«التمييز» الكويتية تقضي بحبس وزير الداخلية السابق 3 سنوات

وزير الداخلية السابق الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح (كونا)
وزير الداخلية السابق الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح (كونا)
TT

«التمييز» الكويتية تقضي بحبس وزير الداخلية السابق 3 سنوات

وزير الداخلية السابق الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح (كونا)
وزير الداخلية السابق الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح (كونا)

قضت محكمة التمييز الكويتية، الاثنين، بحبس وزير الداخلية والدفاع السابق الشيخ طلال الخالد ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ.

كما قضت المحكمة، التي عُقدت برئاسة المستشار عبد الله جاسم العبد الله، بتغريم طلال الخالد 3 آلاف دينار (9.7 ألف دولار)، بعد إدانته بوقائع تتعلق بالمصروفات السرية.

وتولّى الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح (مواليد 20 ديسمبر «كانون الأول» 1966) منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية السابق، خلال الفترة 16 أكتوبر (تشرين الأول) 2022 حتى 17 يناير (كانون الثاني) 2024، كما شغل قبلها منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، خلال الفترة من 9 مارس (آذار) 2022 حتى 16 أكتوبر 2022.

وفي 14 يناير 2025، قضت محكمة الوزراء الكويتية بحبس وزير الداخلية السابق الشيخ طلال الخالد 14 سنة، عن تهمة اختلاسات مصروفات وزارتَي الدفاع والداخلية، مع إلزامه بردّ مبلغ يقارب 10 ملايين دينار، وتغريمه 20 مليون دينار.

وتضمّن حكم هيئة المحكمة، في القضية الأولى الخاصة بمصروفات وزارة الدفاع، المتهم فيها الوزير طلال الخالد ووافد، الحبس 7 سنوات للأول، وأمَرتْه بردّ مبلغ 500 ألف دينار وتغريمه مليون دينار وعزْله من الوظيفة. كما أمرت بحبس المتهم الثاني 4 سنوات وتغريمه 294 ألف دينار وإبعاده عن البلاد بعد تنفيذ العقوبة.

وقضت في القضية الثانية، الخاصة بمصروفات وزارة الداخلية، بالحبس 7 سنوات مع الشغل والنفاذ للشيخ طلال الخالد، وألزمته بردّ مبلغ 9 ملايين دينار، وتغريمه 19 مليون دينار، ومصادرة السيارات محل القضية.

وفي 26 مايو (أيار) 2025، قررت محكمة التمييز وقف نفاذ حكم حبس الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح، وتأجيل القضية إلى 23 يونيو (حزيران)، مع منعه من السفر.



عن البناء المؤسسي للدولة السعودية... مائة عام على «التعليمات الأساسية»

من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)
من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)
TT

عن البناء المؤسسي للدولة السعودية... مائة عام على «التعليمات الأساسية»

من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)
من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

تميزت الدولة السعودية بأنها لم تقم على أنقاض دولة أخرى أو استعمار ترك لها بنى تحتية وهياكل مؤسسية؛ وهو ما جعل تأسيسها قبل ثلاثة قرون إنجازاً فريداً وغير مسبوق في تاريخ الجزيرة العربية، وقائماً في حد ذاته.

وفي حين لم يرث المؤسس الملك عبد العزيز جهاز دولة موحداً ومتكاملاً على امتداد البلاد، فقد استطاع أن يتعامل مع أوضاع وتنظيمات متفاوتة بين الأقاليم، وأن يستفيد مما كان قائماً منها، ثم أعاد إدماجها وتطويرها ضمن مشروع مؤسسي آخذ في الاتساع. وبعد اكتمال ضم الحجاز عام 1925، استطاع وضع قواعد جديدة لبناء مؤسسات الدولة وتنظيماتها الإدارية، ما أسهم في تسريع اندماج الأقاليم وتعميق وحدة البلاد.

وتمر بنا هذه الأيام ذكرى اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، وتتزامن مع مرور مائة عام على صدور «التعليمات الأساسية» في 31 أغسطس (آب) 1926، تلك الوثيقة التي تُعد «أول وثيقة دستورية محررة في تاريخ الدولة السعودية الحديثة»، وفقاً لوصف الدكتور عبد الرحمن الشبيلي.

