الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

مدير شعبة أميركا في مخابرات «البعث» العراقي يفتح لـ«الشرق الأوسط» دفاترها

TT

الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)
الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

خيّم الذهول في سجن «كروبر» حيث كان سالم الجميلي، مدير شعبة أميركا في المخابرات العراقية، معتقلاً إلى جانب أركان النظام العراقي الذي أطاحه الغزو الأميركي. مال كثيرون إلى عدم التصديق. يعتقدون أن صدام حسين يملك حزاماً ناسفاً أو رصاصة أخيرة في مسدسه ويملك الجرأة لإصدار أمر إلى مرافقه بقتله قبل الوقوع في أيدي الجنود الأميركيين. وحين تأكد الخبر لم يشكك المعتقلون في شجاعة الرجل الذي عاش في عهدة الأخطار. وبينهم من رأى أن صدام ربما أراد أن يستغل وقوفه في المحكمة لمحاكمة الغزو وحلفائه.

أتاحت القوات الأميركية لاحقاً لقياديين من خصوم صدام رؤيته في السجن. خصمان بارزان للرجل امتنعا عن ذلك: مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي رأى «أن الشماتة ليست من شيم الرجال»، وأقرّ صراحةً بأن القوات الأميركية هي التي أسقطت نظام صدام وليست المعارضة. وإياد علاوي (رئيس الوزراء بعد سقوط النظام) الذي يحمل في جسده آثار فأس صدام الذي انهال عليه في لندن. لم يقبل علاوي أن يشاهد رئيس العراق معتقلاً لدى الأميركيين. كان الحوار مع الجميلي مثيراً وثرياً وهو يتجه إلى جمع ذكرياته في كتاب. وهنا نص الحلقة الخامسة والأخيرة من الحوار.

سألته عن إيران والغزو وتصفية الحسابات وتركته يروي...

وكلاء إيران قتلوا أكثر من 50 ضابطاً من المخابرات... وبلغ الثأر حد نبش القبور

سالم الجميلي

الزعيمان الكرديان مسعود بارزاني وجلال طالباني (غيتي)

شاركت إيران في تسهيل الغزو الأميركي للعراق. أبرمت مع الأميركيين، عبر أحمد الجلبي، تفاهمات تسهّل مهمتهم في مقابل عودة المعارضين العراقيين الذين كانت تحتضنهم. أطلقت طهران عبر الجلبي مجموعة معلومات مضللة لتبرير الغزو، واستولت عن طريقه على جزء من الأرشيف العراقي. بموجب التفاهمات، سمحت إيران للطيران الأميركي باستخدام الشريط الحدودي والمجال الجوي المحاذي للعراق لأغراض عسكرية. لم تستطع المخابرات الأميركية إيصال الأسلحة إلى جلال طالباني في السليمانية لأنها يجب أن تمر عبر أجواء تركيا أو سوريا أو إيران، فتولى الجنرال قاسم سليماني شخصياً إيصال الأسلحة له.

في تلك الفترة لم يكن دور سليماني بارزاً كثيراً. وكانت تدخلات «الحرس الثوري» ضعيفة وتقتصر على جنوب لبنان ولم تكن ظاهرة في سوريا أو اليمن. المد الإيراني بدأ بعد سقوط النظام العراقي. كنا قد توقعنا ذلك وقلناه للأميركيين في اتصالات أجريناها في محاولة لتفادي الحرب. قلنا لهم: إنكم ستفتحون البوابة لإيران وستتغلغل في المنطقة. لم يُظهروا اهتماماً بالموضوع وحصل ما حصل.

الثأر الإيراني

كان ثأر الإيرانيين من جهاز المخابرات رهيباً. طبعاً كان التنفيذ عبر وكلائهم. قتلوا ما لا يقل عن خمسين من ضباط الجهاز بينهم 14 في وجبة واحدة وفي مقرات سكنهم. اغتالوا طيارين. قصفوا أهدافاً في إيران إبان الحرب العراقية - الإيرانية. وصل الأمر إلى حد نبش قبور ضباط استُشهدوا في الحرب.

سهّلت الأجهزة الإيرانية مهمة غزو العراق لكنها تحرّكت أيضاً في اتجاه آخر. قبل الغزو سهّلت هذه الأجهزة مرور أبو مصعب الزرقاوي عبر أراضيها ليوجد في العراق بعد مغادرته أفغانستان. وجود قيادة «القاعدة» في إيران لم يعد يحتاج إلى دليل، فقد اغتالت إسرائيل أحد أفرادها هناك.

