ضغوط تركية لرفع تشغيل خط «كركوك - جيهان» لكامل طاقته قبل مهلة 27 يوليو

أنقرة ترفض التمديد التلقائي وترهن التدفقات باتفاق استراتيجي يمتد حتى 10 سنوات

أحد العمال يجري أعمال صيانة في خط أنابيب كركوك - جيهان لنقل النفط من العراق إلى تركيا ومن ثم تصديره للخارج (رويترز)
أحد العمال يجري أعمال صيانة في خط أنابيب كركوك - جيهان لنقل النفط من العراق إلى تركيا ومن ثم تصديره للخارج (رويترز)
TT

ضغوط تركية لرفع تشغيل خط «كركوك - جيهان» لكامل طاقته قبل مهلة 27 يوليو

أحد العمال يجري أعمال صيانة في خط أنابيب كركوك - جيهان لنقل النفط من العراق إلى تركيا ومن ثم تصديره للخارج (رويترز)
أحد العمال يجري أعمال صيانة في خط أنابيب كركوك - جيهان لنقل النفط من العراق إلى تركيا ومن ثم تصديره للخارج (رويترز)

دخلت بغداد وأنقرة في سباق مع الزمن لصياغة اتفاقية استراتيجية جديدة لنقل النفط، مع قرب انتهاء الموعد النهائي للاتفاقية التاريخية المبرمة عام 1973 في 27 يوليو (تموز) الحالي.

وفي هذا الصدد، انطلقت في أنقرة مباحثات رفيعة المستوى قادها وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، مع وفد عراقي ضم نواب وزيرَي الخارجية والنفط، لبحث صيغة بديلة للاتفاقية الحالية، وسط رفض تركي قاطع لطلب بغداد تمديد العمل بالبنود الراهنة لعام إضافي.

وتمارس أنقرة ضغوطاً تفاوضية لرفع معدلات تشغيل خط «كركوك - جيهان» إلى طاقته الاستيعابية القصوى البالغة 1.5 مليون برميل يومياً، مقارنة بالتدفقات الضئيلة الحالية التي لا تتجاوز 180 ألف برميل، مهددة بوقف الصادرات فوراً بحلول نهاية الشهر في حال عدم التوصل إلى اتفاق، مع بقاء القرار النهائي بيد الرئيس رجب طيب إردوغان.

أزمة التحكيم

وترى أنقرة أنه لا جدوى من تمديد اتفاقية خضعت للتحكيم الدولي في باريس، وتطالب باتفاق شامل يمتد من 5 إلى 10 سنوات، ويتضمن بنوداً إلزامية تفرض على العراق دفع رسوم تعويضية عن أي طاقة استيعابية غير مستخدمة.

وتأتي هذه الضغوط بعد أزمة توقف الخط في مارس (آذار) 2023 جراء قرار غرفة التجارة الدولية الذي ألزم تركيا بدفع تعويضات لبغداد بقيمة 1.5 مليار دولار، وهو التوقف الذي كبّد العراق خسائر تجاوزت 23 مليار دولار قبل استئناف الضخ جزئياً أواخر العام الماضي.

وقال بيرقدار عبر حسابه على منصة «إكس» إنه التقى كبار ​المسؤولين في وزارتَي النفط والخارجية العراقيتين، في أنقرة الأربعاء، لمناقشة التعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك خط أنابيب النفط الخام بين العراق وتركيا الذي يمتد من كركوك إلى ميناء جيهان، الواقع في ولاية أضنة في جنوب البلاد.

وضم الوفد العراقي نائب ⁠وزير الخارجية حسين بحر ‌العلوم، ونائب وزير ‌النفط ناصر عزيز ​جبار، وسفير ‌العراق في أنقرة ماجد اللجماوي.

فرص جديدة للتعاون

وأوضح بيرقدار أن المحادثات ركزت بشكل خاص على خط أنابيب النفط الخام بين البلدين، إلى جانب مناقشة فرص أوسع للتعاون الشامل في قطاعات الغاز الطبيعي والكهرباء. وأشار إلى تطلع أنقرة للعمل عن كثب مع الحكومة العراقية الجديدة، لرفع كفاءة البنية التحتية الحالية للطاقة، ودعمها عبر إنشاء وصلات ربط جديدة ومبتكرة.

