استمرار الهدوء بين الفصائل العراقية والولايات المتحدة يمهد الطريق للسوداني لترميم العلاقة مع واشنطن

رئيس الوزراء يريد العودة لاتفاقية «الإطار الاستراتيجي» بين البلدين

من لقاء السوداني وهاريس في ميونيخ بألمانيا (رويترز)
من لقاء السوداني وهاريس في ميونيخ بألمانيا (رويترز)
TT

استمرار الهدوء بين الفصائل العراقية والولايات المتحدة يمهد الطريق للسوداني لترميم العلاقة مع واشنطن

من لقاء السوداني وهاريس في ميونيخ بألمانيا (رويترز)
من لقاء السوداني وهاريس في ميونيخ بألمانيا (رويترز)

للأسبوع الثاني على التوالي، لم تنفذ الفصائل العراقية المسلحة أي هجمات ضد الجنود الأميركيين الموجودين، في القاعدتين العراقيتين: «عين الأسد» غرب العراق، و«حرير» قرب أربيل في إقليم كردستان.

ورغم أن المعلومات التي يجري تداولها بين الأوساط المقربة من تلك الفصائل، تشير إلى أن عملية التهدئة تمت بعد زيارة قام بها إلى بغداد الأسبوع الماضي قائد «فيلق القدس» بـ«الحرس الثوري» الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني، فإن مصادر أخرى عليمة، أكدت أن عملية التهدئة تمت بناء على حراك قاده رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، من خلال سلسلة لقاءات مع قادة الخط الأول من القيادات الشيعية ضمن «الإطار التنسيقي».

قوى «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتها بحضور السوداني (أرشيفية - وكالة الأنباء الرسمية)

المصادر المقربة من أوساط الفصائل وطهران، تميل إلى التأكيد أنه «تمّ الاتفاق على التهدئة بعد إعلان كتائب (حزب الله)، (وهي من أهم الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران)، تعليق عملياتها ضد المصالح الأميركية سواء في العراق أو سوريا، رغم تلقيها ضربة قوية تمثلت بمقتل أحد قيادييها البارزين، أبو باقر الساعدي، في قلب بغداد»، لكن مصادر سياسية أخرى ترى، في سياق ما هو متداول في الأروقة السياسية، أنه لو كانت عملية التهدئة تمت بترتيب من قاآني لكانت شملت فصيلي «النجباء»، و«سيد الشهداء» اللذين كانا أعلنا رفضهما للهدنة التي أعلنتها الكتائب، وأكدا أنهما سيواصلان عملياتهما، وطالبا «الكتائب» بالالتحاق بهما، رغم الإعلان عن «تفهم ظروفها».

عناصر «الحشد الشعبي» العراقي الموالي لإيران يزيلون أنقاض غارة أميركية في القائم على الحدود العراقية - السورية (أرشيفية - أ.ب)

المصادر تؤكد رغم ذلك، أن «التهدئة تمت بعد زيارة لم يعلن عنها، قام بها قاآني إلى بغداد، وأبلغ خلالها تلك الفصائل، أنه يتعين عليها أن تبتعد عن المشهد لتجنب شن ضربات أميركية على كبار قادتها، أو تدمير بنيتها التحتية الرئيسية، أو حتى الانتقام المباشر من إيران»... والواضح أن التهدئة سارية المفعول على الجميع، رغم الاعتراضات السالفة الذكر.

وفي سياق مختلف، وطبقاً لمصدر سياسي عراقي تحدّث لـ«الشرق الأوسط» طالباً عدم الإشارة إلى اسمه، فإن «ترتيبات الهدنة تمت بناء على اتخاذ رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني مواقف حادة حيال ما يجري، لا سيما أنه بات يهدد أمن العراق واستقراره، في حال تكررت تلك الضربات». وأشار إلى أن «السوداني أبلغ الجميع بالحاجة إلى التهدئة كي يستطيع مواصلة التفاهم مع الأميركيين في إطار اللجنة العسكرية الثنائية التي بدأت اجتماعاتها منذ نحو أسبوعين للتفاهم على كيفية تنظيم العلاقة بين العراق والتحالف الدولي، وفي المقدمة منه، الوجود العسكري الأميركي في العراق».