سألت الجميلي عن علاقات صدام بالزعماء الأكراد في العراق، وهي كانت شائكة وصعبة تخللتها مواجهات واتفاقات وهدنات، فاستعاد ملامح تلك العلاقات...

كان بين صدام وطالباني قناة اتصال يتولاها ضابط مخابرات عراقي برتبة مدير. حين تسللت عناصر من «القاعدة» إلى العراق آتية من أفغانستان عبر إيران في 2001 قلق طالباني من تعاون هذه العناصر مع تنظيم «أنصار الإسلام» الكردي. هاجم التنظيم مقاتلي «الاتحاد الوطني الكردستاني» وقتل أربعين عنصراً منهم، فطلب طالباني مساعدة عسكرية ومالية من بغداد وتم تأمينها له. ردّ طالباني برسالة إلى صدّام شكره فيها وقال: «أعاهدكم بشرف الرجال والمسؤولية أن هذا السلاح لن يُستخدم ضد أبناء الشعب العراقي وسيكون شوكة ضد أعداء العراق».

«متى تنتهي من هذه العمالة؟»

قبل الغزو الأميركي قامت إيران بتقديم دعم عسكري لطالباني. وجّه إليه صدام رسالة قاسية نعته فيها بـ«الخائن» و«العميل»، وسأله: «متى تنتهي من هذه العمالة؟». ورد طالباني قائلاً: «لو كان بمقدوري إزاحتكم لفعلت لكنني أخشى أن يكون البديل أسوأ منكم». وأكد أنه يعرف من يعمل من حزبه مع المخابرات العراقية، وحدد أسماء قائلاً إنهم «يعملون معكم بعلمي». وقال طالباني لضابط المخابرات: «أبلغ الرئيس صدام ما أقوله لك. عشرون يوماً فقط وبعدها سيكون العميل جلال طالباني رئيساً لجمهورية العراق».

ذات يوم ظهر اقتراح بالاعتراف بإقليم كردستان دولة مستقلة لوضعه في مواجهة مع تركيا وإيران، لكنّ أغلب الحاضرين اعترضوا. ونُقل في 1999 عن صدام قوله في جلسة خاصة مع عدد من أعضاء القيادة: «لا نستطيع إجبار الشعب الكردي على العيش معنا بالقوة. إذا أرادوا الانفصال فلا ضير أن نعطيهم الاستقلال».

وفي موازاة ذلك كانت المواجهة قاسية وطويلة بين صدام ومسعود البارزاني، لكن لم يكن صدام يتهم مسعود بالتبعية لدولة خارجية، ويرى أنه رجل يحترم كلمته إذا تعهد بأنه يأخذ مصلحة العراق في حسابه حين يُطالب بحقوق الأكراد. وربما لهذا السبب لم يتردد صدام في إرسال قواته لرد الهجوم الذي شنته قوات طالباني على أربيل بدعم صريح من إيران.

تطرق الجميلي أيضاً إلى دور سياسي عراقي مثير للجدل. لم يعد الشخص موجوداً ليمتلك القدرة على الرد والتوضيح. سأسميه السيد «فلان» لأسباب قانونية. وهنا الرواية.

تم التحرك باتجاه «فلان» تحت غطاء وزارة المالية كمرحلة أولى، ثم أصبحت العلاقة به مباشرة من خلال مدير عام الخدمة الخارجية كاظم مسلم، الذي التقاه في مركز عمله في عمّان. كذلك أشرف على إدارته المدير فاروق حجازي وكان مرتاحاً لهذه العلاقة.

تم تكليف الشخص بمهام تتعلق بجمع المعلومات الخاصة بالصيرفة والحسابات السرية لبعض الشخصيات العراقية المعارضة والحسابات الشخصية لرؤساء عرب. كانت المهمة الأساسية كشف الحسابات الخاصة بمافيا تجّار السلاح وحركة الأموال لتغطية العقود العسكرية السرية الخاصة بتجهيز إيران بالعتاد والسلاح وقد حصل الجهاز عبره على معلومات هائلة.

بعد غزو الكويت انقلب «فلان» على الجهاز وأسس حزباً معارضاً وتعاون مع الأميركيين والإيرانيين. وبعد الاحتلال أسهم مكتب الرجل نفسه في استدراج مسؤولين سابقين إلى تسليم أنفسهم، وتولى أحد أعضاء مكتبه إرشاد الجنود الأميركيين إلى مسكني للقبض عليّ في أبريل (نيسان) 2003 بعد أن جنّد أحد أبناء الجيران لمراقبتي.

طالباني لضابط المخابرات: قُلْ لصدام إن العميل سيصبح رئيساً لجمهورية العراق

سالم الجميلي

حسين كامل يُفشي السر النووي

حسين كامل (الأول من اليمين في الصف الثاني) في صورة جماعية لعائلة الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

في عام 1995 أفاق أهل المنطقة على خبر مفاجئ هو انشقاق حسين كامل، صهر الرئيس العراقي، ومغادرته إلى الأردن مع زوجته رغد وشقيقه صدام كامل. وكان الانشقاق أخطر ما تعرّض له النظام من داخل عموده الفقري. يتذكر الجميلي الحادثة ويحكي.

كان حسين كامل من القلة التي تعرف كل أسرار النظام والدولة. شغل مناصب حساسة بينها مدير التصنيع العسكري، ووزير الدفاع والصناعة، وأشرف على جهاز الأمن الخاص، فضلاً عن مهمات أخرى. لم يثق الرئيس بأحد بمقدار ما وثق بحسين كامل. لهذا كان الانشقاق مؤلماً وخطراً، وقد أُصيب صدام بالكآبة بعد ما انتهت إليه قصة صهره.

ألحق انشقاق حسين كامل أضراراً كبيرة بالنظام وصدقيته. بعد وصوله إلى عمّان كشف عن وجود مؤسسة نووية كنا قد سكتنا عنها لأن المفتشين لم يتحدثوا عن وجودها ولو تلميحاً. ضرب الكشف عن منشأة مزرعة الدواجن صدقية النظام وتسبب في إطالة الحصار المفروض على العراق.

كان الرئيس قد أمر في 1994 بوقف العمليات الخاصة، أي عمليات الاغتيال. لكن لم يكن في استطاعة الجهاز السكوت عن بقاء رجل يمتلك كل هذه المعلومات ويلتقي في عمّان أشخاصاً من أجهزة مختلفة. حصل الجهاز على موافقة الرئيس على عملية للتخلص من الرجل. شكّل فريق من جهاز العمليات ضم ثلاثة من الضباط التنفيذيين وامرأتين وتوجّه إلى عمّان. لم يستطع الفريق الاقتراب من حسين كامل لاغتياله بسبب صرامة الإجراءات الأردنية حوله واضطر إلى العودة بعد شهرين إلى العراق بلا نتيجة.

لم ترحب المعارضة العراقية بحسين كامل. ولجان التفتيش حصلت منه على معلومات ثم أهملته. جرت اتصالات تعكس رغبته في العودة، وعاد، وقال الرئيس إنه مستعد لإعفائه من إجراءات الدولة ضده. فور عودته تولّى عديّ صدام حسين فصل شقيقتيه عن زوجيهما. وأبلغ الرئيس علي حسن المجيد بأن الدولة تنازلت عن حقها ويبقى الأمر بيد العشيرة. وهكذا قاد علي حسن المجيد المعركة التي دارت بين أبناء العمومة وأدت إلى مقتل حسين كامل.

وفي الحقيقة أتذكر هنا أن برزان التكريتي كان يقول قبل سنوات إن حسين كامل رجل خطر وطموحاته كبيرة جداً ويريد أن يخلف صدام حسين. لم يتوقف الرئيس عند هذا الكلام وأدرجه في باب الغيرة أو الكراهية الشخصية خصوصاً أن زواج حسين من رغد كان قد تسبب فيما يشبه الشرخ العائلي بعد غضب برزان وآخرين. والحقيقة أننا لم نلمس في الجهاز أي توجه من الرئيس لاعتبار حسين خليفة له في حال غيابه. كانت المؤشرات لدينا تفيد بأن الرئيس يعدّ نجله قصي لمثل هذا الدور خصوصاً بعدما صار قائداً في الحرس الجمهوري ومديراً لجهاز الأمن الخاص، ثم إن اسمه في الشارع ليس موضع جدل كما كان اسم عدي.

حسين كامل وعدي صدام حسين (غيتي)

 

كشف حسين كامل وجود منشأة نووية... وعمله ضرب مصداقية النظام

سالم الجميلي

ارتبط اسم صبري البنا (أبو نضال) مؤسس «حركة فتح – المجلس الثوري» بالإرهاب وكمية مذهلة من الاغتيالات والتفجيرات. وُلدت ظاهرة أبو نضال على أرض العراق وحظي الرجل بدعم مالي ولوجيستي واستخباري من نظامه. وحين أعلن في أغسطس (آب) 2002 عن انتحار أبو نضال في بغداد شكك كثيرون في الرواية ورأوا أن الرجل نُحر ولم ينتحر. ينقل الجميلي روايته عن الرجل الذي شارك مع زميل له في زيارة أبو نضال والتي انتهت بما انتهت إليه.

أبو نضال

«روح الشر»

 

في عام 1974 انشق أبو نضال عن حركة «فتح» التي كان مدير مكتبها في العراق، معلناً معارضته أي تسوية مع إسرائيل. كان موقف العراق معارضاً للتسوية وهكذا حصل أبو نضال على كل أشكال الدعم. وبدعم من المخابرات العراقية، أسس أبو نضال معسكراً للتدريب في بغداد ضم كثيرين من رافضي فكرة التطبيع مع إسرائيل، ثم أخذت عناصره تجوب العالم مستهدفة مئات من الشخصيات الفلسطينية المؤيدة للتطبيع. كما هاجمت جماعة أبو نضال أهدافاً أميركية وأوروبية وعربية وإسرائيلية. بعد اندلاع الحرب مع إيران طلبت المخابرات من أبو نضال وقف عملياته، إلا أنه رفض وغادر إلى سوريا.

في 1991 وقبيل حرب الكويت كان العراق يخطط لتنفيذ عمليات ضد أهداف أميركية، فاستدعت الحاجة إعادة الاتصال مع أبو نضال واستقدامه إلى بغداد، إلا أنه استغل الخلافات العربية وأجرى اتصالات مع الكويت ودول أخرى وحصل على أموال طائلة وتوجه إلى ليبيا.

في بدايات القرن الحالي طلبت منه ليبيا مغادرة أراضيها فتوجه إلى مصر. وحين علمت المخابرات المصرية بوجوده طالبته بمغادرة أراضيها، فتوجه إلى إيران ولم يمكث طويلاً هناك، إذ دخل الأراضي العراقية بجواز سفر يمني مزوَّر. استأجر بيتاً صغيراً في شارع فلسطين وبعد فترة قصيرة وردت معلومات من مخابرات دولة صديقة عن أنه موجود في العراق. تمكّنت المخابرات، بعد عملية بحث، من التقاط صورة له حين اضطر إلى الخروج للتسوق. اقترح الجهاز على الرئيس إبقاء الرجل في العراق لكن فيما يشبه الإقامة الجبرية لمعرفة علاقاته بالدول والأجهزة، ووافق رئيس الجمهورية على ذلك.

مدير المخابرات العراقية الفريق طاهر جليل الحبوش يعرض جواز السفر المزور الذي استخدمه القيادي الفلسطيني أبو نضال الذي "انتحر" في بغداد في 21 أغسطس (آب) 2002 (غيتي)

سرّبت أجهزة غربية أنباء عن وجود أبو نضال في العراق، فكان لا بد من التحرك للسيطرة عليه. قام ضابطان من الجهاز بزيارة مفاجئة له، وطلبا منه أن يرافقهما بعدما حاول تبرير دخوله خلسة. شعر بأن لعبته كُشفت. طلب السماح له بارتداء ملابس غير التي يرتديها، وحين انتقل إلى الغرفة المجاورة أغلق الباب فتخوّف الضابطان من إقدامه على شيء ما. وفجأة دوّت طلقة، فقاما بخلع الباب ووجداه قتيلاً. أستطيع التأكيد أنه انتحر لأن الضابط الذي كان مسؤولاً عن المهمة كان زميلي وصديقي وأخبرني بالرواية وظل متمسكاً بها. وهكذا انتهت قصة الرجل الذي كان يسمّي نفسه «روح الشر» وهو كان كذلك.

 

الاستقالة تعني الموت

جهاز المخابرات ليس حزباً سياسياً يمكن الانتماء إليه ومعرفة أسراره ثم المغادرة بسلام. حين يتخذ الضابط الفار قرار الانشقاق يوقّع عملياً على قرار إعدامه. لن يرحم الجهاز المنشقين وسيتعقبهم. رجال بأسماء مستعارة وأحياناً جوازات سفر دبلوماسية سيطاردون رفيقهم السابق لإعدامه. تركت للجميلي أن يسترجع بعض المحطات.

خلال توليه إدارة المخابرات أنشأ برزان التكريتي مؤسسة للطباعة والنشر في لندن كواجهة للعمل الاستخباري وعيّن عليها شخصاً استُقدم من أجهزة الدولة ويتمتع بقدرات إدارية ومصرفية عالية. طابت لـ(...) الحياة في لندن، ورفض العودة إلى بغداد لدى انتهاء مهمة انتدابه في 1986 وأصر على موقفه. أرسل الجهاز إلى لندن فريقاً من ثلاثة أشخاص، اثنان منهم من معارف الرجل، لهذا لم يتوقع أنهم جاؤوا لتصفيته، وهما (...) و(...). اقترحوا عليه أن يكون اللقاء في أحد مطاعم لندن. كانت المادة السمية المخصصة لقتله موضوعة في خاتم أحد أعضاء الفريق والذي غافل المستهدف ودس السم في مشروبه. عاد الفريق إلى بغداد وتوفي الرجل المستهدف بعد أسبوعين. لم يتنبه ضابط المخابرات إلى أن المادة السميّة التي سكبها لامست يده أيضاً فتوفي بعد فترة قصيرة. الشخص الثاني في الفريق اختفى إبان غزو الكويت، وتوفي الثالث خارج العراق في عام 2020.

بدت على الضابط (...) تصرفات غير مريحة. في 1978 تقرر نقله إلى خارج الجهاز. هرب عبر الحدود إلى سوريا وأخضعته المخابرات هناك لتحقيق مطوَّل. وبعد أن استنفدت عملية الحصول على المعلومات، سهّلت سفره إلى السويد. راح الفارّ يتعاطى مع الصحافة ويتحدث عن أسرار المخابرات فصدر قرار بالتخلص منه بعدما تولت محطتنا في أستوكهولم متابعته ولم يكن حذراً.

 

موعد قاتل في أستوكهولم

كان لدى جهاز المخابرات صائدات للأهداف. سافرت (...) بصحبة الضابط (...) ووُضعت في طريق الرجل المستهدف الذي سارع إلى ابتلاع الطعم. اصطحبته إلى شقة حيث كان زميلها الضابط موجوداً. فوجئ الرجل بوجود ضابط العمليات وهو يعرفه شخصياً فأدرك أنه وقع في الفخ، وقال له: «ها... جاي هنا حتى تصفّيني؟». أعدمه الضابط ورمى أجزاءه فجراً في إحدى الغابات، وغادر أستوكهولم مع رفيقته بسلام.

ضابط آخر أُرسل إلى المحطة في تركيا. حذّره برزان من الوقوع في فخ الجميلات. في عام 1982 اختفى الرجل فجأة ثم تبين أنه غادر إلى ألمانيا بصحبة سيدة تركية. عاد المختفي لاحقاً إلى تركيا. علمنا لاحقاً أنه تم استدراجه إلى مكان خاص وتمت تصفيته بطريقة غامضة. كانت المخابرات تسمح بتسريب هذه الأحداث بين منتسبي الجهاز كإجراء رادع لكل من تسوّل له نفسه القيام بفعل مماثل.

وكشف أن ضباطاً من الجهاز أرسلوا ضد القوات الأميركية سيارات مفخخة يقودها انتحاريون، وأن ضابطاً منهم سُجن 15 عاماً بسبب ذلك، وهو كان قد سُجن مدة أطول في بريطانيا بسبب عملية نفّذها على أراضيها. وأشار إلى أن العراق عرض مبادلة الصحافي فرزاد بازوفت، مراسل «الأوبزرفر»، مقابل الضابط المحتجز لكنّ السلطات البريطانية رفضت. وأعدمت السلطات العراقية بازوفت لاحقاً بعدما أدانته بالتجسس.



عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».


«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».