عندما فاز المنتخب الأميركي لكرة القدم للسيدات بكأس العالم عام 2019، فقد فعل ذلك بفريق يلعب بهوية واضحة ويضغط على المنافسين بكل قوة منذ الدقيقة الأولى لكل مباراة. ونجح المنتخب الأميركي في هزّ شباك المنافسين في الدقيقة 12 أو قبل ذلك في كل مباراة من مبارياته الست الأولى في تلك البطولة. وكانت السمة المميزة للولايات المتحدة في ذلك المونديال هي الضغط العالي على المنافس والضغط المضاد من أجل استعادة الكرة بعد فقدانها. لقد كان المنتخب الأميركي «يخنق» المنافسين تماماً، وأجبر بعضاً من أفضل المنتخبات في العالم على الشعور بالذعر.
ومنذ توليه قيادة المنتخب الأميركي بعد كأس العالم، حاول المدير الفني فلاتكو أندونوفسكي إضافة فارق بسيط إلى الطريقة التي يلعب بها الفريق، حيث تراجع ضغط المنتخب الأميركي بعض الشيء، وأصبح يتراجع للخلف في بعض الأحيان ويسمح للفريق المنافس بامتلاك الكرة. لكن التعادل أمام هولندا بهدف لكل فريق يوم الخميس الماضي أظهر أن اللعب بهذه الطريقة هو سلاح ذو حدين.
لقد عانى المنتخب الأميركي بشكل واضح خلال الشوط الأول وكان يدافع من منتصف ملعبه، وهو الأمر الذي سمح لمنتخب هولندا بالاستحواذ على الكرة والتحكم في اللعب. وكانت هولندا، التي تلعب بطريقة 3 - 5 - 2 سعيدة بالاستحواذ على الكرة. وقال إندريس يونكر، المدير الفني لمنتخب هولندا، بعد المباراة: «إذا أعطانا أي فريق المساحة للعب، فسنكون الفريق الأفضل».
عادة ما يكون المنتخب الأميركي هو الفريق الأفضل عندما يغلق المساحات ويجبر المنافس على اللعب وفق وتيرته السريعة. ويسعى المنتخب الأميركي دائماً إلى استعادة الكرة في مناطق متقدمة من الملعب، لكن لم يكن هذا هو الحال في كثير من الأحيان خلال العام الماضي، وهي المشكلة التي ظهرت مرة أخرى خلال الشوط الأول أمام هولندا. وقالت المهاجمة الأميركية ترينيتي رودمان بعد مباراة الخميس: «هولندا فريق رائع. وأعتقد أن ما حدث في الشوط الأول لا يعود إلى ما فعلوه هم، بل إلى ما فعلناه نحن. أعتقد أننا بحاجة لأن نلعب بطريقة هجومية أكبر. وأعتقد أننا لم نفعل ذلك إلا مع بداية الشوط الثاني. صحيح أننا صنعنا فرصتين للتهديف، لكن كان بإمكاننا أن نصنع المزيد».
وأدت مشاركة روز لافيل صانعة ألعاب للمنتخب الأميركي في بداية الشوط الثاني، إلى جانب خسارة منتخب هولندا جهود المدافعة ستيفاني فان دير غراغت بسبب الإصابة، إلى تغيير شكل المباراة تماماً، لكن التغيير الأكبر حدث في الطريقة التي تلعب بها الولايات المتحدة، حيث بدأت في ممارسة الضغط العالي من أماكن متقدمة من الملعب، مستفيدة من القوة البدنية للخط الأمامي، وهو الأمر الذي ساعد المنتخب الأميركي على استعادة هويته.
وقالت أليكس مورغان بعد أن أعربت عن أسفها لضعف الضغط على المنافس في الشوط الأول: «أعتقد أن عودة المنتخب الأميركي للقتال من جديد تعكس العقلية التي كنا بحاجة إليها في هذه البطولة. أعتقد أنه من المؤسف بعض الشيء أننا لم ننجح في ضمان الحصول على المركز الأول في هذه المجموعة، لكننا سنفعل كل ما في وسعنا في المباراة المقبلة». إن أكثر كلمة تتردد في تصريحات لاعبات المنتخب الأميركي هي «العقلية»، وهي مرتبطة بشكل جوهري بطريقة اللعب.
فهل يمكن لهذا الفريق، الذي انتقل من مرحلة الاعتماد على الكثير من اللاعبات المخضرمات من الجيل الماضي إلى ضم 14 لاعبة جديدة في كأس العالم الحالية، أن يعيد اكتشاف نفسه ويلعب بنفس القوة مرة أخرى؟ لقد كان العالم يسعى لمعرفة الإجابة عن هذا السؤال منذ أن بدأ أندونوفسكي إعادة بناء الفريق قبل 18 شهراً، وقد ظهرت مؤشرات على ذلك خلال بعض الفترات (أو التراجعات الواضحة، كما حدث في نهاية عام 2022، عندما تعرض الفريق للخسارة ثلاث مرات متتالية لأول مرة منذ 30 عاماً).