ومما يجعل هذه المناسبة منعطفاً يستحق التأمل أنها تتزامن أيضاً مع إتمام عقد كامل على إطلاق «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» في عام 2016، بكل ما حفل به ذلك العقد من إنجازات غير مسبوقة. هذا الوعي المؤسسي الحاضر في مسيرة الدولة، ما بين عشرينات القرن الماضي وعشرينات هذا القرن، لم ينل ما يستحقه من الدراسة والبحث، وهو ما سنحاول تسليط بعض الضوء عليه في هذا الموضوع.

مائة عام على الوثيقة التأسيسية الأولى

صدرت «التعليمات الأساسية» في أعقاب مبايعة الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز في يناير (كانون الثاني) 1926، وكانت بمثابة الدستور الأول المؤذن ببداية المرحلة المؤدية إلى توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932.

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

وتضمنت الوثيقة، المكوّنة من تسع وسبعين مادة، التأسيس القانوني لنظام الحكم، وتحديد صلاحيات نائب الملك في الحجاز، وهياكل الإدارة، ومجلس الشورى، والشُّعَب الست: الشرعية، والداخلية، والخارجية، والمالية، والمعارف، والجيش. وكانت تلك الشُّعَب الست بذرة ما صار لاحقاً منظومة حكومية متكاملة، تضم اليوم أكثر من عشرين وزارة، وما يزيد على ثلاثمائة مؤسسة وهيئة وجهاز.

ولفهم حجم ما كان يعنيه صدور تلك الوثيقة في سياقها التاريخي، تجدر الإشارة إلى أن الملك عبد العزيز كلّف لجنة منتخبة ضمت شخصيات وطنية من مختلف التخصصات، من بينهم: عبد القادر الشيبي، ومحمد شرف عدنان، ومحمد المرزوقي أبو حسين، وصالح شطا، ومحمد حسين نصيف، وسليمان قابل، ومحمود شلهوب، وحسين باسلامة، وعلي كتبي، ومحمد سعيد أبو الخير، ومحمد ماجد الكردي، وعبد الله زينل، وحسين عدنان، وعبد الله الدهلوي. كل أولئك أسهموا في صياغة وثيقة كان الهدف منها بناء دولة مؤسسات؛ وهي فكرة تعكس نضجاً سياسياً مبكراً في منطقة كانت تعيش على إيقاع الغزو والسيطرة، لا على إيقاع التأسيس المؤسسي.

غير أن ثمة جانباً أقل حضوراً في المصادر المتداولة، وهو أن «التعليمات الأساسية» كانت خاصة بمملكة الحجاز، وإن امتد أثر مؤسساتها إلى بقية الأقاليم؛ إذ كانت الدولة لا تزال مملكتين: نجد والحجاز، تحت حكم الملك عبد العزيز. وقد أشار فؤاد حمزة إلى أنه، خلال العمل بتلك التعليمات، طرأ على بعض أقسامها تعديلات استلزمتها الأوضاع والمتغيرات.

وظلت تلك التعليمات دستوراً لحين إعلان توحيد المملكتين. وأظهر التاريخ أنها كانت، في حقيقتها، وثيقة تأسيسية مرحلية بوعي، صُممت لمرحلة مخاض لا لنظام ثابت. وهذا يكشف بُعداً جوهرياً في عقلية الملك المؤسس؛ إذ وضع ترتيبات وبنى مؤسسية كان يعرف أنه سيتجاوزها إلى بنية أكبر وأشمل.

عقود ومراحل بين الوثيقتين

نظمت «التعليمات الأساسية» عمل مؤسسات الدولة بين عامي 1926 و1932، تحت القيادة البارعة والمتابعة المضنية للملك عبد العزيز، وجاءت لتؤسس لمرحلة انتقال نحو دولة موحدة. ومثل ذلك، جاءت وثيقة «رؤية 2030» لترسم مسار انتقال من مرحلة إلى أخرى. وعناوين التحول هنا كثيرة، منها التحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد متنوع، ومن دولة مستهلكة إلى دولة منتجة، وغير ذلك كثير.

خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد الأمير محمد بن سلمان لدى إطلاق مشروعات كبرى في الرياض (واس)

بيد أن المقارنة بين الوثيقتين لا تقتصر على الشكل، بل تمتد إلى المضمون. فكما جمعت «التعليمات الأساسية»، قبل مائة عام، بين بنود تنظيم الجيش والتعليم والقضاء والضرائب والحج في وثيقة واحدة، تجمع «رؤية 2030» بين قطاعات الطاقة والتقنية والثقافة والسياحة والصناعة والتعليم في مسار وطني واحد. والفارق أن وثيقة 1926 أدارت مؤسسات مملكة كانت تصارع العيش في محيط ملتهب، فيما تدير وثيقة 2016 طموح دولة بات اقتصادها الأكبر في المنطقة، وهي عضو في مجموعة العشرين لكبرى اقتصادات العالم، وقائدة للعالمين العربي والإسلامي.

من البناء الداخلي إلى الحضور الدولي

مرت المملكة العربية السعودية، خلال مائة عام، بتحولات كبرى، وشهدت قفزات تنموية ونهضة في جميع المجالات، وكان هاجس المحافظة على الاستقرار والاستمرار في التنمية والبناء حاضراً دائماً، في ظل ظروف إقليمية وعالمية مضطربة وبالغة التعقيد.

شكّل الحفاظ على السيادة ووحدة الدولة خطاً أحمر لا تُقبل فيه أي مساومة عبر تاريخ الدولة السعودية، غير أن الحزم في هذا الملف لم يكن مطلقاً، بل اقترن دوماً بحساب دقيق لكلفة المواجهة ومآلاتها.

ويقابل هذا الحزم اعتدال واضح في إدارة الصراعات: تفضيل الدبلوماسية والوساطة على المواجهة المفتوحة، وتجنّب الدخول في حروب غير متكافئة كلما أمكن ذلك. وتعكس هذه السمة قراءة واقعية تُعد إحدى سمات السياسة السعودية.

يفسّر التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في السياسة السعودية قدرتها على الاستمرار المؤسسي عبر ثلاثة قرون، رغم تبدّل موازين القوى الإقليمية والدولية مرات عدة.

الدراسات التي ترصد استمرارية السياسة الخارجية السعودية تؤكد أن هذه المبادئ راسخة منذ عهد الملك عبد العزيز، وأنها شكّلت خيطاً ناظماً يفسّر التشابه الواضح بين القرارات الكبرى في مراحل تاريخية متباعدة زمنياً.

اللافت في مسيرة الأعوام الأخيرة أن الدولة السعودية قلبت معادلة تقليدية كانت سائدة في فهم دورها الدولي؛ فقد برز تحوّل تدريجي في أسلوب إدارة الملفات الإقليمية نحو ما وُصف إعلامياً وبحثياً بسياسة «تصفير الأزمات» أو «صفر مشاكل»، بالتوازي مع أجندة «رؤية 2030» التي تربط الاستقرار الإقليمي بمتطلبات التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار. كما برز انخراط أكبر في الملفات الدولية، وبناء محكم للتحالفات والشراكات الاستراتيجية الدولية.

وتبقى السمة الجوهرية لهذا التحول أنه طال الأدوات والأسلوب، لا الثوابت ذاتها؛ فالقدرة على التكيف من دون المساس بالمرتكزات تظل السمة الأبرز لاستمرارية هذه السياسة.

التعليمات الأساسية في جريدة «أم القرى» الرسمية

الخطاب السياسي السعودي يؤكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي المبادئ ذاتها التي كان الملك عبد العزيز يكافح من أجل ترسيخها في مواجهة البريطانيين، منذ مباحثات العقير عام 1922 ومعاهدة جدة عام 1927.

