السندات اليابانية تهدأ بعد اختبار الثلاثين عاماً

تمنح بعضاً من الثقة بعد مزاد مستقر وتراجع العوائد

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

السندات اليابانية تهدأ بعد اختبار الثلاثين عاماً

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تنفست سوق السندات اليابانية الصعداء «مؤقتاً» الخميس، بعدما مر مزاد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً من دون اضطراب كبير، بالتزامن مع تراجع العوائد عبر معظم آجال الاستحقاق، في وقت أعاد فيه المستثمرون تقييم مخاطر التضخم العالمي واحتمالات تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة واليابان. وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 4 نقاط أساس إلى 2.970 في المائة، بعدما تجاوز في الجلسات السابقة حاجز 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996.

وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وتكتسب هذه الحركة أهمية خاصة بعدما أصبحت السوق اليابانية في الأسابيع الأخيرة واحدة من أبرز بؤر التقلب في أسواق الدخل الثابت العالمية، نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية؛ هي ارتفاع التضخم، وتزايد توقعات رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، وتنامي المخاوف بشأن حجم الدين العام واحتياجات الاقتراض الحكومية. وجاءت نتائج مزاد السندات لأجل 30 عاماً لتخفف جانباً من هذه المخاوف، فقد بلغت نسبة التغطية 3.79 مرة، مقارنة بـ3.86 مرة في المزاد السابق، بينما اتسع الفارق السعري المعروف باسم «ذيل المزاد» إلى 0.28 من 0.21 في أغسطس (آب).

ورغم أن الأرقام أظهرت بعض الضعف النسبي، فإن السوق استقبلت النتائج بهدوء، وظل عائد السندات لأجل 30 عاماً مستقراً بعد المزاد، منخفضاً 9.5 نقطة أساس خلال الجلسة إلى 4.070 في المائة.

وقال تاكايوكي مياجيما، كبير الاقتصاديين في «مجموعة سوني المالية»، إن نتيجة المزاد قد تبدو ضعيفة، إذا جرى النظر فقط إلى انخفاض نسبة التغطية واتساع الفارق السعري، لكنها لا تبدو سيئة بالمقارنة مع متوسط المزادات السابقة والاتجاه العام للسوق.

وهذا التقييم مهم، لأن المستثمرين كانوا يترقبون المزاد باعتباره اختباراً جديداً لقدرة الحكومة اليابانية على جذب الطلب في بيئة أصبحت فيها العوائد عند أعلى مستوياتها منذ عقود. وفي بقية منحنى العائد، انخفض عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لسياسة بنك اليابان، بمقدار نصف نقطة أساس إلى 1.85 في المائة، بينما تراجع عائد الخمس سنوات نقطتين أساس إلى 2.290 في المائة، وانخفض عائد العشرين عاماً 8 نقاط أساس إلى 3.805 في المائة.

ويعكس هذا التراجع جزئياً تحولاً في المزاج العالمي؛ فقد انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية من أعلى مستوياتها في عدة سنوات، بعد صدور بيانات توظيف أضعف من المتوقَّع في القطاع الخاص الأميركي، بالتزامن مع تصريحات أكثر حذراً من رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز؛ ما خفف بعض الرهانات على رفع الفائدة الأميركية هذا الشهر.

وكانت أسواق السندات العالمية قد شهدت موجة بيع واسعة في الأيام السابقة، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتجدُّد المخاوف من التضخم، في ظل التوترات المستمرة في الشرق الأوسط.

• رأس المال يعود تدريجياً إلى الداخل

لكن الهدوء في سوق السندات اليابانية لا يلغي تحولاً أعمق بدأ يظهر في حركة رؤوس الأموال؛ فقد باع المستثمرون اليابانيون سندات أجنبية، للأسبوع الثاني على التوالي، حتى 29 أغسطس (آب)، وفق بيانات وزارة المالية، مع تسجيل صافي مبيعات بقيمة 824 مليار ين، أو نحو 5. 2 مليار دولار، من السندات الأجنبية طويلة الأجل. وتضيف هذه الأرقام دليلاً جديداً على أن المستثمر الياباني أصبح أقل اندفاعاً نحو شراء الدين الخارجي، مع ارتفاع العوائد المحلية وزيادة تكلفة التحوُّط من مخاطر العملات.

