الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

مدير شعبة أميركا في مخابرات «البعث» العراقي يفتح لـ«الشرق الأوسط» دفاترها

TT

الجميلي: خاتم السم من بغداد إلى لندن يقتل المستهدَف ثم حامله

الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)
الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

خيّم الذهول في سجن «كروبر» حيث كان سالم الجميلي، مدير شعبة أميركا في المخابرات العراقية، معتقلاً إلى جانب أركان النظام العراقي الذي أطاحه الغزو الأميركي. مال كثيرون إلى عدم التصديق. يعتقدون أن صدام حسين يملك حزاماً ناسفاً أو رصاصة أخيرة في مسدسه ويملك الجرأة لإصدار أمر إلى مرافقه بقتله قبل الوقوع في أيدي الجنود الأميركيين. وحين تأكد الخبر لم يشكك المعتقلون في شجاعة الرجل الذي عاش في عهدة الأخطار. وبينهم من رأى أن صدام ربما أراد أن يستغل وقوفه في المحكمة لمحاكمة الغزو وحلفائه.

أتاحت القوات الأميركية لاحقاً لقياديين من خصوم صدام رؤيته في السجن. خصمان بارزان للرجل امتنعا عن ذلك: مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي رأى «أن الشماتة ليست من شيم الرجال»، وأقرّ صراحةً بأن القوات الأميركية هي التي أسقطت نظام صدام وليست المعارضة. وإياد علاوي (رئيس الوزراء بعد سقوط النظام) الذي يحمل في جسده آثار فأس صدام الذي انهال عليه في لندن. لم يقبل علاوي أن يشاهد رئيس العراق معتقلاً لدى الأميركيين. كان الحوار مع الجميلي مثيراً وثرياً وهو يتجه إلى جمع ذكرياته في كتاب. وهنا نص الحلقة الخامسة والأخيرة من الحوار.

سألته عن إيران والغزو وتصفية الحسابات وتركته يروي...

وكلاء إيران قتلوا أكثر من 50 ضابطاً من المخابرات... وبلغ الثأر حد نبش القبور

سالم الجميلي

الزعيمان الكرديان مسعود بارزاني وجلال طالباني (غيتي)

شاركت إيران في تسهيل الغزو الأميركي للعراق. أبرمت مع الأميركيين، عبر أحمد الجلبي، تفاهمات تسهّل مهمتهم في مقابل عودة المعارضين العراقيين الذين كانت تحتضنهم. أطلقت طهران عبر الجلبي مجموعة معلومات مضللة لتبرير الغزو، واستولت عن طريقه على جزء من الأرشيف العراقي. بموجب التفاهمات، سمحت إيران للطيران الأميركي باستخدام الشريط الحدودي والمجال الجوي المحاذي للعراق لأغراض عسكرية. لم تستطع المخابرات الأميركية إيصال الأسلحة إلى جلال طالباني في السليمانية لأنها يجب أن تمر عبر أجواء تركيا أو سوريا أو إيران، فتولى الجنرال قاسم سليماني شخصياً إيصال الأسلحة له.

في تلك الفترة لم يكن دور سليماني بارزاً كثيراً. وكانت تدخلات «الحرس الثوري» ضعيفة وتقتصر على جنوب لبنان ولم تكن ظاهرة في سوريا أو اليمن. المد الإيراني بدأ بعد سقوط النظام العراقي. كنا قد توقعنا ذلك وقلناه للأميركيين في اتصالات أجريناها في محاولة لتفادي الحرب. قلنا لهم: إنكم ستفتحون البوابة لإيران وستتغلغل في المنطقة. لم يُظهروا اهتماماً بالموضوع وحصل ما حصل.

الثأر الإيراني

كان ثأر الإيرانيين من جهاز المخابرات رهيباً. طبعاً كان التنفيذ عبر وكلائهم. قتلوا ما لا يقل عن خمسين من ضباط الجهاز بينهم 14 في وجبة واحدة وفي مقرات سكنهم. اغتالوا طيارين. قصفوا أهدافاً في إيران إبان الحرب العراقية - الإيرانية. وصل الأمر إلى حد نبش قبور ضباط استُشهدوا في الحرب.

سهّلت الأجهزة الإيرانية مهمة غزو العراق لكنها تحرّكت أيضاً في اتجاه آخر. قبل الغزو سهّلت هذه الأجهزة مرور أبو مصعب الزرقاوي عبر أراضيها ليوجد في العراق بعد مغادرته أفغانستان. وجود قيادة «القاعدة» في إيران لم يعد يحتاج إلى دليل، فقد اغتالت إسرائيل أحد أفرادها هناك.

سألت الجميلي عن علاقات صدام بالزعماء الأكراد في العراق، وهي كانت شائكة وصعبة تخللتها مواجهات واتفاقات وهدنات، فاستعاد ملامح تلك العلاقات...