والسؤال الذي يستحق الطرح هنا: لماذا لا تحظى هذه الثوابت والتحولات باهتمام مؤسسي وأكاديمي يعكس حجمها الفعلي؟

دولة تُصدّر النماذج

في عام 1926، استطاع الملك عبد العزيز صياغة الوثيقة الدستورية الأولى لدولة لم تكن تملك من الموارد ما يكفيها، ولم يتوافر لها من وسائل الحياة الحديثة ما يستحق الذكر. وفي عام 2026، تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً في نمو منظومة الابتكار وريادة الأعمال، وفق تقرير «StartupBlink» لعام 2025. الدولة التي كافحت قبل مائة عام لتكتب وثيقتها الدستورية الأولى في ظل شح الموارد، باتت اليوم تُستدعى نماذجها في تحويل الاقتصادات وإدارة الملفات السياسية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي لا تحظى بما يكفي من الانتباه: ففي ديسمبر (كانون الأول) 1922، حضر الملك عبد العزيز مؤتمر العقير مفاوضاً مع البريطانيين بشأن حدود دولته، وبعد نحو مائة عام، ظفرت المملكة العربية السعودية بحق استضافة «إكسبو 2030» بأعلى نسبة تصويت في تاريخ هذه الفعالية، وبحق استضافة كأس العالم 2034 من دون منافس. وباتت الدولة التي كانت تتفاوض مع القوى العظمى لرسم حدودها تُمنح من دول العالم حق استضافة اثنين من أبرز الأحداث العالمية.

لقد كانت «التعليمات الأساسية» وثيقة مرحلية بوعي، كما أسلفنا، بُنيت لتُتجاوز. و«رؤية 2030»، وإن اختلفت عنها في طبيعتها ووظيفتها، صُممت هي الأخرى بوصفها وثيقة مرحلية بوعي؛ فهي مرحلة انتقالية وُضعت لا للتوقف عندها، بل لتجاوزها إلى ما هو أبعد. وهذا هو جوهر الاستمرارية في الدولة السعودية عبر مائة عام: أن كل وثيقة أو رؤية لم تكن غاية في ذاتها، بل خطوة مرحلية تضع السياق لما بعدها، وتُعلي، في الوقت ذاته، من سقف ما بعدها؛ لأن الطموح خصيصة ملازمة للسعودية، قيادة وشعباً؛ بدأت منذ ثلاثة قرون بطموح لَمّ الشتات، وتتواصل اليوم بتوالي الإنجازات وتجاوز المستهدفات.

وأرى أنه من المهم هنا إيضاح أن وثيقة تعليمات 1926 أدارت انتقالاً مؤسسياً، بينما تدير وثيقة «رؤية 2030» تحولاً مؤسسياً؛ فـ«التعليمات الأساسية» وثيقة تنظيمية قانونية للحكم والإدارة، و«رؤية 2030» إطار استراتيجي وطني. والمقارنة هنا لا تقوم على وحدة الطبيعة القانونية للوثيقتين، إذ إن لكل منهما سياقاً ووظيفة، وإنما على فكرة إدارة الانتقال المؤسسي ووضع إطار جامع للتحول.

وختاماً؛ فإن هذه الصفحات المتجددة في قراءة تاريخ المملكة العربية السعودية، التي تكشفها المنجزات الوطنية المتوالية، هي مما يستحق أن يُبرز ويُلقى عليه الضوء ويُبذل فيه الجهد، لا من الباحثين والمؤرخين فحسب، بل من مراكز السياسة العامة والجامعات والمؤسسات التي ما زالت تتعامل مع الراهن باعتباره تحصيل حاصل، لا مبحثاً مهماً للدراسة والتوثيق.


مساعد بن عبد الرحمن... جسر بين جيل الإمام ودولة المؤسسات

الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز
الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز
TT

مساعد بن عبد الرحمن... جسر بين جيل الإمام ودولة المؤسسات

الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز
الأمير مساعد مستقبلاً وفداً من الأمم المتحدة وإلى يمينه الأمير سلمان بن عبد العزيز

جاء توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، المبني على اقتراح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإطلاق اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن على الجامعة الإلكترونية، والمملكة العربية السعودية تستعد للاحتفال بذكرى يومها الوطني في «الأول من الميزان»، الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول).

ومن الموافقات التاريخية أن قرار مجلس الوزراء، الذي ثبّت الثالث والعشرين من سبتمبر يوماً وطنياً صدر عام 1965، والأمير مساعد يومها عضو في مجلس الوزراء، ثم يأتي اليوم إطلاق اسمه على الجامعة السعودية الإلكترونية متزامناً مع ذكرى اليوم الوطني.