وفي الاتجاه المقابل، اشترى المستثمرون الأجانب سندات يابانية طويلة الأجل بقيمة صافية بلغت 509.1 مليار ين للأسبوع الثاني على التوالي، ما يشير إلى أن المستويات الحالية للعائد بدأت بالفعل تجذب رؤوس أموال خارجية.

وهذا التحوُّل مهم للأسواق العالمية، لأن اليابان كانت لعقود مصدراً رئيسياً للطلب على سندات الخزانة الأميركية والديون الأوروبية والأسترالية. وكلما أصبحت السندات اليابانية أكثر جاذبية، قلَّ الحافز أمام المستثمرين المحليين للبحث عن عوائد في الخارج.

• الين يستفيد من التشدُّد

وفي سوق العملات، واصل الين مكاسبه، مستفيداً من إعادة تسعير توقعات الفائدة اليابانية باتجاه أكثر تشدداً. ويعكس ذلك العلاقة المباشرة بين حركة العوائد وسعر الصرف؛ فكلما ارتفعت توقعات الفائدة في اليابان، تقلَّص جزء من الفجوة مع العوائد الأميركية؛ ما يمنح الين بعض الدعم بعد سنوات من الضعف. ويحمل هذا التطور بُعداً مهماً بالنسبة إلى بنك اليابان، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة للتعامل مع التضخم المستورد الناتج عن ضعف العملة. لكن ارتفاع الفائدة لا يأتي بلا تكلفة؛ فاليابان تحمل واحداً من أكبر أعباء الدين العام بين الاقتصادات المتقدمة، وأي ارتفاع مستدام في العوائد يرفع تدريجياً تكلفة خدمة الدين ويزيد الضغوط على الموازنة.

• الأسهم تبقى حذرة

وفي سوق الأسهم، ظل الحذر مسيطراً؛ فقد تراجع مؤشر «نيكي» للجلسة الرابعة على التوالي، منخفضاً 0.17 في المائة إلى 64214.48 نقطة، وهو أدنى إغلاق في شهر، بينما ارتفع «توبكس» الأوسع نطاقاً 0.5 في المائة. وقال ناوتو تاكاهاشي، المحلل في «أيزاوا للأوراق المالية»، إن تركيز السوق ينصب حالياً على أسعار الفائدة والعملات، وإن حالة عدم اليقين المحيطة بهما تدفع المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر.

وكان أداء أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي متبايناً، فيما تعرَّض قطاع الطاقة لضغوط مع تراجع أسعار النفط وغياب مؤشرات على تصعيد جديد في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

وبذلك، لا تمثل جلسة الخميس نهاية التوتر في سوق السندات اليابانية بقدر ما تمثل «استراحة مؤقتة» بعد موجة ارتفاع تاريخية في العوائد، فالاختبار الحقيقي سيظل مرتبطاً بمسار التضخم، وقرارات بنك اليابان، وحجم الإصدارات الحكومية المقبلة، ومدى استمرار المستثمرين اليابانيين في تقليص تعرضهم للسندات الخارجية.

وإذا استمرّت هذه الاتجاهات، فقد تتحول سوق السندات اليابانية من سوق كانت تعتمد تاريخياً على الفائدة المنخفضة والسيولة الضخمة إلى سوق تنافس فعلياً على رؤوس الأموال العالمية. أما مزاد الثلاثين عاماً، فقد منح طوكيو هدنة قصيرة، لكنه لم يغير الحقيقة الأساسية؛ وهي أن تكلفة المال في اليابان لم تعد كما كانت.


مقالات ذات صلة

باكستان تجمع 3 مليارات دولار في أكبر إصدار سندات دولي بتاريخها

الاقتصاد رجل يمرّ أمام متاجر مغلقة في سوق بمدينة كراتشي الباكستانية خلال إضرابٍ احتجاجيٍّ على ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود (رويترز)

باكستان تجمع 3 مليارات دولار في أكبر إصدار سندات دولي بتاريخها

أعلنت باكستان إتمام إصدار قياسي لسندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار، في أكبر صفقة سندات دولية تنفذها البلاد في عملية واحدة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)

نمو الهند القوي يثير جدلاً حول دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي

أثار النمو الاقتصادي القوي وغير المتوقع في الهند جدلاً واسعاً بشأن دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )
الاقتصاد أشخاص يجلسون في مقهى وسط موسكو (رويترز)