كان بين صدام وطالباني قناة اتصال يتولاها ضابط مخابرات عراقي برتبة مدير. حين تسللت عناصر من «القاعدة» إلى العراق آتية من أفغانستان عبر إيران في 2001 قلق طالباني من تعاون هذه العناصر مع تنظيم «أنصار الإسلام» الكردي. هاجم التنظيم مقاتلي «الاتحاد الوطني الكردستاني» وقتل أربعين عنصراً منهم، فطلب طالباني مساعدة عسكرية ومالية من بغداد وتم تأمينها له. ردّ طالباني برسالة إلى صدّام شكره فيها وقال: «أعاهدكم بشرف الرجال والمسؤولية أن هذا السلاح لن يُستخدم ضد أبناء الشعب العراقي وسيكون شوكة ضد أعداء العراق».

«متى تنتهي من هذه العمالة؟»

قبل الغزو الأميركي قامت إيران بتقديم دعم عسكري لطالباني. وجّه إليه صدام رسالة قاسية نعته فيها بـ«الخائن» و«العميل»، وسأله: «متى تنتهي من هذه العمالة؟». ورد طالباني قائلاً: «لو كان بمقدوري إزاحتكم لفعلت لكنني أخشى أن يكون البديل أسوأ منكم». وأكد أنه يعرف من يعمل من حزبه مع المخابرات العراقية، وحدد أسماء قائلاً إنهم «يعملون معكم بعلمي». وقال طالباني لضابط المخابرات: «أبلغ الرئيس صدام ما أقوله لك. عشرون يوماً فقط وبعدها سيكون العميل جلال طالباني رئيساً لجمهورية العراق».

ذات يوم ظهر اقتراح بالاعتراف بإقليم كردستان دولة مستقلة لوضعه في مواجهة مع تركيا وإيران، لكنّ أغلب الحاضرين اعترضوا. ونُقل في 1999 عن صدام قوله في جلسة خاصة مع عدد من أعضاء القيادة: «لا نستطيع إجبار الشعب الكردي على العيش معنا بالقوة. إذا أرادوا الانفصال فلا ضير أن نعطيهم الاستقلال».

وفي موازاة ذلك كانت المواجهة قاسية وطويلة بين صدام ومسعود البارزاني، لكن لم يكن صدام يتهم مسعود بالتبعية لدولة خارجية، ويرى أنه رجل يحترم كلمته إذا تعهد بأنه يأخذ مصلحة العراق في حسابه حين يُطالب بحقوق الأكراد. وربما لهذا السبب لم يتردد صدام في إرسال قواته لرد الهجوم الذي شنته قوات طالباني على أربيل بدعم صريح من إيران.

تطرق الجميلي أيضاً إلى دور سياسي عراقي مثير للجدل. لم يعد الشخص موجوداً ليمتلك القدرة على الرد والتوضيح. سأسميه السيد «فلان» لأسباب قانونية. وهنا الرواية.

تم التحرك باتجاه «فلان» تحت غطاء وزارة المالية كمرحلة أولى، ثم أصبحت العلاقة به مباشرة من خلال مدير عام الخدمة الخارجية كاظم مسلم، الذي التقاه في مركز عمله في عمّان. كذلك أشرف على إدارته المدير فاروق حجازي وكان مرتاحاً لهذه العلاقة.

تم تكليف الشخص بمهام تتعلق بجمع المعلومات الخاصة بالصيرفة والحسابات السرية لبعض الشخصيات العراقية المعارضة والحسابات الشخصية لرؤساء عرب. كانت المهمة الأساسية كشف الحسابات الخاصة بمافيا تجّار السلاح وحركة الأموال لتغطية العقود العسكرية السرية الخاصة بتجهيز إيران بالعتاد والسلاح وقد حصل الجهاز عبره على معلومات هائلة.

بعد غزو الكويت انقلب «فلان» على الجهاز وأسس حزباً معارضاً وتعاون مع الأميركيين والإيرانيين. وبعد الاحتلال أسهم مكتب الرجل نفسه في استدراج مسؤولين سابقين إلى تسليم أنفسهم، وتولى أحد أعضاء مكتبه إرشاد الجنود الأميركيين إلى مسكني للقبض عليّ في أبريل (نيسان) 2003 بعد أن جنّد أحد أبناء الجيران لمراقبتي.

طالباني لضابط المخابرات: قُلْ لصدام إن العميل سيصبح رئيساً لجمهورية العراق

سالم الجميلي

حسين كامل يُفشي السر النووي

حسين كامل (الأول من اليمين في الصف الثاني) في صورة جماعية لعائلة الرئيس العراقي صدام حسين (غيتي)

في عام 1995 أفاق أهل المنطقة على خبر مفاجئ هو انشقاق حسين كامل، صهر الرئيس العراقي، ومغادرته إلى الأردن مع زوجته رغد وشقيقه صدام كامل. وكان الانشقاق أخطر ما تعرّض له النظام من داخل عموده الفقري. يتذكر الجميلي الحادثة ويحكي.

كان حسين كامل من القلة التي تعرف كل أسرار النظام والدولة. شغل مناصب حساسة بينها مدير التصنيع العسكري، ووزير الدفاع والصناعة، وأشرف على جهاز الأمن الخاص، فضلاً عن مهمات أخرى. لم يثق الرئيس بأحد بمقدار ما وثق بحسين كامل. لهذا كان الانشقاق مؤلماً وخطراً، وقد أُصيب صدام بالكآبة بعد ما انتهت إليه قصة صهره.