كما جاء التوجيه الملكي ليعيد ذكرى أحد رجالات الدولة الكبار، ورائد من رواد الفكر والسياسة والإدارة السعودية الذي توفي قبل نحو 40 عاماً (ديسمبر 1986)، ولم يكن حريصاً على نشر سيرته، ناهيك عن مذكراته أو ذكرياته.

أما ما يتوفر عنه في أرشيفات الصحافة فلا يتجاوز الأخبار الرسمية، وأبرز من كتب عنه الدكتور عبد الرحمن الشبيلي الذي حاوره في مقابلات تلفزيونية، ثم نشرها في كتاب ضمنه بعض شهادات معاصريه، وغطّى جوانب من سيرته. وأَحسبُه الكتاب الوحيد الذي تناول سيرة الأمير مساعد ومسيرته، لذا لا أستغرب عدم معرفة أكثر جيل اليوم من رجال ونساء الإدارة والسياسة السعودية بالأمير مساعد، ومسيرته السياسية والإدارية. ولعل بعضهم أول ما سمع عنه عندما أثنى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مقابلة تلفزيونية عام 2021، على رؤيته الاستشرافية، واقتراحه قبل عقود طويلة تطوير المجمعات السكنية من قبل الدولة، لا من القطاع الخاص؛ وهي الفكرة التي جوبهت آنذاك بمعارضة من بعض الوزراء والمسؤولين.

الأمير مساعد في شبابه

وليس غريباً أن تأتي فكرة تكريم ذكرى الأمير مساعد بن عبد الرحمن بإطلاق اسمه على جامعة كان إنشاؤها قبل 15 عاماً رؤية استشرافية لمستقبل التعليم، كما أحيا الأمير محمد رؤية عمّه مساعد الاستشرافية بتأسيس شركة روشن التابعة لصندوق الاستثمارات العامة.

وكأن صانع «رؤية المملكة 2030» أراد بهذا التكريم أن يقول إن كل صاحب رؤية استشرافية وعمل دؤوب لخدمة الوطن سيحظى بالتكريم، ولو لم يحن أوان تنفيذ رؤيته بعد.

شخصياً لا أعُد الأمير مساعد وزيراً أو رجل دولة فحسب، بل أراه أيضاً أحد مفكري الدولة الذين كان لهم إسهامهم الرفيع ومشاركتهم الفاعلة في مرحلة تحولات ومتغيرات تطلبت إعادة هيكلة عمل الحكومة وآليات اتخاذ القرار، إذ كان له منهجه الذي أصبح من قواعد العمل الحكومي السعودي، كما يصف ذلك أحد أبرز مساعديه وخليفته في وزارة المالية الشيخ محمد أبا الخيل: «كان ينظر للوظيفة العامة من خلال أسس شرعية، تعني أن الموظف العام مؤتمن على تطبيق القواعد العامة الموضوعة لتحقيق العدالة... وهذا الأسلوب أصبح منهجاً أو مدرسة في الإدارة الحكومية يتلخص أسلوبها في الالتزام بمفاهيم وقواعد الخدمة العامة ومراجعة مواضيع البحث بوضوح مهني مباشر. وكان شديد الإصرار على أن يقول رأيه بشكل مباشر، وأن يدافع عنه بوضوح، ثم يلتزم بما يتقرر ويطبقه بدقه، ويطالب من يعملون معه الالتزام بهذه القاعدة».

الأمير مساعد خلال إحدى زياراته الخارجية

وأجمع عارفوه على اتصافه بالحكمة وبعد النظر والذكاء، والبعد عن المظاهر، والنزاهة والصدق وتحري العدل، وعمق الرؤية وسعة الثقافة وتنوعها، وغزارة التجربة، والواقعية، والقدرة على التحليل.

