اقتصاد بريطانيا يستقبل حكومة بيرنهام بأداء أفضل... والتحديات تتزايد

تعافٍ تقوده الخدمات وسط ضغوط الطاقة وعدم اليقين السياسي

منطقة أندربانكس في ستوكبورت بريطانيا (رويترز)
منطقة أندربانكس في ستوكبورت بريطانيا (رويترز)
TT

اقتصاد بريطانيا يستقبل حكومة بيرنهام بأداء أفضل... والتحديات تتزايد

منطقة أندربانكس في ستوكبورت بريطانيا (رويترز)
منطقة أندربانكس في ستوكبورت بريطانيا (رويترز)

جاءت أحدث بيانات الاقتصاد البريطاني لتمنح الحكومة المقبلة دفعة معنوية قبل انتقال السلطة إلى أندي بيرنهام يوم الاثنين، بعدما تجاوز الأداء الاقتصادي توقعات الأسواق وعاد إلى النمو في مايو (أيار)، مدفوعاً بمرونة قطاع الخدمات. غير أن هذا التحسن لا يحجب التحديات التي تنتظر الحكومة الجديدة، مع استمرار ضغوط الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع تكاليف الطاقة، والغموض الذي يحيط بمسار السياسة الاقتصادية في المرحلة المقبلة.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني، الخميس، أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع 0.1 في المائة خلال مايو، متوافقاً مع توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، بعد انكماش بنسبة 0.1 في المائة في أبريل (نيسان).

ورغم أن الزيادة الشهرية جاءت محدودة، فإن الاقتصاد حقق نمواً بلغ 0.7 في المائة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مايو، في إشارة إلى استمرار قدر من المرونة في النشاط الاقتصادي رغم الضغوط الداخلية والخارجية.

غير أن هذا التحسن لا يزال يُنظر إليه بحذر، إذ بدأت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تنعكس على الاقتصاد البريطاني من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن، الأمر الذي زاد الضبابية بشأن آفاق الاقتصاد، ودفع عدداً من المؤسسات الاقتصادية إلى خفض توقعاتها للنمو خلال العام الحالي.

وفي هذا السياق، أكد محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، أن التحدي الذي يواجه الاقتصاد البريطاني لا يقتصر على التطورات الراهنة، بل يعكس مشكلة هيكلية تتمثل في ضعف النمو منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي تفاقمت لاحقاً بفعل جائحة «كورونا»، والحرب في أوكرانيا، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست). ودعا الحكومة المقبلة إلى إعطاء الأولوية لتعزيز النمو الاقتصادي، مشدداً على أن «القضية ليست مرتبطة بحكومة بعينها، بل بمسار نمو الاقتصاد البريطاني».

ومن المقرر أن يخلف بيرنهام، الاثنين المقبل، كير ستارمر في رئاسة الوزراء، وسط توقعات بتغيير وزيرة المالية راشيل ريفز وتعيين شابانا محمود خلفاً لها، وفق تقارير إعلامية بريطانية.

بيرنهام يتسلم زمام رئاسة الحكومة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

قطاع الخدمات يقود النمو

جاء النمو مدفوعاً بارتفاع نشاط قطاع الخدمات بنسبة 0.3 في المائة خلال مايو، بينما تراجع الإنتاج الصناعي 0.5 في المائة، وانخفض قطاع البناء 0.8 في المائة، بما يعكس استمرار ضعف القطاعات الأكثر حساسية لارتفاع تكاليف التمويل والطاقة.

وأوضح مكتب الإحصاءات الوطني أن النمو في قطاع الخدمات خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مايو جاء بدعم من أنشطة برمجة الحاسوب والإعلانات، إضافة إلى صناعة الأدوية، التي تشهد تقلبات كبيرة بطبيعتها.

كما سجل قطاع الأبحاث والتطوير في العلوم الطبية نمواً قوياً خلال مايو، في مؤشر على استمرار قوة القطاعات المعتمدة على التكنولوجيا والابتكار.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي 1.3 في المائة، مسجلاً أسرع وتيرة نمو خلال 10 أشهر.

تحسن في الأداء... وتحديات تنتظر الحكومة

تشير البيانات إلى أن الحكومة الحالية تسلم الاقتصاد إلى رئيس الوزراء الجديد أندي بيرنهام في وضع أفضل نسبياً مقارنة بالأشهر السابقة، غير أن البيئة الاقتصادية أصبحت أكثر تعقيداً مع تصاعد الحرب في الخليج واستمرار حالة عدم اليقين السياسي.