قطاع الخدمات الروسي يعود إلى النمو في أغسطس للمرة الأولى منذ 6 أشهر

عاد قطاع الخدمات في روسيا إلى مسار النمو خلال شهر أغسطس (آب) للمرة الأولى منذ ستة أشهر، مدعوماً بتجدد الارتفاع في حجم الإنتاج والمبيعات الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
تحليل إخباري وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس (أ.ب)

تحليل إخباري النفط الفنزويلي الثقيل يعقّد ملء الاحتياطي الأميركي... فهل تكون المقايضة الحل؟

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي تحدياً غير متوقع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تقرير إخباري وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)

تقرير إخباري رايت ينفي «سرقة» النفط الفنزويلي... وواشنطن تدفع باتجاه إعادة إحياء القطاع

رفض وزير الطاقة الأميركي كريس رايت اتهامات بأن واشنطن «تسرق النفط الفنزويلي»، بالتزامن مع توقيع شركات طاقة أميركية وأوروبية اتفاقات جديدة.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس)

باكستان تجمع 3 مليارات دولار في أكبر إصدار سندات دولي بتاريخها

رجل يمرّ أمام متاجر مغلقة في سوق بمدينة كراتشي الباكستانية خلال إضرابٍ احتجاجيٍّ على ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود (رويترز)
رجل يمرّ أمام متاجر مغلقة في سوق بمدينة كراتشي الباكستانية خلال إضرابٍ احتجاجيٍّ على ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود (رويترز)
TT

باكستان تجمع 3 مليارات دولار في أكبر إصدار سندات دولي بتاريخها

رجل يمرّ أمام متاجر مغلقة في سوق بمدينة كراتشي الباكستانية خلال إضرابٍ احتجاجيٍّ على ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود (رويترز)
رجل يمرّ أمام متاجر مغلقة في سوق بمدينة كراتشي الباكستانية خلال إضرابٍ احتجاجيٍّ على ضريبة البترول وارتفاع أسعار الوقود (رويترز)

أعلنت باكستان إتمام إصدار قياسي لسندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار، في أكبر صفقة سندات دولية تنفذها البلاد في عملية واحدة، في خطوة تعكس تحسناً في شهية المستثمرين تجاه اقتصادها وتدعم استراتيجية الحكومة لإدارة الدين وتنويع مصادر التمويل.

وقالت وزارة المالية الباكستانية، الخميس، إن الإصدار اجتذب طلبات بلغت نحو 6 مليارات دولار، أي ما يقارب ضعف حجم الطرح، من قاعدة واسعة ومتنوعة من المستثمرين المؤسساتيين في الأسواق العالمية ومناطق جغرافية مختلفة.

وتوزعت الصفقة على شريحتين، الأولى بقيمة 1.75 مليار دولار لأجل 5.5 سنة وبعائد اسمي قدره 7.5 في المائة، والأخرى بقيمة 1.25 مليار دولار لأجل 10 سنوات وبعائد اسمي قدره 7.9 في المائة.

وأشارت الوزارة إلى أن قوة الطلب على الشريحتين، ولا سيما السند لأجل 10 سنوات، تعكس استعداد المستثمرين لتوفير تمويل طويل الأجل لباكستان في ظل إعادة تقييمهم للتحسن في المؤشرات الاقتصادية والائتمانية للبلاد.

تحول في إدارة الدين

ولا تنظر الحكومة الباكستانية إلى الإصدار بصفته مجرد وسيلة للحصول على ديون إضافية، بل تضعه ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الالتزامات السيادية، تستهدف إطالة آجال الاستحقاق وتنويع مصادر التمويل وخفض مخاطر إعادة التمويل.

وتشمل الاستراتيجية استبدال جزء من الالتزامات قصيرة الأجل والأعلى تكلفة بتمويل أطول أجلاً عندما تكون الظروف الاقتصادية مواتية، إلى جانب تقليص مخاطر إعادة التمويل والاستحقاقات المتكررة.

وقالت الوزارة إن الهدف يتمثل في الاقتراض بشروط أفضل، وإطالة آجال الدين، وتنويع مصادر التمويل، وخفض مخاطر إعادة التمويل، وتحسين هيكل الدين السيادي.