أما عن تكوينه العلمي والثقافي، فقد درس في كتّاب ابن مصيبيح، ثم على يد علماء الرياض. يقول الشيخ محمد بن جبير: «إن الأمير مساعد طلب العلم عند كثير من المشايخ، ومنهم الشيخ محمد بن إبراهيم، وكان يحضر في حلقاتهم دارساً أو مستمعاً، فهو معدود من طلبة العلم، لذا لا يشتطون أو يخالفون، كما استفاد من مكتبته ومطالعته كتبها المتنوعة ومحاوراته لزوارها من طلبة العلم والسياسيين والمثقفين والمؤرخين. إضافة إلى لقاءاته الفكرية التي يعقدها في منزله مع العلماء والأدباء والمثقفين، وتدور فيها مناقشات ومطارحات تنم عن سعة استيعابه وتنوع معارفه وعمق تفكيره».

أما المكتبة فمقرها في طرف منزله الواقع في حي الحلة داخل سور الرياض القديمة ثم انتقلت إلى منزله الجديد بحي الشميسي، وتعدّ أول مكتبة خاصة تفتح للجمهور في الرياض عام 1944 وحرص على تزويدها بالكتب النادرة والمتنوعة والمجلات والإصدارات الحديثة. وعلى رغم ذلك كله فإنه رغب في الاستزادة من التعلم من خلال الأشرطة والبرامج التعليمية التي توفرها هيئة الإذاعة البريطانية. هذا كله، علاوة على الاستعداد الفطري، ما يجعلنا أمام شخصية ذات تكوين فكري واسع، تجاوز حدود التأهيل التقليدي لرجل الإدارة في ذلك الزمن.

ويكشف ذلك عن تكوين فكري فلسفي مركب جمع بين التأسيس الشرعي والعمق المعرفي والتعلم الذاتي والانفتاح على ثقافة العصر. من جانب آخر، يمكن رؤية هذا التكوين المتداخل (دروس المشايخ، والاطلاع المبكر على المطبوعات الحديثة، والمطارحات الفكرية، والتعلم الذاتي)، وتأثيره على شخصية الأمير مساعد التي تعددت أبعادها وجمعت بين الانضباط الشرعي والرؤية الواسعة والصرامة الإدارية.

الأمير مساعد بن عبد الرحمن

وعلى رغم الخلفية الشرعية للأمير مساعد، ووصف أبا الخيل له بأنه فقيه ورجل اجتهاد شرعي، فإنني لاحظت اتسام شخصيته بقوة الحجة مع قوة الشخصية، وجمعه بين الهيبة والتواضع، والبساطة والصرامة. كما رأيت في فكره جانبين قلما توفرا في كثير من رجالات الزمن الذي عاش فيه...

أولهما الحس القانوني، الذي لاحظته من خلال حضوري بعض مجالسه في الطائف والاستماع لأحاديثه ورؤاه، تؤيد ذلك بصمته التنظيمية في الأجهزة التي تولاها، والتي ما زال أثرها باقياً حتى اليوم، ويبرز ذلك تحديداً في ديواني المظالم والمراقبة العامة، ثم في وزارة المالية، إضافة إلى شهادة الشيخ صالح الحصين الخبير القانوني لوزارة المالية في عهد الأمير مساعد: «كان في نقاشه حول الفقه أو (القانون) أو الاقتصاد أو السياسة كثيراً ما يحرج - بمعارفه – ذوي الاختصاص من الخبراء الأجانب الذين قد يكونون في البداية متعالين بخبراتهم، ثم يجدون أنفسهم أمام رجل محيط بالأمور، متفهم لأبعادها».

أما ثانيهما فهي النزعة الإصلاحية من خلال مشروعه الفكري الذي تمثل في أفكاره ورؤاه تجاه الإصلاح وتجديد الفكر وتطوير المجتمع؛ فالرجل منذ صغره مهتم بالصالح العام ومستقبل الأمة، وهو لم يكن مُنَظِّراً، فقد حاول تطبيق ما يدعو إليه، ليس في حياته الخاصة فحسب، بل في كل المسؤوليات والمهام التي أوكلت إليه، واستمر على ذلك طوال حياته.