وقال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بريميير ميتون»، نيل بيريل، إن حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية للحكومة الجديدة قد تؤثر سلباً في النمو خلال الأشهر المقبلة.

وأضاف أن الشركات والمستهلكين على الأرجح سيؤجلون قرارات الاستثمار والتوظيف والإنفاق إلى حين اتضاح توجهات الحكومة الجديدة، مشيراً إلى أن الاقتصاد البريطاني لا يزال ينطلق من قاعدة نمو ضعيفة.

في المقابل، رأى كبير الاقتصاديين البريطانيين في «دويتشه بنك»، سانجاي راجا، أن البيانات تحمل مؤشرات أكثر إيجابية، متوقعاً أن يحتل الاقتصاد البريطاني موقعاً متقدماً بين اقتصادات مجموعة السبع من حيث النمو خلال الربع الثاني. وأضاف: «باختصار، يسلم كير ستارمر الاقتصاد إلى خلفه وهو في وضع أفضل بكثير مما كان عليه قبل عام».

وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دعت يوم الأربعاء الحكومة الجديدة إلى الحفاظ على الانضباط المالي، والسيطرة على الإنفاق المتزايد على المعاشات التقاعدية، ومعالجة ارتفاع أسعار الطاقة، باعتبارها خطوات ضرورية لتسريع النمو الاقتصادي.

وتوقعت المنظمة نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.9 في المائة خلال العام الحالي، و1.1 في المائة في عام 2027، في حين أشارت إلى أن أداء بريطانيا في عام 2026 سيكون الأفضل بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى.

منطقة أندربانكس في ستوكبورت بريطانيا (رويترز)

الحرب تعيد رسم خريطة واردات الطاقة

هذا وكشفت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني عن تغير لافت في مصادر واردات الطاقة البريطانية نتيجة الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز. وأوضح المكتب أن واردات المملكة المتحدة من النفط المكرر من السعودية والكويت وقطر انخفضت إلى الصفر خلال مايو، بعد تعطل الإمدادات المرتبطة بإغلاق المضيق.

وفي المقابل، ارتفعت واردات النفط المكرر من الولايات المتحدة إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مستوياتها المسجلة في فبراير (شباط)، كما تضاعفت تقريباً الواردات القادمة من بلجيكا وهولندا، في تحول يعكس سعي بريطانيا إلى تنويع مصادر الإمدادات وتقليل اعتمادها على الشحنات العابرة للخليج.

وفي جانب آخر، أظهرت البيانات تقلص العجز التجاري البريطاني في السلع إلى 18.7 مليار جنيه إسترليني خلال مايو، وهو أدنى مستوى منذ يناير (كانون الثاني)، مقارنة مع 24.6 مليار جنيه إسترليني في أبريل، وبأداء أفضل من توقعات الأسواق.



ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
TT

ارتفاع تكلفة التأمين ضد التعثر يثير مخاوف بشأن استثمارات الذكاء الاصطناعي

اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)
اختصار «الذكاء الاصطناعي» خلال مؤتمر «فيفاتك» للتكنولوجيا في باريس 18 يونيو 2026 (رويترز)

بلغت تكلفة التأمين ضد مخاطر التخلف المحتمل عن سداد الديون لدى شركات التكنولوجيا الأميركية مستويات قياسية، في أحدث مؤشر على تنامي الضغوط الائتمانية المرتبطة بما يُعرف بـ«استثمارات الذكاء الاصطناعي»، ولا سيما مراكز البيانات التي تعتمد على إيرادات مستقبلية.

ورغم أن أسهم الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي لا تزال من بين أكبر الرابحين في أسواق الأسهم العالمية هذا العام، فإن كثيراً منها شهد تراجعاً حاداً خلال الأسابيع القليلة الماضية، مع إعادة المستثمرين تقييم تكلفة رأس المال في ظل ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، وفق «رويترز».

كما تساور بعض المستثمرين والمحللين الشكوك بشأن توقيت تحقيق عوائد على الاستثمارات التي تُضخ بمليارات الدولارات في مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية وغيرها من البنى التحتية، بل حتى بشأن احتمالات تحقيق هذه العوائد من الأساس.

وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان، وهي أدوات توفر حماية من مخاطر التعثر المالي واكتسبت أهمية كبيرة خلال الأزمة المالية في عام 2008، حتى بالنسبة إلى شركات كبرى مثل «أبل» و«أمازون» و«مايكروسوفت».