وتعد مورغان واحدة من اللاعبات القدامى القليلات الباقيات من الفريق المتوج بكأس العالم 2015 و2019. وفي نهائيات كأس العالم الحالية، تلعب مورغان إلى جانب رودمان وصوفيا سميث، وهما اثنتان من بين 6 لاعبات شاركن في التشكيلة الأساسية للمرة الأولى مع المنتخب الأميركي في نهائيات كأس العالم. لقد اعتمد أندونوفسكي على التشكيلة الأساسية نفسها في كل من المباراتين اللتين لعبهما الفريق حتى الآن في نيوزيلندا، في محاولة لمساعدة اللاعبات على التكيف مع اللعب معاً. وكما أكد في مناسبات كثيرة بعد مباراة الخميس، فإن هذه التشكيلة الأساسية لم تلعب مع بعضها في مباراة تنافسية إلا خلال الأسبوع الماضي فقط. وقال إندونوفسكي: «هذا الفريق ليس شاباً فقط؛ بل هو فريق جديد أيضاً، ولم يلعب الكثير من الدقائق معاً. ما رأيتموه في النصف الثاني هو ما سترونه في المستقبل أساساً لهذا الفريق. أعتقد أننا سنصبح أفضل من مباراة إلى أخرى».
وهناك الكثير من الأمثلة على لاعبات يلعبن بجوار بعضهن للمرة الأولى، ولعل أبرز مثال على ذلك هو جولي ارتس ونعومي غيرما في قلب الدفاع. ونجحت سافانا ديميلو في الاندماج بسرعة في خط الوسط عندما لعبت بدلاً من لافيل. لكن المشكلة الأكبر تتمثل في الخط الأمامي، فعلى الرغم من أن مورغان ورودمان وسميث موهوبات للغاية، لكن الأمر يتطلب الكثير من العمل على المستوى الجماعي.
هناك لحظات من الإبداع والتألق، كما حدث في مباراة ويلز (بين رودمان وسميث ولين ويليامز)، وضد فيتنام (عندما صنعت مورغان الهدف الأول الرائع لسميث)، وضد هولندا (في مناسبات متعددة في نصف الساعة الأخير). لكن كانت هناك أيضاً لحظات من التفكك وعدم التفاهم، وعلامات على أن اللاعبات الموهوبات الثلاث في الخط الأمامي لا يعرفن كيف تكمل كل منهن الأخرى.

وقالت رودمان: «من الواضح أن التفاهم يزيد بمرور الوقت، وكلما تدربنا أكثر، لعبنا معاً بشكل أفضل. أعتقد أن هذه المباراة شهدت تفاهماً أفضل بيني وبين أليكس وصوفيا، وأعتقد أن الأمر سيتحسن كثيراً بمرور الوقت. وأعتقد أننا قمنا للتو بعمل جيد حقاً من خلال العمل مع بعضنا». وسيلعب المنتخب الأميركي مباراته المقبلة أمام البرتغال، وهو فريق أقوى وأكثر موهبة من فيتنام، ولديه على الأقل أمل في تجاوز دور المجموعات في أول مشاركة له في نهائيات كأس العالم. ويتميز المنتخب البرتغالي بالانضباط الخططي والتكتيكي والتماسك بين خطوط الفريق المختلفة. وقدمت البرتغال أداء جيداً أمام هولندا وخسرت بهدف وحيد.
من المرجح أن يلعب فارق الأهداف دوراً حاسماً في ترتيب منتخبات هذه المجموعة، وهو ما يعني أنه يتعين على المنتخب الأميركي أن يسجل أكبر عدد ممكن من الأهداف في مرمى البرتغال. في الماضي، كانت هذه المهمة تبدو وكأنها أمر مفروغ منه، لكن الأمر اختلف كثيراً الآن وأصبح يشبه ما كان عليه في عام 2015، عندما واجه المنتخب الأميركي صعوبات كبيرة في دور المجموعات.
قد لا يبدو من الصعب على المنتخب الأميركي تجاوز دور المجموعات، لكن هل يمكن لهذا الفريق – وبالطريقة التي يلعب بها – أن يفوز بكأس العالم للمرة الثالثة على التوالي؟ لقد تم طرح الكثير من هذه الأسئلة قبل 8 سنوات، ونجح المنتخب الأميركي في الفوز باللقب في نهاية المطاف، بعد إجراء بعض التغييرات التكتيكية الجذرية في الدور ربع النهائي.
وكما كان الحال في ذلك الوقت، وعلى عكس ما حدث في عام 2019 عندما سحقت الولايات المتحدة المنافسين واحداً تلو آخر، لم يظهر المنتخب الأميركي بالشكل المتوقع، وبدا وكأنه عاجز عن التحكم في زمام المباريات، خاصة عندما يعود للخلف في حال فقدان الكرة. لكن المنتخب الأميركي عودنا أنه يبدأ البطولات الكبرى بشكل بطيء ثم يتطور ويتحسن كثيراً بمرور الوقت وتوالي المباريات. لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون الآن هو: هل يسعف الوقت المنتخب الأميركي لكي تتأقلم اللاعبات الموهوبات الصغيرات في السن مع بعضهن، أم أنه لا يمكن القيام بذلك خلال بطولة كبرى ككأس العالم؟