ألحق انشقاق حسين كامل أضراراً كبيرة بالنظام وصدقيته. بعد وصوله إلى عمّان كشف عن وجود مؤسسة نووية كنا قد سكتنا عنها لأن المفتشين لم يتحدثوا عن وجودها ولو تلميحاً. ضرب الكشف عن منشأة مزرعة الدواجن صدقية النظام وتسبب في إطالة الحصار المفروض على العراق.

كان الرئيس قد أمر في 1994 بوقف العمليات الخاصة، أي عمليات الاغتيال. لكن لم يكن في استطاعة الجهاز السكوت عن بقاء رجل يمتلك كل هذه المعلومات ويلتقي في عمّان أشخاصاً من أجهزة مختلفة. حصل الجهاز على موافقة الرئيس على عملية للتخلص من الرجل. شكّل فريق من جهاز العمليات ضم ثلاثة من الضباط التنفيذيين وامرأتين وتوجّه إلى عمّان. لم يستطع الفريق الاقتراب من حسين كامل لاغتياله بسبب صرامة الإجراءات الأردنية حوله واضطر إلى العودة بعد شهرين إلى العراق بلا نتيجة.

لم ترحب المعارضة العراقية بحسين كامل. ولجان التفتيش حصلت منه على معلومات ثم أهملته. جرت اتصالات تعكس رغبته في العودة، وعاد، وقال الرئيس إنه مستعد لإعفائه من إجراءات الدولة ضده. فور عودته تولّى عديّ صدام حسين فصل شقيقتيه عن زوجيهما. وأبلغ الرئيس علي حسن المجيد بأن الدولة تنازلت عن حقها ويبقى الأمر بيد العشيرة. وهكذا قاد علي حسن المجيد المعركة التي دارت بين أبناء العمومة وأدت إلى مقتل حسين كامل.

وفي الحقيقة أتذكر هنا أن برزان التكريتي كان يقول قبل سنوات إن حسين كامل رجل خطر وطموحاته كبيرة جداً ويريد أن يخلف صدام حسين. لم يتوقف الرئيس عند هذا الكلام وأدرجه في باب الغيرة أو الكراهية الشخصية خصوصاً أن زواج حسين من رغد كان قد تسبب فيما يشبه الشرخ العائلي بعد غضب برزان وآخرين. والحقيقة أننا لم نلمس في الجهاز أي توجه من الرئيس لاعتبار حسين خليفة له في حال غيابه. كانت المؤشرات لدينا تفيد بأن الرئيس يعدّ نجله قصي لمثل هذا الدور خصوصاً بعدما صار قائداً في الحرس الجمهوري ومديراً لجهاز الأمن الخاص، ثم إن اسمه في الشارع ليس موضع جدل كما كان اسم عدي.

حسين كامل وعدي صدام حسين (غيتي)

 

كشف حسين كامل وجود منشأة نووية... وعمله ضرب مصداقية النظام

سالم الجميلي

ارتبط اسم صبري البنا (أبو نضال) مؤسس «حركة فتح – المجلس الثوري» بالإرهاب وكمية مذهلة من الاغتيالات والتفجيرات. وُلدت ظاهرة أبو نضال على أرض العراق وحظي الرجل بدعم مالي ولوجيستي واستخباري من نظامه. وحين أعلن في أغسطس (آب) 2002 عن انتحار أبو نضال في بغداد شكك كثيرون في الرواية ورأوا أن الرجل نُحر ولم ينتحر. ينقل الجميلي روايته عن الرجل الذي شارك مع زميل له في زيارة أبو نضال والتي انتهت بما انتهت إليه.

أبو نضال

«روح الشر»

 

في عام 1974 انشق أبو نضال عن حركة «فتح» التي كان مدير مكتبها في العراق، معلناً معارضته أي تسوية مع إسرائيل. كان موقف العراق معارضاً للتسوية وهكذا حصل أبو نضال على كل أشكال الدعم. وبدعم من المخابرات العراقية، أسس أبو نضال معسكراً للتدريب في بغداد ضم كثيرين من رافضي فكرة التطبيع مع إسرائيل، ثم أخذت عناصره تجوب العالم مستهدفة مئات من الشخصيات الفلسطينية المؤيدة للتطبيع. كما هاجمت جماعة أبو نضال أهدافاً أميركية وأوروبية وعربية وإسرائيلية. بعد اندلاع الحرب مع إيران طلبت المخابرات من أبو نضال وقف عملياته، إلا أنه رفض وغادر إلى سوريا.

في 1991 وقبيل حرب الكويت كان العراق يخطط لتنفيذ عمليات ضد أهداف أميركية، فاستدعت الحاجة إعادة الاتصال مع أبو نضال واستقدامه إلى بغداد، إلا أنه استغل الخلافات العربية وأجرى اتصالات مع الكويت ودول أخرى وحصل على أموال طائلة وتوجه إلى ليبيا.