أما الشركات المنافسة لهذه المؤسسات أو مورّدوها أو عملاؤها، ممن يتحملون أعباء ديون أكبر، فقد ارتفعت تكلفة هذه العقود لديهم بوتيرة أسرع.

ما عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

هي أدوات مالية مشتقة توفر حماية من مخاطر عجز الجهة المُصدرة للسندات، سواء كانت شركة أو حكومة، عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

ويتوقع مستثمرو السندات الحصول على مدفوعات الفائدة واسترداد أصل المبلغ عند الاستحقاق، لكنهم يواجهون احتمال عدم سداد هذه المستحقات.

ويساعد شراء عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المستثمرين على التحوط من هذه المخاطر؛ إذ تعمل فعلياً كنوع من التأمين ضد التخلف عن السداد أو وقوع أحداث ائتمانية أخرى. فعلى سبيل المثال، إذا انخفضت قيمة سند ما لأي سبب، فقد يلجأ المستثمر إلى زيادة حيازته من هذه العقود لتعويض جزء من الخسائر.

وتجدر الإشارة إلى أن أياً من الشركات التي ارتفعت تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بها مؤخراً لم تتخلف عن سداد التزاماتها، ولم تشر إلى احتمال حدوث ذلك.

هل هذه سوق ضخمة؟

وفقاً للجمعية الدولية للمقايضات والمشتقات (ISDA)، يبلغ حجم سوق عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان المرتبطة بجهة واحدة (Single-name CDS)، التي تغطي سندات مُصدر واحد، نحو 9 تريليونات دولار. وتشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن هذا الحجم يمثل جزءاً صغيراً من أسواق السندات العالمية، التي تتجاوز قيمة أوراقها المالية القائمة 150 تريليون دولار.

وتُعد العقود المرتبطة بالديون الحكومية الأكبر ضمن سوق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان.

ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة «ديبوزيتوري ترست آند كليرينغ كوربوريشن» بلغ متوسط التداول اليومي في سوق هذه العقود ككل 16 مليار دولار خلال الربع الثاني، مقارنة بـ13 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.

ومع ذلك، قد تظل أحجام التداول اليومية محدودة، حتى بالنسبة إلى عقود الشركات الكبرى، وقد تقتصر أحياناً على أرقام أحادية. وهذا يعني أن صفقات صغيرة نسبياً قد تؤثر في الأسعار بدرجة غير متناسبة مع حجمها.

من يشتري عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان؟

عادةً ما يشتري مستثمرو السندات هذه العقود من خلال وسيط، غالباً ما يكون بنكاً استثمارياً، يتولى بدوره ترتيب الحماية مع مؤسسة مالية توفرها. وتُصنف هذه الصفقات ضمن المعاملات التي تتم خارج البورصة (over-the-counter)، أي أنها لا تمر عبر غرفة مقاصة مركزية.

وتشارك صناديق التحوط أيضاً في هذه السوق، إذ تبيع عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان إلى مستثمرين يسعون إلى التحوط من مخاطر محددة.

ويدفع المشتري رسوماً دورية تُعرف باسم «القسط» (premium) إلى البائع، الذي يتحمل في المقابل مخاطر وقوع حدث ائتماني، مثل التخلف عن السداد.

وتُسعّر هذه العقود بناءً على ما يُعرف بـ«الهامش الائتماني» (credit spread)، وهو عدد نقاط الأساس (basis points) التي يتقاضاها بائع العقد من المشتري مقابل توفير الحماية. وكلما ارتفعت المخاطر المتصورة لوقوع حدث ائتماني، اتسع الهامش.

فعلى سبيل المثال، إذا بلغ هامش عقد مقايضة التخلف عن سداد الائتمان 100 نقطة أساس، فهذا يعني أن تكلفة التأمين تبلغ دولاراً واحداً سنوياً لكل 100 دولار من الديون المشمولة بالحماية.

ما الذي يحدث في سوق هذه العقود لدى شركات التكنولوجيا؟

تُظهر بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» أن تكلفة عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بشركة «كور ويف» وهي شركة لتشغيل مراكز البيانات مثقلة بالديون وتقع في قلب الاضطرابات الحالية، تجاوزت 1000 نقطة أساس.

وتشير هذه الأسعار إلى ارتفاع احتمال التعثر الضمني في السداد إلى نحو 63 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بنحو 30 في المائة قبل عام.