وفي سياق رؤية أنقرة الجيوسياسية للمنطقة، أكد الوزير التركي أن بلاده لا تختزل مشروع «طريق التنمية» المشترك في كونه مجرد ممر تجاري لنقل البضائع، بل كـ«مسار استراتيجي متكامل للطاقة» من شأنه تعزيز أمن الإمدادات الإقليمية وتنشيط حركة التجارة البينية، مشدداً على أن الشراكة في هذا الملف تكتسب أهمية بالغة لضمان استقرار أسواق الطاقة في المنطقة.

اجتماع تركي - عراقي في إسطنبول حول مشروع «طريق التنمية» شارك فيه وزراء من قطر والإمارات عبر الفيديو كونفرانس (وزارة النقل والبنية التحتية التركية)

ويشمل مشروع «طريق التنمية» طريقاً برياً وخط سكة حديدية يمتدان من العراق إلى تركيا وموانئها، ويبلغ طوله داخل العراق نحو 1200 كيلومتر، ويهدف إلى نقل البضائع بين دول الخليج وأوروبا.

وكشفت مصادر تركية عن رفض تركيا تمديد الاتفاقية الخاصة بتصدير النفط العراقي عبر خط أنابيب كركوك - جيهان وفق البنود الحالية التي أُقرت عند توقيعها في 27 يوليو عام 1973.

وأعلن رئيس شركة تسويق النفط العراقية الحكومية (سومو)، علي نزار، أن الحكومة أبلغت تركيا باقتراح التمديد، لضمان استمرار المناقشات المتعلقة بمستقبل خط الأنابيب دون انقطاع.

وترى أنقرة أنه «لا فائدة ⁠من تمديد اتفاقية خضعت للتحكيم»، وتطالب بتوقيع اتفاقية جديدة، مقترحة آلية لضمان الاستخدام الكامل لخط الأنابيب، وخيارات أخرى، مثل تمديده إلى جنوب العراق.

ويعد ميناء جيهان منفذاً حيوياً لتصدير ‌النفط العراقي؛ إذ يتأثر ‌ميناء البصرة النفطي الرئيسي بإغلاق مضيق هرمز منذ ‌بدء الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير (شباط) الماضي، كما تأثر بالهجمات الإسرائيلية في ‌العام الماضي.

ضغوط تركية

وكانت تركيا أوقفت تدفقات النفط في مارس 2023 بعد أن أمرتها غرفة التجارة الدولية في باريس بدفع تعويضات لبغداد بقيمة 1.5 مليار دولار عن تصدير حكومة إقليم كردستان العراق النفط بشكل غير مصرح به عبر خط الأنابيب في الفترة من عامَي 2014 إلى 2018، لكن تركيا أكدت عدم مخالفة الاتفاقية، وأن لها تعويضات مستحقة على العراق بمبلغ 1.4 مليار دولار.

وقالت تركيا إن خط الأنابيب أصبح جاهزاً منذ أواخر عام 2023 لاستئناف التدفقات، بعد إصلاح بعض الأعطال.

وكان خط الأنابيب، الذي توقف تدفقه في عام 2023، يوفر إمدادات يومية تبلغ 450 ألف برميل من النفط، وتشير التقديرات إلى أن توقف صادرات النفط إلى تركيا تسبب في خسائر اقتصادية للعراق تزيد على 23 مليار دولار.

واستؤنفت التدفقات عبر خط الأنابيب في أواخر العام الماضي، لكن هناك قضية تحكيم ثانية تغطي الفترة من 2018 وما بعدها، وقضية معروضة أمام محكمة أميركية تتعلق بتنفيذ قرار التحكيم.

