لا يحتاج الإسباني كارلوس ألكاراس إلى أكثر من لمحة خاطفة كي يدهش المتابعين، لكن لعلّ أكثر ما يفسّر عبقريته على الملاعب العشبية لا يتعلق حتى بلحظة ضربه للكرة وذلك، وفقاً لشبكة The Athletic.
في كل مباراة تقريباً، يجد ألكاراس نفسه في زاوية دفاعية على الجانب الخلفي من الملعب، وتحديداً عند الضربة الخلفية. حينها يتقدم خصمه في الهجوم بعد إرسال كرة طويلة، متجهاً إلى الشبكة، في لحظة انتقال تكتيكي من الخط الخلفي إلى الأمامي. وفي هذا التوقيت، يدير ألكاراس كتفيه لليسار، ويمدّ ذراعه اليمنى، ويُمرر مضربه بانحناءة حول الجزء الخارجي من الكرة، ليُعيدها مقوسة بمهارة عبر ضربة سلايس.
بمجرد ملامسة المضرب للكرة، يبدأ التوقيت... ثانيتان فقط، يتغير فيهما كل شيء.
تنطلق الكرة في قوس منخفض من جهة الخصم اليمنى نحو اليسرى، وتنخفض تدريجياً مع الهواء. وخلال هذا الزمن القصير، يكون ألكاراس قد تحرّك بالفعل. رغم أن الخصم يظن أنه ما زال في موضع الأفضلية، فإن موازين النقطة بدأت تنقلب، والسيطرة تنتقل تدريجياً إلى النجم الإسباني الذي يتحرك للأمام بثقة.
وأياً كانت نتيجة ارتداد الكرة، سواء لامست الأرض أم لا، فإن خصمه يكون قد فقد المبادرة دون أن يدرك، ففي مواجهة ألكاراس، لا تكفي الضربات العادية، بل يتطلب الأمر لمسة عبقرية لتفادي خسارة النقطة.

تلكما الثانيتان تفسّران لماذا يشكّل ألكاراس عقدة لبقية اللاعبين في بطولة ويمبلدون. قال يوم السبت الماضي: «أعتقد أن التنس على العشب هو الأجمل في العالم». وأضاف: «أسلوب اللعب على هذه الأرضية بحد ذاته جميل، وصوت الكرة مختلف... الحركة صعبة، لكن حين تتقنها، تشعر وكأنك تحلّق».
وعلى الرغم من أنه يقول مثل هذا الكلام عن أغلب الأرضيات، فإن الواقع يُظهر أنه بالفعل قادر على فرض هيمنته أينما وُجد. ألكاراس، البالغ من العمر 22 عاماً، حصد خمسة ألقاب كبرى حتى الآن: اثنان على العشب، واثنان على التراب، وواحد على الملاعب الصلبة. بل وربما يمكنه الفوز ببطولة تُقام على سطح القمر، كما يقول البعض.
لكن ما فعله مؤخراً على الملاعب العشبية كان استثنائياً بحق. فبعد فوزه بلقب «رولان غاروس» على التراب الفرنسي، استراح لبضعة أيام في إيبيزا، ثم توجّه إلى بطولة كوينز بلندن تحضيراً لبطولة ويمبلدون، ليُحرز اللقب مستنداً إلى ما كان يُعد أضعف نقاطه: الإرسال.
لطالما عُدّ الإرسال هو الحلقة المفقودة في ترسانة ألكاراس، لكنه بدأ في الآونة الأخيرة يمزح قائلاً إنه يسعى لأن يصبح «روبوت إرسال»، بعد أن غيّر حركته وبدأ يُركّز على الدقة بدلاً من القوة. وفي كوينز، بلغ معدله 12 إرسالاً ساحقاً في المباراة، وكان نصف إرسالاته الأولى غير قابلة للرد. وفي الأشهر الـ12 الأخيرة، بلغت نسبة إرسالته الأولى غير المرتجعة 33 في المائة.
لكن اللافت، أن ألكاراس لم يحقق 27 انتصاراً من أصل 30 مباراة على العشب بفضل إرساله فقط. فحتى في ظل تراجع هذا الجانب، كان يجد طريق الفوز. قوته لا تنبع من الإرسال فحسب، بل من سرعة قدميه ولمسته الساحرة وتوقعه الاستثنائي.
يقول الأميركي تومي بول، المصنف 13 في البطولة، والذي واجه ألكاراس في مناسبتين الصيف الماضي، إن الفرق بين اللعب ضده على التراب والعشب واضح للغاية. فقد خسر أمامه بثلاث مجموعات نظيفة على التراب، بينما اقتنص مجموعة على العشب.
وأوضح: «على التراب، يمكنك أحياناً النجاة من نقطة دفاعية. أما على العشب، فحين تدخل في موقف دفاعي أمامه، يصبح الخروج منه شبه مستحيل. إنه عدواني للغاية ويُغلق الشبكة بسرعة هائلة».
كثيرٌ من اللاعبين يصفون شعورهم أمام ألكاراس بـ«الاختناق»؛ إذ يشعرون بأنه يفرض سيطرته فجأة، حتى في اللحظات التي يبدو فيها متأخراً. فعندما يدخل في موضع هجومي على العشب، يصبح من المستحيل تقريباً استعادة السيطرة. ففي كوينز، فاز ألكاراس بـ76 في المائة من النقاط التي بادر فيها بالهجوم.
لكن الأهم هو قدرته على قلب النقاط وهو في وضعية الدفاع، بفضل سرعته، وتحركاته الصغيرة التي تمنحه توازناً نادراً على الأرضية الزلقة، إضافة إلى مهارة التوقع، أي قراءة مسار الكرة منذ لحظة خروجها من مضرب الخصم، وليس بعد عبورها الشبكة.
تقول النجمة السابقة كريس إيفرت، بطلة ويمبلدون ثلاث مرات: «الميزة ليست في الانتظار لرؤية الكرة، بل في استباقها من حركة الخصم». وتلك المهارة تحديداً تضع ألكاراس في مصاف الأفضل.

صحيح أن العين تميل إلى مقارنة ألكاراس بلاعبين مثل روجر فيدرر أو بيت سامبراس، لكن من درّب كليهما، بول أناكون، يرى فيه شيئاً مختلفاً: «كارلوس اليوم هو أفضل لاعب على العشب؛ لأنه يجمع بين مميزات روجر وأندريه أغاسي. يمكنه أخذ الكرة مبكراً والتقدّم إلى الشبكة في لحظة».
خلال فوزه بلقب كوينز، فاز ألكاراس بـ37 في المائة من النقاط التي كان فيها خصمه في الوضع الهجومي، مقارنة بـ27 في المائة لبقية اللاعبين. وفي ويمبلدون 2023، سرق 37 في المائة من هذه النقاط، مقابل 36 في المائة عام 2024، و30 في المائة فقط عام 2022 عندما كان لا يزال يتعلم.
وفي نهائي العام الماضي أمام نوفاك ديوكوفيتش، بلغت نسبة استعادته للنقاط التي بدأها ديوكوفيتش من موقع القوة 39 في المائة. وفي ربع النهائي أمام تومي بول، وصلت إلى 45 في المائة.
قال أناكون: «إنه قادر على الانطلاق، والتوقف، والتحرك مجدداً بسرعة مذهلة، قبل أن يدرك الآخرون حتى ما يحدث».
ويقول ألكاراس نفسه: «أحب تنفيذ الضربات المقطوعة، والكرات القصيرة، والتقدّم إلى الشبكة... هذا هو أسلوبي، وهو ما تتطلبه الملاعب العشبية». لكن المفارقة أن هذا النجم غالباً ما يجد صعوبة في التعبير عن أسباب تألقه؛ لأنه لاعب فطري، يُفاجئ نفسه أحياناً بما يُقدمه.
فبعد فوزه ببطولة كوينز، قال مبتسماً: «لم أكن أتوقع شيئاً كبيراً من انتقالي السريع من التراب إلى العشب. أردت فقط خوض مباراتين أو ثلاث لأفهم ما الذي أحتاج إلى تطويره. لكنني تأقلمت بسرعة فائقة».
والأدهى، أنه يحقق كل هذا على أرضية ليست حتى المفضلة لديه، بل يُفضل التراب، حيث يُعد حامل لقب «رولان غاروس» لمرتين.
باختصار، يبدو أن لاعبي التنس المحترفين في العالم أمام معضلة حقيقية... اسمها: كارلوس ألكاراس.
