سوق الدين السعودية تتوسع... الحكومة والبنوك والشركات في سباق التمويل

محلل اقتصادي: مصادر الاقتراض تدعم الاستثمارات في المملكة

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)
TT

سوق الدين السعودية تتوسع... الحكومة والبنوك والشركات في سباق التمويل

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)

تشهد سوق الدين السعودية نشاطاً متزايداً مع تزامن إصدارات سيادية ومصرفية، ومن الشركات في الأسواق الدولية، في مؤشر على اتساع الاعتماد على أدوات الدين لتنويع مصادر التمويل، في وقت تسعى فيه المملكة إلى تمويل احتياجات الموازنة والمشروعات الاستثمارية، بينما تتحرَّك البنوك والشركات السعودية لتعزيز رؤوس أموالها وتنويع قنوات التمويل.

وجاء أحدث التحركات من الحكومة السعودية التي جمعت 3.25 مليار دولار من طرح صكوك إسلامية مقوّمة بالدولار الأميركي على شريحتين، بينما بدأ مصرف «الراجحي» طرح صكوك من الشريحة الثانية بقيمة لم تحدد بعد. وفي السياق نفسه، أعلن البنك العربي الوطني إتمام طرح صكوك من الشريحة الأولى بقيمة 750 مليون دولار بعائد سنوي يبلغ 6.5 في المائة. وفي قطاع الشركات، جمعت شركة التعدين العربية السعودية «معادن» مليار دولار من خلال أول قرض دولي لأجل وتسهيلات ائتمانية دوارة.

ويجسّد تزامن هذه العمليات تنامي أهمية سوق الدين بوصفها أداة موازية للتمويل التقليدي، مع استفادة الجهات السعودية من الطلب الدولي على أدوات الدين المقومة بالدولار، رغم استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض عالمياً، وفق الدكتور عبد الله المير، أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الدين السعودي إلى الناتج المحلي ما نسبته 32.6 في المائة هذا العام، ارتفاعاً من 29.8 في المائة في 2025، وهي نسبة لا تزال منخفضة وفقاً للمعايير العالمية. في حين تتوقع وزارة المالية أن يسجل 33.9 في المائة، وفق بيان الميزانية العامة للدولة لعام 2026.

وكان الصندوق رفع توقعاته لنمو اقتصاد المملكة للعامين الحالي والمقبل، عازياً ذلك إلى مرونة اقتصادها في مواجهة التحديات العالمية، وتحسّن مرتقب في عائدات النفط، إلى جانب النمو المتسارع في الأنشطة غير النفطية التي باتت تقود دفة التحول الاقتصادي.

طلب قوي على الدين السعودي

ويبرز الإصدار السيادي الأخير بوصفه مؤشراً على شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين السعودية، بعدما تجاوزت الطلبات 16.5 مليار دولار وفق «المركز الوطني لإدارة الدين»، أي أكثر من 4 أمثال حجم الطرح البالغ 3.25 مليار دولار.

وشملت الصفقة شريحة بقيمة 1.25 مليار دولار لأجل 5 سنوات، وأخرى بقيمة مليارَي دولار لأجل 10 سنوات، مع تسعير بفارق نهائي بلغ 70 نقطة أساس فوق عوائد سندات الخزانة الأميركية للشريحة الأولى، و80 نقطة أساس للشريحة الثانية.

ويرى المير أن قوة الطلب على الإصدار تعكس «مستوى مرتفعاً من ثقة المستثمرين الدوليين في الجدارة الائتمانية للمملكة، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية».

ويقول المير إن تجاوز الطلبات 4 أضعاف حجم الطرح «يشير إلى أن السعودية ما زالت تتمتع بإمكانية قوية للوصول إلى أسواق الدين العالمية»، حتى مع ارتفاع أسعار الفائدة، والتوترات الجيوسياسية.

ويضيف أن قدرة المملكة على تسعير الصكوك بهوامش محدودة نسبياً فوق عوائد سندات الخزانة الأميركية «تعكس نظرة إيجابية من المستثمرين تجاه المخاطر السيادية السعودية مقارنة بكثير من الأسواق الناشئة الأخرى».

من الحكومة إلى البنوك والشركات

ولا يقتصر نشاط سوق الدين على التمويل الحكومي، إذ تتجه البنوك السعودية أيضاً إلى الأسواق الدولية لإصدار أدوات تدعم قواعد رأس المال، وتوفر مصادر تمويل إضافية.

