عندما أجرى المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، الذي يستعد لبطولة كأس الأمم الأوروبية 2024، ويرتبط بعقد مع الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم حتى ديسمبر (كانون الأول)، مقابلة مع صحيفة «ليكيب الفرنسية» في 14 مايو (أيار) الماضي، طُرح عليه السؤال الإلزامي الذي لا مفر منه: هل سيكون هذا الصيف هو آخر فرصة له لتحقيق مجدٍ مع المنتخب الإنجليزي من خلال قيادته لمنصة التتويج؟ والآن، يمكن إلقاء الضوء على إجابته عن هذا السؤال، وعمَّا إذا كان هناك أي جديد فيها؛ إذ قال ساوثغيت: «إذا لم نفز، فستكون هناك بالفعل فرصة جيدة لعدم بقائي في منصبي». لكن يجب أن نشير هنا إلى أن ساوثغيت كان يجري هذا الحوار باللغة الإنجليزية، ثم تمت ترجمته إلى الفرنسية، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الإنجليزية في وسائل الإعلام المحلية.
من المؤكد أن التفاصيل الدقيقة للحوار الأصلي ستكون دائماً غير واضحة بعض الشيء. وفي هذا الصدد، من السهل أن نتذكر شكوى المدير الفني الفرنسي أرسين فينغر من أن تصريحاته كانت غالباً ما «ترتد» بقوة أكبر عند نقلها إلى إنجلترا. وأضاف ساوثغيت: «بما أنني هنا منذ 8 سنوات، فإن النهاية تقترب بالنسبة لي». كان من السهل بالنسبة للصحف أن تلتقط عنواناً جذاباً من هذه التصريحات، كأن تكتب مثلاً: «ساوثغيت يؤكد أن نهايته مع المنتخب الإنجليزي باتت قريبة». لكن هل كان هذا هو ما قاله بالضبط؟
لقد بدأ العد التنازلي لكأس الأمم الأوروبية، وبدأت الإثارة تتصاعد، والاستعدادات تزداد، وسيلعب المنتخب الإنجليزي أول مباراة ودية له ضد البوسنة والهرسك على ملعب «سانت جيمس بارك» (الاثنين)، في حين سيلعب مباراته الثانية الودية أمام آيسلندا على ملعب «ويمبلي» يوم الجمعة المقبل. ومرحباً بالطبع في هذه النقطة الأساسية قبل كل نهائيات: الهوس بالحديث عن مستقبل المدير الفني! لقد كانت المقابلة الصحافية التي أجراها ساوثغيت مع «ليكيب» جيدة بشكل لافت للنظر، ومع ذلك عندما تم تفكيكها وتحليلها، كان الإحساس متسقاً مع ما قاله خلال العام الماضي أو نحو ذلك. لقد كان هناك اختلاف فقط في بعض المصطلحات، ولم يخرج ساوثغيت عن النص مطلقاً، خاصة مع اقتراب موعد البطولة، وبالنسبة له، فإن عدم الفوز بالبطولة يعني الفشل.
من الواضح للجميع أن المدير الفني الإنجليزي يتميز بالتواضع الشديد، ويدرك ساوثغيت جيداً أنه يتعين عليه تحقيق نتائج جيدة في البطولة كي يستمر في منصبه حتى كأس العالم 2026. وفي هذا الصدد، يتذكر رد الفعل عندما وقّع أحد أسلافه، وهو فابيو كابيلو، عقداً جديداً قبل كأس العالم 2010، والذي انتهى بكارثة لإنجلترا. وحينما ذكر ساوثغيت ذات مرة عبارة «تحقيق الهدف» فهو كان يعني الفوز بالبطولة، أو بالتأكيد هذه هي الطريقة التي صاغ بها الأمر للاعبيه، فهو لا يريد أن يضع اللاعبون في أذهانهم أن الوصول لأدوار متقدمة يعد نجاحاً، بل يريد أن يجعلهم يشعرون بأن أي شيء آخر غير الفوز باللقب يعد فشلاً. ينبغي ألا يشعر اللاعبون بالقلق من القول إنهم ذاهبون للبطولة من أجل الفوز بها. وعندما أشار ساوثغيت إلى «المناخ الذي يسمح له بالاستمرار»، فإنه كان يعني بشكل أساسي الشعور السائد في البلاد بين الجماهير.

لقد فكَّر المدير الفني الإنجليزي في التنحي عن منصبه بعد نهائيات كأس العالم 2022 في قطر، بعد أن شعر بالفزع من رد الفعل القوي في أعقاب الخسارة برباعية نظيفة أمام المجر على ملعب «المولينيو» في يونيو (حزيران) من ذلك العام. وناقش مع مساعده، ستيف هولاند، ما إذا كان يجب أن يعلن عن نيته قبل البطولة أم لا، خاصة أنه لا يريد أن يؤثر ذلك سلبياً على اللاعبين.
لقد كان أحد الأسباب الرئيسية وراء بقاء ساوثغيت هو الشعور الإيجابي العام بين المشجعين في أعقاب الهزيمة بصعوبة أمام فرنسا في الدور ربع النهائي لكأس العالم، وهو الأمر الذي شعر به ساوثغيت من خلال تعامل وسائل الإعلام مع الأمر. وكان من المهم أن نرى صحيفة «الصن» تنشر على صفحتها الأولى قصة حول كيف كان المشجعون واللاعبون «يتوسلون» إلى ساوثغيت للاستمرار. لقد كان ساوثغيت منزعجاً دائماً مما يعتقده الناس. إنه قارئ جيد للآراء ووجهات النظر من حوله، وسيكون ذلك عاملاً مؤثراً مرة أخرى في قرار الاستمرار من عدمه بعد نهاية البطولة، بل من المحتمل أن يكون هذا هو العامل الأكبر على الإطلاق؛ لأنه سيعوّل كثيراً على مقدار الدعم الذي سيتلقاه من الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم.
ولن يغير مسؤولو الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم رأيهم بشأن ساوثغيت إلا إذا خرج المنتخب الإنجليزي من دور المجموعات بالبطولة، وحتى لو حدث ذلك فإن ساوثغيت نفسه هو الذي سيرحل قبل أن يشعر مسؤولو الاتحاد بأنهم مضطرون لإقالته. في الحقيقة، تمثل مسألة البحث عن بديل لساوثغيت كابوساً للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، لأسباب لا تتعلق فقط بندرة المرشحين الجيدين من المديرين الفنيين الإنجليز، خاصة أن أفضلهم، وهو إيدي هاو، مستقر في نيوكاسل. فهل يمكن أن يدخل غراهام بوتر هذه المعادلة؟
ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم يُقدر كثيراً العمل الكبير الذي يقوم به ساوثغيت – وصوله إلى المراحل النهائية في 3 بطولات كبرى (نصف النهائي، والنهائي، وربع النهائي) - والبيئة الإيجابية التي خلقها للاعبين، ونجاحه في معالجة المشكلة المستعصية منذ وقت طويل، والتي كانت تتمثل في شعور اللاعبين بثقل قميص المنتخب الإنجليزي، وهو الأمر الذي كان يؤثر عليهم بالسلب. يُقال أحياناً إن أي مدير فني يكون لديه 11 لاعباً سعيداً فقط، وهم الذين يشاركون في التشكيلة الأساسية، في حين يشعر باقي اللاعبين بالتذمر، لكن الحقيقة أن ساوثغيت يحظى باحترام كبير من جميع اللاعبين.
من الصعب قياس مكانة ساوثغيت بين الجماهير؛ لأنه في مثل هذه المجموعة الضخمة والمتنوعة يمكنك البحث عن أي رأي والعثور عليه. ولن يكون من الصعب أن تجد البعض يقولون إن ساوثغيت يتعين عليه الآن الفوز ببطولة كبرى؛ لأنه يمتلك قائمة مدججة باللاعبين المميزين، خاصة في النواحي الهجومية. ويرى هؤلاء أن أي شيء غير الفوز باللقب سيكون فشلاً ذريعاً، ويستحق إقالة ساوثغيت من منصبه.
فهل سيرغب ساوثغيت في الاستمرار إذا فاز ببطولة كأس الأمم الأوروبية؟ الاحتمال الأكبر هو نعم. صحيح أنه يريد قيادة نادٍ كبير، لكن هناك حقيقة واحدة مؤكدة، وهي أن وظيفته التالية لن تجعله يعمل مع هاري كين وجود بيلينغهام وفيل فودين وبوكايو ساكا! وهناك نقطة أخرى تجذبه للبقاء، وهي أن كأس العالم ستقام بعد عامين، فهل هناك أي مدير فني لا يريد قيادة منتخب كبير في كأس العالم؟
لكن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو: ما الذي سيفعله ساوثغيت في حال الخروج من الدور ربع النهائي أو نصف النهائي، على سبيل المثال؟ وهل سيكون رد الفعل من جانب الجماهير مؤثراً في قراره؟ فإذا خسرت إنجلترا أمام خصم أقل قوة (أي منتخب غير فرنسا)، فقد يرى المدير الفني البالغ من العمر 53 عاماً أن الوقت قد حان للاستقالة، وانتظار فرصة أخرى على مستوى الأندية.
في الحقيقة، يبدو قرار الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بالموافقة على توقيع عقد مع ساوثغيت حتى ديسمبر 2024 ذكياً بشكل كبير. لقد كانت الفكرة الأساسية تتمثل في توفير فترة هدوء بعد بطولة كأس الأمم الأوروبية، من أجل تسهيل عملية اختيار بديل جديد في حال رحيل ساوثغيت. كما تعد أيضاً محاولة للتأكد من أن أي شكوك حول منصب المدير الفني لن تهيمن على المحادثات المتعلقة بالبطولة، ولا تؤدي إلى تشتيت اللاعبين.
وما حدث أيضاً هو أن ساوثغيت لم ينجر إلى أي شيء قد يؤدي إلى تشتيت تركيزه. لقد كان هناك اهتمام من جانب مانشستر يونايتد بالتعاقد معه، لكنه أعلن على الملأ أنه لن يدخل في مناقشات مع أي شخص أثناء تعاقده مع الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أو، على الأقل، حتى تنتهي كأس الأمم الأوروبية. ربما ما حدث مع جولين لوبيتيغي مع منتخب إسبانيا قبل كأس العالم 2018 كان بمثابة قصة تحذيرية لساوثغيت، فبعدما أعلن لوبيتيغي عن أنه سيتولى قيادة ريال مدريد بعد المونديال، تمت إقالته على الفور من قيادة منتخب إسبانيا. ومن ثم، فإن تركيز ساوثغيت واضح تماماً، حتى لو لم يكن مستقبله كذلك!