ويأتي الإصدار أيضاً ضمن برنامج باكستان المتجدد للسندات العالمية متوسطة الأجل، وهو أول طرح يتم بموجبه استخدام البرنامج الجديد، بما يوفر للحكومة منصة أوسع وأكثر تنوعاً للوصول إلى أسواق رأس المال الدولية.

ثقة متجددة

وترى إسلام آباد أن نجاح الصفقة يمثل إشارة سوقية مهمة إلى تحسن نظرة المستثمرين إلى مسار الاقتصاد الباكستاني، بعد سلسلة من التحسينات في التصنيف الائتماني السيادي وزيادة القدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية.

وقالت وزارة المالية إن عمق دفتر الطلبات والتنوع الجغرافي للمستثمرين، إلى جانب الإقبال القوي على السند لأجل 10 سنوات، يمثل مؤشراً على تجدد الثقة في المسار الاقتصادي للبلاد على المديين المتوسط والطويل.

لكن الحكومة أقرَّت في الوقت نفسه بأن مسار الإصلاح لم يكتمل بعد، مشيرة إلى الحاجة إلى مواصلة الانضباط المالي والإصلاحات الهيكلية، وتحسين القدرة التنافسية للصادرات، وتعزيز الاستثمار والإنتاجية.

استكمال العودة إلى أسواق الدين

ويأتي الإصدار الجديد بعد عملية السندات الدولية التي نفذتها باكستان في أبريل (نيسان) 2026، عندما جمعت في البداية 500 مليون دولار من خلال سند لأجل ثلاث سنوات، قبل أن ترفع حجم الإصدار إلى 750 مليون دولار بعد تفعيل خيار الزيادة البالغ 250 مليون دولار نتيجة الطلب القوي من المستثمرين.

ويستحق ذلك السند في أبريل 2029.

كما سبقت الصفقة عملية سداد سند دولي بقيمة 1.4 مليار دولار استحق في أبريل؛ ما ساعد الحكومة على إعادة بناء مؤشر تسعير في أسواق الدين الدولية.

وتشير وزارة المالية إلى أن هذه الخطوات تأتي ضمن انتقال باكستان من مرحلة تثبيت الاقتصاد إلى بناء مسار أكثر استدامة للنمو، مع التركيز على تحسين هيكل الدين وتقليل الضغوط المرتبطة بإعادة التمويل.


نمو قطاع الخدمات البريطاني يتسارع في أغسطس مع ارتفاع ضغوط الأسعار

أشخاص يجلسون في منطقة مطاعم خارجية في كوفنت غاردن بلندن (رويترز)
أشخاص يجلسون في منطقة مطاعم خارجية في كوفنت غاردن بلندن (رويترز)
TT

نمو قطاع الخدمات البريطاني يتسارع في أغسطس مع ارتفاع ضغوط الأسعار

أشخاص يجلسون في منطقة مطاعم خارجية في كوفنت غاردن بلندن (رويترز)
أشخاص يجلسون في منطقة مطاعم خارجية في كوفنت غاردن بلندن (رويترز)

نما النشاط في قطاع الخدمات البريطاني المهيمن للشهر الثاني على التوالي في أغسطس (آب)، كما ارتفعت الثقة، وفقاً لمسح نُشر يوم الخميس، أظهر أيضاً أن مزيداً من الشركات أبلغ عن رفع الأسعار، في تطور قد يثير قلق بنك إنجلترا.

وارتفعت القراءة النهائية لمؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات في المملكة المتحدة، الصادر عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 52.5 نقطة في أغسطس، مقارنة بـ52.1 نقطة في يوليو (تموز)، مسجلة أقوى نمو منذ أبريل (نيسان). وجاءت قراءة الخميس أقل قليلاً من القراءة الأولية البالغة 52.8 نقطة، لكنها عززت مؤشرات مرونة الاقتصاد رغم الحرب.

وقال تيم مور، مدير الشؤون الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «أبرزت بيانات أغسطس تحسن ظروف التشغيل في قطاع الخدمات بالمملكة المتحدة. وشهد الإنفاق التجاري والاستهلاكي مزيداً من المكاسب بعد تراجعه خلال الربع الثاني من عام 2026».

وأفادت «ستاندرد آند بورز غلوبال» بأن مزيداً من الشركات أبلغ عن رفع أسعارها، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المدخلات، بعد تباطؤ في كلا المؤشرين خلال يوليو.