خط أنابيب كركوك - جيهان (إعلام تركي)

وأفادت تقارير بأن الجانب التركي يمارس ضغوطاً تفاوضية لرفع معدلات تشغيل خط كركوك - جيهان ليعمل بكامل طاقته الاستيعابية البالغة 1.5 مليون برميل يومياً، مقارنة بمعدلات تدفق ضئيلة للغاية لا تتجاوز حالياً 180 ألف برميل يومياً.

وتسعى تركيا، خلال المفاوضات الجارية حالياً، إلى إبرام اتفاقية استراتيجية طويلة الأجل تمتد ما بين 5 و10 سنوات، وتتضمن بنوداً إلزامية تفرض على العراق دفع رسوم مالية تعويضية مقابل أي طاقة استيعابية غير مستخدمة أو مهدرة في خط الأنابيب طوال فترة التعاقد.

وحسب مسؤولين أتراك، فإنه حال وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، وعجز الطرفين عن صياغة الاتفاقية الجديدة، قبل نهاية الشهر الحالي، فإن أنقرة قد تتجه لمطالبة العراق بوقف تدفقات النفط عبر الخط فوراً.

ولفتت المصادر في الوقت ذاته إلى أن القرار النهائي في هذا الملف سيبقى بيد الرئيس رجب طيب إردوغان، سواء بوقف التدفقات أو منح العراق مهلة جديدة إلى حين التوصل لاتفاق.


مقالات ذات صلة

حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

الاقتصاد أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)

حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

حذَّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب، وتجدد الاضطرابات في إنتاج الطاقة ومسارات الشحن والبنية التحتية الحيوية يمثلان أكبر المخاطر على اقتصادات المنطقة.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد  مدخنة حرق الغازات الثانوية في مصفاة توا للنفط في كاواساكي (أ.ب)

النفط يتراجع مع موازنة مخاطر الإمدادات والتوترات في الشرق الأوسط

تراجعت أسعار النفط بأكثر من دولار في التعاملات المبكرة، الخميس، مع موازنة المستثمرين بين مخاطر الإمدادات والمساعي الأميركية لخفض تكاليف النقل.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
العالم أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

أميركا تقترح رفع التجميد عن أصول روسية لدفع محادثات إنهاء حرب أوكرانيا

ذكرت صحيفة أميركية، الأربعاء، أن واشنطن اقترحت على الدول الأوروبية رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء حرب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف

سعاد جرَوس (دمشق)
الاقتصاد شعار شركة «إيني» الإيطالية (رويترز)

«إيني» الإيطالية: على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات الكربون

قال كلاوديو ديسالزي الرئيس التنفيذي لشركة «إيني»، الأربعاء، إن على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)

بنك اليابان يمهد لمزيد من رفع الفائدة

مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يمهد لمزيد من رفع الفائدة

مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تزداد المؤشرات على احتمال استمرار بنك اليابان في تشديد سياسته النقدية خلال الأشهر المقبلة، بعدما حذرت عضو مجلس إدارته جونكو كويدا، الخميس، من المبالغة في الحذر بشأن رفع أسعار الفائدة، في ظل استمرار المخاطر الصعودية للتضخم وضعف الين وارتفاع تكاليف المواد الخام.

تأتي تصريحات كويدا قبل اجتماع البنك المركزي المقرر يومي 29 و30 أكتوبر (تشرين الأول)، الذي سيُصدر خلاله توقعات محدَّثة للنمو والتضخم، وسط ترقب المستثمرين إشارات بشأن توقيت الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة، بعد رفعها الشهر الماضي إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً.

وأكدت كويدا أن الأوضاع الاقتصادية والمالية في اليابان لا تزال تسمح بمزيد من التشديد النقدي، مشيرةً إلى أن سعر الفائدة المحايد، الذي لا يحفز النشاط الاقتصادي ولا يقيده، يقع في تقديرها عند مستوى أعلى بكثير من 1 في المائة.

ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي لبنك اليابان حالياً 1.25 في المائة، مما يشير إلى وجود مجال لزيادات إضافية، إذا استمرت الضغوط التضخمية ولم تظهر مؤشرات واضحة على تراجع النشاط الاقتصادي.