وتعكس تحركات أسعار هذه العقود في قطاع التكنولوجيا قلق المستثمرين بشأن سرعة تحول الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح، ومدى قدرة الشركات المثقلة بالديون على تحقيق عوائد كافية بالسرعة المطلوبة لتغطية تكاليف الفوائد المتنامية.

كما جرى تداول عقود مقايضة مخاطر الائتمان الخاصة بشركة «أوراكل» عند نحو 300 نقطة أساس، وهو مستوى أعلى بكثير من مستويات العقود لدى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وارتفعت هذه العقود الخاصة بشركة «إنفيديا» بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة إلى نحو 90 نقطة أساس، في حين بلغت نحو 104 نقاط أساس لدى شركة «ميتا».

وللمقارنة، يُتداول مؤشر عقود مقايضة مخاطر الائتمان للجهات المصنفة ضمن فئة الدرجة الاستثمارية عند نحو 60 نقطة أساس.

ما الذي يؤدي إلى صرف تعويضات عقود مقايضة مخاطر الائتمان؟

يُصرف التعويض بموجب هذه العقود عند وقوع حدث ائتماني محدد، قد يشمل الإفلاس أو عجز الجهة المُصدرة عن سداد مستحقات السندات.

وعندما تزداد المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية للجهة المُصدرة، يرتفع الطلب عادةً على الحماية، ما يؤدي إلى اتساع هوامش عقود مقايضة مخاطر الائتمان.

إذا كانت هذه العقود توفر التأمين فأين تكمن المشكلة؟

توفر عقود مقايضة مخاطر الائتمان وسيلة للتحوط أمام حاملي السندات. لكن ارتفاع المخاطر المتوقعة يزيد تكلفة الحماية، ما قد يدفع المستثمرين إلى بيع السندات، ويرفع تكاليف الاقتراض على الجهات المُصدرة.

وقد تؤدي هذه التطورات إلى تفاقم المخاوف بشأن الجدارة الائتمانية، بما يخلق حلقة مفرغة تزداد فيها تكاليف الاقتراض مع ارتفاع المخاطر، الأمر الذي يزيد بدوره الضغوط المالية على الشركات.


«المنتدى الاقتصادي العالمي» قد يختار لاغارد رئيسة له في نوفمبر

كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)
كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)
TT

«المنتدى الاقتصادي العالمي» قد يختار لاغارد رئيسة له في نوفمبر

كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)
كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)

قد يعيِّن «المنتدى الاقتصادي العالمي» كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، رئيسةً جديدة لمجلس أمنائه في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في خطوة من شأنها أن تعجِّل بمغادرتها منصبها الحالي وتفتح الباب أمام إعادة ترتيب المناصب القيادية في البنك، وفق 4 مصادر مطلعة على شؤون المنتدى تحدثت إلى «رويترز».

ومن المقرر أن يجتمع مجلس أمناء المنتدى في 2 نوفمبر، وقد يصوِّت خلال الاجتماع على اختيار لاغارد، التي تتمتع بدعم واسع داخل المجلس، وفق المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها نظراً إلى حساسية المسألة. ولم يُتَّخذ قرار نهائي بعد، في حين قد يكتفي المجلس بتحديد موعد لاحق للتصويت، بما يتيح الإعلان عن لاغارد رئيسةً معيّنة قبل الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس خلال يناير (كانون الثاني).

ومن شأن مغادرة لاغارد البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) 2027 أن تتيح لقادة الاتحاد الأوروبي اختيار خلف لها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع العام المقبل، وسط مخاوف في الأوساط السياسية الأوروبية من أن يؤدي فوز اليمين المتطرف إلى تعقيد المفاوضات بشأن التعيينات الأوروبية.

وكانت لاغارد، وزيرة المالية الفرنسية السابقة البالغة 70 عاماً، قد أكدت أنها ستبقى في منصبها حتى العام المقبل، لكنها لم تتعهد بالاستمرار حتى نهاية ولايتها الرسمية.

إعادة ترتيب المناصب القيادية

وقد تفتح مغادرتها المبكرة الباب أمام اتفاق أوسع بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن المناصب القيادية في البنك المركزي، في وقت يشهد فيه المجلس التنفيذي تغييرات مرتقبة. فإلى جانب شغور محتمل في منصب الرئيس، يأتي ذلك بعد استقالة إيزابيل شنابل الشهر الماضي، بينما تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار) المقبل.