ويراقب بنك إنجلترا من كثب خطط التسعير لدى الشركات، في محاولة لتقييم مدى تأثير ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط على التضخم.

وارتفع التفاؤل بين شركات الخدمات إلى أعلى مستوى له منذ فبراير (شباط)، رغم المخاوف بشأن الحرب الإيرانية والتضخم.

وانخفض مؤشر الأعمال الجديدة في المسح بشكل طفيف إلى 50.7 نقطة في أغسطس، مقارنة بـ50.8 نقطة في يوليو. وتراجع التوظيف بأبطأ وتيرة له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مدعوماً بتحسن قنوات المبيعات وظروف السوق العامة.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات المركب، الذي يشمل قطاع التصنيع الأصغر حجماً، إلى 52.5 نقطة من 52.2 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أبريل.

الجنيه الإسترليني يرتفع قليلاً

ارتفع الجنيه الإسترليني قليلاً يوم الخميس، بعد أن سجل أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع في الجلسة السابقة، مدعوماً بارتفاع حاد في الين أدى إلى تراجع الدولار الأميركي، إلى جانب استقرار أسعار النفط.

وصعد الجنيه الإسترليني 0.1 في المائة إلى 1.35 دولار، بعدما انخفض إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع عند 1.348 دولار في الجلسة السابقة، مع ارتفاع الدولار باعتباره ملاذاً آمناً عقب تجدد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران.

ومع ذلك، أدى ارتفاع الين، الذي قال محللون إنه يعكس تزايد توقعات رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، إلى انخفاض الدولار على نطاق واسع يوم الخميس، رغم بقاء المحللين متيقظين لاحتمال تدخل السلطات اليابانية.

وفي غضون ذلك، تراجعت أسعار النفط من أعلى مستوى لها في أكثر من شهر، بعد يوم هادئ في الشرق الأوسط، مما أسهم في انخفاض خام برنت 1 في المائة إلى 95 دولاراً للبرميل.

ولم يشهد الجنيه الإسترليني تغيراً يُذكر مقابل اليورو، إذ بلغ سعر صرف اليورو 85.93 بنس.

وانحسرت موجة البيع في أسواق السندات العالمية يوم الخميس، والتي دفعت عائد السندات البريطانية القياسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007 في اليوم السابق، إذ انخفض العائد بأكثر من 3 نقاط أساس.

وأدى ارتفاع العائدات، الذي يُعد مؤشراً على تكاليف الاقتراض الحكومي، إلى تقليص هامش المناورة المتاح للحكومة في مواجهة قواعدها المالية، مما يشكل معضلة لرئيس الوزراء الجديد أندي بيرنهام، في الوقت الذي يستعد فيه وزير ماليته جون هيلي لتقديم الموازنة في أكتوبر.

وزادت الأسواق من توقعاتها بشأن رفع أسعار الفائدة حول العالم، بعدما أدى تجدد التوترات إلى ارتفاع أسعار الطاقة، إذ بات المتداولون يتوقعون أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة بحلول نهاية العام، وأن يجري رفعاً آخر بحلول مارس (آذار).

وقال مارك هيفيل، كبير مسؤولي الاستثمار في إدارة الثروات العالمية لدى «يو بي إس»، في مذكرة للعملاء يوم الخميس، إن الجنيه الإسترليني يبدو جذاباً.

وأضاف: «ما زلنا ننظر إلى الجنيه الإسترليني بإيجابية، مدعومين بتحسن الثقة في الأصول البريطانية، وبيئة سياسية أكثر استقراراً مالياً، وإمكانية تقليص المستثمرين مراكز البيع على المكشوف الكبيرة المتبقية».

كما أشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات البريطانية يعزز جاذبية الجنيه الإسترليني.

وارتفع الجنيه الإسترليني ارتفاعاً طفيفاً هذا العام مقابل الدولار، بينما انخفض اليورو بأكثر من 1 في المائة، مدعوماً ببعض المؤشرات على أن أداء الاقتصاد البريطاني جاء أفضل من المتوقع.


نمو الهند القوي يثير جدلاً حول دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي

منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)
TT

نمو الهند القوي يثير جدلاً حول دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي

منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)
منظر عام لأفق مدينة مومباي (رويترز)

أثار النمو الاقتصادي القوي وغير المتوقع في الهند جدلاً واسعاً بشأن دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي، بعدما شكك مسؤول حكومي سابق ومحافظ سابق للبنك المركزي في بعض جوانب احتساب معدل النمو، في وقت دافعت فيه الحكومة عن منهجية الإحصاءات الرسمية.

وأظهرت بيانات حكومية صدرت يوم الاثنين أن خامس أكبر اقتصاد في العالم نما بنسبة 7.8 في المائة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو (حزيران)، مقارنةًً بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً توقعات المحللين البالغة 7.1 في المائة في استطلاع أجرته «رويترز».

وجاء النمو مدعوماً بطفرة في الاستثمارات، وقوة قطاع الصناعات التحويلية، إلى جانب استمرار متانة الطلب الاستهلاكي.

ما الذي أثار الجدل؟

بدأت التساؤلات بعدما قال سوبهاش تشاندرا غارغ، المسؤول السابق الرفيع في وزارة المالية، لوسائل إعلام هندية، إن معدل النمو المعلن قد يكون مبالغاً فيه، مشيراً إلى أن الحكومة خفضت قيمة الناتج المحلي الإجمالي للفترة نفسها من العام السابق، والتي تشكل قاعدة الأساس المستخدمة لاحتساب معدل النمو.

كما شكك راغورام راجان، المحافظ السابق لبنك الاحتياطي الهندي، في مدى اتساق معدل النمو المرتفع مع بعض المؤشرات الاقتصادية الأخرى، متسائلاً عن سبب عدم انعكاس قوة الناتج المحلي الإجمالي بصورة أكبر على خلق فرص العمل والاستثمار المحلي وتدفقات الاستثمارات الأجنبية في المحافظ المالية.

ولم تقتصر الانتقادات على طريقة تحديد سنة الأساس. فقد شكك بعض خبراء الاقتصاد في القطاع الخاص أيضاً في دقة معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وهو المقياس المستخدم لاستبعاد أثر التضخم من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للوصول إلى معدل النمو الحقيقي.

ويرى هؤلاء الخبراء أن انخفاض معامل الانكماش قد يعني أن التضخم جرى تقديره بأقل من مستواه الفعلي مقارنةًً ببعض مؤشرات الأسعار الأخرى، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى رفع معدل النمو الحقيقي المحسوب.

واستغلت المعارضة الهندية الجدل، الذي انتشر أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي، لانتقاد حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. ووصف مسؤول بارز في حزب المؤتمر معدل النمو البالغ 7.8 في المائة بأنه «ألعاب بهلوانية إحصائية».

تأتي هذه الانتقادات في وقت تواجه فيه حكومة مودي ضغوطاً متزايدة بشأن سوق العمل والفرص المتاحة للشباب، خصوصاً بعد أن دفع احتجاج شبابي وزير التعليم إلى الاستقالة في يوليو (تموز)، في خطوة عُدّت مؤشراً أوسع على الاستياء من نقص فرص العمل، إلى جانب قضايا الفساد في قطاع التعليم.

كيف ترد الحكومة؟

في محاولة للرد على هذه الانتقادات، عقدت وزارة الإحصاءات الهندية مؤتمراً صحافياً مساء الأربعاء، تناولت خلاله انتقادات غارغ خصوصاً، الذي ألّف في عام 2025 كتاباً بعنوان «لا يا معالي الوزير»، تناول فيه خلافاته مع القيادة السياسية.

ودافع مسؤول بارز في الوزارة عن التغييرات التي أدخلتها الحكومة على طريقة احتساب الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن تحديث المنهجية، الذي طُبق في فبراير (شباط)، جاء بعد مشاورات واسعة، وأن الهدف منه هو تقديم صورة أكثر دقة عن الاقتصاد الهندي.

تُلحَم ألواح السيارات باستخدام آلات روبوتية بمصنع شركة «ماروتي سوزوكي» في مانيسار بولاية هاريانا شمال الهند (رويترز)

وقالت الحكومة إن المنهجية الجديدة، التي تضمنت تحديث سنة الأساس وتحسين مصادر البيانات، خفضت القيمة الاسمية للناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) 2025 إلى 80 تريليون روبية (نحو 850 مليار دولار)، مقارنةً بـ86.05 تريليون روبية وفق سلسلة الناتج المحلي الإجمالي السابقة.