وقالت كويدا، خلال كلمة أمام قادة أعمال في مدينة كوماموتو بجنوب اليابان، إن البنك المركزي ينبغي أن يعدل أسعار الفائدة في الوقت المناسب، مع مراعاة تطورات الاقتصاد والأسعار والتقديرات المتعلقة بالمستوى المحايد للفائدة.

وأضافت أن استمرار الظروف المالية الميسرة، إلى جانب المخاطر الكبيرة لارتفاع الأسعار، يعني أن البنك يجب ألا يتردد بصورة مفرطة في اتخاذ قرارات التشديد النقدي.

وتعكس هذه التصريحات تحولاً تدريجياً في أولويات السياسة النقدية اليابانية، بعدما ركز البنك المركزي لسنوات طويلة على مواجهة ضعف التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي من خلال أسعار فائدة شديدة الانخفاض.

أما المرحلة الحالية، فتتميز بازدياد القلق من استمرار ارتفاع الأسعار فوق المستوى المستهدف، مما يدفع صناع السياسة إلى البحث عن توازن جديد بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.

وأشارت كويدا إلى أن الطلب العالمي القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وضعف الين، عوامل تسهم في زيادة تكاليف المواد الخام والسلع المستوردة، ومن ثم انتقال الضغوط إلى الأسعار المحلية.

ويؤدي تراجع العملة اليابانية إلى ارتفاع تكلفة الواردات المقومة بالدولار، خصوصاً الطاقة والمواد الأولية، وهو ما ينعكس على نفقات الشركات وأسعار المنتجات النهائية.

كما أن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة العالمية قد يزيد الضغوط على الاقتصاد الياباني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والموارد الطبيعية.

ورغم هذه التحديات، أكدت كويدا أن الاقتصاد الياباني أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية الأخيرة، بما فيها ارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت إن استمرار ارتفاع أسعار مجموعة واسعة من السلع الاستهلاكية يشير إلى أن التضخم الأساسي بات يترسخ تدريجياً بالقرب من المستوى المستهدف للبنك المركزي، البالغ 2 في المائة.

ويكتسب هذا التقييم أهمية خاصة، لأنه يعكس انتقال التضخم من ظاهرة مرتبطة ببعض السلع المستوردة إلى ضغوط أكثر انتشاراً في الاقتصاد المحلي.

وفي مثل هذه الظروف، قد يصبح تأخير رفع الفائدة عاملاً يزيد صعوبة السيطرة على التضخم لاحقاً، إذا استمرت الشركات في تمرير ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى المستهلكين.

وأكدت كويدا أن الأوضاع المالية في اليابان لا تزال ميسرة رغم الزيادات السابقة في أسعار الفائدة، مع عدم ظهور مؤشرات قوية على أن ارتفاع تكاليف الاقتراض ألحق ضرراً ملموساً بإنفاق الأسر أو أنشطة الشركات.

ويعزز هذا التقييم وجهة النظر الداعية إلى مواصلة تطبيع السياسة النقدية تدريجياً، بدلاً من الإبقاء على مستويات فائدة منخفضة لفترة طويلة.

وكان بنك اليابان قد رفع سعر الفائدة الرئيسي في سبتمبر (أيلول) إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، مع الإشارة إلى اهتمام متزايد بمنع التضخم الأساسي من تجاوز المستوى المستهدف بصورة مستدامة.

وأدى القرار إلى تعزيز توقعات الأسواق بإمكانية اتخاذ خطوات إضافية قبل نهاية العام.

ونقلت «رويترز» عن مصادر أن البنك قد يفضل تثبيت الفائدة خلال اجتماع أكتوبر، مع إصدار إشارات تميل إلى التشديد النقدي، بما يدعم توقعات رفعها في ديسمبر (كانون الأول).

لكن القرار النهائي سيعتمد على البيانات الاقتصادية الجديدة، لا سيما اتجاه التضخم والأجور والإنفاق الاستهلاكي، فضلاً عن تأثير التطورات الخارجية في النشاط الاقتصادي.

