من المغري الآن الافتراض بأن المدير الفني للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت، قد وجد أخيراً التشكيلة الأساسية المناسبة التي تمكنه من التقدم للأمام بخطى ثابتة. لقد اعتمد ساوثغيت على خط هجوم مكون من ماركوس راشفورد وهاري كين وبوكايو ساكا للمرة الأولى يوم الاثنين الماضي، وكانت النتائج مذهلة: ثلاثية لساكا، وثنائية لكين، وهدف لراشفورد، وأداء يشير إلى أن المنتخب الإنجليزي أصبح قوة هائلة في كرة القدم العالمية.
ولم يجد منتخب مقدونيا الشمالية أي طريقة للتعامل مع إبداع وسرعة ومهارة خط الهجوم الإنجليزي الناري. لقد كانت هناك وجهة نظر على مدى فترة طويلة بأن أفضل ثلاثي هجومي لساوثغيت هو راشفورد وكين وساكا، لكن لم يكن يتم تطبيق ذلك على أرض الواقع مطلقاً. لم يكن ساوثغيت يثق كثيراً في راشفورد، والدليل على ذلك أنه رغم التألق اللافت للاعب مع مانشستر يونايتد الموسم الماضي فإنه لم يشارك في التشكيلة الأساسية للمنتخب الإنجليزي في كأس العالم الأخيرة بقطر سوى مرة واحدة فقط. وبالتالي، كان يجب إعادة بناء هذه الثقة مرة أخرى.
سجل راشفورد 3 أهداف في دور المجموعات بمونديال قطر - هدف بعد دخوله بديلاً أمام إيران، وهدفان في مرمى ويلز - لكنه ظل حبيساً لمقاعد البدلاء في أدوار خروج المغلوب. لقد شارك ساكا وفيل فودين في التشكيلة الأساسية وظل راشفورد على مقاعد البدلاء حتى الدقيقة 85 في المباراة التي خسرتها إنجلترا أمام فرنسا في الدور ربع النهائي لكأس العالم. وكان هناك شعور بأن إنجلترا أهدرت فرصة استغلال خط هجومها القوي بالشكل الأمثل. ومع ذلك، فإن الشيء الإيجابي في ساوثغيت يتمثل في أنه لا يلتزم بشيء واحد طوال الوقت، ومنفتح على التغيير طالما شعر بأن ذلك سيكون في مصلحة الفريق. وعلى الرغم من أن هاري كين يقدم أداءً أفضل عندما يلعب بجانبه لاعبون يتميزون بالسرعة، إلا أن المنتخب الإنجليزي يمكنه أيضاً أن يستفيد في بعض الأوقات من اللمسات المهارية الجميلة لجاك غريليش وفيل فودين وجيمس ماديسون.
وقال ساوثغيت: «ستكون هناك مباريات يكون من المفيد فيها الاعتماد على الإمكانات المختلفة للاعبين. وهذا هو التحدي لهذا الفريق. أفضل أن أعاني من موقف ما داخل الملعب بدلاً من أن أقول إنه يمثل صداعاً بالنسبة لي، لأن المعاناة داخل الملعب تساعدني على الوصول للحل المناسب، وهذا شيء رائع بالنسبة لي». وعلى الرغم من وجود الكثير من الخيارات الرائعة، إلا أنه من الواضح الآن أن ساوثغيت يفضل الاعتماد على راشفورد وساكا، لأنهما مناسبان تماماً للعب بجوار هاري كين، الذي أصبح الهداف التاريخي للمنتخب الإنجليزي وأفضل صانع ألعاب أيضاً. وعلاوة على ذلك، فإن راشفورد يلعب بطريقة مباشرة على المرمى أكثر من غريليش وفودين ناحية اليسار، كما أصبح ساكا خياراً لا يمكن الاستغناء عنه في الناحية اليمنى.
وهناك شعور بأن راشفورد وغريليش وفودين وماديسون يقاتلون بشراسة من أجل حجز مكان في التشكيلة الأساسية ناحية اليسار. من الواضح أن ساكا هو النجم الصاعد بسرعة الصاروخ، وإذا استمر راشفورد في تقديم المستويات القوية نفسها، فسيشارك في التشكيلة الأساسية على حساب رحيم سترلينغ، الذي كان لاعباً أساسياً في السابق بفضل سرعته الفائقة وقدرته على إنهاء الهجمات، قبل أن يتراجع مستواه بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
ومن الواضح أيضاً أن ساوثغيت ليس مستعداً لاستبعاد سترلينغ من حساباته تماماً، لكن اللاعب لم يشارك في التشكيلة الأساسية للمنتخب الإنجليزي في هذا المعسكر، واستغل هذه الفترة للتعافي بعد الموسم الصعب له مع تشيلسي، ومن الواضح أنه سيجد منافسة شرسة وصعوبة كبيرة في استعادة مكانه في التشكيلة الأساسية. وقال ساوثغيت عن سترلينغ: «إنه لاعب مقاتل. في السابق، كان يحجز مكانه في التشكيلة الأساسية بشكل مستمر، ونعلم جميعاً أن أهدافه كانت حاسمة. هناك الآن منافسة أكبر، لكني أتوقع منه رد فعل قوياً. الشيء الذي يجب أن يعمل عليه هذا الصيف هو تحسين لياقته البدنية، وأتوقع أنه سيظهر بشكل مختلف تماماً العام المقبل».