قاآني الذي زار بغداد أبلغ الفصائل الموالية لطهران أنه يتعين عليها «أن تبتعد عن المشهد لتجنب شن ضربات أميركية على كبار قادتها، أو تدمير بنيتها التحتية الرئيسية، أو حتى الانتقام المباشر من إيران».

مصادر عراقية

وأوضح المصدر السياسي، أنه «تم التواصل مع الإيرانيين بهذا الشأن عن طريق زعامات شيعية لها علاقة معهم، لمنح الحكومة الفرصة الكاملة للتفاهم مع التحالف الدولي والوجود العسكري الأميركي الذي لا يمكن أن يتم دون مفاوضات يمكن أن تأخذ وقتاً».

 

ويربط المصدر نفسه، «بين جدية السوداني في الانتقال بالعلاقة مع دول التحالف الدولي من المظلة التحالفية العامة، إلى العلاقة الثنائية، وبين رغبة إيران في عدم توسيع الصراع في الوقت الحالي، والتي تلتقي في ذلك مع رغبة الإدارة الأميركية الديمقراطية بعدم التصعيد أيضاً».

 

 

صورة نشرها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تظهر السوداني في لقاء سابق مع كبار المسؤولين في القوات المسلحة العراقية والتحالف الدولي (أ.ف.ب)

 

وفي سياق الجهود التي يبذلها للمواءمة بين العلاقة مع واشنطن من جهة، والفصائل المسلحة من جهة أخرى، تلقى السوداني دعوة جديدة لزيارة واشنطن نقلتها إليه نائبة الرئيس الأميركي كاميلا هاريس في لقائهما على هامش مشاركتهما في منتدى ميونيخ الأمني. وكان تلقى دعوة سابقة للزيارة ولقاء الرئيس الأميركي جو بايدن خلال شهر سبتمبر (أيلول) عام 2023، لكن الزيارة لم تتم من دون معرفة الأسباب... وتأكيد الدعوة على لسان هاريس، أعاد من جديد الإضاءة على العلاقات البينية التي تأثرت بالضربات التي قامت بها الولايات المتحدة والردود الأميركية التي وصفها السوداني بـ«الأعمال العدوانية». غير أن الدعوة، طبقاً للمراقبين السياسيين، تأتي في وقت مهم بالنسبة لرئيس الوزراء، لا سيما بعد تمكنه من تحييد الفصائل عبر هدنة غير معلنة، الأمر الذي يسمح له بإعادة ترميم العلاقة مع الولايات المتحدة، ودفعها إلى أن تكون ثنائية، وطبقاً لاتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة بين البلدين عام 2008.


مقالات ذات صلة

استرداد 375 كيلوغراماً من الذهب في قضية «وكيل النفط» العراقي

المشرق العربي رئيس القضاء يظهر مع سبائك الذهب المصادرة رفقة بعض معاونيه (إعلام القضاء)

استرداد 375 كيلوغراماً من الذهب في قضية «وكيل النفط» العراقي

يواصل القضاء العراقي الكشف عن أرقام فلكية بالنسبة للأموال العينية والنقدية التي قام باختلاسها وسرقتها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

الزيدي: لقائي مع ترمب سيركز على تعزيز الاستثمارات الأميركية في العراق

أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن زيارته المرتقبة لواشنطن تهدف إلى تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة بشكل فعال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رويترز)

رحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

يستهل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي زيارته الخارجية، بعد نحو شهرين على توليه مسؤولياته، بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
المشرق العربي اللجنة المالية النيابية مجتمعة مع ديوان الرقابة المالية الاتحادي لبحث جهود مكافحة الفساد الإداري والمالي الأحد (واع)

العراق... «صولة ليلية» جديدة ضد الفساد

انشغل كثير من العراقيين الليلة الماضية بملاحقة أخبار «الصولة الليلية» الجديدة التي تستهدف مسؤولين كباراً ونواباً سابقين وحاليين متهمين بالفساد.