وأعلن البنك العربي الوطني انتهاء طرح صكوك رأس المال الإضافي من الشريحة الأولى بقيمة 750 مليون دولار، بعائد سنوي 6.5 في المائة، على أن تكون الصكوك دائمة وقابلة للاسترداد بعد 5 سنوات.

وفي المقابل، بدأ مصرف «الراجحي» طرح صكوك من الشريحة الثانية اجتماعية مقومة بالدولار لأجل 10.5 سنة، مع إمكانية استردادها بعد 5.25 سنة، بينما ستتحدد القيمة النهائية وشروط التسعير وفقاً لظروف السوق.

ويأتي ذلك بالتوازي مع توجه الشركات السعودية إلى أسواق التمويل الدولية، إذ جمعت «معادن» مليار دولار من خلال أول قرض دولي لأجل وتسهيلات ائتمانية دوارة، في خطوة تستهدف دعم احتياجاتها العامة وتنويع مصادر تمويلها.

وتشير هذه الإصدارات المتزامنة إلى أن سوق الدين لم تعد أداة لتمويل العجز الحكومي فحسب، بل أصبحت قناة أوسع لتمويل احتياجات المؤسسات المالية والشركات، بما يتيح لها الوصول إلى قاعدة أوسع من المستثمرين وإدارة آجال الاستحقاق ومصادر السيولة.

الاقتراض يرتفع.. لكن تكلفة الدين هي التحدي

تأتي هذه التحركات في إطار خطة السعودية للاقتراض خلال 2026، والتي تستهدف جمع نحو 57.9 مليار دولار، منها نحو 44 ملياراً لتمويل عجز مالي متوقع، إضافة إلى نحو 13.9 مليار دولار لسداد ديون مستحقة خلال العام.

ويرى المير أن استمرار الاقتراض سيؤدي «بطبيعة الحال إلى زيادة الدين العام»، لكنه يشير إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في السعودية لا تتجاوز 33 في المائة، وهي مستويات، بحسب تقديره، «لا تزال ضمن الحدود القابلة للإدارة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى».

ويضيف أن استمرار الحكومة في تنويع الإيرادات وإدارة آجال الاستحقاق يوفران عوامل مساندة لاستدامة الدين، في حين تمثل تكلفة خدمة الدين التحدي الأبرز في المرحلة المقبلة.

ويقول المير: «في ظل بقاء عوائد السندات العالمية وأسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً، تصبح الإصدارات الجديدة وإعادة تمويل الديون أكثر تكلفة مقارنة بالسنوات التي شهدت أسعار فائدة منخفضة»، محذراً من احتمال ارتفاع بند فوائد الدين في الموازنة خلال السنوات المقبلة.

هل يتحول الدين إلى محرك للنمو؟

لكن ارتفاع الدين لا يعني بالضرورة ضغطاً مالياً إذا ارتبط استخدامه بتمويل استثمارات قادرة على دعم النمو وتوليد إيرادات مستقبلية.

ويشير المير إلى أن المملكة توجه جانباً من الاقتراض إلى مشروعات مرتبطة بالسياحة والبنية التحتية والصناعة، وهو ما يمكن أن «يزيد الإيرادات غير النفطية» ويدعم قدرة الاقتصاد على استيعاب مستويات الدين المرتفعة.

وبذلك، تبدو المسألة بالنسبة للسعودية أقل ارتباطاً بحجم الاقتراض وحده، وأكثر ارتباطاً بكيفية إدارته وتكلفته والعائد الاقتصادي على استخدامه. فبينما تواصل الحكومة تمويل احتياجات الموازنة والمشروعات عبر أسواق الدين، تستخدم البنوك والشركات القناة نفسها لتعزيز رؤوس أموالها وتنويع مصادر التمويل.

ويقول المير إن الإقبال على أدوات الدين السعودية في هذا التوقيت يؤكد استمرار جاذبيتها لدى المستثمرين الدوليين، مشيراً إلى أن «الدين العام مكوِّن مهم لتنويع أساليب التمويل، وله أثر واضح في التنمية الاقتصادية».

ومع اتساع قاعدة المقترضين السعوديين في الأسواق الدولية، يصبح استمرار الطلب على أدوات الدين وقدرة الجهات المصدرة على المحافظة على تكلفة تمويل تنافسية عاملين رئيسيين في تحديد مدى قدرة سوق الدين على دعم مرحلة الاستثمار والإنفاق المرتبطة بالتحول الاقتصادي في المملكة.


