في البداية، من الإنصاف القول إن رئيس الاتحاد الدنماركي لكرة القدم، جيسبر مولر، ليس متمرداً بالفطرة. صحيح أن الاتحاد الدنماركي لكرة القدم هو إحدى الجهات التي تتسم بالتقدم والتحرر، لكن رئيسه محافظ ويبحث عن مصالحه الخاصة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وخلال بعض القضايا التي أثيرت خلال منافسات كأس العالم، تبنى مولر وجهة نظر متطرفة بشكل غير متوقع تماما. فعندما سُئل عما إذا كان من الممكن أن تفكر الدنمارك في الانسحاب من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، رد قائلا: «إنه ليس قراراً تم اتخاذه الآن، فقد كنا نناقش هذا الأمر بالفعل في منطقة الدول الإسكندنافية منذ أغسطس (آب) الماضي. يجب أن أفكر في مسألة كيفية إعادة الثقة إلى الفيفا. يتعين علينا تقييم ما حدث، ومن ثم يجب علينا أن نضع استراتيجية - أيضاً مع زملائنا من البلدان الإسكندنافية».
وفي اليوم التالي، أشار مولر بسرعة إلى أن تصريحاته قد «أسيء فهمها». في الحقيقة، لم يكن أحد يتحدث عن الانسحاب من الفيفا، لكن مولر قال ذلك بالضبط. ويقودنا هذا الأمر إلى أن نطرح سؤالين: أولاً، هل هناك بالفعل مناقشات حول خروج أوروبي من الفيفا، أم أن مولر كان يقول فقط ما كان يعتقد أن الجمهور الدنماركي يريد سماعه؟ وثانياً، ما الذي سيحدث إذا انسحبت بعض الدول من الفيفا؟ أو بعبارة أخرى: هل كرة القدم بحاجة حقا إلى الفيفا؟ وما الهدف من وجود الفيفا من الأساس؟
تم تأسيس الفيفا في عام 1904 لتوحيد القوانين وتسهيل المنافسات الدولية، لكن يمكن أيضا للاتحادات المحلية التي تمثل كل دولة أن تعلن عن نفسها بشكل رسمي - وهذا هو السبب في أن روبرت غورين، أمين صندوق اتحاد الجمعيات الفرنسية للرياضة والرياضيين، وهو إحدى الهيئات الثلاث التي كانت تنظم كرة القدم في فرنسا، قد أخذ زمام الأمور في هذا الصدد.

وتحت قيادة فرنسي آخر، وهو جول ريميه، نظم الفيفا أول بطولة لكأس العالم كـ«مكان للأخوة والسلام بين الأمم». وكان لريميه حقاً نظرة رومانسية لمكانة كرة القدم في العالم، على الرغم من صعوبة الحفاظ على هذه الرؤية أثناء استغلال موسوليني لبطولة كأس العالم 1934 للترويج للفاشية. وماذا عن جواو هافيلانج، نجل تاجر الأسلحة الذي قاد الفيفا إلى عصرها الحديث من التجارة والفساد؟ وماذا عن جوزيف بلاتر، الذي أضفى الطابع المؤسسي على الفساد خلال فترة قيادته؟ والآن، يخرج علينا جياني إنفانتينو، بقصر نظره، للحديث في أشياء غريبة، فتارة يخبر البرازيليين الذين يشعرون بالحزن على وفاة بيليه أنه يجب على كل دولة أن تسمي ملعبا بها على اسم بيليه! في الحقيقة، تكون هناك عواقب وخيمة لمثل هذه التصريحات!
على الأقل، أعطى بلاتر إحساسا بأن كرة القدم لعبة عالمية عندما قرر أن تقام كأس العالم خارج أوروبا والأميركتين. لكن يبدو أن إنفانتينو لا يهتم بأي شيء آخر سوى جمع الأموال الإيرادات وحماية منصبه. لقد قرر زيادة عدد المنتخبات المشاركة في نهائيات كأس العالم وزيادة عدد الأندية المشاركة في كأس العالم للأندية دون استشارة أحد. وعلاوة على ذلك، من الواضح للجميع أن إنفانتينو لا يقبل أو يتحمل التحقيق في أي قصور، والدليل على ذلك إقالة 11 من أصل 13 عضواً في لجنة الأخلاقيات التابعة للفيفا في عام 2017، وهو ما كان بمثابة علامة على عدم وجود نظام تنظيمي فعال.
