما قد يحول الأخير عملياً إلى عقوبة تسبق صدور الحكم، ويطرح إشكاليات مرتبطة بقرينة البراءة والحق في الحرية.

كما تربط القانون بالاكتظاظ وظروف السجون وأماكن التوقيف، وتقدمه بوصفه «تدبيراً استثنائياً ومؤقتاً» يهدف إلى معالجة جانب من التراكم القائم وتخفيف الضغط على السجون، من دون أن يشكل بديلاً من إصلاح القضاء والمنظومة السجنية. وتدعو الأسباب الموجبة إلى تفعيل المحاكم وإصلاح أماكن التوقيف وإعادة تأهيلها وفق معايير قانونية وإنسانية وضمن خطة زمنية محددة.


من تحرير الجنوب إلى منع الوصول لبيروت... «حزب الله» يبحث عن انتصار بديل

عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

من تحرير الجنوب إلى منع الوصول لبيروت... «حزب الله» يبحث عن انتصار بديل

عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان وتدمير قرى بأكملها، تطرح مواقف مسؤولي «حزب الله» الأخيرة علامة استفهام حول تبدّل أولوياته. فـ«المقاومة» التي لطالما قدّمت نفسها على أنها قوة لتحرير الأرض ومواجهة الاحتلال، باتت تتحدث أكثر عن «المواجهة الدفاعية» وعن منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت بعدما سقطت «الخطوط الحمر» تباعاً وهي التي كنت قد تحولت إلى عناوين أساسية للمعركة على غرار «بنت جبيل» والخيام» و«قلعة الشقيف» وآخرها «علي الطاهر» التي رفض تسليمها للجيش اللبناني قبل أن تسقط بدورها ويعلن الجيش الإسرائيلي مساء الخميس عن تحقيق «سيطرة عملياتية» على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها.

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً عبر الشاشة في وقت سابق (متداولة)

وتحدث أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، مرات عدة عن أن الحزب «منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت وتجريدنا من السلاح»، بعدما باتت إسرائيل تسيطر على أجزاء واسعة من الجنوب، ودمرت أجزاء أخرى، بينما لم يقم «حزب الله» بأي رد على كل الاعتداءات الإسرائيلية منذ «اتفاق الإطار» مع تأكيد المسؤولين في إسرائيل أن بقاء قواتها في الجنوب يرتبط بنزع سلاح «حزب الله»، وهي المعادلة التي يرفضها الأخير.

بحثاً عن انتصار بعد الهزيمة

أمام الواقع المأزوم لـ«حزب الله»، ترى مصادر وزارية أن مسؤولي الحزب يبحثون اليوم عن «انتصار في مكان ما»، أمام بيئتهم التي تعاني من تداعيات «حروب الإسناد». وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «الخطاب الذي يقدمه الحزب في هذه المرحلة مرة عبر الحديث عن بيروت ومرة عبر وضع (علي الطاهر) خطاً أحمر، موجه إلى جمهوره وبيئته الحاضنة، في محاولة لإقناعها بأن ما حصل لم يكن هزيمة، رغم حجم الخسائر والدمار الذي أصابها».

ولا تختلف مقاربة الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع الدكتور رياض قهوجي، بحيث يرى أن «حزب الله» يبدّل السردية وفق الوضع الذي يكون فيه وهو اليوم في مرحلة تبرير الهزيمة. فكل ما كان الحزب يتحدث عنه قبل الحرب عن الردع، والقدرة على تدمير تل أبيب، ومعادلة «حيفا مقابل الضاحية»، أثبت فشله.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» وكان قاسم يتحدث أيضاً عن الالتحام مع القوات الإسرائيلية، ويهدد بأنهم لن يجرأوا على خوض معركة برية أو الدخول إلى ميدان المواجهة، بينما كانت النتائج الميدانية خسارة أكثر من 50 قرية، ووصوله إلى شمال الليطاني ومشارف النبطية وتلة علي الطاهر.

تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بالقرب من تلة علي الطاهر بجنوب لبنان الاثنين (د.ب.أ)

في موقع الدفاع رغم الاحتلال

من هنا يرى قهوجي أن «حزب الله» يحتاج اليوم إلى سردية جديدة «لتسويقها أمام قاعدته الشعبية»، تقوم على القول إنه منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت، وإنه بات في موقع الدفاع، بعدما لم يعد قادراً على تحرير الأراضي، وبالتالي يصبح الحديث عن الدفاع ومنع التقدم الإسرائيلي بديلاً عن الحديث عن التحرير. ويشير قهوجي إلى أن الحزب لم يعد يتحدث عن معظم السرديات التي كان يطرحها قبل الحرب، وهو يأمل أن تتعامل بيئته مع الواقع القائم اليوم، وتقتنع بـ«الإنجاز» الذي يحاول تقديمه لها. ​

تحوّل يعكس حجم المأزق

في المقابل، يقارب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور عماد سلامة التبدل في مواقف «حزب الله» من وجهة نظر أخرى، وهي «أن مسؤوليه يحاولون إعادة صياغة دوره وسلاحه باعتبارهما دفاعاً عن لبنان كله، وليس فقط عن الجنوب أو البيئة الشيعية»، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «القول إن إسرائيل كانت ستصل إلى بيروت يهدف لمخاطبة مختلف الطوائف اللبنانية وإقناعها بأن سلاح الحزب يشكل مظلة حماية وطنية، وبالتالي فإن المطالبة بنزعه تمس، وفق هذه الرواية، أمن جميع اللبنانيين».

لكن في الوقت عينه، يرى سلامة «أن هذه اللهجة تعكس أيضاً حجم الضغط الذي يواجهه الحزب الآن. فهو يحاول الضغط على الحكومة للتراجع عن مطالبتها بحصرية السلاح، ورفض أي صيغة تؤدي إلى انسحابه العسكري من الجنوب أو من مناطق مثل علي الطاهر. والمفارقة أن استمرار الوجود المسلح للحزب خارج سلطة الدولة يوفر لإسرائيل الذريعة التي تستخدمها لتبرير استمرار عملياتها ووجودها العسكري، بينما يفترض أن تكون الأولوية اللبنانية إزالة هذه الذرائع ودفع إسرائيل إلى الانسحاب». ​

لبنانية تتفقد منزلها في بلدة عربصاليم بعد تعرضه لقصف إسرائيلي الخميس الماضي (أ.ب)

لذلك، فإن رفض الحزب المسبق لأي ترتيبات تتطلب انسحابه أو تسليم سلاحه لا ينفصل عن مسار المفاوضات الجارية، حسب ما يؤكد سلامة، موضحاً: «الحزب يسعى عملياً إلى إسقاط أي تفاوض يقوم على استعادة الدولة لسلطتها الأمنية الكاملة في الجنوب، وهذا يضعف موقف الحكومة ويقيد قدرتها على المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي».