الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

مدير شعبة أميركا في مخابرات «البعث» العراقي يفتح لـ«الشرق الأوسط» دفاترها

TT

الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)
الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

خيّم الذهول في سجن «كروبر» حيث كان سالم الجميلي، مدير شعبة أميركا في المخابرات العراقية، معتقلاً إلى جانب أركان النظام العراقي الذي أطاحه الغزو الأميركي. مال كثيرون إلى عدم التصديق. يعتقدون أن صدام حسين يملك حزاماً ناسفاً أو رصاصة أخيرة في مسدسه ويملك الجرأة لإصدار أمر إلى مرافقه بقتله قبل الوقوع في أيدي الجنود الأميركيين. وحين تأكد الخبر لم يشكك المعتقلون في شجاعة الرجل الذي عاش في عهدة الأخطار. وبينهم من رأى أن صدام ربما أراد أن يستغل وقوفه في المحكمة لمحاكمة الغزو وحلفائه.

أتاحت القوات الأميركية لاحقاً لقياديين من خصوم صدام رؤيته في السجن. خصمان بارزان للرجل امتنعا عن ذلك: مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي رأى «أن الشماتة ليست من شيم الرجال»، وأقرّ صراحةً بأن القوات الأميركية هي التي أسقطت نظام صدام وليست المعارضة. وإياد علاوي (رئيس الوزراء بعد سقوط النظام) الذي يحمل في جسده آثار فأس صدام الذي انهال عليه في لندن. لم يقبل علاوي أن يشاهد رئيس العراق معتقلاً لدى الأميركيين. كان الحوار مع الجميلي مثيراً وثرياً وهو يتجه إلى جمع ذكرياته في كتاب. وهنا نص الحلقة الخامسة والأخيرة من الحوار.

سألته عن إيران والغزو وتصفية الحسابات وتركته يروي...

وكلاء إيران قتلوا أكثر من 50 ضابطاً من المخابرات... وبلغ الثأر حد نبش القبور

سالم الجميلي

الزعيمان الكرديان مسعود بارزاني وجلال طالباني (غيتي)

شاركت إيران في تسهيل الغزو الأميركي للعراق. أبرمت مع الأميركيين، عبر أحمد الجلبي، تفاهمات تسهّل مهمتهم في مقابل عودة المعارضين العراقيين الذين كانت تحتضنهم. أطلقت طهران عبر الجلبي مجموعة معلومات مضللة لتبرير الغزو، واستولت عن طريقه على جزء من الأرشيف العراقي. بموجب التفاهمات، سمحت إيران للطيران الأميركي باستخدام الشريط الحدودي والمجال الجوي المحاذي للعراق لأغراض عسكرية. لم تستطع المخابرات الأميركية إيصال الأسلحة إلى جلال طالباني في السليمانية لأنها يجب أن تمر عبر أجواء تركيا أو سوريا أو إيران، فتولى الجنرال قاسم سليماني شخصياً إيصال الأسلحة له.

في تلك الفترة لم يكن دور سليماني بارزاً كثيراً. وكانت تدخلات «الحرس الثوري» ضعيفة وتقتصر على جنوب لبنان ولم تكن ظاهرة في سوريا أو اليمن. المد الإيراني بدأ بعد سقوط النظام العراقي. كنا قد توقعنا ذلك وقلناه للأميركيين في اتصالات أجريناها في محاولة لتفادي الحرب. قلنا لهم: إنكم ستفتحون البوابة لإيران وستتغلغل في المنطقة. لم يُظهروا اهتماماً بالموضوع وحصل ما حصل.

الثأر الإيراني

كان ثأر الإيرانيين من جهاز المخابرات رهيباً. طبعاً كان التنفيذ عبر وكلائهم. قتلوا ما لا يقل عن خمسين من ضباط الجهاز بينهم 14 في وجبة واحدة وفي مقرات سكنهم. اغتالوا طيارين. قصفوا أهدافاً في إيران إبان الحرب العراقية - الإيرانية. وصل الأمر إلى حد نبش قبور ضباط استُشهدوا في الحرب.

سهّلت الأجهزة الإيرانية مهمة غزو العراق لكنها تحرّكت أيضاً في اتجاه آخر. قبل الغزو سهّلت هذه الأجهزة مرور أبو مصعب الزرقاوي عبر أراضيها ليوجد في العراق بعد مغادرته أفغانستان. وجود قيادة «القاعدة» في إيران لم يعد يحتاج إلى دليل، فقد اغتالت إسرائيل أحد أفرادها هناك.

سألت الجميلي عن علاقات صدام بالزعماء الأكراد في العراق، وهي كانت شائكة وصعبة تخللتها مواجهات واتفاقات وهدنات، فاستعاد ملامح تلك العلاقات...

كان بين صدام وطالباني قناة اتصال يتولاها ضابط مخابرات عراقي برتبة مدير. حين تسللت عناصر من «القاعدة» إلى العراق آتية من أفغانستان عبر إيران في 2001 قلق طالباني من تعاون هذه العناصر مع تنظيم «أنصار الإسلام» الكردي. هاجم التنظيم مقاتلي «الاتحاد الوطني الكردستاني» وقتل أربعين عنصراً منهم، فطلب طالباني مساعدة عسكرية ومالية من بغداد وتم تأمينها له. ردّ طالباني برسالة إلى صدّام شكره فيها وقال: «أعاهدكم بشرف الرجال والمسؤولية أن هذا السلاح لن يُستخدم ضد أبناء الشعب العراقي وسيكون شوكة ضد أعداء العراق».

«متى تنتهي من هذه العمالة؟»

قبل الغزو الأميركي قامت إيران بتقديم دعم عسكري لطالباني. وجّه إليه صدام رسالة قاسية نعته فيها بـ«الخائن» و«العميل»، وسأله: «متى تنتهي من هذه العمالة؟». ورد طالباني قائلاً: «لو كان بمقدوري إزاحتكم لفعلت لكنني أخشى أن يكون البديل أسوأ منكم». وأكد أنه يعرف من يعمل من حزبه مع المخابرات العراقية، وحدد أسماء قائلاً إنهم «يعملون معكم بعلمي». وقال طالباني لضابط المخابرات: «أبلغ الرئيس صدام ما أقوله لك. عشرون يوماً فقط وبعدها سيكون العميل جلال طالباني رئيساً لجمهورية العراق».

ذات يوم ظهر اقتراح بالاعتراف بإقليم كردستان دولة مستقلة لوضعه في مواجهة مع تركيا وإيران، لكنّ أغلب الحاضرين اعترضوا. ونُقل في 1999 عن صدام قوله في جلسة خاصة مع عدد من أعضاء القيادة: «لا نستطيع إجبار الشعب الكردي على العيش معنا بالقوة. إذا أرادوا الانفصال فلا ضير أن نعطيهم الاستقلال».

وفي موازاة ذلك كانت المواجهة قاسية وطويلة بين صدام ومسعود البارزاني، لكن لم يكن صدام يتهم مسعود بالتبعية لدولة خارجية، ويرى أنه رجل يحترم كلمته إذا تعهد بأنه يأخذ مصلحة العراق في حسابه حين يُطالب بحقوق الأكراد. وربما لهذا السبب لم يتردد صدام في إرسال قواته لرد الهجوم الذي شنته قوات طالباني على أربيل بدعم صريح من إيران.

تطرق الجميلي أيضاً إلى دور سياسي عراقي مثير للجدل. لم يعد الشخص موجوداً ليمتلك القدرة على الرد والتوضيح. سأسميه السيد «فلان» لأسباب قانونية. وهنا الرواية.

تم التحرك باتجاه «فلان» تحت غطاء وزارة المالية كمرحلة أولى، ثم أصبحت العلاقة به مباشرة من خلال مدير عام الخدمة الخارجية كاظم مسلم، الذي التقاه في مركز عمله في عمّان. كذلك أشرف على إدارته المدير فاروق حجازي وكان مرتاحاً لهذه العلاقة.

تم تكليف الشخص بمهام تتعلق بجمع المعلومات الخاصة بالصيرفة والحسابات السرية لبعض الشخصيات العراقية المعارضة والحسابات الشخصية لرؤساء عرب. كانت المهمة الأساسية كشف الحسابات الخاصة بمافيا تجّار السلاح وحركة الأموال لتغطية العقود العسكرية السرية الخاصة بتجهيز إيران بالعتاد والسلاح وقد حصل الجهاز عبره على معلومات هائلة.

بعد غزو الكويت انقلب «فلان» على الجهاز وأسس حزباً معارضاً وتعاون مع الأميركيين والإيرانيين. وبعد الاحتلال أسهم مكتب الرجل نفسه في استدراج مسؤولين سابقين إلى تسليم أنفسهم، وتولى أحد أعضاء مكتبه إرشاد الجنود الأميركيين إلى مسكني للقبض عليّ في أبريل (نيسان) 2003 بعد أن جنّد أحد أبناء الجيران لمراقبتي.

طالباني لضابط المخابرات: قُلْ لصدام إن العميل سيصبح رئيساً لجمهورية العراق

سالم الجميلي

حسين كامل يُفشي السر النووي

حسين كامل (الأول من اليمين في الصف الثاني) في صورة جماعية لعائلة الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

في عام 1995 أفاق أهل المنطقة على خبر مفاجئ هو انشقاق حسين كامل، صهر الرئيس العراقي، ومغادرته إلى الأردن مع زوجته رغد وشقيقه صدام كامل. وكان الانشقاق أخطر ما تعرّض له النظام من داخل عموده الفقري. يتذكر الجميلي الحادثة ويحكي.

كان حسين كامل من القلة التي تعرف كل أسرار النظام والدولة. شغل مناصب حساسة بينها مدير التصنيع العسكري، ووزير الدفاع والصناعة، وأشرف على جهاز الأمن الخاص، فضلاً عن مهمات أخرى. لم يثق الرئيس بأحد بمقدار ما وثق بحسين كامل. لهذا كان الانشقاق مؤلماً وخطراً، وقد أُصيب صدام بالكآبة بعد ما انتهت إليه قصة صهره.

ألحق انشقاق حسين كامل أضراراً كبيرة بالنظام وصدقيته. بعد وصوله إلى عمّان كشف عن وجود مؤسسة نووية كنا قد سكتنا عنها لأن المفتشين لم يتحدثوا عن وجودها ولو تلميحاً. ضرب الكشف عن منشأة مزرعة الدواجن صدقية النظام وتسبب في إطالة الحصار المفروض على العراق.

كان الرئيس قد أمر في 1994 بوقف العمليات الخاصة، أي عمليات الاغتيال. لكن لم يكن في استطاعة الجهاز السكوت عن بقاء رجل يمتلك كل هذه المعلومات ويلتقي في عمّان أشخاصاً من أجهزة مختلفة. حصل الجهاز على موافقة الرئيس على عملية للتخلص من الرجل. شكّل فريق من جهاز العمليات ضم ثلاثة من الضباط التنفيذيين وامرأتين وتوجّه إلى عمّان. لم يستطع الفريق الاقتراب من حسين كامل لاغتياله بسبب صرامة الإجراءات الأردنية حوله واضطر إلى العودة بعد شهرين إلى العراق بلا نتيجة.

لم ترحب المعارضة العراقية بحسين كامل. ولجان التفتيش حصلت منه على معلومات ثم أهملته. جرت اتصالات تعكس رغبته في العودة، وعاد، وقال الرئيس إنه مستعد لإعفائه من إجراءات الدولة ضده. فور عودته تولّى عديّ صدام حسين فصل شقيقتيه عن زوجيهما. وأبلغ الرئيس علي حسن المجيد بأن الدولة تنازلت عن حقها ويبقى الأمر بيد العشيرة. وهكذا قاد علي حسن المجيد المعركة التي دارت بين أبناء العمومة وأدت إلى مقتل حسين كامل.

وفي الحقيقة أتذكر هنا أن برزان التكريتي كان يقول قبل سنوات إن حسين كامل رجل خطر وطموحاته كبيرة جداً ويريد أن يخلف صدام حسين. لم يتوقف الرئيس عند هذا الكلام وأدرجه في باب الغيرة أو الكراهية الشخصية خصوصاً أن زواج حسين من رغد كان قد تسبب فيما يشبه الشرخ العائلي بعد غضب برزان وآخرين. والحقيقة أننا لم نلمس في الجهاز أي توجه من الرئيس لاعتبار حسين خليفة له في حال غيابه. كانت المؤشرات لدينا تفيد بأن الرئيس يعدّ نجله قصي لمثل هذا الدور خصوصاً بعدما صار قائداً في الحرس الجمهوري ومديراً لجهاز الأمن الخاص، ثم إن اسمه في الشارع ليس موضع جدل كما كان اسم عدي.

حسين كامل وعدي صدام حسين (غيتي)

 

كشف حسين كامل وجود منشأة نووية... وعمله ضرب مصداقية النظام

سالم الجميلي

ارتبط اسم صبري البنا (أبو نضال) مؤسس «حركة فتح – المجلس الثوري» بالإرهاب وكمية مذهلة من الاغتيالات والتفجيرات. وُلدت ظاهرة أبو نضال على أرض العراق وحظي الرجل بدعم مالي ولوجيستي واستخباري من نظامه. وحين أعلن في أغسطس (آب) 2002 عن انتحار أبو نضال في بغداد شكك كثيرون في الرواية ورأوا أن الرجل نُحر ولم ينتحر. ينقل الجميلي روايته عن الرجل الذي شارك مع زميل له في زيارة أبو نضال والتي انتهت بما انتهت إليه.

أبو نضال

«روح الشر»

 

في عام 1974 انشق أبو نضال عن حركة «فتح» التي كان مدير مكتبها في العراق، معلناً معارضته أي تسوية مع إسرائيل. كان موقف العراق معارضاً للتسوية وهكذا حصل أبو نضال على كل أشكال الدعم. وبدعم من المخابرات العراقية، أسس أبو نضال معسكراً للتدريب في بغداد ضم كثيرين من رافضي فكرة التطبيع مع إسرائيل، ثم أخذت عناصره تجوب العالم مستهدفة مئات من الشخصيات الفلسطينية المؤيدة للتطبيع. كما هاجمت جماعة أبو نضال أهدافاً أميركية وأوروبية وعربية وإسرائيلية. بعد اندلاع الحرب مع إيران طلبت المخابرات من أبو نضال وقف عملياته، إلا أنه رفض وغادر إلى سوريا.

في 1991 وقبيل حرب الكويت كان العراق يخطط لتنفيذ عمليات ضد أهداف أميركية، فاستدعت الحاجة إعادة الاتصال مع أبو نضال واستقدامه إلى بغداد، إلا أنه استغل الخلافات العربية وأجرى اتصالات مع الكويت ودول أخرى وحصل على أموال طائلة وتوجه إلى ليبيا.

في بدايات القرن الحالي طلبت منه ليبيا مغادرة أراضيها فتوجه إلى مصر. وحين علمت المخابرات المصرية بوجوده طالبته بمغادرة أراضيها، فتوجه إلى إيران ولم يمكث طويلاً هناك، إذ دخل الأراضي العراقية بجواز سفر يمني مزوَّر. استأجر بيتاً صغيراً في شارع فلسطين وبعد فترة قصيرة وردت معلومات من مخابرات دولة صديقة عن أنه موجود في العراق. تمكّنت المخابرات، بعد عملية بحث، من التقاط صورة له حين اضطر إلى الخروج للتسوق. اقترح الجهاز على الرئيس إبقاء الرجل في العراق لكن فيما يشبه الإقامة الجبرية لمعرفة علاقاته بالدول والأجهزة، ووافق رئيس الجمهورية على ذلك.

مدير المخابرات العراقية الفريق طاهر جليل الحبوش يعرض جواز السفر المزور الذي استخدمه القيادي الفلسطيني أبو نضال الذي "انتحر" في بغداد في 21 أغسطس (آب) 2002 (غيتي)

سرّبت أجهزة غربية أنباء عن وجود أبو نضال في العراق، فكان لا بد من التحرك للسيطرة عليه. قام ضابطان من الجهاز بزيارة مفاجئة له، وطلبا منه أن يرافقهما بعدما حاول تبرير دخوله خلسة. شعر بأن لعبته كُشفت. طلب السماح له بارتداء ملابس غير التي يرتديها، وحين انتقل إلى الغرفة المجاورة أغلق الباب فتخوّف الضابطان من إقدامه على شيء ما. وفجأة دوّت طلقة، فقاما بخلع الباب ووجداه قتيلاً. أستطيع التأكيد أنه انتحر لأن الضابط الذي كان مسؤولاً عن المهمة كان زميلي وصديقي وأخبرني بالرواية وظل متمسكاً بها. وهكذا انتهت قصة الرجل الذي كان يسمّي نفسه «روح الشر» وهو كان كذلك.

 

الاستقالة تعني الموت

جهاز المخابرات ليس حزباً سياسياً يمكن الانتماء إليه ومعرفة أسراره ثم المغادرة بسلام. حين يتخذ الضابط الفار قرار الانشقاق يوقّع عملياً على قرار إعدامه. لن يرحم الجهاز المنشقين وسيتعقبهم. رجال بأسماء مستعارة وأحياناً جوازات سفر دبلوماسية سيطاردون رفيقهم السابق لإعدامه. تركت للجميلي أن يسترجع بعض المحطات.

خلال توليه إدارة المخابرات أنشأ برزان التكريتي مؤسسة للطباعة والنشر في لندن كواجهة للعمل الاستخباري وعيّن عليها شخصاً استُقدم من أجهزة الدولة ويتمتع بقدرات إدارية ومصرفية عالية. طابت لـ(...) الحياة في لندن، ورفض العودة إلى بغداد لدى انتهاء مهمة انتدابه في 1986 وأصر على موقفه. أرسل الجهاز إلى لندن فريقاً من ثلاثة أشخاص، اثنان منهم من معارف الرجل، لهذا لم يتوقع أنهم جاؤوا لتصفيته، وهما (...) و(...). اقترحوا عليه أن يكون اللقاء في أحد مطاعم لندن. كانت المادة السمية المخصصة لقتله موضوعة في خاتم أحد أعضاء الفريق والذي غافل المستهدف ودس السم في مشروبه. عاد الفريق إلى بغداد وتوفي الرجل المستهدف بعد أسبوعين. لم يتنبه ضابط المخابرات إلى أن المادة السميّة التي سكبها لامست يده أيضاً فتوفي بعد فترة قصيرة. الشخص الثاني في الفريق اختفى إبان غزو الكويت، وتوفي الثالث خارج العراق في عام 2020.

بدت على الضابط (...) تصرفات غير مريحة. في 1978 تقرر نقله إلى خارج الجهاز. هرب عبر الحدود إلى سوريا وأخضعته المخابرات هناك لتحقيق مطوَّل. وبعد أن استنفدت عملية الحصول على المعلومات، سهّلت سفره إلى السويد. راح الفارّ يتعاطى مع الصحافة ويتحدث عن أسرار المخابرات فصدر قرار بالتخلص منه بعدما تولت محطتنا في أستوكهولم متابعته ولم يكن حذراً.

 

موعد قاتل في أستوكهولم

كان لدى جهاز المخابرات صائدات للأهداف. سافرت (...) بصحبة الضابط (...) ووُضعت في طريق الرجل المستهدف الذي سارع إلى ابتلاع الطعم. اصطحبته إلى شقة حيث كان زميلها الضابط موجوداً. فوجئ الرجل بوجود ضابط العمليات وهو يعرفه شخصياً فأدرك أنه وقع في الفخ، وقال له: «ها... جاي هنا حتى تصفّيني؟». أعدمه الضابط ورمى أجزاءه فجراً في إحدى الغابات، وغادر أستوكهولم مع رفيقته بسلام.

ضابط آخر أُرسل إلى المحطة في تركيا. حذّره برزان من الوقوع في فخ الجميلات. في عام 1982 اختفى الرجل فجأة ثم تبين أنه غادر إلى ألمانيا بصحبة سيدة تركية. عاد المختفي لاحقاً إلى تركيا. علمنا لاحقاً أنه تم استدراجه إلى مكان خاص وتمت تصفيته بطريقة غامضة. كانت المخابرات تسمح بتسريب هذه الأحداث بين منتسبي الجهاز كإجراء رادع لكل من تسوّل له نفسه القيام بفعل مماثل.

وكشف أن ضباطاً من الجهاز أرسلوا ضد القوات الأميركية سيارات مفخخة يقودها انتحاريون، وأن ضابطاً منهم سُجن 15 عاماً بسبب ذلك، وهو كان قد سُجن مدة أطول في بريطانيا بسبب عملية نفّذها على أراضيها. وأشار إلى أن العراق عرض مبادلة الصحافي فرزاد بازوفت، مراسل «الأوبزرفر»، مقابل الضابط المحتجز لكنّ السلطات البريطانية رفضت. وأعدمت السلطات العراقية بازوفت لاحقاً بعدما أدانته بالتجسس.



سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
TT

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

في تطور أمني لافت، أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة واسعة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً، بينهم قادة، خلال أقل من شهر. وتمت عمليات التوقيف على وجه الخصوص في محافظتي اللاذقية وطرطوس، على الساحل السوري، وكذلك في محافظة حلب شمال البلاد.

ونقلت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، السبت، عن مصدر في إدارة مكافحة الإرهاب تأكيده القبض على الطيَّار خلدون حسين مبارك، في ريف مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية. وحسب تقارير في الإعلام المحلي، تم القبض عليه في منزله بقرية عين قيطة بريف جبلة، الجمعة.

وكان الطيار مبارك قد نجا من عملية إسقاط طائرته عام 2020، وأفاد حينها الإعلام الرسمي التابع للنظام السوري السابق بأن طائرته سقطت قرب مدينة سراقب في محافظة إدلب، جراء استهدافها من قيل الطيران التركي. وأعاد ناشطون بث مقابلة مع مبارك أكد فيها بعد نجاته مواصلة مهماته العسكرية، حتى لو تكرر استهدافه أكثر من مرة.

الطيارون التسعة الذين قُبض عليهم في اللاذقية (صفحة مراسل الأمن الداخلي في اللاذقية)

ويُعد الطيار خلدون حسين مبارك الطيار السادس عشر الذي تم توقيفه خلال أقل من شهر. فقد أعلن قائد الأمن الداخلي بمحافظة طرطوس العقيد عبد العال محمد عبد العال، يوم 18 سبتمبر (أيلول) الجاري، تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية الدقيقة، بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب، أفضت إلى إلقاء القبض على 5 من كبار الضباط في سلاح الجو السابق، وهم: اللواء محمد فجر علي، والعميد الركن الطيار عبد الله علي معلا، والعقيد الركن الطيار نضال حسين صالح، والعقيد محمد علي سليم، والمقدم الطيار طالب عبد الكريم حسن. وجاء توقيفهم بناء على الاشتباه بتورطهم في التخطيط وإدارة وتنفيذ عمليات قصف جوي استهدف «مناطق مأهولة» خلال الحرب، حسبما أعلنه قائد الأمن الداخلي؛ مشيراً إلى أن التحقيقات تتواصل لحصر مسؤولياتهم الجنائية عن الغارات والانتهاكات المنسوبة إليهم، تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية.

وسبق ذلك إعلان الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، في العاشر من الشهر ذاته، توقيف 9 طيارين، هم: العميد الركن منهل أنور صالح، والعميد سامي إبراهيم محمود، والعميد غياث علي الرحية، والعقيد عيسى عز الدين خضور، والعقيد مروان صلاح نافش، والعقيد بشار سمير ونوس، والمقدم أيهم حمزة عليا، والنقيب أيهم أحمد داود، والنقيب عمار عيسى جنيدي، حسبما نشرت قوى الأمن عبر حساباتها الرسمية.

وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إن التحقيقات أظهرت «مشاركتهم في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري في عدد من المحافظات، مستغلين مواقعهم العسكرية واختصاصهم في سلاح الطيران الحربي والمروحي، وما رافق ذلك من عمليات قصف واستهداف أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين قتيل وجريح، وإلحاق أضرار بالمدن والبلدات، وتهجير الأهالي وتدمير المنازل والمنشآت والمرافق المدنية».

أفراد من قوى الأمن الداخلي السورية (قوى الأمن الداخلي عبر تلغرام)

وسجل الطيارون التسعة أكثر من 3200 ‏‏‏‏ساعة طيران وطلعات جوية خلال سنوات الثورة، حسب مصدر في وزارة الداخلية السورية، قال إن التحقيقات أشارت إلى تنفيذهم غارات جوية استخدموا فيها أنواعاً مختلفة من المروحيات الهجومية والمقاتلات النفاثة التي «استهدفت كثيراً ‏‏‏‏من المناطق، ولا سيما الغوطة الشرقية، ومدينة حلب وريفها، ودير الزور وريفها، ‏‏‏‏وريف حماة»، وفق ما نقلته وكالة «سانا» الرسمية.

وفي الخامس من سبتمبر، كشفت قوى الأمن الداخلي في محافظة حلب عن تنفيذ عملية أدت إلى توقيف العميد الطيار حميدي علي مراد، وهو أحد كبار القادة في سلاح الجو السوري؛ حيث تولى خلال سنوات خدمته إدارة مطارات عسكرية عدة، منها مطار المزة في دمشق، ومطار التيفور بريف حمص الشرقي، ومطار كويرس شرق حلب. إلى جانب قيادته الكلية الجوية.

وتتهم السلطات السورية الطيارين الموقوفين بالتورط -حسب موقع كل منهم ومسؤوليته- في التخطيط لعمليات القصف الجوي وإدارتها وتنفيذها، والاستفادة من سلاح الجو والقواعد الجوية ومراكز التوجيه الميداني لتنفيذ غارات قتالية استهدفت مناطق مأهولة، ما أسفر عن تدمير أحياء سكنية وبنى تحتية، وتهجير قاطنين قسراً، إضافة إلى خسائر بشرية واسعة، وفق «الإخبارية السورية».

ويشار إلى أن وزارة الداخلية كانت قد بثت في أبريل (نيسان) الماضي مقاطع من اعترافات عدد من الطيارين الذين تم توقيفهم العام الماضي، أبرزهم الطيار عبد الكريم أحمد عليا، وميزر صوان الملقب بـ«عدو الغوطتين». وكشفت الاعترافات أن استخدام الطائرات المقاتلة ضد السوريين الثائرين على نظام بشار الأسد، بدأ عام 2013، أي بعد عامين من اندلاع الاحتجاجات. كما أكدت الاعترافات تدخل بشار الأسد بشكل مباشر في تحديد أهداف القصف الجوي.


إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
TT

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)
جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

كثّف الجيش الإسرائيلي إجراءاته العسكرية الهادفة إلى تحويل شريط القرى المحاذي لـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خارج الخط، وعبارة عن أرض محروقة لا يقيم فيها السكان، ولا تتضمن أي منازل أو منشآت مدنية، وسط مخاوف لبنانية بأن يكون ذلك جزءاً من خطة لاحتلال طويل الأمد.

وعلى مدى أسابيع نفذ الجيش الإسرائيلي عشرات التفجيرات في بلدات لم تكن مدرجة ضمن «الخط الأصفر» الذي رسمه لمنطقة أمنية حددها في جنوب لبنان، وتصل في بعض المناطق إلى 12 كيلومتراً في العمق اللبناني عن الحدود.

وطالت تلك التفجيرات بلدات المنصوري وبيوت السياد ومجدل زون في القطاع الغربي، وبلدات برعشيت وبيت ياحون وحداثا في القطاع الأوسط، وبلدات زوطر الشرقية، والنبطية الفوقا وكفرتبنيت في القطاع الشرقي. كما وسع الجيش الغارات الجوية، والقصف المدفعي إلى بلدات كفررمان، ومرتفعات الجبل الرفيع بمحيط النبطية، وعيتا الجبل، ووادي زبقين، وغيرها.

سكان محليون يشاهدون محلقة إسرائيلية تراقبهم في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (رويترز)

تخطيط لاحتلال طويل

ومع أن تلك البلدات تقع خارج «الخط الأصفر»، إلا أن استهدافها وطرد السكان منها وتحويلها إلى مناطق مدمرة وخطرة «يعني أن إسرائيل تخطط لاحتلال طويل الأمد للمناطق التي تحتلها»، حسبما يقول مصدر أمني في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن القوات الإسرائيلية «تحول المنطقة المحاذية للخط الأصفر إلى منطقة محروقة بمثابة منطقة عازلة جديدة خارج المنطقة العازلة التي استحدثها بين الحدود مع لبنان والخط الأصفر».

وقال المصدر إن إجراءً مشابهاً «يعني أن إسرائيل تسعى لإبعاد السكان، وإحباط محاولة رصد تحركات، وتموضعات قواتها داخل المنطقة المحتلة من قبل (حزب الله)»، مضيفاً أن «المخاوف من استئناف أعمال المقاومة والعمليات العسكرية الموجهة في المستقبل تدفع إسرائيل لإجراء مشابه».

وحسب المصدر: «لا تقتصر أبعاد هذه الإجراءات على الشق الأمني، إذ تنطوي على شق عسكري أيضاً يتمثل في تمهيد الطريق لقضم أي منطقة تنوي التقدم إليها بسرعة، من دون أن يترتب عليها مخاطر تُذكر في أي محاولات تقدّم يمكن أن تقدم عليها إذا حاز الجيش الإسرائيلي على موافقة سياسية»، واصفة هذه الإجراءات بـ«الخطيرة».

إفراغ البلدات وتدميرها

وأفرغ الجيش الإسرائيلي بلدة المنصوري، الواقعة جنوب مدينة صور، في شهر يونيو (حزيران) الماضي من سكانها بالكامل، إثر إلقاء منشورات تضمنت دعوة فورية للسكان للمغادرة، والإخلاء نظراً لخطورة المنطقة، علماً أن البلدة كانت تقيم فيها 37 عائلة عادت بعد وقف إطلاق النار. كما استهدفت محلقات إسرائيلية نقاط انتشار الجيش اللبناني فيها، مما دفعه للتراجع.

ومنذ ذلك الوقت نفذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 130 تفجيراً، حسبما تقول مصادر تتحدر من المنصوري لـ«الشرق الأوسط»، مضيفة أن دبابات الجيش الإسرائيلي والآليات العسكرية «تدخل البلدة وتخرج منها بشكل شبه يومي لتنفيذ أعمال التفخيخ». وأشارت إلى أن آليات عسكرية «عبرت وسط البلدة إلى منطقة البركة الواقعة غربها قرب الطريق الساحلي، وفخخت منازل وقطعت الأشجار». وقالت إنه «بعد تدمير مسجد البلدة، لم يعد بالإمكان معرفة الأحياء المستهدفة بالتفجيرات، أو بالقصف المدفعي، باعتباره المعلم الذي كان يتم الاستناد إليه في تحديد مواقع التفجيرات».

تلامذة يقفون قرب حائط مدرسة في بلدة برج قلاويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وينسحب الأمر على بلدات حداثا وبيت ياحون التي «أخليت تماماً من سكانها إثر التوغلات الإسرائيلية، والقصف اليومي»، أما بلدة برعشيت «فباتت شبه خالية من السكان»، كما تقول مصادر محلية في القطاع الأوسط لـ«الشرق الأوسط». وتتعرض عيتا الجبل لقصف مدفعي يومي، وتوغلات في محيطها، مما دفع معظم السكان لمغادرتها «بعدما باتت منطقة خطرة».

هذا الواقع يُطبق أيضاً في كفرتبنيت والنبطية الفوقا «اللتين باتتا خاليتين تماماً، وشبه مدمرتين بالكامل» على إيقاع تفجيرات في الأولى، وقصف وغارات في الثانية. وفرغت النبطية الفوقا من السكان إثر استهداف إسرائيلي لمدرّسة وأطفالها كانوا في طريقهم إلى منزلهم لإحضار بعض الامتعة في يونيو الماضي.

مناطق غير مستقرة

وتعاني المناطق المواجهة للبلدات المحتلة شرق وادي الحجير ووادي السلوقي من قصف مدفعي يومي، وغارات جوية، وتحليق متواصل للمسيرات الإسرائيلية. وقال المصدر الأمني في الجنوب إن تلك البلدات «لا تشبه أحوالها، حال البلدات الواقعة على خط التماس مع (الخط الأصفر)، لأنها بعيدة نسبياً، لذلك لم تخلُ من سكانها، لكنها باتت عرضة لقصف متواصل، مما يجعلها غير مستقرة»، في إشارة إلى استهداف بلدة شقرا، والبلدات الواقعة على الأطراف الغربية لوادي الحجير.

تفجيرات وغارات

هذا الواقع تعكسه تطورات السبت، حيث استهدف قصف مدفعي منطقة وادي السلوقي -محيط بلدة شقرا، وأطراف زوطر الشرقية. كما استهدفت سلسلة غارات عنيفة الجبل الرفيع والريحان بين إقليم التفاح وقضاء جزين سمعت أصداؤها إلى مدينة صيدا وجوارها. ورصدت 3 غارات على أطراف بلدة سجد نُفذت بصواريخ ارتجاجية وصل صداها إلى الزهراني. وفي القطاع الغربي، قصفت القوات الإسرائيلية بالمدفعية مناطق المنصوري، ومجدل زون، ووادي حسن، وهز تفجير ضخم إسرائيلي بلدة الطيري، وهز تفجير عنيف آخر مجدل زون.

وأفيد بتقدّم قوة إسرائيلية إلى الجهة الجنوبية من أطراف بلدة دير ميماس في قضاء مرجعيون، وتحديداً عند كروم الزيتون.

كما نفذت بعد منتصف ليل الجمعة – السبت تفجيرات عنيفة في برعشيت، وحداثا، ومحيط بلدة بيت ياحون.


ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يستعد مسؤولون أردنيون للتعامل مع «هجمة» إسرائيلية محتملة على خلفية الخطاب الأخير للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي وجّه فيه انتقادات شديدة للسياسات الإسرائيلية. وقالت مصادر مطلعة في عمّان إن «الهجمة المرتقبة قد تكون على جبهات متعددة، دبلوماسية وسياسية، والأخطر إلكترونية». والأخيرة على وجه الخصوص تشكل قلقاً رسمياً لسرعة تأثر المزاج العام في البلاد بما تنشره مواقع الاتصال الاجتماعي.