وتبرز أهمية هذا التغيير في قاعدة المقارنة عند النظر إلى معدل النمو. فلو استُخدمت قاعدة الأساس القديمة في بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصادرة يوم الاثنين، لبلغ النمو الاسمي 2.6 في المائة فقط، مقارنةً بـ10.3 في المائة وفق السلسلة الجديدة.

لكن الحكومة تقول إن المقارنة المباشرة بين الرقمين مضللة، لأنهما يستندان إلى سلسلتين إحصائيتين مختلفتين ومنهجيتين غير متطابقتين.

ولم يقتصر تحديث فبراير على تغيير سنة الأساس بأكثر من عقد، بل شمل أيضاً تحسين مصادر البيانات وتوسيع نطاق السلع والخدمات الداخلة في حسابات الناتج المحلي الإجمالي.

وقال أمين وزارة الإحصاءات للصحافيين إن المراجعات الفصلية التي أُجريت خلال السنوات الثلاث الماضية تحركت في الاتجاهين، في حين كانت التعديلات السنوية محدودة نسبياً.

ماذا عن معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي؟

تتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف حول الأسعار المستخدمة لتحويل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي إلى الناتج الحقيقي.

فقد بلغ معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (تموز) 2.3 في المائة، وهو مستوى أقل بكثير من تضخم أسعار التجزئة الذي تجاوز 4 في المائة، ومن تضخم أسعار الجملة الذي تجاوز 9 في المائة.

وتقول الحكومة إن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة وجود خطأ في البيانات، موضحةً أن المنهجية الجديدة تستخدم أسلوباً مقبولاً عالمياً يعرف باسم «الانكماش المزدوج»، حيث يجري تعديل قيمة الناتج وتكلفة المدخلات، كل على حدة، وفقاً للتغيرات في الأسعار.

وأضاف أمين وزارة الإحصاءات أن السلسلة الجديدة تستخدم مؤشراً أكثر تفصيلاً لأسعار المنتجين، يضم أكثر من 300 معامل انكماش للمدخلات والمخرجات، مقارنةً بنحو 180 في السلسلة السابقة.

هل تتوافق بيانات الناتج المحلي الإجمالي مع مؤشرات الاقتصاد الأخرى؟

تشير بعض البيانات الاقتصادية عالية التواتر إلى أن الاقتصاد الهندي لا يزال يتمتع بزخم قوي.

فقد ارتفعت مبيعات السيارات بنسبة 21 في المائة في أغسطس (آب)، بينما بلغ نمو الائتمان المصرفي 19 في المائة، وهو أعلى مستوى له في عقد، كما ارتفع صافي الإيرادات من الضرائب المباشرة بأكثر من 23 في المائة على أساس سنوي خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس.

لكن الصورة ليست متجانسة تماماً. فقد تراجع مؤشر مديري المشتريات، وهو مؤشر يعتمد على مسوح لنشاط الشركات، إلى أدنى مستوياته في عدة سنوات، مما يشير إلى أن بعض جوانب النشاط الاقتصادي قد لا تتوسع بالسرعة نفسها التي توحي بها أرقام الناتج المحلي الإجمالي.

كما لا يزال خبراء الاقتصاد منقسمين بشأن تفسير انخفاض معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي.

وقالت شركة «آي سي آي سي آي سيكيوريتيز برايمري ديلرشيب» ومقرها مومباي، إن انخفاض معامل الانكماش مقارنةً بمعدلات تضخم أسعار الجملة والمستهلكين يمكن تفسيره بارتفاع أسعار المدخلات بوتيرة أسرع من أسعار المخرجات.

في المقابل، يرى خبراء الاقتصاد في «سوسيتيه جنرال» أن انخفاض معامل الانكماش يثير تساؤلات حول مدى قوة النشاط الاقتصادي الحقيقي.

وبذلك، لا يدور الجدل في الهند حول ما إذا كان الاقتصاد ينمو أم لا، إذ تشير مجموعة من المؤشرات إلى استمرار قوة النشاط، وإنما يتمحور بصورة كبرى حول مدى قوة هذا النمو، وكيفية قياسه، وما إذا كانت بيانات الناتج المحلي الإجمالي تعكس بالكامل الواقع الاقتصادي الذي يواجهه المستهلكون والشركات وسوق العمل.