إن الأمر يتلخص ببساطة في أن إقامة المزيد من المباريات تعني المزيد من الإيرادات، وتوزيع المزيد من الأموال على الاتحادات المحلية التي من المرجح أن تصوت بالتالي لصالح إنفانتينو. كما أن المزيد من المقاعد في كأس العالم يعني فرصة أكبر لتأهل الاتحادات الأفريقية والآسيوية ودول الكونكاكاف التي تمثل قاعدة إنفانتينو. ولو كانت مصالح الاتحادات المحلية ومصالح كرة القدم في بلدانها متوافقة، فقد يكون هذا الأمر مفيدا في القضاء على الهيمنة التاريخية لأوروبا وأميركا الجنوبية.
لكن الأمر ليس كذلك: كثيراً ما يتم نسيان وتجاهل الرياضة الحقيقية في جميع المناورات السياسية، خاصة منذ الإطاحة بعيسى حياتو من رئاسة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم واستبدال أحد الموالين لإنفانتينو به، وهو باتريس موتسيبي. إن هذه المباريات الإضافية قد تعني عبئا إضافيا لا يمكن تحمله من جانب اللاعبين، وقد تؤدي إلى تراجع مستوى المباريات، وتجعل الأمر برمته مثيرا للقلق. ورغم ذلك، لم يكن هناك نقاش واضح داخل الفيفا بشأن هذا الأمر، ولم يتم التفكير في القضايا المتعلقة بكرة القدم.
على سبيل المثال، كان من المقرر أن يبدأ دوري السوبر الأفريقي - خطة إنفانتينو الكبرى للارتقاء بمستوى كرة القدم للأندية في القارة - في أغسطس (آب) بمشاركة 24 فريقاً، لكن بدلاً من ذلك يبدو أنه سينطلق على الأرجح في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بمشاركة ثمانية فرق. لا يمكن لأي أحد أن يقول الآن كيف سيتم تحديد الأندية المتأهلة للبطولة، أو كيف سيتم توزيع الأموال، أو كيف سيتم التوفيق بين البطولة وبين البطولات المحلية والقارية الحالية؟ بالنسبة إلى إنفانتينو، تعد الأموال غير الأوروبية مفيدة للغاية في صراعه على السلطة مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. هذا يعني، في بعض الأحيان، تسوية مخزية ومخجلة - مثل استعداد الفيفا للتغاضي عن المادة الرابعة من نظامها الأساسي، التي تحظر التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين.
وبينما يمتلك إنفانتينو الأصوات، فإن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لا يزال يتمتع بالسلطة، وهو ما ظهر عندما واجه الاتحاد الأوروبي المقترحات الخاصة بإقامة كأس العالم مرة كل سنتين. يحتاج الفيفا إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وفي هذا الصدد فإن العلاقة الوثيقة بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم واتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم (كونميبول) مهمة للغاية. لقد بدا الاقتراح، الذي تم تأجيله الآن، بأن تنضم فرق أميركا الجنوبية إلى دوري الأمم الأوروبية في موسم 2014-2025 بمثابة تحذير هائل في هذا الصدد.
وبغض النظر عن الهدف الأساسي من تصريحات مولر حول إمكانية الانسحاب من الفيفا، فقد أشار إلى حقيقة مهمة للغاية. فإذا سئمت الدول الأوروبية الكبرى من الطريقة التي يدير بها إنفانتينو الأمور، أو من توسيع البطولات وزيادة عدد المشاركين فيها بشكل غير معقول من الناحية الأخلاقية، فيمكن لهذه الدول أن تتمرد؛ وإذا تم إقناع دول اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم بالانضمام إلى الدول الأوروبية في هذا التمرد، فسيواجه الفيفا مشكلة حقيقية: كأس العالم من دون الأرجنتين أو البرازيل أو فرنسا أو ألمانيا أو إسبانيا أو إنجلترا لن تكون كأس عالم على الإطلاق! ستكون التداعيات هائلة، ولا يمكن الاستخفاف بمثل هذه الخطوة على الإطلاق. لكن التهديد باحتمال الانفصال في حد ذاته يمكن استخدامه للضغط على الفيفا للتصرف بشكل مختلف يخدم كرة القدم في المقام الأول والأخير!
*خدمة الغارديان