ما سبق يُمهد لمحاولة تفسير عبارات ومواقف العاهل الأردني التي اعتبرها مراقبون بمثابة «طلاق» في العلاقة السياسية بين عمّان وتل أبيب، وهو ما فاجأ سلطات دستورية في البلاد استمعت إلى «خطاب سياسي على منبر أممي موجّه للداخل الأردني والجوار المكتظ بمشاهد الفوضى وعدم الاستقرار»، بحسب ما قالت مصادر مطلعة. وبرأي متابعين، فإن مواقف الملك عبد الله الثاني «لها ما بعدها» على صعيد المشهد الداخلي والإدارة اليومية لأزمات مرتقبة، مع الأخذ بالاعتبار التغيّرات الجذرية في الحياة الإسرائيلية وتأثر المملكة الأردنية المباشر بسياسات التطرف التي تنتهجها أحزاب وحكومات إسرائيلية.

الملك عبد الله الثاني بجانب الرئيس دونالد ترمب خلال لقاء ضم عدداً من القادة العرب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر (رويترز)

ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن سبب اختيار الملك عبد الله المكان والزمان لإعلان موقفه الحاد من حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، قال موظفون سابقون عملوا بالقرب من العاهل الأردني إن الملك عبد الله الثاني لا يثق برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ويصفه بالكاذب. وتابعوا أن إسرائيل تستفز الأردن من خلال استمرار الانتهاكات في المسجد الأقصى والحرم القدسي، وتتعمد بذلك إثارة الشارع الأردني.

ولفتوا إلى أن إسرائيل «تتعمد» أيضاً «نقض بروتوكول إدخال المساعدات الأردنية عن طريق الهيئة الخيرية الهاشمية والحملة الأردنية إلى قطاع غزة، وتتعمد تعطيل الإجراءات والموافقات وعمليات التسليم بهدف تقليل كميات المساعدات عن طريق المملكة الأردنية، واتهام الأردن بالتقصير بإدخال المساعدات». وأشار هؤلاء إلى أن إسرائيل رفضت بيع المياه إلى الأردن خلال العامين الماضيين بقصد خلق أزمة محلية، وهذا ما يمثّل مخالفة لمعاهدة السلام (معاهدة وداي عربة).

وبرأي المصادر نفسها، سعى اليمين المتطرف الإسرائيلي إلى تزوير الحقائق، وتغيير الواقع، والعبث بتاريخ العلاقة الأردنية - الإسرائيلية، من خلال بث فتن بين الأردنيين تستهدف الأصول والمنابت الشرقية مقابل الأصول الفلسطينية. كذلك أشارت هذه المصادر إلى محاولة إسرائيل استذكار قرار فك الارتباط الإداري مع الضفة الغربية، وهو قرار أردني صدر عام 1988.

وتضيف المصادر نفسها أن هناك متغيراً جديداً ومهماً يتمثل بسلسلة التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، والتهديد التي تمثله تلك التوغلات على المصالح الوطنية العليا والأمن الوطني الأردني، والعبث بمصادر حصص الأردن من المياه المشتركة في نهر اليرموك وسد الوحدة، وبالتالي عودة القلق الأردني مما يحصل على حدوده الشمالية.

موقع أثري قرب مستوطنة إسرائيلية في غور الأردن تم فيه ملء بركة بمياه كانت مخصصة لري مزارع فلسطينية بالضفة الغربية يوم 19 يونيو 2026 (أ.ب)

وفي رأي هذه المصادر، فإن استمرار إسرائيل بنقض بنود قانون معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية، قد يدفع عمّان إلى اتخاذ خطوات عملية تجاه تعطيل بند أو أكثر من بنود المعاهدة.

ويُدرك الأردن حساسية «ضرب أسافين» الفتنة بين فئات الشعب الأردني، وهي الفئات التي تجاوزت تاريخاً من العلاقة المُلتبسة بفعل اضطرابات نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، والتي انتهت باعترافات كثيرة عن أخطاء ارتكبتها فصائل فلسطينية مسلحة.

الإسلاميون في ميزان المصالح والخصومة

ما سبق يمكن أن يُفسر رغبة بعض مراكز قرار في البلاد في إعادة ترتيب الأوراق المحلية، وإعادة تدوير الزوايا الحادة في العلاقة مع حزب الأمة (جبهة العمل الإسلامي سابقاً) بصفته حزباً يملك حضوراً في الشارع، وبصفته يستطيع ممارسة ترشيد خطاب الشارع واحتواء شعاراته، بشكل يدعم النظام السياسي في البلاد ولا يعارضه.

وقد ظلت تلك الفكرة حاضرة منذ عامين، في وقت كان يتم فيه تجهيز ملف يتضمن تجاوزات جماعة «الإخوان المسلمين» التي جرى تفعيل قرار قضائي بحلها ومصادرة ممتلكاتها واعتبار جميع نشاطاتها محظورة في البلاد.

وفي مقابل تحريك هذا الملف، كان آخرون يطالبون بالتأني قبل التصعيد القانوني ضد الحزب والجماعة. فقد كانت المؤشرات حينها تتحدث صراحة عن مستقبل علاقة مضطرب مع دولة الاحتلال. وفي رأي هؤلاء يمكن استخدام ورقة الإسلاميين في شكل يحمي البلاد من الضغوط الخارجية للقبول بصفقة تضر بالمصالح الأردنية، بحجة الخوف من إثارة الفوضى في الشارع الأردني الذي يتأثر بتطورات سياسات الاحتلال ضد الفلسطينيين. وقد يساعد التاريخ السياسي الأردني الحديث في معرفة تلك المساحة من التفاهمات بين الحركة الإسلامية والمؤسسة الرسمية، في أكثر من مناسبة.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (بترا - د.ب.أ)

وفي سياق ما يمكن تفسيره على أنه «رسالة حسن نيات» في استجابة الحركة الإسلامية لفكرة التقارب مع المؤسسة الرسمية، جاءت انتخابات الأمين العام لحزب «الأمة» التي جرت السبت الماضي، حاملة رسالة تُفيد باختيار الجماعة والحزب سياسة التهدئة. فوسط منافسة صعبة، تقدّم معاذ الخوالدة على محمد القطاونة بفارق قليل من الأصوات، قبل انسحاب الأخير من منافسات الجولة الثانية.