فاضل النشمي (بغداد)
الخليج جانب من الاجتماع الذي عُقد برئاسة وزير الخارجية السعودي ونظيره العراقي في المملكة (واس)

العراق يجدد التزامه منع أي هجمات من أراضيه على دول المنطقة

جدّد العراق، الأحد، تأكيد التزامه عدم السماح باستخدام أراضيه أو أجوائه نقطة انطلاق لأي أعمال أو هجمات تستهدف السعودية أو دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السنوار توقَّع رداً إسرائيلياً «نووياً» على «7 أكتوبر»

صورة مجمعة لرسالة منسوبة إلى قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي
صورة مجمعة لرسالة منسوبة إلى قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي
TT

السنوار توقَّع رداً إسرائيلياً «نووياً» على «7 أكتوبر»

صورة مجمعة لرسالة منسوبة إلى قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي
صورة مجمعة لرسالة منسوبة إلى قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار نشرها مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلي

كشفت جهات استخبارية في تل أبيب، الاثنين، مضامين إضافية لرسالة ادعت الحصول عليها من الوثائق التي صادرها الجيش الإسرائيلي من مقرات «حماس» في غزة، وقال إنها كُتبت بخط يد قائد الحركة الراحل يحيى السنوار، عشية هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وبيّنت الوثيقة المنسوبة للسنوار أن كاتبها توقع أن ترد إسرائيل «بكل بشاعة ووحشية» على هجوم «حماس»، إلى درجة أن «تقصف غزة بالسلاح النووي».

ورأى السنوار، حسبما ورد في الوثيقة، ذلك الرد «ملائماً لعظمة الضربة التي يتلقاها الإسرائيليون». وتحت باب «الخطة الدفاعية»، كتب: «لن يتوانى العدو عن استعمال كافة أسلحته ليس بالغارات فقط؛ بل ربما بقنبلة نووية. ولكنه سيفاجأ بالهجوم ويرتبك».

فقرة من الرسالة المنسوبة إلى السنوار تتحدث عن توقعات الرد الإسرائيلي بالنووي (إعلام عبري)

والجزء الجديد من هذه الرسالة، يعد استدراكاً لما سبق أن نشره «مركز تراث الاستخبارات ومكافحة الإرهاب» في تل أبيب، في أكتوبر 2025، لما ادعى أنها رسالة كُتبت بخط السنوار، في شهر أغسطس (آب) 2022، وتضمنت إطاراً توجيهياً للحركة بشأن التحضيرات لعمل هجومي ضد إسرائيل، بدت كإرهاصات ومقدمات لهجوم السابع من أكتوبر 2023.

كانت الوثيقة قد صدرت عن «مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب» باسم اللواء مائير عميت «مركز تراث الاستخبارات - MLAM» في تل أبيب، الاثنين، الذي قال إن السنوار كان قد كتبها بعنوان «استدراكات ضرورية»، وذلك لأنه أراد «تصحيح بعض ما جاء في رسالته التي كان قد كتبها في 24 أغسطس 2022».

«خطة لتحرير النقب»

وجاء في الرسالة أن خطة هجوم «حماس» على إسرائيل جاءت بتفاصيل أكثر، ويتضح منها أن الهدف كان «تحرير جنوب فلسطين بالكامل»، أي كل منطقة النقب، التي تضم أكثر من مليون نسمة. وتكون نقطة البداية في السيطرة على 25 مفترق طرق وأكثر من 220 بلدة إسرائيلية كبيرة وصغيرة والكيبوتسات (التعاونيات) وتطويق المواقع العسكرية.