في بدايات القرن الحالي طلبت منه ليبيا مغادرة أراضيها فتوجه إلى مصر. وحين علمت المخابرات المصرية بوجوده طالبته بمغادرة أراضيها، فتوجه إلى إيران ولم يمكث طويلاً هناك، إذ دخل الأراضي العراقية بجواز سفر يمني مزوَّر. استأجر بيتاً صغيراً في شارع فلسطين وبعد فترة قصيرة وردت معلومات من مخابرات دولة صديقة عن أنه موجود في العراق. تمكّنت المخابرات، بعد عملية بحث، من التقاط صورة له حين اضطر إلى الخروج للتسوق. اقترح الجهاز على الرئيس إبقاء الرجل في العراق لكن فيما يشبه الإقامة الجبرية لمعرفة علاقاته بالدول والأجهزة، ووافق رئيس الجمهورية على ذلك.

مدير المخابرات العراقية الفريق طاهر جليل الحبوش يعرض جواز السفر المزور الذي استخدمه القيادي الفلسطيني أبو نضال الذي "انتحر" في بغداد في 21 أغسطس (آب) 2002 (غيتي)

سرّبت أجهزة غربية أنباء عن وجود أبو نضال في العراق، فكان لا بد من التحرك للسيطرة عليه. قام ضابطان من الجهاز بزيارة مفاجئة له، وطلبا منه أن يرافقهما بعدما حاول تبرير دخوله خلسة. شعر بأن لعبته كُشفت. طلب السماح له بارتداء ملابس غير التي يرتديها، وحين انتقل إلى الغرفة المجاورة أغلق الباب فتخوّف الضابطان من إقدامه على شيء ما. وفجأة دوّت طلقة، فقاما بخلع الباب ووجداه قتيلاً. أستطيع التأكيد أنه انتحر لأن الضابط الذي كان مسؤولاً عن المهمة كان زميلي وصديقي وأخبرني بالرواية وظل متمسكاً بها. وهكذا انتهت قصة الرجل الذي كان يسمّي نفسه «روح الشر» وهو كان كذلك.

 

الاستقالة تعني الموت

جهاز المخابرات ليس حزباً سياسياً يمكن الانتماء إليه ومعرفة أسراره ثم المغادرة بسلام. حين يتخذ الضابط الفار قرار الانشقاق يوقّع عملياً على قرار إعدامه. لن يرحم الجهاز المنشقين وسيتعقبهم. رجال بأسماء مستعارة وأحياناً جوازات سفر دبلوماسية سيطاردون رفيقهم السابق لإعدامه. تركت للجميلي أن يسترجع بعض المحطات.

خلال توليه إدارة المخابرات أنشأ برزان التكريتي مؤسسة للطباعة والنشر في لندن كواجهة للعمل الاستخباري وعيّن عليها شخصاً استُقدم من أجهزة الدولة ويتمتع بقدرات إدارية ومصرفية عالية. طابت لـ(...) الحياة في لندن، ورفض العودة إلى بغداد لدى انتهاء مهمة انتدابه في 1986 وأصر على موقفه. أرسل الجهاز إلى لندن فريقاً من ثلاثة أشخاص، اثنان منهم من معارف الرجل، لهذا لم يتوقع أنهم جاؤوا لتصفيته، وهما (...) و(...). اقترحوا عليه أن يكون اللقاء في أحد مطاعم لندن. كانت المادة السمية المخصصة لقتله موضوعة في خاتم أحد أعضاء الفريق والذي غافل المستهدف ودس السم في مشروبه. عاد الفريق إلى بغداد وتوفي الرجل المستهدف بعد أسبوعين. لم يتنبه ضابط المخابرات إلى أن المادة السميّة التي سكبها لامست يده أيضاً فتوفي بعد فترة قصيرة. الشخص الثاني في الفريق اختفى إبان غزو الكويت، وتوفي الثالث خارج العراق في عام 2020.

بدت على الضابط (...) تصرفات غير مريحة. في 1978 تقرر نقله إلى خارج الجهاز. هرب عبر الحدود إلى سوريا وأخضعته المخابرات هناك لتحقيق مطوَّل. وبعد أن استنفدت عملية الحصول على المعلومات، سهّلت سفره إلى السويد. راح الفارّ يتعاطى مع الصحافة ويتحدث عن أسرار المخابرات فصدر قرار بالتخلص منه بعدما تولت محطتنا في أستوكهولم متابعته ولم يكن حذراً.

 

موعد قاتل في أستوكهولم

كان لدى جهاز المخابرات صائدات للأهداف. سافرت (...) بصحبة الضابط (...) ووُضعت في طريق الرجل المستهدف الذي سارع إلى ابتلاع الطعم. اصطحبته إلى شقة حيث كان زميلها الضابط موجوداً. فوجئ الرجل بوجود ضابط العمليات وهو يعرفه شخصياً فأدرك أنه وقع في الفخ، وقال له: «ها... جاي هنا حتى تصفّيني؟». أعدمه الضابط ورمى أجزاءه فجراً في إحدى الغابات، وغادر أستوكهولم مع رفيقته بسلام.

ضابط آخر أُرسل إلى المحطة في تركيا. حذّره برزان من الوقوع في فخ الجميلات. في عام 1982 اختفى الرجل فجأة ثم تبين أنه غادر إلى ألمانيا بصحبة سيدة تركية. عاد المختفي لاحقاً إلى تركيا. علمنا لاحقاً أنه تم استدراجه إلى مكان خاص وتمت تصفيته بطريقة غامضة. كانت المخابرات تسمح بتسريب هذه الأحداث بين منتسبي الجهاز كإجراء رادع لكل من تسوّل له نفسه القيام بفعل مماثل.

