حققت المديرة الفنية لمنتخب إنجلترا للسيدات، سارينا ويغمان، كثيراً من الإنجازات والنجاحات، وحصلت على جائزة أفضل مديرة فنية في العالم من الاتحاد الدولي لكرة القدم 3 مرات؛ لكنها رغم كل ذلك تتحلى بالتواضع الشديد، وتقول: «أنا كما أنا، ولم أتغير». ومن بين تلك النجاحات أيضاً فوزها ببطولة كأس الأمم الأوروبية للسيدات مرتين متتاليتين: الأولى مع هولندا في عام 2017، والثانية مع منتخب إنجلترا في عام 2022، وهو الأمر الذي أكد براعتها في عالم كرة القدم للسيدات.
وعندما سُئلت ويغمان عما إذا كانت تقضي بعض الوقت في التفكير في الدور الأوسع الذي يمكنها أن تلعبه في المجتمع، ردت قائلة: «إنني أفكر في الصورة الأوسع بعض الشيء، بكل تأكيد. لكن تركيزي الرئيسي يبقى على وظيفتي. عندما تقوم بعملك بشكل جيد ستتاح لك الفرصة للتفكير في ذلك، وأنا على دراية تامة بهذا الأمر».
في الحقيقة، من الصعب التفريق بين الأمرين؛ لأنه لم يكن بإمكانها التفكير في لعب دور أوسع في المجتمع لو لم تحصل على البطولات والألقاب. لكن رؤيتها للأمور ولما هو أكثر أهمية، وما يمكن أن تفتخر به، قد تغيرت. تقول المديرة الفنية الهولندية البالغة من العمر 53 عاماً: «أنا حقاً أحب الفوز بالبطولات؛ لكن أكثر ما أفتخر به، على الإطلاق، هو أن الفتيات الصغيرات الآن لديهن رؤية ووجهة نظر، ويمكن للفتيات الصغيرات ممارسة كرة القدم وارتداء القمصان التي عليها أسماؤهن من الخلف. عندما تذهب إلى محل البقالة ويقول لك شخص ما إن ابنته كانت ترتدي قميص المنتخب الإنجليزي للسيدات؛ لكن ابنه هو أيضاً أصبح يرتديه الآن، فهذا يعني أننا نجحنا في تغيير المجتمع. أعتقد أن هذا هو التغيير الذي أفتخر به أكثر من أي شيء آخر. لم تتح لي الفرص (كفتاة صغيرة)؛ لكن لدي ابنتين لعبتا كرة القدم في فرق مختلطة (بنين وبنات) عندما كانتا أصغر سناً، وكان ذلك طبيعياً. الأمور تتغير؛ لكن لا يزال هناك طريق طويل يتعين علينا أن نسير فيه».
لقد أدركت ويغمان أن بإمكانها أن تكون جزءاً من قيادة التغيير في المجتمع من خلال كرة القدم، عندما لعبت في فريق جامعة نورث كارولاينا وهي في سن المراهقة. تقول عن ذلك: «لقد كان ذلك حافزاً كبيراً للغاية بالنسبة لي. عندما عدت إلى هولندا، قلت لنفسي إنني سأكون سعيدة للغاية لو تمكنت من نقل ما هو موجود في الولايات المتحدة إلى هولندا. لقد استغرق الأمر 20 عاماً حتى أمكنني القيام بذلك».
ولا تزال هولندا في مرحلة البناء. وتقول ويغمان عن ذلك: «بدأنا مع الدوري الهولندي الممتاز في عام 2007. كان لدينا فرق تقول إنها محترفة؛ لكن هذا يعتمد على كيفية وصفك للاحتراف. إنني أصف الاحتراف بأنه التدريب كل يوم، ووجود أفضل المرافق، وأن يكون لديك برنامج جيد، وأن تكون قادراً على اختيار كرة القدم، وأن تتدرب في صالة الألعاب الرياضية. عندما كنت ألعب، كنت أتدرب بمفردي في صالة الألعاب الرياضية؛ لأن ذلك لم يكن موجوداً في النادي. لذلك، كنت أفعل ذلك بنفسي؛ لكننا الآن أنشأنا ذلك، ونعمل على تسهيله».
كانت ويغمان تعشق كرة القدم منذ نعومة أظافرها، وتقول: «أنا لا أعرف السبب في ذلك. كنت أعشق الرياضة بصفة عامة، لذلك مارست كثيراً من الرياضات المختلفة؛ لكنني كنت أميل دائماً إلى كرة القدم. عندما كنت طفلة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمري، لم يكن يُسمح للفتيات بممارسة كرة القدم؛ لكنني وقعت في حب كرة القدم، ولم يعترض والداي على ذلك. عندما كنت في المدرسة الابتدائية كنت أريد أن أصبح مدرسة للتربية الرياضية، وقد كان هذا شيئاً غريباً أيضاً؛ لكنني كنت أريد أن أعمل في مجال الرياضة. لم أكن أعرف أنني يمكن أن أكون مديرة فنية في يوم من الأيام؛ لأن السيدات لم تكن تلعب كرة القدم من الأساس. لم أكن أتخيل هذا، لذلك لم أكن أعتقد أن هذه الفرصة ستتاح لي».
وفي عام 1988، عندما كانت ويغمان تبلغ من العمر 18 عاماً، كانت جزءاً من المنتخب الهولندي الذي وجَّه له الاتحاد الدولي لكرة القدم دعوة للمشاركة في «بطولة الدعوة للسيدات»، والتي كانت نموذجاً أولياً لكأس العالم للسيدات. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها ويغمان في مثل هذه المسابقات. تقول المديرة الفنية الهولندية وهي تبتسم: «لقد أحببت ذلك كثيراً. لقد تعلمت من هذه التجربة كثيراً، وأدركت أن هذا هو ما أريده بالفعل. كان ذلك رائعاً، وتلقينا دعوة للذهاب إلى الصين، ورغم أننا لم نكن رائعين فإننا بمجرد وصولنا إلى البطولة قدمنا أداءً جيداً جداً. كان بإمكاننا أن نفوز على البرازيل؛ لكن لم تكن هناك فرص كثيرة في ذلك الوقت».

لفتت ويغمان أنظار المدير الفني لفريق جامعة نورث كارولاينا، أنسون دورانس، الذي كان أيضاً يتولى منصب المدير الفني للمنتخب الأميركي لكرة القدم للسيدات. تقول ويغمان عن ذلك: «ما أتذكره من ذلك هو أنني قلت له إنني أريد أن أذهب إلى الولايات المتحدة، وقد وافق على ذلك. لم يكن يتم قبولنا في هولندا، وسمعت أن هناك فرصة كبيرة لممارسة هذه الرياضة في الولايات المتحدة، وأن كرة القدم للسيدات كانت في مستويات مرتفعة».
لم تكن ويغمان التي سبق لها قيادة منتخب هولندا وتقود الآن المنتخب الإنجليزي في كأس العالم للمرة الأولى، تتخيل أبداً في ذلك الوقت أن بطولة كأس العالم للسيدات ستكون بهذا الحجم وهذه الأهمية. وتقول: «لقد تغيرت الأمور تماماً وبسرعة هائلة. حتى عندما كنت أكبر سناً، وحتى قبل 20 عاماً فقط من الآن، لم أكن أتوقع أو حتى أحلم بأنني سأكون في هذا الموقف، وأن كرة القدم للسيدات ستصل إلى هذه المكانة الآن، أو حتى بأنني سأكون في الوضع الذي أنا فيه الآن. لهذا السبب، فإنني أستمتع بذلك كثيراً، وممتنة للغاية لأن الأمور تغيرت بسرعة كبيرة. لا يزال هناك طريق طويل يتعين علينا أن نقطعه؛ لكن كرة القدم للسيدات تطورت كثيراً، وقطعنا كثيراً من الخطوات إلى الأمام، وأنا ممتنة جداً لذلك».
وخلال الصيف الماضي، وبعد أن تمكن المنتخب الإنجليزي للسيدات بقيادة ويغمان من الفوز ببطولة كأس الأمم الأوروبية، شاهدت لاعباتها وهن يساهمن بأنفسهن في التغيير خارج الملعب، ويوجهن دعوة للمرشحين لمنصب رئيس الوزراء لاتخاذ إجراءات تساعد على المساواة بين الجنسين فيما يتعلق بممارسة كرة القدم في المدارس، وهو الأمر الذي التزمت به حكومة ريشي سوناك.
تقول ويغمان: «أنا فخورة للغاية بوعيهن الاجتماعي، وبتعبيرهن عن أنفسهن بهذه الصورة الجيدة والقوية حقاً. هناك كثير من اللاعبات القائدات في هذا الفريق. إنهن يردن حقاً أن يكون لهن تأثير إيجابي على المجتمع، وأن يساهمن في التغيير بشكل إيجابي. وأعتقد أنهن قمن بالفعل بعمل جيد للغاية؛ لأن الأمور تغيرت بالفعل».
ورغم كل ذلك، لا تزال ويغمان كما هي ولم تتغير أبداً، كما يجب على اللاعبات أن يركزن بشكل كامل على كرة القدم؛ لأنه لن يكون بإمكانهن التأثير في المجتمع إذا لم يقدمن مستويات جيدة داخل المستطيل الأخضر. تقول ويغمان: «الآن ما نحاول القيام به هو الاستمرار في تقديم أداء جيد، والاستمرار في الظهور، واستخدام أصواتنا لإحداث تغييرات إيجابية».
* خدمة «الغارديان»