قاعدة عسكرية إسرائيلية في النقب (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

وقال «مركز الاستخبارات» إن السنوار «يُظهر ثقة نفس قوية جداً في رسالتيه، كمن سيقود هذه المعركة خطوة بخطوة»، وإنه كان يتوقع أن تنضم ساحات عربية أخرى إلى المعركة. ووجه قواته أن تبدأ بنشر صور للهجوم لتفجير انتفاضة شاملة وكتب: «يجب التأكد من خروج صور تفجر مشاعر النشوة والجنون والاندفاع لدى شعبنا، خصوصاً في الضفة والداخل والقدس وعموم أمتنا ولتحقق مبررات الاستجابة للدعوات التي ستنطلق لهم للثورة. وفي نفس الوقت تفجر مشاعر الرعب والهلع لدى العدو. ويجب أن يتم التأكيد على مسؤولي الوحدات تقصّد إحداث هذه الأمور وتصويرها وبث الصور في أسرع وقت: الدوس على رأس الجنود، وإطلاق الرصاص عليهم من نقطة الصفر، وذبح البعض بالسكين، وتفجير الدبابات، وعدد من الأسرى وهم يجثون على ركبهم ويضعون أيديهم على رؤوسهم وما شابه ذلك»، على حد قول الرسالة.

أوامر تفصيلية

وجاء في الرسالة، التي عدّها المركز وثيقة أصلية بخط السنوار، عدد من الفقرات التي تعد أوامر تفصيلية للعمل. على سبيل المثال:

  • دوريات ترحيل. كل دورية من 10 مقاتلين مقابل كل مستوطنة... المهمة طرد المستوطنين باستعمال سياراتهم، والأولوية للأطفال والنساء، وحجز الرجال من 17 - 50 أسرى، والاستيلاء على الجوالات أو أي أوراق يحملونها.
    وثيقة منسوبة إلى يحيى السنوار بشأن هجوم 7 أكتوبر 2023 (إعلام عبري)
  • ترحيل المدن الصغيرة: 200 مقاتل لثماني مدن بـ1600 مقاتل، وترحيل المستوطنين بسياراتهم وحافلاتهم نحو الشمال.
  • ترحيل المدن الكبيرة: 400 مقاتل لثلاث مدن وتوجيههم نحو البحر.
  • تحييد المناطق العسكرية بإحاطتها بمجموعات قتالية حول كل منطقة. مثلاً بتسلئيم (قاعدة تدريب).

وفي حين تحدثت الوثيقة الأولى المنسوبة إلى السنوار عن حرب إسناد من «حزب الله» تؤدي إلى انهيار العدو، يشير في الوثيقة الثانية إلى احتمال أن تظل «حماس» وحدها في المعركة.

Your Premium trial has ended


بعد العودة إلى «الشقيف»... هل تبني إسرائيل قاعدة دائمة في جنوب لبنان؟

جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)
جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)
TT

بعد العودة إلى «الشقيف»... هل تبني إسرائيل قاعدة دائمة في جنوب لبنان؟

جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)
جنود إسرائيليون في محاذاة قلعة الشقيف داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

أعادت إسرائيل «قلعة الشقيف» إلى واجهة المشهد العسكري في جنوب لبنان، مع فتح الموقع أمام وسائل إعلام إسرائيلية للمرة الأولى منذ سيطرتها على القلعة خلال الحرب الأخيرة، بالتزامن مع تنفيذ أعمال تحصين، وشق طرق عسكرية جديدة في محيط نهر الليطاني. وتزامنت الجولة مع عرض الجيش الإسرائيلي ما قال إنها شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض، فيما اتهمت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية وناطقه أفيخاي أدرعي «حزب الله» باستخدام الموقع الأثري لأغراض عسكرية، في إطار الرواية الإسرائيلية التي رافقت الجولة الإعلامية.