وكشف أن ضباطاً من الجهاز أرسلوا ضد القوات الأميركية سيارات مفخخة يقودها انتحاريون، وأن ضابطاً منهم سُجن 15 عاماً بسبب ذلك، وهو كان قد سُجن مدة أطول في بريطانيا بسبب عملية نفّذها على أراضيها. وأشار إلى أن العراق عرض مبادلة الصحافي فرزاد بازوفت، مراسل «الأوبزرفر»، مقابل الضابط المحتجز لكنّ السلطات البريطانية رفضت. وأعدمت السلطات العراقية بازوفت لاحقاً بعدما أدانته بالتجسس.



أزمة إنسانية قاسية... الأمطار تُغرق مخيمات نزوح كاملة في غزة

نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

أزمة إنسانية قاسية... الأمطار تُغرق مخيمات نزوح كاملة في غزة

نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
نازح يحاول إبعاد الماء عن مدخل خيمة عائلته في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

«كنا عايشين، ومبسوطين وبنحب نشوف المطر، ونعيش أجواءه، وهلقيت احنا كل يوم بندعي ربنا ما ينزل المطر علينا، لأنه احنا عارفين حيصير فينا هيك ونغرق»... بهذه الكلمات الصعبة لخص الغزي أحمد السحار -النازح من جباليا إلى مخيم للنازحين في منطقة الكرامة، شمال غربي مدينة غزة- الحال الذي عاشه خلال ليلة صعبة من الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف، وأغرقت خيمته التي يعيش فيها مع أفراد أسرته المكونة من 6 أشخاص.

ويقول السحار في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «ما فيه اشي نحكيه، حياتنا مجرد جحيم»، مشيراً إلى أن الأمطار أغرقت معظم المخيم الذي يعيش فيه، والمكون من أكثر من 300 خيمة جميع من فيها من سكان مخيم جباليا ومحيطه، والذي دمرته القوات الإسرائيلية بالكامل خلال الحرب.

نازح يحاول جرف مياه موحلة في ممر بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وواجه النازحون داخل قطاع غزة أزمة إنسانية قاسية، بعدما تعرضت خيامهم ومخيمات نزوح كاملة للغرق نتيجة الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف سوى لوقت بسيط منذ ساعات المساء المتأخر من يوم الجمعة، وبقيت مستمرة حتى ساعات الصباح، إلى أن توقفت وباتت متفرقة مع ساعات الظهيرة، وسط توقعات بعودة غزارتها مجدداً في المساء، وفجر الأحد.

واجتاحت مياه الأمطار الشوارع التي تعاني بالأساس من انعدام البنية التحتية التي دمرت خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فيما تعرضت مخيمات للنزوح من شمال القطاع وحتى جنوبه إلى غرق كامل، الأمر الذي تسبب بغرق الآلاف من الخيام، ولم تعد المئات منها تصلح للحياة بعدما تسببت الأمطار بخرابها في ظل أنها بالأساس مهترئة، وبالكاد كانت تصلح للعيش.

طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

ويقول السحار بصوت غلبت عليه الحسرة والوجع: «ما فيه اشي بأيدينا غير ندعي ربنا يوقف هالمطر وما يرجع... غرقنا وتبهدلنا».

وفقد الكثيرون من النازحين أمتعتهم الخاصة بخيامهم، كما فقدوا بعض المقتنيات الأساسية من أوانٍ وغيرها بعدما جرفتها مياه الأمطار، وتضررها إثر ذلك.

طفل يقف عند مدخل خيمة عائلته يراقب مياه المطر التي تغمر محيط الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وقالت المواطنة سعاد الجمال، النازحة في ميناء غزة، إن فراش وملابس أسرتها تعرضت للغرق، ما اضطرها وأفراد أسرتها للتوجه إلى منزل شقيقتها رغم الأجواء القاسية للمبيت لديها.

وأشارت الجمال إلى أنها فقدت العديد من أدوات مطبخها البسيط في خيمتها التي بالكاد تكفي لها ولأفراد أسرتها المكونة من 4 أطفال، وزوجها، وشابين.

نازحة «تشطف» الماء من داخل خيمة عائلتها في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وبحسب إحصائية نشرها المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإنه خلال 12 ساعة لبدء المنخفض الجوي، غرقت 70 ألف خيمة تؤوي عشرات الآلاف من النازحين، إلى جانب انهيار عشرات الجدران، ما تسبب بوقوع إصابات، وقدرت الخسائر بأكثر من 3 ملايين دولار.

فيما أفاد جهاز الدفاع المدني بغزة أنه منذ بدء المنخفض الجوي تلقى أكثر من 1500 نداء استغاثة من مواطنين تضررت خيامهم ومراكز إيوائهم في جميع محافظات قطاع غزة، لافتاً إلى أنه تم تسجيل غرق مخيمات بأكملها في جميع مناطق ومدن القطاع.