ومثّلت تلك الانتخابات ونتائجها ما يمكن اعتباره انتصاراً لتيار «التغيير والإصلاح» داخل الحزب بعد فك الارتباط وتبعية العلاقة التنظيمية (تحت طائلة المساءلة) بجماعة «الإخوان المسلمين». وقد يستفيد الحزب نفسه من اختيار الخوالدة الذي سبق وأن كان قيادياً بارزاً في صفوف الجماعة وناطقاً رسمياً باسمها. وهو شخص كان يميل في تصريحاته إلى الدبلوماسية وعدم التصعيد مع الرسميين.

الموقف الأردني

وأكدت مصادر سياسية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» ما وصفته بـ«جدية التهديدات الأردنية لإسرائيل»، والمقصود بهذا التحذير مخاوف الأردن الرسمي إزاء أي «تهديد إسرائيلي على الحدود الشمالية» للبلاد، مضيفة أن الأردن «لن يبقى مكتوف الأيدي ومن حقه حماية مصالحه العليا»، خصوصاً أمام استمرار الاجتياحات الإسرائيلية لمناطق في الجنوب السوري، و«التهديدات المحتملة بتغيير الخرائط على الأرض، ومصادرة المياه المشتركة بين عمّان ودمشق في نهر اليرموك وسد الوحدة».

واعتبر خبراء استراتيجيون يمثّلون قطاعات عسكرية ودبلوماسية، ومسؤولون رسميون تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، أن العاهل الأردني اختار هذا العام «لغة التصعيد بخصوص تصرفات إسرائيل في المنطقة»، في ظل تطور السياسات المتطرفة لحكومة اليمين، بقيادة بنيامين نتنياهو، والتي من شأنها «قتل حل الدولتين».

ولفت هؤلاء إلى أن حدة النقد الأردني لإسرائيل «غير مسبوقة»، مشيرين إلى أن الأردن الرسمي يعتبر أن إسرائيل، في ظل بقاء حكومة اليمين المتطرف، هي «دولة مارقة» بسبب استمرار «انتهاكها للقوانين الدولية وعدم احترامها للشرعية الدولية واستعدائها لمحيطها».

ولفت مقربون من القصر، في حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الملك عبد الله الثاني «اختار استخدام لغة حادة تجاه إسرائيل»، وسط مخاوف من «تهجير فلسطينيين قسراً (من الأراضي الفلسطينية) باتجاه الأردن»، وهو ما يعتبره الأردن الرسمي «جريمة حرب». وتابعوا أن الأردن يواجه أيضاً خطراً مضاعفاً في ظل استمرار توسع إسرائيل في الجنوب السوري.

مركبات عسكرية إسرائيلية تمر في سوريا بالقرب من خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا... كما شوهدت من مجدل شمس بمرتفعات الجولان يوم 15 ديسمبر 2024 (رويترز)

وكان الملك الأردني قد انتقد عدم انتباه المجتمع الدولي إلى سوريا التي تمثل «إنذاراً»، مشيراً إلى أن «التوغلات الإسرائيلية المتكررة، والتوسع الجغرافي الذي يتمدد، وفرض حقائق جديدة على الأرض» عناصر يمكن أن تؤدي إلى المس بمصادر مائية حيوية للأردن.

وشدد العاهل الأردني على أن أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي هو «تهديد لأمننا القومي»، مضيفاً أن بلاده «لن تشيح بنظرها، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالحنا».

وأدرك الأردن الرسمي مبكراً أن أول ردود الفعل الإسرائيلية على خطاب الملك عبد الله الثاني، سيكون عبر هجمات مُكثفة ومنظمة على منصات التواصل الاجتماعي بهدف توجيه انتقادات لشخصيات وسياسات رسمية. وتعتبر الجهات المعنية في عمّان أن إسرائيل طورت من قدراتها في الحرب الإلكترونية في عدة مجالات، لكن الأردن يبذل جهوداً للتصدي للهجمات التي تستهدفه.

وكانت رحلة العاهل الأردني الأخيرة للصين أثارت تحفظات لدى الإدارة الأميركية التي سعت إلى إلغائها، وإحباط أي مشاريع لإبرام اتفاقات عسكرية مع بكين، بحسب مصادر «الشرق الأوسط». وجاء ذلك في وقت عزز فيه الأردن من تحالفه العسكري مع فرنسا بتوقيع اتفاقية رابعة تؤطّر وتدعم وتنظم الاتفاقات السابقة.

وتؤكد المصادر نفسها أن الأردن «ينوّع خياراته لكنه لا ينقلب على تحالفاته». وتأتي هذه التطورات في ظل حبل العلاقة المشدود بين عمّان وواشنطن، علماً بأن الدعم العسكري الأميركي للجيش الأردني مستمر.

ويتوقع سياسيون أردنيون أن مواقف العاهل الأردني الأخيرة من إسرائيل، لها ما بعدها لصالح تعميق الأزمة في العلاقة السياسية والدبلوماسية بين البلدين. وقد انتقلت العلاقة مع دولة الاحتلال من الفتور إلى التوتر إلى انقطاع مستويات الاتصال الدبلوماسي على مستويات متقدمة، في حين تظل قنوات الاتصال الأمني واحدة من المزايا المشتركة التي وفّرتها مظلة معاهدة السلام.

والسفارة الإسرائيلية في عمّان لا تزال مهجورة من العاملين منذ نهاية أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وفي حين لم تتم عودة السفراء بين البلدين، فإن السفارة الأردنية في تل أبيب يقتصر عملها على تقديم بعض الخدمات القنصلية.