وتشير التوقعات إلى أن كلاوس نوت الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هيرنانديز دي كوس المحافظ السابق للبنك المركزي الإسباني، من أبرز المرشحين لخلافة لاغارد. وفي المقابل، تسعى فرنسا، وفق المصادر، إلى الحصول على منصب كبير الاقتصاديين، بينما تعتزم ألمانيا ترشيح خلف لشنابل، المسؤولة عن عمليات السوق في البنك.

ويضم مجلس أمناء المنتدى الاقتصادي العالمي شخصيات من القطاعين العام والخاص، من بينها لاري فينك الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك»، وأندريه هوفمان نائب رئيس «روش»، اللذان يتشاركان رئاسة المجلس، إلى جانب كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، والملكة رانيا العبد الله.


صندوق النقد يدعو الصين إلى تحفيز مالي أكبر

شاحنات تحمل الفحم في ميناء البضائع بمدينة ليانينغانغ الصينية (أ.ف.ب)
شاحنات تحمل الفحم في ميناء البضائع بمدينة ليانينغانغ الصينية (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد يدعو الصين إلى تحفيز مالي أكبر

شاحنات تحمل الفحم في ميناء البضائع بمدينة ليانينغانغ الصينية (أ.ف.ب)
شاحنات تحمل الفحم في ميناء البضائع بمدينة ليانينغانغ الصينية (أ.ف.ب)

دعا صندوق النقد الدولي الصين إلى توسيع إجراءات التحفيز المالي بصورة ملموسة، محذراً من أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يزال يواجه خطر الانزلاق إلى الانكماش السعري، في ظل ضعف الطلب المحلي، واستمرار أزمة القطاع العقاري، رغم الأداء القوي للصادرات.

وقال كريشنا سرينيفاسان، مدير إدارة آسيا والمحيط الهادي في صندوق النقد الدولي، خلال مؤتمر صحافي الخميس، إن الإجراءات المالية التي اتخذتها بكين لدعم الاقتصاد تمثل خطوة إيجابية، لكنها لا تزال محدودة من حيث الحجم، والنطاق، ولا تكفي لمعالجة الاختلالات التي تعوق تعافي الطلب المحلي.

وأضاف: «نرحب بالدعم المالي الذي قدمته الصين للاقتصاد، لكننا نرى أنه محدود للغاية من حيث الحجم، والنطاق».

وتأتي هذه الدعوة بالتزامن مع توقعات جديدة للصندوق تشير إلى تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني إلى 4.5 في المائة خلال عام 2026، مقارنة بنمو بلغ 5 في المائة في 2025، على أن يتراجع النمو بصورة إضافية إلى 4 في المائة في 2027.

وتعكس هذه التوقعات استمرار التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الصيني، وفي مقدمتها ضعف إنفاق الأسر، وتراجع الثقة في سوق العقارات، والاعتماد الكبير على الطلب الخارجي لدعم النشاط الاقتصادي.

وأوضح سرينيفاسان أن الجزء الأكبر من النمو الصيني لا يزال مدفوعاً بالطلب الخارجي، مشيراً إلى أن إعادة التوازن الاقتصادي نحو الاستهلاك المحلي، التي يدعو إليها الصندوق منذ سنوات، لم تتحقق بالقدر المطلوب.

وقال إن الصين تحتاج إلى قدر أكبر بكثير من التحفيز المالي خلال المدى القريب، إلى أن يتمكن الاقتصاد من استعادة زخم الأسعار، والابتعاد عن مخاطر الانكماش.

ويشير الانكماش السعري إلى تراجع المستوى العام للأسعار، وهو وضع قد يبدو إيجابياً للمستهلكين في البداية، لكنه يحمل مخاطر اقتصادية إذا استمر لفترة طويلة، إذ قد يدفع الأسر إلى تأجيل مشترياتها توقعاً لمزيد من انخفاض الأسعار.

كما يؤدي ضعف الأسعار إلى الضغط على إيرادات الشركات، وأرباحها، ويزيد العبء الحقيقي للديون، ما قد يحد من الاستثمار، والتوظيف، ويضعف النشاط الاقتصادي.

وتواجه الصين هذه المخاطر في وقت تظهر فيه قطاعات التصدير والتكنولوجيا قدرة ملحوظة على النمو، بينما يظل الطلب الاستهلاكي المحلي أقل قوة، ما يوسع الفجوة بين أداء القطاعات الموجهة إلى الخارج وتلك المعتمدة على السوق الداخلية.

ويرى صندوق النقد أن معالجة هذا الاختلال تتطلب سياسة مالية أكثر فاعلية في دعم الأسر، وتحسين ثقتها في آفاق الاقتصاد، بدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على الاستثمار والإنتاج الموجهين إلى التصدير.

وتكتسب هذه التوصية أهمية خاصة مع استمرار قوة الصادرات الصينية التي أسهمت في دعم النمو، لكنها تثير في الوقت نفسه توترات تجارية متزايدة مع عدد من الشركاء الاقتصاديين.

فالاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتغيرات في الطلب العالمي، والرسوم الجمركية، والإجراءات الحمائية، وهو ما يعزز الحاجة إلى تنشيط الاستهلاك المحلي بوصفه مصدراً أكثر استدامة للنمو.

وفي هذا السياق جدد سرينيفاسان تحذيراته من استمرار أزمة العقارات الصينية، قائلاً إنها «استمرت لفترة أطول مما ينبغي».

وأكد ضرورة اتخاذ إجراءات لإعادة تأهيل القطاع العقاري، إلى جانب تعزيز ثقة الأسر، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية.

ويمثل قطاع العقارات أحد أبرز مصادر الضغوط على الاقتصاد الصيني، نظراً إلى ارتباطه بثروة الأسر، والتمويل المحلي، والطلب على مواد البناء، والخدمات المرتبطة بالتشييد.

وقد يؤدي استمرار ضعف القطاع إلى إضعاف ثقة المستهلكين، خصوصاً لدى الأسر التي ترتبط نسبة كبيرة من مدخراتها بالأصول العقارية.

ومن شأن تحسين أوضاع السوق العقارية أن يساعد على استعادة الثقة، لكنه يتطلب معالجة المشكلات القائمة بصورة تضمن استقرار القطاع دون إعادة إنتاج الاختلالات السابقة.

كما أن توسيع شبكات الأمان الاجتماعي يمكن أن يشجع الأسر على زيادة إنفاقها، من خلال تقليل الحاجة إلى الاحتفاظ بمدخرات كبيرة لمواجهة تكاليف العلاج، والتقاعد، وغيرها من النفقات المستقبلية.

وتبرز هنا أهمية توجيه التحفيز المالي نحو دعم القدرة الشرائية للأسر، وتحسين الخدمات الاجتماعية، بما يساعد على رفع الطلب الداخلي، وتقليل الاعتماد على الصادرات.

وفي المقابل، تواجه السلطات الصينية تحدياً في تحديد حجم التحفيز المناسب، وآليات تمويله، بما يضمن دعم الاقتصاد دون زيادة الضغوط على الموازنات المحلية، أو توجيه الموارد إلى مشروعات محدودة العائد.

وتشير دعوة صندوق النقد إلى أن الإجراءات التدريجية قد لا تكون كافية إذا استمرت الضغوط الانكماشية وضعف الثقة، خصوصاً مع توقع تباطؤ النمو خلال العام المقبل.

ومن الناحية الاستثمارية، سيكون اتجاه السياسة المالية الصينية عاملاً مهماً في تحديد آفاق قطاعات التجزئة، والخدمات، والعقارات، إلى جانب الشركات الصناعية التي تعتمد على الطلب المحلي.

كما أن نجاح بكين في تنشيط الاستهلاك قد يخفف اعتماد الشركات على الأسواق الخارجية، ويحد تدريجياً من الاختلالات التجارية التي أصبحت محوراً رئيساً في علاقات الصين مع شركائها.

وفي المحصلة، يضع صندوق النقد الدولي أمام الصين أولوية اقتصادية واضحة تتمثل في الانتقال من النمو المدفوع بالصادرات إلى نموذج أكثر اعتماداً على الاستهلاك المحلي.

وبينما تواصل القطاعات التصديرية دعم النشاط الاقتصادي، فإن استدامة التعافي ستعتمد بدرجة متزايدة على معالجة أزمة العقارات، وتعزيز ثقة الأسر، وتوسيع نطاق الدعم المالي.

وستكون الخطوات التي تتخذها بكين خلال الفترة المقبلة حاسمة في تحديد قدرتها على احتواء مخاطر الانكماش السعري، وتحقيق توازن أكبر بين الطلب المحلي والخارجي، والحفاظ على نمو مستقر خلال عامي 2026 و2027.