فتى يحمل دلوين مليئين بماء الشرب يخوض وسط ماء المطر بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وقال جهاز الدفاع: «المواطنون النازحون بأطفالهم ونسائهم يغرقون، وتجرف الأمطار خيامهم رغم المناشدات والنداءات الإنسانية العديدة التي أطلقناها لإنقاذهم قبل أن نرى هذه المشاهد المأساوية في المخيمات»، مبيناً أنه لا يستطيع وحده مواجهة تداعيات هذا المنخفض في ظل حجم الكارثة، ونقص الإمكانات، ومعدات سحب المياه من المناطق التي تتجمع فيها مياه الأمطار، وأن المسؤولية تتطلب تكاتف جميع المؤسسات المحلية والدولية، وتوفير الدعم العاجل من معدات، وآليات، ووقود، ومواد إغاثية، ومنح الأولوية لحماية المواطنين، وخاصة الأطفال، والنساء، وكبار السن، والمرضى.

نازحون يحاولون جرف الماء خارج الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وانهارت جزئياً عدة منازل وبنايات متضررة بفعل الحرب، وذلك إثر الأمطار الغزيرة، ما تسبب بوقوع عدة إصابات متوسطة، فيما نجا نحو 30 فلسطينياً من مبنى متضرر بشارع الشهداء غرب مدينة غزة إثر انهياره جزئياً فجر السبت.

واعتبرت «حماس» في بيان للناطق باسمها بغزة، حازم قاسم، أن «المشهد الإنساني الكارثي في القطاع، وغرق مئات العائلات في خيامها بسبب الظروف المأساوية... يمثل وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي ما زال عاجزاً عن إلزام الاحتلال برفع حصاره الجائر عن القطاع»، محملاً المسؤولية الكاملة إلى إسرائيل والجهات المعنية و«مجلس السلام» وممثله نيكولاي ملادينوف الذي قال إنه أخفق في القيام بدوره تجاه ضمان إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى غزة، واستمر صمته تجاه جريمة الحصار المفروضة على أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع. وفق تعبيره.

طفل يسير وسط مياه المطر في مخيم للنازحين بمدينة غزة السبت (رويترز)

وأضاف الناطق: «الواقع الإنساني المتفاقم في القطاع يفرض على الوسطاء تحمل مسؤولياتهم الكاملة تجاه الاتفاقات المبرمة، والعمل بشكل جاد وفعال على إلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته، وفي مقدمتها إدخال المساعدات الإنسانية ومواد الإيواء اللازمة والكافية التي تساعد شعبنا للتخفيف من معاناته المستمرة»، داعياً جامعة الدول العربية إلى تحرك عاجل وفعال لإنقاذ قطاع غزة من الكارثة الإنسانية المتواصلة، بما ينسجم مع المبادئ والأهداف التي تأسست الجامعة من أجلها، ويعكس مسؤوليتها القومية والإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني.


من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
TT

من طهران إلى بيروت... مَن يمسك قرار الحرب في «حزب الله»؟

صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)
صورة تجمع أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله والقيادي هاشم صفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه اللبنانيون بترقّب انعكاسات نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية على واقعهم الداخلي، وما إذا كانت ستؤدي إلى حرب في المنطقة تشمل لبنان، أم إلى اتفاق سياسي كبير يلحظ لبنان حكماً، برز مؤخراً ما حُكي عن تطمينات وصلت إلى عدد من المسؤولين اللبنانيين، مفادها أن «حزب الله» لا ينوي المشاركة في أي حرب مقبلة إسناداً لإيران.

إلا أن هذه التطمينات تبدو لكثيرين غير كافية، استناداً إلى تجربة جولة الحرب الأخيرة، حين قيل إن الحزب أبلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري، آنذاك، أنه لن يشارك فيها، قبل أن ينقلب على موقفه ويفتح النار باتجاه إسرائيل في الثاني من مارس (آذار) الماضي. وتحدّث بعضها حينها عن تضارب في القرارات بين الجناحين السياسي والعسكري، أدى في نهاية المطاف إلى تغليب قرار الطرف الممسك بالميدان، ومن خلفه طهران.

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

وهنا تُطرح علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كان القرار داخل «حزب الله» لا يزال مركزياً، تتخذه قيادة سياسية وتنظيمية ملزمة لجميع مؤسساته، أم أن الكلمة باتت للميدان والجناح العسكري؟ والأهم، هل لا يزال الحزب يمتلك هامشاً مستقلاً لاتخاذ قراراته، أم أن القرار الاستراتيجي المتعلق بالحرب بات يُحسم في طهران، وفقاً للمصالح والحسابات الإيرانية؟

وتتباين القراءات في هذا المجال بين مَن يرى أن «حزب الله» لا يزال محكوماً بهيكلية تنظيمية مركزية، لا تسمح بوجود قرار سياسي وآخر عسكري متعارضين، ومَن يعتبر أن التحولات التي شهدها الحزب، ولا سيما بعد المواجهات الأخيرة، وما أصاب بنيته القيادية، جعلت القرار العسكري أكثر ارتباطاً بإيران، وأضعفت إلى حد كبير هامش الحركة المتاح للقيادة السياسية.

ما هو «شورى القرار»؟

وفي هذا السياق، يوضح الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع عن كثب على موقف «حزب الله»، أن «القيادة في الحزب تتمثل في (شورى القرار)، وهي الجهة التي تتخذ القرارات وتُلزم بها جميع الأجهزة والمؤسسات، بما فيها المجلسان السياسي والجهادي». وينفي قصير وجود قرار يتخذه المجلس السياسي في مقابل قرار آخر يصدر عن المجلس الجهادي، مؤكداً أن «هناك قراراً واحداً مركزياً تتخذه (شورى القرار) ويلتزم به الجميع».

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

ويضم مجلس «شورى القرار»، حسب قصير، الأمين العام للحزب، ورئيس المجلس التنفيذي، ورئيس كتلة الحزب النيابية، ورئيس المجلس السياسي، والمعاون السياسي للأمين العام.

لكن ماذا عن التطمينات التي وصلت إلى مسؤولين لبنانيين، ومفادها أن «حزب الله» لا يعتزم الانخراط في حرب مقبلة؟

وهنا يلفت قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «لا توجد ضمانات أو وعود جدية ونهائية من هذا النوع»، موضحاً أن «الحزب يُحدد موقفه وفقاً للتطورات الميدانية، ولا يمكنه اتخاذ قرارات مسبقة بمعزل عن طبيعة الأحداث»، معتبراً أن «احتمالات الحرب تراجعت بعد الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، نتيجة انشغال واشنطن وتل أبيب بأوضاعهما الداخلية، إلا إذا قررت إسرائيل شن عدوان جديد على لبنان».

القرار لـ«الحرس الثوري»

في المقابل، يُقدم الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، قراءة مختلفة، تنطلق من اعتبار أن «الكلمة في (حزب الله) كانت ولا تزال للميدان، وأن الجناح العسكري هو الذي يُمسك بهذا الميدان، ويُشكل الامتداد المباشر والفعلي لـ(الحرس الثوري الإيراني)».

ويؤكد الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار تفجير الحرب في لبنان، سواء في الجولة السابقة أو في أي جولة مقبلة، هو قرار إيراني بالدرجة الأولى، تحكمه المصلحة الإيرانية، ولا يمتلك (حزب الله) هامشاً فعلياً لتغييره أو الاعتراض عليه».

دمار واسع ناتج من غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت... وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويذكّر الأمين بتصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي الأخيرة، بشأن فتح المعركة على مختلف الجبهات والجغرافيا، معتبراً أنها «تعكس وجود إيقاع واحد تتحكم فيه طهران، وعلى الأطراف الأخرى الالتزام به»، معتبراً أن «الهامش الذي كان متاحاً في السابق للجناح السياسي، بقيادة الأمين العام السابق حسن نصر الله والقيادات البارزة، لم يعد قائماً اليوم، في ظل التحولات التي طرأت على بنية الحزب وقيادته».


لبنان في دائرة القلق من حرب مقبلة: إرباك سياسي وأمني وقرار الحرب خارج الدولة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان في دائرة القلق من حرب مقبلة: إرباك سياسي وأمني وقرار الحرب خارج الدولة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

يعيش لبنان حالة من الإرباك والقلق المتزايد، على وقع المعلومات المتداولة عن احتمال أن يكون جزءاً من أي مواجهة إقليمية مقبلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولا تقتصر المخاوف على المواطنين الذين يخشون تكرار مشهد الحرب، والدمار، والنزوح، بل تطول أيضاً المسؤولين اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم أمام احتمالات لا يملكون القدرة الكاملة على التحكم بمسارها، في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن موقف «حزب الله» في حال اندلاع المواجهة، وهو ما حذّر منه مرات عدة كل من الرئيس جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

الدولة اللبنانية أمام معضلة غياب الضمانات

ورغم أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارات غير مسبوقة في إطار محاولة حصر قرار الحرب والسلم بيدها، وهو ما يلقى دعماً واسعاً من الدول الغربية، والعربية، تكمن أولى نقاط الإرباك في صعوبة ضمان التزام «حزب الله» بقرار الدولة تحييد لبنان عن أي مواجهة إقليمية. فرغم تأكيد المسؤولين أن القرار يجب أن يكون حصراً بيد المؤسسات الشرعية، فإن استمرار الحزب في الاحتفاظ بقراره العسكري المستقل، وارتباط حساباته الاستراتيجية بالتطورات الإيرانية، يجعلان الدولة أمام واقع معقد.

وفي هذا السياق يؤكد مصدر وزاري أن الاتصالات الداخلية لم تتوقف، ولا تزال قائمة بين مختلف الأفرقاء، لكنها لم تترجم حتى الآن إلى خطوات ملموسة، باستثناء الكلام عن أن «حزب الله» لن يدخل في أي معركة مقبلة. إلا أن المصدر يشير إلى أن هذه التطمينات لم تترافق مع معطيات جدية تسمح بالاطمئنان، ما يجعل الحذر واجباً في هذه المرحلة.

ويشدد المصدر على أن الدولة ليست ضعيفة، بل إن موقفها صلب، وقد اتخذت قرارات واضحة في هذا الاتجاه، لكن المشكلة تكمن في أن الفريق المعني مباشرة بقرار الحرب لا يتعاون مع الدولة، ولا يتجاوب مع توجهاتها، انطلاقاً من حسابات ومنطلقات تختلف عن حسابات المؤسسات الرسمية. ويضيف أن الدولة لا تريد الحرب، ولا الدمار، لكن حسابات الفريق الآخر، أي «حزب الله»، مختلفة.

ومع الترقب الذي يسود المنطقة بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، يعتبر المصدر أن جوهر المشكلة يكمن أيضاً في طبيعة العلاقة بين «حزب الله» وإيران، إذ إن طهران لا تتعامل مع الدولة اللبنانية بوصفها مرجعية رسمية في هذا الملف، بل تتواصل مع الفريق الذي تدعمه، من دون تقديم ضمانات واضحة بعدم تدخله في أي مواجهة مقبلة. ويلفت في هذا الإطار إلى ما نُقل أخيراً عن مجتبى خامنئي بشأن وحدة الساحات، باعتباره مؤشراً لا يمكن تجاهله في قراءة احتمالات المرحلة المقبلة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتفقد الوحدات العسكرية المنتشرة في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

التهديدات الإسرائيلية والتحذيرات الأميركية ترفع منسوب القلق

في المقابل، لا تساعد التطورات الميدانية على تبديد المخاوف، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وبالتزامن مع تهديدات متكررة. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد هدد بتوسيع العمليات العسكرية، واستهداف مناطق لبنانية إضافية إذا انضم «حزب الله» إلى أي مواجهة إيرانية، في وقت تتحدث فيه وسائل إعلام إسرائيلية عن سيناريوهات عسكرية محتملة تتجاوز جنوب الليطاني.

وفي هذا الإطار نشرت صحيفة «معاريف» معلومات عن خطط إسرائيلية محتملة تشمل التقدم نحو صور، وصيدا، والنبطية، وفرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس في حال توسع المواجهة، وهي سيناريوهات إعلامية لم يصدر تأكيد رسمي بشأن تنفيذها.

ولا تقتصر التحذيرات على الجانب الإسرائيلي، إذ يجدد المصدر الوزاري التأكيد أن تحذيرات أميركية واضحة نقلها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الرئيس جوزيف عون، ومفادها بأن دخول «حزب الله» في أي حرب مقبلة سيؤدي إلى سقوط الضمانات السابقة، بما يعني أن لبنان قد يواجه تداعيات واسعة لا يمكن احتواؤها.

أما فيما يتعلق بتوقف المباحثات اللبنانية - الإسرائيلية، فيعرب المصدر عن أمله في استئنافها، والتوصل إلى نتائج، لكنه يلفت إلى أن توقفها خلال هذه المرحلة لم يكن مفاجئاً، إذ كان واضحاً منذ فترة أن المباحثات لن تُعقد خلال فترة الانتخابات الأميركية، والإسرائيلية.

لبنان في مأزق حقيقي

ويلفت رئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور رودريغ أبي خليل إلى أن الإرباك الذي تعيشه الدولة اللبنانية في المرحلة الراهنة يعود، في جوهره، إلى أنها لا تمتلك أدوات تنفيذ الالتزامات، رغم القرارات غير المسبوقة التي اتخذتها الحكومة في محاولة لتكريس سلطتها، وبسط سيادة الدولة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذه القرارات، على أهميتها، تصطدم بواقع أن قرار «حزب الله» لا يزال مرتبطاً بإيران، ما يحول دون قدرة الدولة على التحكم بمسار المواجهة، أو منع انزلاق لبنان إليها.

ويؤكد: «إن القرارات الحكومية، على أهميتها، لا تكفي وحدها بالنسبة إلى المجتمع الدولي ما لم تُترجم إلى خطوات عملية، وميدانية، لا سيما أن (حزب الله) لن يتخلى عن هذا التفوق من دون ثمن سياسي».

رئيس حكومة لبنان نواف سلام متحدثاً في عيتا الشعب خلال زيارة سابقة له إلى الجنوب (الشرق الأوسط)

ويرى أبي خليل أن لبنان -بحكم ارتباط واقعه السياسي الداخلي بالتحولات الإقليمية- يجد نفسه في مأزق حقيقي، خصوصاً أن المنطقة تتجه نحو مرحلة مفصلية قد تشهد تجدد الحرب بصورة أعنف، في ظل سعي أميركي وإسرائيلي إلى إحداث تغييرات استراتيجية في المنطقة.

ورأى أبي خليل أن هذا الواقع يفسّر حالة الترقب والإرباك لدى الدولة اللبنانية، باعتبار أن جانباً أساسياً من القرار المتعلق بمصير لبنان يرتبط بما ستؤول إليه هذه المواجهة، مشيراً إلى «أن هذا الارتباط انعكس بشكل واضح في مسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي لم تصل حتى الآن إلى نتائج حاسمة».

من هنا يعتبر أبي خليل «أن لبنان بات قريباً من لحظة مواجهة جديدة، من دون أن يحضر نفسه كما يجب، وفي ظل دولة تترقب ما سيقرره الخارج أكثر مما تتحكم هي بمسار الأحداث».