مقالات ذات صلة

والر: قوة الاقتصاد والذكاء الاصطناعي والدين الحكومي وراء صعود عوائد السندات

الاقتصاد كريستوفر والر عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (رويترز)

والر: قوة الاقتصاد والذكاء الاصطناعي والدين الحكومي وراء صعود عوائد السندات

قال كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الثلاثاء، إن الارتفاع الأخير في عوائد السندات الأميركية يعكس قوة النمو الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقرار العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز»... وضغوط الرقائق تخيّم على «ناسداك»

اتسم أداء العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بالاستقرار إلى حد كبير الثلاثاء مع ترقب المستثمرين نتائج أعمال كبرى البنوك الأميركية

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجع عوائد السندات في منطقة اليورو وسط موجة بيع أسهم التكنولوجيا

تراجعت عوائد السندات في منطقة اليورو، الثلاثاء، بالتوازي مع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ولا سيما السندات طويلة الأجل، مع دفع موجة بيع أسهم التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار (رويترز)

الدولار يتراجع مع هبوط النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية

تراجع الدولار في التعاملات الآسيوية، الثلاثاء، مع انخفاض أسعار النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجع عوائد السندات الألمانية وعلاوات مخاطر الديون الفرنسية والإيطالية

تراجعت عوائد السندات الحكومية الألمانية القياسية لمنطقة اليورو بشكل طفيف، كما انخفضت علاوات مخاطر الديون الفرنسية والإيطالية، يوم الاثنين، مع هبوط أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البنك الدولي: تمويل الذكاء الاصطناعي لن يحدّ من تدفقات الاستثمار إلى الدول النامية

رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)
رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)
TT

البنك الدولي: تمويل الذكاء الاصطناعي لن يحدّ من تدفقات الاستثمار إلى الدول النامية

رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)
رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)

استبعد رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا أن تؤدي طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى الحدّ من قدرة الاقتصادات النامية على جذب رؤوس الأموال الخاصة، مؤكداً أن فرص زيادة التدفقات الاستثمارية لا تزال كبيرة، رغم بلوغها مستويات قياسية.

وقال بانغا، في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ» على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في بانكوك، إن الأموال المتاحة في القطاع الخاص تفوق بكثير حجم الاستثمارات المتجهة إلى الذكاء الاصطناعي، مستبعداً أن تشكّل مراكز البيانات منافساً يهدد تمويل الاقتصادات النامية.

وتمكنت مجموعة البنك الدولي من حشد 112 مليار دولار من رأس المال الخاص خلال السنة المالية 2026 المنتهية في يونيو (حزيران)، مقارنة بنحو 35 مليار دولار في عام 2022. وأكد بانغا أن المجموعة تسعى إلى زيادة هذه التدفقات، مشدداً على ضرورة تطوير البنية التحتية وتحسين بيئة الأعمال لجذب المستثمرين.

ودعا حكومات الاقتصادات الناشئة، ولا سيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى الاستثمار في الكهرباء والمياه والنقل والبنية الرقمية والتعليم والرعاية الصحية، إلى جانب اعتماد قوانين وإجراءات واضحة تتيح للمستثمرين ممارسة أعمالهم في بيئة مستقرة وقابلة للتوقع.

وأشار إلى أن البنك أصدر ضمانات تجاوزت قيمتها 25 مليار دولار في السنة المالية 2026، متخطياً هدفه السنوي البالغ 20 مليار دولار بحلول عام 2030.

غير أن بانغا أقرّ باستمرار التفاوت في توزيع التمويل، إذ لم تتجاوز الأموال الخاصة المحشودة للبلدان المنخفضة الدخل نحو 3 مليارات دولار، مقابل 50 ملياراً للبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا و37 ملياراً للشريحة الدنيا.

وشدد على أهمية توسيع استفادة الدول النامية من الذكاء الاصطناعي في الصحة والزراعة والتعليم، عبر تطبيقات عملية منخفضة التكلفة تراعي حاجاتها المحلية، بالتوازي مع دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز قدرتها على الوصول إلى التمويل والأسواق العالمية.


