كنت مؤخراً في المعسكر الصيفي لمؤسستي حيث يقوم المعلمون بتدريب الأطفال على التمرينات الرياضية، والتغذية، وتنمية وتطوير الشخصية. ولاحظت أن الضيوف كانوا ينظرون بانتظام وبحماس شديد إلى هواتفهم الجوالة، حيث كانوا يريدون معرفة نتيجة المباراة التي كانت تقام في صباح ذلك اليوم في إطار منافسات كأس العالم للسيدات بين ألمانيا وكوريا الجنوبية.
ويجب الإشادة هنا بالمونديال، الذي أقيم في أستراليا ونيوزيلندا، وسط أجواء استثنائية في الملاعب، في الوقت الذي كان فيه الملايين في أوروبا وأماكن أخرى يبتهجون وهم يشاهدون المباريات المثيرة والممتعة لهذه البطولة. في الحقيقة، لم يكن هذا ليحدث قبل بضع سنوات، فلم يكن من الممكن مثلا أن يتابع الناس في ألمانيا مباراة في دور المجموعات لكأس العالم للسيدات بكل هذا الحماس والشغف. لقد أصبحت كرة القدم للسيدات أكثر جاذبية لأنها أصبحت أفضل كثيرا مما كانت عليه من قبل، ويمكن الآن الاستمتاع بها دون أن نقول «نعم إنها جيدة، لكن...».
وعلى مدار فترات طويلة، كانت النساء تُمنع من لعب كرة القدم في العديد من البلدان: ألمانيا، على سبيل المثال، لم ترفع الحظر عن ممارسة النساء لكرة القدم إلا في عام 1970. والآن، نجحت السيدات في تقليص الفجوة الناجمة عن هذا التمييز بشكل كبير. وأصبح عدد كبير للغاية من النساء يلعبن كرة القدم، ويفعلن ذلك بقوة أكبر، ويتدربن بشكل أفضل، بدءاً من الأطفال والشابات. ويمكنك أن ترى ذلك بسهولة في الانضباط الخططي والتكتيكي، والتدخلات القوية، والأهداف الرائعة خلال منافسات كأس العالم في أستراليا ونيوزيلندا. وسيظل الهدف الذي سجلته ليندا كايسيدو، البالغة من العمر 18 عاماً، في مرمى ألمانيا في الأذهان لفترة طويلة.
لم يكن منتخب بلادها - كولومبيا - هو الوحيد الذي حقق نجاحا كبيرا، على عكس كل التوقعات، حيث أطاحت جامايكا بالبرازيل، وفازت الفلبين على البلد المستضيفة للبطولة نيوزيلندا، وسجلت بنما ثلاثة أهداف في مرمى فرنسا. وعلاوة على ذلك، تم تمثيل جميع القارات في دور الستة عشر، وكان لأفريقيا ثلاثة منتخبات في هذا الدور. لقد أصبحت كرة القدم للسيدات تحظى بشعبية كبيرة على مستوى العالم.
لقد أدى هذه التطور الهائل إلى منافسة غير مسبوقة، والدليل على ذلك أن الدور قبل النهائي لهذا المونديال لم يشهد وصول أي منتخب من المنتخبات الخمسة التي سبق لها الفوز بكأس العالم أو دورة الألعاب الأولمبية. وحتى الولايات المتحدة، التي كان يتم النظر إليها على أنها المرشح الطبيعي للفوز بأي بطولة تشارك فيها على مدى ثلاثة عقود، لم تعد قادرة على الاعتماد على سمعتها القديمة وحدها. لم تفز الولايات المتحدة إلا في مباراة واحدة فقط من المباريات الأربع التي لعبتها، وودعت البطولة من دور الستة عشر.
كما ظهرت ألمانيا بشكل غير منظم، وارتكبت الكثير من الأخطاء التكتيكية، وودعت البطولة من دور المجموعات على غرار ما فعله منتخب الرجال في كأس العالم الأخيرة. وأصبح يتعين على الولايات المتحدة وألمانيا، اللتين فازتا بست من بطولات كأس العالم للسيدات الثماني التي أقيمت حتى الآن، ابتكار شيء جديد لمواكبة هذه المنافسة الشرسة.
وتأتي هذه المنافسة من الدول الأوروبية التقليدية، التي كانت تقتصر فيها لعبة كرة القدم على الرجال فقط في يوم من الأيام. لكن الاستثمار في كرة القدم النسائية في هذه البلدان بدأ يؤتي ثماره الآن. ومنذ عدة سنوات، تقوم أندية آرسنال وبرشلونة ومانشستر سيتي وباريس سان جيرمان وتشيلسي وريال مدريد وأياكس وبايرن ميونيخ بتقديم كل الدعم اللازم لفرق السيدات، معتمدة في ذلك على علاماتها التجارية القوية.
ووصل إلى المباراة النهائية منتخب إنجلترا، الذي يعد الأقوى في البطولة من الناحية البدنية، ومنتخب إسبانيا، الذي تأهل إلى نهائيات كأس العالم ثلاث مرات فقط، لكنه نجح في الوصول إلى المحطة الأخيرة لهذا المونديال والفوز بلقبه، بفضل أسلوبه المميز الذي يعتمد على الاستحواذ على الكرة والتمريرات القصيرة المتقنة، وهي نفس الطريقة التي يعتمد عليها منتخب الرجال أيضا.