وبحسب إعلام إسرائيلي، يعمل الجيش الإسرائيلي على تثبيت مواقعه في محيط القلعة، وإنشاء شبكة طرق ومحاور عسكرية تسمح بتحريك قوات وآليات بسرعة في حال تنفيذ عمليات جديدة داخل العمق اللبناني، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأعمال تتجاوز متطلبات الانتشار العسكري إلى تثبيت وجود طويل الأمد، بالتوازي مع المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية الجارية برعاية أميركية.

مرتفع استراتيجي يعيد السيطرة

بحسب مصدر محلي في جنوب لبنان، فإن تمسّك إسرائيل بقلعة الشقيف لا يرتبط فقط برمزيتها العسكرية، بل بما يوفره الموقع من أفضلية عملياتية يصعب تعويضها في أي نقطة أخرى من المنطقة. فالقلعة، المشيّدة على قمة صخرية شاهقة عند بلدة أرنون، تطل مباشرة على وادي الليطاني، وتتحكم بصرياً بالمحاور التي تربط النبطية بمرجعيون، والقطاع الشرقي، ما يجعلها إحدى أبرز نقاط الرصد في جنوب لبنان.

عَلما إسرائيل واللواء غولاني في الجيش الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (رويترز)

ويشير المصدر لـ«الشرق الأوسط» إلى «أن الموقع يمنح القوات الإسرائيلية قدرة على مراقبة الحركة على امتداد وادي الليطاني، ولا سيما الطرق التي تعبر الخردلي، وتتجه نحو أرنون، وكفرتبنيت، والنبطية، إضافة إلى المحاور المؤدية إلى دير سريان، والقنطرة، والطيبة. كما يسمح بكشف الطرق الرئيسة والفرعية التي تربط القطاعين الأوسط والشرقي، ورصد أي تحركات عسكرية أو لوجستية على هذه المحاور، بما يوفر إنذاراً مبكراً، وإحداثيات دقيقة لتوجيه النيران عند الحاجة».

ويضيف أن «أهمية الشقيف لا تكمن في أنها تشرف على مدينة النبطية، أو سهل الخيام بالكامل، بل في أنها تكشف العقد الجغرافية، ومحاور الحركة المؤدية إليها، وهو ما يمنح القوات الإسرائيلية أفضلية في مراقبة التنقلات، وإدارة العمليات».

ويرى المصدر أن «هذه الخصائص تفسر بالتوازي أعمال شق الطرق والتحصينات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في محيط القلعة، إذ لا تخدم الانتشار الميداني الآني فحسب، بل تؤسس لربط الشقيف بشبكة المواقع العسكرية المستحدثة جنوب الليطاني، بما يسمح بتحرك سريع للقوات، والآليات الثقيلة، وتعزيز قدرة الجيش الإسرائيلي على الاحتفاظ بوجود طويل الأمد إذا ما اتُّخذ قرار سياسي بذلك».

تصاعد الدخان قرب قلعة الشقيف في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ب)

خروق ميدانية متواصلة

تزامن ذلك مع استمرار الخروق الميدانية في جنوب لبنان، رغم المفاوضات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار. فقد استهدفت القوات الإسرائيلية بلدة كفرتبنيت، وقصفت مدخل زوطر الشرقية باتجاه ميفدون بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة، فيما ألقت مسيّرة قنبلة حارقة على أطراف منطقة الطهرة في كفررمان، وواصل الطيران المسيّر تحليقه المكثف فوق بيروت، والضاحية الجنوبية.

وفي موازاة ذلك، تداولت منصات إسرائيلية صوراً قالت إنها توثق استحداث طريق بمحاذاة مجرى النهر بين يحمر الشقيف وزوطر الشرقية، بينما استهدف قصف مدفعي محيط كفرتبنيت، والنبطية الفوقا.

في المقابل، أدانت بلدية بنت جبيل ما وصفته بـ«الإبادة العمرانية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي داخل المدينة»، وقالت إن عمليات نسف المباني تترافق مع أعمال تجريف باستخدام أكثر من عشرين حفارة ثقيلة، متهمة القوات الإسرائيلية بسرقة محتويات المنازل، ونهب الحديد، ومواد البناء، بهدف تغيير الهوية العمرانية للمدينة، وتهجير سكانها، ودعت السلطات اللبنانية إلى التحرك، ورفع القضية أمام المحافل الدولية.