صندوق النقد يحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي والحرب والديون على الاقتصاد العالمي

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد يحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي والحرب والديون على الاقتصاد العالمي

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)

حذّر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد العالمي يواجه مخاطر متنامية تهدد النمو والاستقرار المالي، في ظل الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع الديون الحكومية، واحتمال انحسار طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، داعياً الحكومات إلى إعادة بناء هوامشها المالية؛ استعداداً لصدمات جديدة.

لافتة معروضة خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بمركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

ورغم هذه المخاطر، رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 2026 إلى 3.1 في المائة، مقارنة مع 3 في المائة في تقديرات يوليو (تموز) الماضي، مستفيداً من استمرار قوة الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الذي ساعد على تعويض جانب من أثر ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب. وتوقع أن يبلغ النمو 3.4 في المائة في 2027، وفق تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر الثلاثاء في بانكوك، بالتزامن مع الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي.

وتستند التوقعات إلى افتراض إعادة فتح مضيق هرمز في مارس (آذار) 2027، وعودة حركة الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه. لكن استمرار الصراع، وبقاء النفط عند 130 دولاراً للبرميل حتى نهاية الربع الأول من 2027 قد يخفضان النمو العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية في 2026، و0.5 نقطة في 2027، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى 5.2 في المائة في العام المقبل.

كريستالينا غورغييفا تتحدث بإحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)

الذكاء الاصطناعي

ويُشكّل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات النشاط الاقتصادي، لكنه يثير مخاوف من تصحيح حاد إذا لم تتحقق العوائد الإنتاجية التي تراهن عليها الشركات والأسواق. وحذّرت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا من اعتماد جانب كبير من قوة الاقتصاد العالمي على هذا المحرك، في وقت تزداد فيه المخاطر السيبرانية المرتبطة بالتكنولوجيا.

ووفق تقديرات الصندوق، قد يؤدي تراجع حاد في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي إلى انخفاض الناتج العالمي بنسبة 1.1 في المائة بحلول 2028، والناتج الأميركي بنسبة 1.8 في المائة. وفي المقابل يمكن أن يؤدي تسارع تبني التكنولوجيا إلى تعزيز الناتج العالمي بنسبة إضافية تبلغ 0.6 في المائة بحلول 2029.

وتبرز التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حجم هذا التحول؛ إذ نمت تجارة السلع المرتبطة به بنسبة 29 في المائة بين 2023 و2025، مقابل 8.3 في المائة للتجارة العالمية إجمالاً. ويقدّر الصندوق أن نمو التجارة العالمية كان سيقتصر على 4.6 في المائة لولا هذا النشاط.

وقالت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا، خلال فعالية للجنة بريتون وودز، إن الاقتصاد العالمي بات يعتمد على «ساق واحدة، هي الذكاء الاصطناعي»، محذرة من أن تعثر هذا المحرك أو خيبة الآمال بشأن عوائده قد يفضيان إلى بيئة اقتصادية أكثر صعوبة.

وفي تقرير منفصل عن الاستقرار المالي العالمي، دعا الصندوق صانعي السياسات إلى تجنب التراخي في التعامل مع احتمال تراجع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وانخفاض تقييمات الأسهم. وأوضح أن الشكوك بشأن قدرة الشركات على تحقيق عوائد تجارية من هذه التقنية قد تقلص قيمة استثمارات الأسهم، وتجعل خدمة الديون أكثر صعوبة، وتضعف الإيرادات المستقبلية المتوقعة.

تفاوت النمو واتساع فجوة الأداء

وعلى المستوى الجغرافي، تتفاوت آفاق الاقتصادات الكبرى. ويتوقع الصندوق نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.3 في المائة في كل من 2026 و2027، في حين يُرجح تباطؤ النمو الصيني من 4.5 في المائة إلى 4 في المائة. أما الهند، فيتوقع أن تسجل نمواً بنسبة 7 في المائة، وفق تقديرات الصندوق للفترة المعنية.

وفي مؤشر على تركز النشاط العالمي، انخفض عدد الاقتصادات التي تسهم مجتمعة بنحو 95 في المائة من النمو العالمي إلى 32 اقتصاداً، مقارنة بـ54 اقتصاداً في أبريل (نيسان). ويعكس ذلك تفاوت قدرة الدول على الاستفادة من الاستثمار التقني ومواجهة صدمات الطاقة والتمويل.