وأعادت تصريحات كويدا الاهتمام بمفهوم سعر الفائدة المحايد، الذي يمثل مرجعاً مهماً لتحديد مدى اقتراب السياسة النقدية من المستوى الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يضغط عليه.

وتشير تقديرات أعدها موظفو بنك اليابان إلى أن سعر الفائدة المحايد الاسمي يقع ضمن نطاق يتراوح بين 1.1 و2.5 في المائة.

غير أن البنك حذر من التعامل مع هذه التقديرات بوصفها مستويات دقيقة أو نهائية، نظراً إلى أن سعر الفائدة المحايد لا يمكن رصده مباشرة، ويتأثر بالافتراضات والبيانات المستخدمة في حسابه.

وبالنسبة إلى الأسواق المالية، فإن استمرار رفع الفائدة قد يدعم الين من خلال تقليص فجوة العوائد بين اليابان والاقتصادات الكبرى، لكنه قد يزيد في المقابل تكاليف التمويل على الشركات والأسر.

كما قد يضغط ارتفاع الفائدة على أسعار السندات الحكومية القائمة، في حين يمنح المستثمرين عوائد أعلى على الإصدارات الجديدة.

وتبرز أهمية هذا التحول بالنسبة إلى شركات التأمين والمؤسسات المالية اليابانية، التي بدأت تعيد تقييم جاذبية السندات المحلية بعد سنوات من توجيه استثمارات ضخمة إلى الخارج بحثاً عن عوائد أفضل.

وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة تحدياً مالياً يتمثل في ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام إذا استمرت العوائد في الصعود، خصوصاً مع خطط الإنفاق وخفض الضرائب التي تتبناها حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي.

وتكشف هذه التطورات عن معادلة معقدة أمام بنك اليابان؛ إذ يتعين عليه احتواء التضخم ودعم استقرار العملة، دون التسبب في تشديد مالي مفرط يضعف الاستهلاك والاستثمار.

وفي المحصلة، تعزز تصريحات كويدا التوقعات بأن دورة رفع الفائدة اليابانية لم تصل إلى نهايتها، حتى إذا قرر البنك المركزي التريث خلال اجتماعه المقبل.

وستكون توقعات النمو والتضخم التي سيصدرها البنك في نهاية أكتوبر، إلى جانب تصريحات محافظه وأعضاء مجلس إدارته، مؤشرات حاسمة لتحديد ما إذا كانت الزيادة المقبلة ستأتي قبل نهاية العام، ومدى استعداد الاقتصاد الياباني لتحمل مزيد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.


حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
TT

حرب الشرق الأوسط تترك اقتصادات المنطقة أمام تعافٍ محفوف بالمخاطر

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي لعرض التوقعات الاقتصادية الإقليمية للمنطقة (أ.ف.ب)

تضع تداعيات الحرب اقتصادات الشرق الأوسط أمام معادلة صعبة، إذ تتقاطع اضطرابات إمدادات الطاقة والتجارة مع توقعات التعافي، في حين يظل مسار النمو رهناً بمدة الصراع وسرعة عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته. وفي هذا السياق، حذَّر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب، وتجدُّد الاضطرابات في إنتاج الطاقة ومسارات الشحن والبنية التحتية الحيوية يُمثِّلان أكبر المخاطر على اقتصادات المنطقة، متوقعاً انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان 1.3 في المائة في 2026، يعقبه نمو قوي بنسبة 6.6 في المائة في 2027، وإن كان التعافي متفاوتاً بين دول المنطقة.

وتأتي هذه التوقعات بعد نمو اقتصادات المنطقة بنسبة 3.3 في المائة في 2025، بما يعكس حجم الصدمة المنتظَرة خلال العام الحالي، قبل الارتداد المتوقع في العام المقبل. غير أن التوقعات الإجمالية تخفي تفاوتاً كبيراً بين الاقتصادات، تبعاً لمدى تأثرها باضطرابات الطاقة والتجارة وقدرتها على استيعاب تداعيات الحرب.