لقد كان سترلينغ لاعباً مهماً وحاسماً للغاية قبل عامين، وقاد المنتخب الإنجليزي للوصول للمباراة النهائية لكأس الأمم الأوروبية 2020، ووضع المعايير التي يجب أن يلتزم بها أي جناح يريد أن يتألق. وباستثناء هاري كين، لا يمكن لأي لاعب آخر أي يضاهي خطورة سترلينغ في الثلث الأخير من الملعب. لقد سجل أهدافاً مهمة للغاية، وكان حاسماً من الناحية التكتيكية، وكان يساهم في اختراق دفاعات الفرق المنافسة من خلال الانطلاق في المساحات الخالية خلف المدافعين، وهو الأمر الذي كان مهماً للغاية، خصوصاً في ضوء افتقار كين للسرعة الهائلة.

لكن مشكلة سترلينغ الآن تتمثل في أن ساكا وراشفورد يمكنهما الآن القيام بكل هذه الأدوار، بل وأكثر، حيث يستطيع راشفورد اللعب في أكثر من مركز والقيام بأكثر من مهمة داخل المستطيل الأخضر، كما يقدم ساكا مستويات استثنائية. ويمكن لجناح آرسنال أن ينطلق بسرعة فائقة، كما فعل عندما استقبل تمريرة هاري كين وأكمل الثلاثية أمام مقدونيا الشمالية، كما يتميز بقدرته الفائقة على المراوغة والمرور من المنافسين، وتسجيل الأهداف، والتسديد بقوة وإتقان. ومن الواضح أن ساوثغيت يدرك كل هذه الأمور جيداً، رغم أنه كان متردداً في التأكيد على أن ساكا ضمن مكانه في التشكيلة الأساسية. وقال المدير الفني للمنتخب الإنجليزي: «يتعين علينا أن نجعل اللاعبين الآخرين يشعرون بأهميتهم داخل الفريق. وسيكون من الغباء أن نجعل أي لاعب يشعر بأنه غير مهم أو غير أساسي، بالشكل الذي يجعله يتراجع».
وقبل عام من انطلاق نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2024، كان ساوثغيت محقاً تماماً في عدم المبالغة فيما يحققه الفريق حالياً، لأن الأمور قد تتغير سريعاً. ولا يجب استبعاد ما يمكن أن يقدمه ماسون ماونت لخط الوسط عندما يعود من الإصابة. وعلاوة على ذلك، يقدم غريليش وفودين مستويات رائعة أيضاً تجعلهما قادرين على اللعب بشكل أساسي، وينطبق الأمر نفسه أيضاً على ماديسون، الذي يتعين عليه الانتقال إلى فريق آخر بعد هبوط ليستر سيتي من الدوري الإنجليزي الممتاز.
ويمكن للمنتخب الإنجليزي أن يلعب بأكثر من طريقة. لا يوجد أدنى شك في أن البداية يجب أن تكون من خلال طريقة 4 - 3 - 3، التي تبدو أقوى من 4 - 2 - 3 - 1. ويبدو أن المنتخب الإنجليزي لا يكون بحاجة إلى صانع ألعاب عندما يكون هاري كين داخل الملعب، خصوصاً في ظل وجود جود بيلينغهام الذي يمكنه التقدم من خط الوسط للأمام بشكل رائع للقيام بالواجبات الهجومية المطلوبة.
ومع ذلك، تظهر خيارات جديدة أخرى أمام ساوثغيت بمرور الوقت، وخير دليل على ذلك أن المعسكر الحالي شهد تألق ترينت ألكسندر أرنولد في خط الوسط. ومن الواضح أن التمريرات المتقنة لأرنولد منحت المنتخب الإنجليزي بُعداً جديداً، ولن يستبعد ساوثغيت فكرة الاعتماد عليه في خط الوسط أمام المنتخبات القوية بعدما تألق نجم ليفربول في دوره الجديد أمام مالطا ومقدونيا الشمالية. وتتمثل المشكلة الوحيدة، حسب ساوثغيت، في أن جوردان هندرسون ظهر أيضاً بشكل ممتاز عندما لعب بجوار ديكلان رايس.
وبالتالي، يتعلق الأمر بإيجاد التوازن الصحيح داخل الملعب. هناك وجهة نظر ترى أن خط الوسط الأمثل يجب أن يتكون من رايس وبيلينغهام وألكسندر أرنولد، لكن هل سيضحي ساوثغيت بهندرسون الذي يقوم بدور هائل أمام المنتخبات الكبرى من خلال الضغط المتواصل واللعب بحماس منقطع النظير؟ لقد أشار ساوثغيت إلى أن هناك حلولاً مختلفة للمباريات المختلفة، لكن من الواضح للجميع في الوقت الحالي أن خط الهجوم المثالي يجب أن يتكون من راشفورد وكين وساكا. لكن من المؤكد أنه ستكون هناك تقلبات وتغييرات في المستوى واللياقة البدنية خلال الـ12 شهراً المقبلة، وهو ما يعني أن ساوثغيت يجب أن يظل مرناً ومنفتحاً على أي خيارات أخرى، وفقاً للتغيرات التي ستحدث.