لافتة معروضة خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بمركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

الديون

ويحذّر الصندوق من أن ارتفاع الاقتراض الحكومي يضيّق هامش التحرك أمام السلطات المالية، في وقت تزداد فيه احتياجات الإنفاق المرتبطة بالدفاع والطاقة والتحولات الاقتصادية. ومن المتوقع أن يبلغ صافي الاقتراض في الاقتصادات المتقدمة 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وهو أعلى مستوى منذ 2021.

وفي الولايات المتحدة، يُتوقع أن يصل العجز المالي إلى 8.5 في المائة من الناتج في 2026، مقارنة بـ7.1 في المائة في 2025. وعلى المستوى العالمي، يتجه الدين العام إلى الاقتراب من 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد.

ودعا الصندوق الحكومات إلى وضع خطط موثوقة لضبط المالية العامة وإعادة بناء الاحتياطيات التي تتيح لها مواجهة الأزمات، محذراً من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يزيد الضغوط على الدول المثقلة بالديون. وتشير تقديرات وزيرة المالية النيجيرية تايوو أوييديل إلى أن الدول النامية تدفع نحو 500 مليار دولار إضافية لخدمة ديونها مقارنة بالدول المتقدمة.

ويرى الصندوق أن اجتماع مخاطر الحرب والديون والتكنولوجيا، إلى جانب الهجمات السيبرانية والظواهر المناخية المتطرفة، يجعل آفاق الاقتصاد العالمي أكثر عُرضة للصدمات، حتى مع استمرار نمو النشاط الاقتصادي.


أرباح «سيتي غروب» تقفز 40 % في الربع الثالث

شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)
شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)
TT

أرباح «سيتي غروب» تقفز 40 % في الربع الثالث

شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)
شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)

ارتفعت أرباح «سيتي غروب» بنسبة 40 في المائة في الربع الثالث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدعومة بزيادة إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية والمعاملات مع الشركات متعددة الجنسيات، إلى جانب نمو أرباح إدارة الثروات.

في المقابل، ارتفعت إيرادات التداول بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي، بدعم رئيسي من تداول الأسهم، ولكنها تراجعت مقارنة بالربع السابق، مع انخفاض إيرادات تداول الأسهم، وفق «رويترز».

وتعمل البنوك الأميركية الكبرى في ظل تقلبات الأسواق؛ إذ أدى الصراع في إيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ما عزز المخاوف من التضخم ودفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة، بالتزامن مع موجة بيع حادة في أسواق السندات العالمية.

وتراجعت أسهم «سيتي غروب» بنحو 1.4 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، عقب إعلان النتائج.

وأعلن البنك -وهو ثالث أكبر بنك في الولايات المتحدة من حيث الأصول- الثلاثاء، ارتفاع صافي أرباحه إلى 5.25 مليار دولار، أو 2.85 دولار للسهم، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 سبتمبر (أيلول)، مقارنة مع 3.8 مليار دولار، أو 1.86 دولار للسهم، في الفترة المقابلة من العام الماضي. ومع ذلك، انخفض صافي الدخل بنسبة 10 في المائة مقارنة بالربع الثاني.

وزادت إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية بنسبة 9 في المائة على أساس سنوي إلى 1.35 مليار دولار، ولكنها تراجعت بنسبة 13 في المائة مقارنة بالربع السابق، مع تباطؤ نشاط إصدار الأسهم والسندات.

وسجل البنك عائداً على حقوق الملكية العادية الملموسة بلغ 11.5 في المائة في الربع الثالث، و12.6 في المائة منذ بداية العام، متجاوزاً مستهدفه البالغ 11 في المائة.

وقالت الرئيسة التنفيذية جين فريزر في بيان: «نتوقع تجاوز مستهدف العائد لهذا العام، حتى مع تقديم موعد بعض الاستثمارات، لدعم هدفنا القريب الأجل الذي يتراوح بين 11 و13 في المائة، بوصفه محطة جديدة على طريق تحقيق عوائد مستدامة تتراوح بين 14 و15 في المائة».

وكان «جيه بي مورغان تشيس» قد أعلن أيضاً ارتفاع أرباحه في الربع الثالث الثلاثاء، بينما زادت أرباح «ويلز فارغو» بدعم من نمو القروض وارتفاع دخل الفوائد.

وارتفعت أسهم «سيتي غروب» بنسبة 13 في المائة منذ بداية العام، متفوقة على أداء المؤشر الأوسع لأسهم البنوك.