حزام أمني دائم؟

يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن إسرائيل تتجه إلى تثبيت وجود دائم في المنطقة التي تسميها «الخط الأصفر»، والتي أعلنتها في أبريل (نيسان) الماضي، وتمتد من البياضة، وصولاً إلى مرتفعات جبل الشيخ الغربية، مروراً بمجدل زون، وأن هذا الانتشار إذا اقترن بالسيطرة على مرتفعات علي الطاهر وقلعة الشقيف، فسيؤدي عملياً إلى إنشاء حزام أمني إسرائيلي دائم، إلى حين التوصل إلى حل نهائي لمسألة سلاح «حزب الله» في لبنان.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل «تعتبر أمن سكانها أولوية مطلقة تتقدم حتى على علاقاتها مع الإدارة الأميركية، انطلاقاً من اقتناعها بأن جميع الانسحابات السابقة من جنوب لبنان أعقبتها، بحسب الرواية الإسرائيلية، عودة الجماعات المسلحة إلى تهديد المستوطنات الشمالية». وقال: «لهذا السبب أعتقد أن إسرائيل لن تقدم هذه المرة على أي انسحاب قبل التوصل إلى حل نهائي لمعضلة السلاح في لبنان».

قلعة الشقيف التي سيطر الجيش الإسرائيلي عليها (أ.ف.ب)

دور استراتيجي

أشار قزح إلى أن قلعة الشقيف تمثل موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، لأنها تشرف على وادي الليطاني، والخيام، والمناطق المحيطة، «فيما يمنح استكمال السيطرة على مرتفعات علي الطاهر إسرائيل حزاماً أمنياً يمنع إطلاق الصواريخ أو النيران المباشرة باتجاه الجليل الأعلى، ويحد من إمكان تنفيذ عمليات تسلل ضد القوات الإسرائيلية المنتشرة داخل جنوب لبنان، أو باتجاه شمال إسرائيل». وأضاف أن «نجاح إسرائيل في السيطرة على الشقيف وعلي الطاهر يعني تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في حماية قواتها داخل الأراضي اللبنانية، وتحويل هذه المنطقة إلى قاعدة انطلاق لأي عمليات عسكرية مستقبلية باتجاه إقليم التفاح، أو محور نهر الزهراني».

وأضاف أن مرتفعات علي الطاهر تمنح أفضلية ميدانية كبيرة، إذ تتحكم بمجمل قضاء النبطية، وإقليم التفاح، بينما تؤمن قلعة الشقيف إشرافاً واسعاً على وادي الليطاني، والخيام، ما يجعل الموقعين متكاملين من الناحية العسكرية.

ورأى قزح أن الهدف «من شق الطرق الجديدة في محيط الليطاني هو تحصين الواقع العسكري الإسرائيلي، وفتح مسالك إضافية تسهّل حركة القوات، وسرعة انتقالها عبر طرق أقل انكشافاً، بما يضمن حرية الحركة، ويحد من المخاطر الأمنية».

وعن إمكان أن يكون هذا الانتشار مؤشراً إلى نية إسرائيل البقاء سنوات في جنوب لبنان، قال: إن «مدة البقاء ستبقى مرتبطة بمصير سلاح الحزب». وأوضح أنه «كلما نجحت الدولة اللبنانية في بسط سلطتها داخل المناطق التجريبية، ومنع أي وجود مسلح أو إعادة بناء بنية تحتية عسكرية فيها، ازدادت فرص المطالبة بانسحابات إسرائيلية من مناطق إضافية». لكنه استبعد في المرحلة الحالية أي انسحاب من داخل الخط الأصفر قبل التوصل إلى حل نهائي لهذا الملف.