ويمكن أيضاً عدّ فرنسا وهولندا من الدول القادرة على الفوز باللقب. أما السويد فتعد من البلدان القوية منذ الأيام الأولى لانطلاق كرة القدم النسائية على المستوى الدولي في الثمانينات من القرن الماضي، ونجحت هذه المرة في تحقيق الفوز على المنتخب الأميركي حامل اللقب، وعلى اليابان. أوروبا هي الفائزة بكأس العالم الحالية، كما أن جميع اللاعبات تقريبا في المنتخبات المتأهلة للدور نصف النهائي يلعبن في أوروبا. وقدم المنتخب الأسترالي مستويات ممتازة، وكان يلعب في المقام الأول والأخير من أجل إمتاع الجماهير المتحفزة. وقد جربت بنفسي هذا الشعور في عام 2006 عندما استضافت ألمانيا منافسات كأس العالم لكرة القدم للرجال.
تعد كأس العالم بمثابة مهرجان رياضي، لكنها في نفس الوقت تلقي الضوء على الكثير من الموضوعات الأخرى المهمة. فعندما تلعب النساء كرة القدم، فإن الأمر يتعلق دائماً بتكافؤ الفرص والمساواة، وهذا أمر جيد. وفي البلدان التي تتمتع بحرية الصحافة، يكون من السهل مناقشة قضايا مثل المساواة في الأجور وكيفية تحقيق التوازن بين الحياة الأسرية، بكل بصراحة.
قالت سيليا ساسيتش، التي تشارك في تنظيم بطولة كأس الأمم الأوروبية للرجال 2024 معي، في مقابلة مع صحيفة «دي تسايت» الألمانية مؤخرا: «سأكون راضية جداً إذا تمكنت لاعبات كرة القدم من التركيز على رياضتهن». كانت ساسيتش أفضل لاعبة كرة قدم في أوروبا في عام 2015، لكنها اعتزلت اللعبة وهي في السابعة والعشرين من عمرها، حتى تتمكن من تكوين أسرة.

ومع ذلك، لا يمكن حتى لأفضل لاعبات كرة القدم أن يتجاهلن مصدر رزقهن خلال مسيرتهن الكروية، بالنظر إلى أنهن يخاطرن عندما يبدأن هذا الطريق الصعب في هذه الرياضة وهن صغيرات في السن، في الوقت الذي تبدأ فيه أقرانهن العمل في وظائف أخرى. لكن هناك تقدما في هذا الشأن أيضا، والدليل على ذلك أن اللاعبة الألمانية ميلاني ليوبولز قد اصطحبت طفلها معها في أستراليا. ومن خلال القيام بذلك، أظهرت ليوبولز للجميع أنه لا يوجد تعارض على الإطلاق بين إنجاب طفل وممارسة كرة القدم على المستوى الاحترافي، إذا كانت الظروف مناسبة لذلك.
هناك جيل جديد من لاعبات كرة القدم المتألقات حاليا، لكنهن لم ينسين اللاعبات الرائدات، فقد كان من المؤثر أن نرى اللاعبة الجامايكية خديجة شو وهي تتجه نحو أسطورة البرازيل مارتا بعد نهاية المباراة وتمد يدها وتصافحها. وقال شو عن ذلك: «أخبرتها أنها ليست مصدر إلهام لي فقط، وإنما للكثير من الفتيات في منطقة البحر الكاريبي وحول العالم». إن التصريح بذلك لإحدى رائدات اللعبة قد بدا أكثر أهمية بالنسبة لشو من حقيقة الفوز للتو على منتخب البرازيل. إن ما شاهدناه في أستراليا ونيوزيلندا هو رياضة بالمعنى الحقيقي. صحيح أن الجميع يسعى لتحقيق الفوز، لكن أهم شيء هو المشاركة في هذا الحفل الكروي الكبير. وفي ظل هذا المزيج من الجودة الرياضية والروح الرياضية، يشعر المتفرج بالمتعة والإثارة. وإذا حصل بعض المشاهدين على قدر من الإلهام من هذه البطولة ونقلوه إلى حياتهم الخاصة، فسيكون ذلك بمثابة مكافأة إضافية.
وبالنسبة لنا نحن الأوروبيين، ينبغي أن تكون كأس العالم الحالية للسيدات بمثابة مثال يحتذى لكأس الأمم الأوروبية للرجال العام المقبل. يلتقي أشخاص من ثقافات مختلفة ويسافرون في جميع أنحاء البلاد ويشاهدون كرة القدم ويحتفلون معاً، ويُظهرون على طول الطريق كيف يريدون أن يعيشوا معا بحرية وديمقراطية. يمكن للأحداث الرياضية أن تخلق هوية وتدافع عن التماسك والمرونة، وتساعد أوروبا وشركاءها على التكيف مع الأوقات المتغيرة، وهذا الأمر في حد ذاته له أهمية كبيرة جدا.
*خدمة «الغارديان»