وقال البنك إنه أعاد 4.1 مليار دولار إلى المساهمين خلال الربع الثالث، من خلال عمليات إعادة شراء الأسهم وتوزيعات الأرباح، لترتفع قيمة عمليات إعادة الشراء منذ بداية العام إلى 13.3 مليار دولار.

وتتعرض أسهم البنوك لضغوط خلال الأسابيع الأخيرة، مع الارتفاع الحاد في عوائد السندات، ما أثار مخاوف من أن تؤدي زيادة تكاليف الاقتراض والتمويل إلى الحد من نمو القروض ونشاط إبرام الصفقات.

تباطؤ الإيرادات والتداول مقارنة بالربع الثاني

وتجاوزت إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية العالمية 90 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وجاء «سيتي غروب» في المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الرسوم خلال الفترة، وفقاً لبيانات «ديلوجيك».

وارتفعت إيرادات الأنشطة المصرفية لدى «سيتي غروب»، التي تشمل الإقراض للشركات، بنسبة 6 في المائة إلى 1.74 مليار دولار؛ غير أن إصدارات الأسهم والسندات شهدت تباطؤاً في أواخر الربع.

وارتفعت عوائد سندات الحكومة الأميركية إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود في سبتمبر، ما أثر على أسواق رأس المال. وأرجأت شركات -من بينها «أورا رينغ» و«هولتيك نوكلير» و«إس بي إنرجي»- خططها لطرح أسهمها للاكتتاب العام.

وانخفضت إيرادات اكتتاب الأسهم لدى «سيتي غروب» بنسبة 19 في المائة مقارنة بالربع الثاني، رغم بقائها أعلى بنسبة 77 في المائة من مستواها قبل عام.

وفي ظل تقلبات الأسواق خلال الربع الثالث، ارتفعت إيرادات التداول بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي إلى 6.11 مليار دولار. وزادت إيرادات تداول الأسهم بنسبة 14 في المائة، بينما ارتفعت إيرادات تداول أدوات الدخل الثابت بنسبة 4 في المائة.

لكن إجمالي إيرادات التداول تراجع بنسبة 13 في المائة مقارنة بالربع الثاني.

وسجل قطاع الخدمات أعلى نمو بين قطاعات أعمال «سيتي غروب» الخمسة خلال الربع الثالث؛ إذ ارتفعت إيراداته بنسبة 15 في المائة وأرباحه بنسبة 27 في المائة. كما زادت إيرادات إدارة الثروات بنسبة 15 في المائة، وارتفعت أصول العملاء بالنسبة نفسها.

تراجع أرباح بطاقات الائتمان

وانخفضت أرباح «سيتي غروب» من بطاقات الائتمان بنسبة 8 في المائة في الربع الثالث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وفي المقابل، زاد إنفاق العملاء بنسبة 13 في المائة، وارتفعت أحجام القروض بنسبة 9 في المائة، في ظل استمرار نمو الاقتصاد الأميركي بوتيرة متماسكة، مدعوماً بمرونة إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات.

لكن أرباح البطاقات تراجعت نتيجة ارتفاع تكاليف المكافآت والمدفوعات للشركاء، إلى جانب زيادة المخصصات الائتمانية.

وبلغت مخصصات خسائر الائتمان في قطاع بطاقات المستهلكين داخل الولايات المتحدة 1.9 مليار دولار خلال الربع، بزيادة 4 في المائة على أساس سنوي، في وقت يواجه فيه المقترضون تباطؤ نمو الأجور والتضخم وارتفاع أسعار الفائدة.

ويقترب البنك الذي يتخذ من نيويورك مقراً له من استكمال عملية إعادة هيكلة متعددة السنوات، شملت بيع أنشطة دولية وتبسيط هيكله التنظيمي، والعمل على معالجة أوجه القصور في الامتثال والضوابط والبيانات.

ويسعى «سيتي غروب» إلى تسريع تنفيذ الإجراءات المطلوبة لتلبية المطالب الرقابية التي ظلت تثقل كاهله سنوات، بما يتيح له التركيز مجدداً على النمو.

وتتمثل آخر عمليات التخارج التي يتعين استكمالها في وحدته المكسيكية «باناميكس». ويمتلك «سيتي غروب» حالياً 51 في المائة من «باناميكس»، ويتوقع إخراجها من ميزانيته وإدراجها في البورصة العام المقبل.