وفي تعليقه على نشر الجيش الإسرائيلي مشاهد للأنفاق داخل قلعة الشقيف، رأى قزح «أن توقيت نشر هذه المواد يندرج في إطار الحرب النفسية التي تعتمدها إسرائيل لتضخيم حجم الخطر الذي تواجهه، تمهيداً لتبرير أي عمليات عسكرية قد تنفذها لاحقاً، وإقناع الرأي العام الداخلي والخارجي بأنها تستهدف إزالة تهديد قائم».


الرئيس اللبناني يراهن على مفاوضات روما لفرض انسحاب إسرائيلي

الرئيس عون مستقبلاً المنسقة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لعمليات السلام في الشرق الأوسط سيغريد كاغ ووفداً من جامعة البلمند (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً المنسقة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لعمليات السلام في الشرق الأوسط سيغريد كاغ ووفداً من جامعة البلمند (الرئاسة اللبنانية)
TT

الرئيس اللبناني يراهن على مفاوضات روما لفرض انسحاب إسرائيلي

الرئيس عون مستقبلاً المنسقة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لعمليات السلام في الشرق الأوسط سيغريد كاغ ووفداً من جامعة البلمند (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس عون مستقبلاً المنسقة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لعمليات السلام في الشرق الأوسط سيغريد كاغ ووفداً من جامعة البلمند (الرئاسة اللبنانية)

قبل ساعات من انطلاق الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما، علّق رئيس الجمهورية جوزيف عون آمالاً على أن تفضي المحادثات، التي تمتد يومي الثلاثاء والأربعاء، إلى خطوات عملية على الأرض تبدأ بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يتم إخلاؤها، في حين يذهب الوفد اللبناني إلى المفاوضات حاملاً مطلب الانتقال من الاتفاق الإطاري إلى مرحلة التنفيذ، وسط تصعيد سياسي من «حزب الله» الذي كثف هجومه على السلطة و«اتفاق الإطار»، عادَّاً أنه يمس بسيادة لبنان ويستهدف «المقاومة».

اتصالات الساعات الأخيرة

بينما يطالب لبنان بالبدء بتنفيذ «المناطق التجريبية» التي نص عليها «اتفاق الإطار» في أسرع وقت ممكن، قالت مصادر مطلعة على المفاوضات لـ«الشرق الأوسط» إن الجهود التي تقودها واشنطن عبر وفدها الذي وصل إلى بيروت آتياً من إسرائيل السبت الماضي، لبدء تنفيذ انسحاب إسرائيلي من مناطق تجريبية، لا تزال قائمة، ولا يمكن عدّها وصلت إلى طريق مسدود. وقالت المصادر: «لا نزال ننتظر مؤشرات إلى إمكان تحقيق هذه الخطوة قبل بدء المفاوضات الثلاثاء في روما»، مشيرة إلى أن «الاتصالات لا تزال مستمرة حتى اللحظة الأخيرة، على أمل إحداث اختراق يتيح تنفيذ الانسحاب من قرية أو قريتين قبل انطلاق المفاوضات».

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قال قبل أسبوعين: «سيتم الانسحاب الإسرائيلي من منطقة زوطر الغربية وزوطر الشرقية وعدد من القرى الأخرى»، مشيراً إلى أن «المنطقة التجريبية الثانية وضعها مختلف؛ فلا وجود إسرائيلياً فيها بالدبابات، ولكنه مسيطر عليها بالنار، وهي تشمل الغندورية وفرون».

ولفتت المصادر الوزارية إلى أن الوفد اللبناني سيضم السفير سيمون كرم، والسفيرة ندى معوض، والعميد المتقاعد زياد هيكل وهو من الفريق الاستشاري للرئيس عون، في حين لن يشارك السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى في الاجتماعات. وأكدت أن المفاوضات ستركز على آليات تنفيذ «اتفاق الإطار»، مع السعي إلى تحديد جدول زمني لبدء الانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق تنفيذ «المناطق النموذجية» عبر انتشار الجيش اللبناني تمهيداً لإعادة الإعمار.