اللافت في ذلك أنه في عام 1940 وهو في العشرينات من عمره، حرّر رسالتين بثّ فيهما بعض أفكاره ورؤاه، وأحسبهما بداية التأسيس لمشروعه الفكري. أما العنوان الذي اختاره للسلسلة الفكرية التي بدأ في نشرها وكان ينوي الاستمرار في إصدارها «نصيحة إلى إخواني في الدين والنسب»، وجاءت الرسالة الأولى بعنوان «الغايات التي يرمي إليها الإسلام وموقفنا منها وبيان ما يجب عمله»، والثانية بعنوان «في التربية والتعليم»، ونادى فيهما بالإصلاح العام ونهضة المجتمع، ومواكبة العصر، وتطوير التعليم ووجوب تعلم الفنون والعلوم، وتشجيع النشر وفتح أندية عامة، وإنشاء مدارس للبنات ونوادٍ خاصة للنساء، وغيرها من الأفكار التي لم تكن محل ترحيب في ذلك الوقت، فتوقف عن إصدار مزيد منها.

واللافت هنا ليس الأفكار وحدها، بل تاريخ طرحها، فبعض ما دعا إليه في مطلع الأربعينات لم يصبح جزءاً من التحول الاجتماعي والتعليمي إلا بعد سنوات طويلة، ومن هذه الزاوية يمكن فهم وصف أفكاره بأنها تجاوزت البيئة الزمنية التي ظهرت فيها.

يقول الدكتور عبد الرحمن الشبيلي إن الأمير مساعد في طرقه واستعراضه لمواضيع الرسالتين، اتبع منهجية المؤرخين وعلماء الاجتماع في اعتماد فلسفة التاريخ، مع استنتاج العبر من دراسة الأسباب والمؤثرات، وإن ما حوتاه من فكر مستنير، وآراء متطورة، تجاوز بهما العصر الذي كتبتا فيه، والمحيط والبيئة اللتين ظهرا فيهما.

أما مشواره السياسي والإداري فبدأ بحضور مجالس الملك عبد العزيز، ثم الملك سعود، مع كبار المستشارين من دون تعيينه رسمياً، وأول منصب تولاه هو رئاسة ديوان المظالم (أكتوبر - تشرين الأول 1954)، ثم مراقبة حسابات الدولة (يونيو - حزيران 1957)، فمستشاراً للملك، ووزير دولة، وعضواً في مجلس الوزراء (أغسطس - آب 1957)، إلى جانب رئاسته لديواني المظالم والمراقبة العامة، فوزيراً للداخلية (يوليو - تموز 1960)، ثم وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني (مارس - آذار 1962) حتى طلبه الإعفاء (أغسطس 1975)، وخلال هذه المسيرة كلّف بعدد من المهام السياسية، ورأس عدداً من المجالس واللجان. منها؛ اللجنة الخاصة، وكذلك لجنة الشؤون الإسلامية في الديوان الملكي.

بيد أن هناك 3 محطات لافتة في مسيرته السياسية والإدارية، تدل كلها على قدراته الفكرية ومكانته السياسية، وتعكس ملامح من شخصيته، ومع ذلك لم يُلقَ الضوء عليها...

الأولى: ترشيحه لوزارة المعارف في عهد الملك عبد العزيز، إذ طلب منه الملك إبداء ما يريده، يقول الأمير: «فعرضت بعض الأمور التي يتوقف عليها نجاحي، لكن الحساسيات كانت كثيرة في ذلك الوقت أمام الإصلاح والتغيير في التعليم، فجُمد الوضع».

الثانية: رئاسته مجلس الوزراء بالنيابة، ونصّ البيان الصادر من ديوان رئاسة مجلس الوزراء عن توكيله للقيام بعمل رئيس المجلس الأمير (الملك) فيصل أثناء غيابه في رحلته الاستشفائية بسويسرا (أكتوبر إلى ديسمبر - كانون الأول 1959)، وأحسب الأمير مساعد الوحيد الذي حمل لقب رئيس مجلس الوزراء بالنيابة.

الثالثة: أنه تولى رئاسة لجنة إعداد النظام الأساسي للحكم، المشكلة بقرار من مجلس الوزراء بعد إعلان البيان الوزاري المعروف ببرنامج النقاط العشر (نوفمبر - تشرين الثاني 1962). اللجنة ضمّت في عضويتها: الوزراء إبراهيم السويل وأحمد زكي يماني وعبد الرحمن أبا الخيل، والقاضي الشيخ محمد بن جبير، وعضو مجلس الشورى أحمد محمد جمال. ويظهر لي أن اللجنة استكملت عملها وأعدت مشروع النظام إلا أن الظروف وقتذاك لم تكن مواتية لإقراره.

ذلكم هو الأمير المفكر مساعد ابن الإمام عبد الرحمن، الذي كان جسراً بين جيل الإمام وجيل الوزارة، الوزير في دولة المؤسسات، والمفكر الذي أسس قواعد ونظريات للعمل الحكومي ما زال العمل بها قائماً، وكتب مبكراً في الإصلاح والتطوير والتربية، والمثقف الذي فتح مكتبته الخاصة للعموم، قبل أن تفتح المكتبات العامة، والفقيه المتبحر في علوم الشريعة ومقاصدها، الذي أسّس ديواني المظالم والمراقبة، قبل أن يصبح القضاء الإداري والرقابة المالية تقليداً راسخاً، وأدار المالية أكثر من عقد، في أهم سنوات بناء الاقتصاد الحديث، علاوة على أنه كان جامعة تخرج فيه كبار رجالات الدولة، من دون أن يحصل على شهادة جامعية.


«بيان رباعي» من نيويورك يندد بالاعتداء الحوثي على السعودية

وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في صورة جماعية عقب اجتماعهم في مدينة نيويورك الأربعاء (واس)
وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في صورة جماعية عقب اجتماعهم في مدينة نيويورك الأربعاء (واس)
TT

«بيان رباعي» من نيويورك يندد بالاعتداء الحوثي على السعودية

وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في صورة جماعية عقب اجتماعهم في مدينة نيويورك الأربعاء (واس)
وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في صورة جماعية عقب اجتماعهم في مدينة نيويورك الأربعاء (واس)

شدد وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا، على أن الحوار والدبلوماسية يمثلان السبيل الوحيد للوصول إلى حلول مستدامة في المنطقة، معربين عن قلقهم البالغ إزاء استمرار الاعمال العدائية والتوترات الإقليمية، مؤكدين في بيان مشترك على أهمية الالتزام بمذكرة تفاهم إسلام آباد بما يحقق السلام والاستقرار الدائمين.

ووفقاً لبيان أعقب اجتماعاً تشاورياً في نيويورك، يوم الأربعاء، على هامش أعمال «الجمعية العامة» للأمم المتحدة، أدان الوزراء بأشد العبارات، جميع الاعتداءات الإرهابية التي تستهدف أراضي المملكة، بما في ذلك المحاولات الحوثية الأخيرة، مؤكدين دعمهم الثابت والمطلق لسيادة المملكة ووحدة أراضيها وأمنها.

وشدد الوزراء، على حق السعودية الأصيل والمشروع في الدفاع عن نفسها وأراضيها وشعبها وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مؤكدين أهمية ضمان سلامة الملاحة البحرية وحريتها في المنطقة.

وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا خلال اجتماعهم في نيويورك (واس)

وتبادل الوزراء خلال الاجتماع وجهات النظر حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وأكدوا أهمية مواصلة التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، بما يسهم في دعم السلام والأمن والاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة بوجه عام.

وجدد الوزراء تأكيد دعمهم الثابت للحكومة اليمنية الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، ومساندة جهودهما الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في اليمن، من خلال عملية سياسية وحوار يمني - يمني شامل يضم مختلف الأطراف.

كما جدد الوزراء التأكيد على محورية القضية الفلسطينية في تحقيق السلام والأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ودعمهم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة والمتصلة جغرافياً، على أساس حدود الرابع من يونيو (حزيران) لعام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وفي الشأن السوداني، شدد الوزراء على الموقف الثابت الداعم لسيادة السودان ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها، مشددين على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية، ورفض أي كيانات موازية من شأنها تقويض سيادة السودان ووحدته، وأكدوا ضرورة وقف التدفق غير المشروع للأسلحة والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى الأراضي السودانية.

واتفق الوزراء على مواصلة التنسيق الوثيق والتشاور بشأن المستجدات الإقليمية والدولية، بما يسهم في تعزيز الأمن الجماعي وترسيخ الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.