وقال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، خلال مؤتمر صحافي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك، إن تأثير الحرب يتفاوت بشدة بين اقتصادات المنطقة، مع تعرُّض الدول المتضررة مباشرة من اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة لضغوط أكبر. وأوضح أن مسار التعافي يعتمد بدرجة أساسية على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى طبيعتهما، وقدرة الحكومات على الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت، الخميس، 2.2 في المائة إلى 103.78 دولار للبرميل، في جلسة عكست استمرار حساسية أسواق الطاقة للمخاطر الأمنية واضطرابات الإمدادات. ورغم أن الأسعار المرتفعة توفر دعماً لبعض الموازنات العامة والمراكز الخارجية للدول المصدرة للنفط، فإن هذا الأثر لا يعوّض بالضرورة خسائر تعطل الإنتاج أو تراجع كميات التصدير.

أزعور يتحدث في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (أ.ف.ب)

تعافٍ مشروط

وتفترض توقعات الصندوق استئناف حركة التجارة والشحن بصورة طبيعية خلال الرُّبع الأول من 2027، على أن تعود الصادرات تدريجياً إلى مستوياتها المعتادة بحلول منتصف العام، مع بقاء أسعار النفط أعلى. ويظل هذا المسار مشروطاً بعدم تجدد الاضطرابات، إذ إن استمرار الحرب أو اتساع الأضرار التي تطول إنتاج الطاقة وطرق الشحن والبنية التحتية الحيوية قد يعرقلان التعافي المتوقع.

وأوضح أزعور أن الدول المصدرة للنفط التي تأثرت مباشرة بالحرب مرشحة لانكماش ملحوظ في 2026، يعقبه انتعاش قوي في العام التالي مع عودة الإنتاج والتجارة تدريجياً إلى طبيعتهما. لكنه أشار إلى أن الناتج سيظل دون المسار الذي كان الصندوق يتوقعه على المدى المتوسط قبل الحرب، بما يعكس الآثار الممتدة للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية.

وتتفاوت حدة الصدمة الاقتصادية بين الدول المصدرة للطاقة في المنطقة، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الكويتي 16.7 في المائة، والعراقي 16 في المائة، والقطري 15.6 في المائة في 2026، مقابل 3.3 في المائة للسعودية و3.9 في المائة للإمارات، بينما يُنتظَر أن تسجِّل اقتصادات هذه الدول انتعاشاً قوياً في 2027 مع عودة الإنتاج والصادرات تدريجياً إلى طبيعتها. وتشير توقعات الصندوق إلى نمو الاقتصاد السعودي 7.9 في المائة، والقطري 18.8 في المائة، والكويتي 17.1 في المائة، والعراقي 19 في المائة في العام المقبل، في تعافٍ يعكس جزئياً الانخفاض الحاد المتوقع في العام الحالي، لكنه يظل مشروطاً بتراجع اضطرابات الطاقة والتجارة والشحن.

ويعكس هذا الارتداد جزئياً الانخفاض الحاد المتوقع في العام الحالي، كما يرتبط بعودة الإنتاج والصادرات تدريجياً إلى طبيعتها. وتبرز هذه الأرقام مدى اختلاف أثر الحرب بين الدول، وفق حجم الاضطرابات التي تعرضت لها أنشطتها الاقتصادية وقدرتها على الحفاظ على تدفقات الطاقة والتجارة.

في المقابل، أظهرت الاقتصادات المستوردة للنفط قدراً أكبر من المتانة في مواجهة الصدمة، وفق أزعور، الذي أشار إلى أن مسار التعافي سيظل متفاوتاً بين دول المنطقة تبعاً لمدى تأثرها بالحرب وقدرتها على استيعاب تداعياتها.

سفن في مضيق «هرمز» كما تُرى من مسندم في عُمان (رويترز)

هوامش الأمان تتقلص

وقال أزعور إن الفوائض المتاحة قبل الحرب، واللجوء إلى مسارات تصدير بديلة، والتكيف في الطلب على الطاقة، والسحب من المخزونات، ساعدت على احتواء جانب من الصدمة. إلا أن هذه الهوامش ليست بلا حدود، في ظلِّ تراجع المخزونات وانخفاض الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة لتحركات حادة في الأسعار إذا تجدَّدت الاضطرابات.

ولا تقتصر المخاطر على أسواق الطاقة، إذ حذَّر الصندوق من أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد يضعف الطلب ويرفع تكاليف الاقتراض ويزيد الضغوط على العملات، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه احتياجات كبيرة لتمويل الدين السيادي أو تعتمد على التمويل الخارجي. وتظلُّ الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر، في ظلِّ اعتمادها على واردات الغذاء ومحدودية الحيز المالي، بالتزامن مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية.

وفي سياق إقليمي أوسع، توقَّع الصندوق تباطؤ نمو اقتصادات القوقاز وآسيا الوسطى إلى 5.2 في المائة في 2026 و5 في المائة في 2027، مقارنة بنمو بلغ 6.2 في المائة في 2025، مع استمرار تراجع التضخم من مستوياته المرتفعة.

أولوية الاستقرار المالي

ودعا أزعور الحكومات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار وإعادة بناء الهوامش المالية التي تآكلت بفعل الصدمات، وتعزيز القدرة على التعامل مع اضطرابات مستقبلية. ويشمل ذلك تجنب الدعم الواسع وغير الموجّه، والاعتماد بدلاً منه على مساعدات مؤقتة ومحددة للفئات الأكثر تضرراً، بما يحد من تكلفة التدخلات على المالية العامة.

وشدَّد على أهمية إعادة بناء الهوامش المالية لمواجهة الصدمات المستقبلية، من خلال تعزيز الإيرادات المحلية ورفع كفاءة الإنفاق وتطوير الأطر المالية. كما حذَّر من اللجوء إلى الدعم الواسع النطاق، مفضِّلاً تقديم مساعدات نقدية مؤقتة وموجّهة إلى الفئات الأكثر تضرراً، بما يحد من تكلفة التدخلات ويحافظ على استدامة المالية العامة.

وعلى المدى الطويل، أكد أهمية المؤسسات القوية والأطر النقدية الموثوقة واستقلالية البنوك المركزية، إلى جانب تنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي وتعزيز القدرة على تبنّي التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لرفع الإنتاجية ودعم النمو.

وأشار أزعور إلى أن صندوق النقد الدولي وافق، منذ 2020، على تمويل بنحو 48 مليار دولار لدول المنطقة، كما نفّذ خلال السنة المالية 2026 نحو 437 مشروعاً للمساعدة الفنية وبناء القدرات في 31 دولة.

ومن المقرر أن يصدر الصندوق تقريره الإقليمي عن آفاق الاقتصاد في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في دبي في 22 أكتوبر (تشرين الأول)، متضمناً تقييماً أوسع لتداعيات الحرب ومسارات النمو والتضخم والسياسات الاقتصادية في المنطقة.


بنوك «وول ستريت» تواجه تباطؤاً في أسواق المال بعد أداء قوي خلال النصف الأول

صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)
صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)
TT

بنوك «وول ستريت» تواجه تباطؤاً في أسواق المال بعد أداء قوي خلال النصف الأول

صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)
صورة مركبة تُظهر شعارات 6 من أكبر البنوك الأميركية (رويترز)

أظهرت النتائج الفصلية لأكبر بنوك «وول ستريت»، الصادرة هذا الأسبوع، أن حتى كبرى المؤسسات المالية وأكثرها متانة لا تزال عرضة لتقلبات الأسواق. وتباطأ نشاط إبرام الصفقات، الذي يتسم بطبيعته بالدورية، خلال الربع الثالث، ما انعكس سلباً على قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية.

وأدى ارتفاع عوائد السندات، والتقلبات في قطاع الذكاء الاصطناعي، والمخاوف الجيوسياسية إلى زيادة قلق المستثمرين ومجالس إدارات الشركات على حد سواء، ما أرجأ مجدداً التعافي المرتقب لعمليات الاندماج والاستحواذ والطروحات العامة الأولية.

وفيما يلي نظرة عامة، مدعومة بالرسوم البيانية، على نتائج أكبر 6 بنوك أميركية، التي افتتحت موسم إعلان نتائج الشركات الأميركية للربع الثالث.

نتائج دون التوقعات لبنكين... وتفاعل محدود من الأسواق

سجّل بنك «جي بي مورغان تشيس» أرباحاً دون التوقعات، للمرة الأولى منذ الربع الأخير من عام 2023، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي». كما جاءت نتائج منافسه الأبرز «بنك أوف أميركا» دون توقعات السوق.

أما البنوك الأربعة الكبرى الأخرى فتجاوزت نتائجها التوقعات، لكن أسهمها تراجعت، أو لم تسجل تفاعلاً إيجابياً يُذكر، إذ رأى المستثمرون أن حجم التفوق على توقعات الأرباح كان أقل مما شهدته الأرباع السابقة.

تباطؤ في إبرام الصفقات

وكان العاملون في مجال إبرام الصفقات يتطلعون إلى عام استثنائي، لكن الزخم بدأ يتراجع منذ الصيف. فقد دفعت تقلبات الأسواق والاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع عوائد سندات الخزانة، إلى جانب المخاوف بشأن استدامة الطفرة في قطاع الذكاء الاصطناعي، الشركات إلى تبني نهج أكثر حذراً وترقباً.

كما تباطأ نمو إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية بصورة ملحوظة مقارنة بالربع السابق، في ظل تأثير رفع أسعار الفائدة، وتأجيل عدد من الطروحات العامة الأولية البارزة على معنويات السوق. ورغم ذلك، أكد مسؤولون تنفيذيون للمستثمرين أن هذه الصفقات لم تُلغَ، بل تأجَّل تنفيذها فحسب.

تباين أداء تداول الأسهم وأدوات الدخل الثابت

وكشفت النتائج الفصلية عن تباين واضح في أداء أنشطة التداول لدى البنوك الكبرى؛ إذ استفادت أقسام تداول الأسهم من ازدهار نشاط الأسواق، في حين جاء أداء أقسام أدوات الدخل الثابت دون التوقعات.

وعادةً ما تؤدي تقلبات الأسواق إلى تنشيط عمليات التداول، إذ يسعى العملاء إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية والتحوط من المخاطر.

الخدمات المصرفية للأفراد: محرك مستقر

ارتفع صافي دخل الفوائد، الذي يُمثل الفرق بين الإيرادات التي تحققها البنوك من القروض والفوائد التي تدفعها على الودائع، وسط توقعات المحللين بأن يوفر رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) دعماً إضافياً لهذا الدخل.

وأشار مسؤولون تنفيذيون في القطاع المصرفي إلى استمرار مرونة الإنفاق الاستهلاكي والاقتراض، ما خفف المخاوف من أن يؤدي استقرار التضخم وارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة الضغوط على ميزانيات الأسر. وفي مؤشر إيجابي آخر، واصل الطلب على القروض نموه.

وفي ملخص تغطية «رويترز» لنتائج أكبر 6 بنوك أميركية، سجّل «جي بي مورغان تشيس» أرباحاً دون التوقعات، وسط تباطؤ نشاط إبرام الصفقات وتداول السندات، في حين تجاوز «غولدمان ساكس» توقعات أرباح الربع الثالث بدعم من قوة سوق الأسهم.

كما تجاوز «ويلز فارغو» توقعات الأرباح، رغم مجيء صافي دخل الفوائد والإيرادات دون التوقعات، في حين حقق «سيتي» نتائج أفضل من المتوقع بفضل ارتفاع إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية والخدمات وإدارة الثروات. كذلك تجاوز «مورغان ستانلي» توقعات الأرباح بدعم من الأداء القوي لوحدات تداول الأسهم، في حين أخفق «بنك أوف أميركا» في تحقيق توقعات الأرباح، بسبب ضعف سوق رأس المال، وسجل خسارة بقيمة 1.2 مليار دولار.