عَلم إسرائيل فوق مبنى بجنوب لبنان في صورة تم التقاطها من الجانب الإسرائيلي من الحدود 5 يوليو الحالي (رويترز)

وكان «اتفاق الإطار» قد أرسى المبادئ العامة لمعالجة الوضع في جنوب لبنان، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وإطلاق مسار إعادة الإعمار، إلا أنه لم يتضمن جدولاً زمنياً ملزماً لتنفيذ هذه البنود؛ وهو ما يشكّل إحدى أبرز نقاط الخلاف.

عون: لن أفرّط بالجنوب

خلال لقاءاته يوم الاثنين، شدد الرئيس اللبناني على أن «وحدة الصف والموقف هي أقوى سلاح»، داعياً إلى «التحدث بلغة لبنانية واحدة؛ لأن الولاء يجب أن يكون للوطن لا للمصالح الشخصية». وأكد أنه «لن يفرّط بالجنوب أو بحقوق لبنان»، موضحاً أن «صيغة الإطار» تنص على انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، وأنها وقّعت على تعهد بعدم وجود أطماع لها في لبنان.

وعدّ عون أن الحروب لم تحقق الأمن أو الاستقرار، وأن اللجوء إلى التفاوض يأتي بعد فشل الخيار العسكري في تحقيق أهدافه، مؤكداً أن المسار الدبلوماسي يهدف إلى تحقيق مطالب يتفق عليها اللبنانيون، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، واستعادة الأسرى والجثامين، وإطلاق عملية إعادة الإعمار. واستعاد عون موقف الإمام المغيب موسى الصدر الداعي إلى تقوية الجيش اللبناني والحفاظ على مؤسسات الدولة، عادَّاً أن الجيش والدولة وحدهما القادران على حماية اللبنانيين، وأن أبناء الجنوب «ملّوا الحروب ويستحقون العيش بأمان واستقرار». كما أعلن أنه سيبحث خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سبل الضغط على إسرائيل لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في «صيغة الإطار».

هجوم «حزب الله»

في موازاة التحضير للمفاوضات، صعّد «حزب الله» هجومه على السلطة اللبنانية و«اتفاق الإطار»، عادّين أنه لا يحفظ السيادة اللبنانية، بل يربط إنهاء الاحتلال بملف سلاح المقاومة ويمنح إسرائيل مكاسب سياسية لم تحصل عليها في الحرب.

ودعا عضو كتلة الحزب النائب علي المقداد إلى التراجع عن الاتفاق، واصفاً إياه بأنه «اتفاق الذل والعار»، عادَّاً أنه لا ينسجم مع تضحيات الشهداء والجرحى والمهجرين.

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم في احتفال تأبين المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الضاحية الجنوبية الأسبوع الماضي (رويترز)

أما النائب عن الحزب حسين جشي، فرأى أن الاتفاق لم يعد يقتصر على تنظيم العلاقة مع إسرائيل، بل حوّل قضية سلاح «حزب الله» جزءاً من المفاوضات، منتقداً استبدال مصطلح «الانسحاب» بـ«إعادة التموضع»، بما يتيح لإسرائيل، وفق رأيه، البقاء داخل الأراضي اللبنانية من دون التزام واضح بالانسحاب الكامل. كما هاجم ربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بسحب سلاح المقاومة، عادَّاً أن ذلك ينقل الخلاف الداخلي اللبناني إلى طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويجعل السلطة شريكاً في ممارسة الضغوط على المقاومة.

وشكك جشي في جدوى الخيار الدبلوماسي الذي تعتمده الدولة، عادَّاً أن المفاوضات التي سبقت الحرب وخلالها وبعدها لم تحقق انسحاباً إسرائيلياً من أي جزء من الأراضي اللبنانية، كما انتقد الرهان على الضغوط الأميركية، في ظل استمرار الدعم الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل.