وفقاً لتقاليد كتابة السيناريو، لا يوجد سوى سبعة أنواع فقط من القصص، لكن خلال السنوات القليلة الماضية ظهرت قصة جديدة مختلفة وعظيمة تماماً للدرجة التي جعلت الأنواع السبعة التقليدية المعروفة تبدو متواضعة، ألا وهي قصة انتقال النجم الفرنسي الشاب كيليان مبابي إلى ريال مدريد، التي ربما أصبحت أعظم قصة انتقال لاعب لكرة القدم على الإطلاق!
وقد بدأ الفصل الأخير في هذه القصة عندما أشارت تقارير إلى أن مبابي أرسل خطاباً إلى إدارة نادي باريس سان جيرمان الفرنسي بأنه لن يُفعل خيار تمديد عقده، وهو الأمر الذي يترك النادي الباريسي أمام ثلاثة خيارات: عدم القيام بأي شيء وترك مبابي يرحل مجاناً في غضون عام من الآن؛ أو تقديم عرض جديد أكثر سخافة من أي وقت مضى؛ أو عرضه للبيع هذا الصيف. وفي الحقيقة، لا يبدو الخياران الأولان قابلين للتطبيق، وبالتالي فإن الخيار الثالث هو الذي يبدو الأكثر احتمالاً.
ويأتي الخطاب الذي أرسله مبابي لإدارة باريس سان جيرمان في أعقاب إعادة التفاوض الصيف الماضي، والذي انتهى بمنح اللاعب الشاب مستويات غريبة وغير مسبوقة من التأثير في شؤون النادي. وتبع ذلك ما سماه مؤرخو قصة مبابي «أزمة شهر أكتوبر/ تشرين الأول»، عندما تبين أن الوضع الجديد الموعود كان مخيباً للآمال بالنسبة لمبابي، الذي بدأ مرة أخرى في التعبير عن إحباطه وتهديده بالرحيل.
ويُقال إن مالكي باريس سان جيرمان القطريين ردوا بـ«غضب عميق» على هذا المنعطف الأخير. وتشير بعض التقارير إلى أنه تم الاتفاق على موعد نهائي هو 31 يوليو (تموز) لاتخاذ قرار بشأن تفعيل خيار التمديد من عدمه. لكن رفض اللاعب لهذا الأمر من جانب واحد، ودون الدخول في مناقشات مع النادي، يُعد بمثابة عمل عدائي! وقام مبابي بنشر بيان تحوطي على موقع «تويتر» بعد الرسالة إياها أعلن فيه أنه «سعيد» في باريس وينوي البقاء للعام المقبل، لكن هذا الأمر ليس له أي معنى على الإطلاق في حقيقة الأمر. ويجد مسؤولو النادي الباريسي أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، حيث يمر النادي بوضع غير معتادٍ من الضعف التجاري، ومن الممكن أن يتم انتزاع أفضل لاعبي الفريق منهم بسعر أقل بكثير بسبب إمكانية رحيل اللاعب بعد عام من الآن بدون مقابل على الإطلاق.
أما رد الفعل على ما يحدث فيتمثل في أمرين؛ الأول هو الشعور العميق بالملل بسبب ما يفعله مبابي، خصوصاً بعد فشله في قيادة النادي للحصول على دوري أبطال أوروبا واكتفائه بالحديث عن مستقبله الكروي كل صيف للدرجة التي جعلت الأمر مثيراً للسخرية. أما رد الفعل الثاني فهو بالطبع الشماتة في النادي الباريسي الذي يعمل بدون خطة مدروسة، ويسعى للتعاقد مع اللاعبين أصحاب الأسماء الكبيرة بمبالغ مالية فلكية بدون معرفة ما يمكن أن يضيفه هؤلاء اللاعبون حقاً للفريق.
ومع ذلك، فإن ما يحدث حالياً يعد بلا شك أمراً مهماً في كرة القدم الأوروبية، لأسباب تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من مصير مبابي، لأن ما سيحدث سيؤدي إلى عواقب كثيرة، فانتقال مبابي إلى ريال مدريد سيؤدي إلى إشعال سوق انتقالات المهاجمين من أمثال هاري كين وفيكتور أوسيمين. فانتقال مبابي إلى النادي الملكي سيعني بالتأكيد عدم ضم النادي لهاري كين، بل ربما يزيد من احتمال انتقال كين أو ماركوس راشفورد إلى باريس سان جيرمان. بل وقد يمتد تأثير ذلك على نادٍ مثل تشيلسي، بصرف النظر عن إبرامه التعاقدات بشكل غير مدروس على الإطلاق!
لكن الفوائد التي سيجنيها ريال مدريد واضحة تماماً، حيث يبدو مبابي إضافة قوية ومناسبة تماماً لريال مدريد من حيث المستوى والعمر والطاقة. وسيكون لدى النادي الملكي فريق مذهل يضم كوكبة من النجوم الرائعين الصغار في السن مثل أوريلين تشواميني وإدواردو كامافينغا وفينيسيوس جونيور، مع وجود بيلينغهام ومبابي، وهو الأمر الذي سيجعل النادي قادراً على الهيمنة على الساحة الكروية على مدى السنوات الخمسة المقبلة على الأقل. وعلاوة على ذلك، فإن التعاقد مع مبابي من باريس سان جيرمان بهذه الطريقة يعد بمثابة انتصار كبير لريال مدريد.

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الصفقة ستكون مفيدة للغاية أيضاً لمبابي، الذي لا يمكنه الحصول على جائزة أفضل لاعب في العالم، بل ولا يمكنه الوصول إلى أقصى مستوياته، في حال استمراره مع باريس سان جيرمان، وهو ما يعني أن الوقت قد حان للرحيل وتجاوز هذه المرحلة. وعلى الرغم من شعور باريس سان جيرمان بالغضب الشديد لرحيل أفضل لاعب لديه، فقد يكون هذا أيضاً بمثابة عامل تنشيط للنادي الفرنسي، الذي كان أقرب للحصول على لقب دوري أبطال أوروبا قبل وصول مبابي إلى النادي في عام 2017!
لقد كانت السنوات القليلة الماضية قاسية للغاية على باريس سان جيرمان، الذي أنفق أموالاً طائلة وتعاقد مع نجوم لامعين لكنه فشل في تحقيق هدفه الأول، وهو الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا. تعد باريس واحدة من «أعظم مصانع المواهب في كرة القدم العالمية»، وبالتالي كان من الممكن استغلال هذه الموارد الهائلة خلال السنوات الـ15 الماضية لتحويل باريس سان جيرمان إلى ما يشبه ما كان عليه أياكس أمستردام الهولندي في السبعينات من القرن الماضي، أو ما يشبه أكاديمية برشلونة للناشئين «لا ماسيا» في عصرها الذهبي. وبدلاً من ذلك، أنفق النادي بسخاء على التعاقد مع اللاعبين أصحاب الأسماء الكبيرة في عالم كرة القدم بغض النظر عن مدى حاجة الفريق إليهم. والآن، هناك على الأقل بعض المتعة في رؤية لاعب يتحكم في مصيره في مواجهة نادٍ تحول إلى مكان بائس رغم كل ثرواته. لقد حان الوقت لوضع حد لهذه القصة المملة، ورؤية هذا اللاعب في مكان آخر لمعرفة ما إذا كان سيستغل قدراته الاستثنائية بشكل جيد أم لا.
*خدمة «الغارديان»
