ما وراء الملاذ الآمن... كيف أعاد الذهب صياغة النظام النقدي العالمي في 2025؟

من كسر الحواجز التاريخية إلى إعادة هيكلة المحافظ المالية

سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
TT

ما وراء الملاذ الآمن... كيف أعاد الذهب صياغة النظام النقدي العالمي في 2025؟

سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
سبائك من الذهب بعد إخراجها من القوالب في مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)

تمر الأسواق المالية العالمية اليوم بمرحلة «إعادة ضبط» لبنيتها الأساسية، وهي لحظة تاريخية تتجاوز في أبعادها مجرد التقلبات العابرة لتشكل تحولاً هيكلياً في جوهر النظام النقدي. ففي ظل توسع مالي غير مسبوق وتصاعد وتيرة التجاذبات الجيوسياسية، لم يعد المستثمرون المؤسساتيون والهيئات السيادية ينظرون إلى الأصول الاحتياطية التقليدية بصفتها خيارات آمنة بالمطلق، بل بدأوا في إعادة تعريف مفهوم الأمان والسيادة النقدية من منظور جديد يركز على استقلالية الأصول وحصانتها ضد المخاطر الائتمانية والسياسية.

وفي قلب هذا المشهد المتغير، استعاد الذهب بريقه ليس بصفته سلعة استثمارية فحسب، بل بصفته ركيزة نقدية صلبة تتحدى القواعد التقليدية التي حكمت الأسواق لعقود. فالمعدن الأصفر اليوم لا يتحرك لمجرد ملاحقة التضخم أو استجابةً لتقلبات أسعار الفائدة، بل بات يمثل «الأصل المحايد» الذي تلجأ إليه المؤسسات الكبرى لإعادة هيكلة محافظها وحماية سيادتها المالية. هذا التحول يعكس قناعة عالمية متزايدة بأن الذهب هو المستودع الوحيد للقيمة الذي لا يرتبط بوعود دولة أو استقرار نظام مالي بعينه؛ ما يجعله المحور الأساسي لنظام مالي عالمي جديد يتشكل في الأفق.

يعرض بائع مجموعة من السلاسل الذهبية الفاخرة في متجر «جوس ألوكاس» للمجوهرات بمدينة بنغالور (أ.ف.ب)

رحلة الذهب نحو 4500 دولار

تُرجم هذا الزخم فعلياً في الأداء الاستثنائي للمعدن الأصفر، الذي لم يكتفِ بتجاوز التوقعات، بل نجح في تحطيم حواجز نفسية وتاريخية كبرى؛ حيث قفز فوق مستويات 3000 و4000 دولار في رحلة خاطفة لم تتجاوز سبعة أشهر، ليصل إلى ذروة قياسية غير مسبوقة لامست 4530.60 دولار للأوقية. ومع تحقيقه مكاسب سنوية تجاوزت 72 في المائة، دوّن الذهب في عام 2025 أقوى أداء له منذ أواخر السبعينات، وهو ما يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في فكر المستثمرين، الذين سارعوا لزيادة ثقل الذهب في محافظهم بصفته منصةَ انطلاق آمنة بانتظار اتضاح ملامح المشهد الاقتصادي لعام 2026.

هذا الارتفاع التاريخي لم يكن وليد المصادفة، بل جاء ثمرة تضافر عوامل هيكلية ومالية معقدة، أبرزها الضغوط المالية المتزايدة وتراجع اليقين بجدوى الأصول التقليدية التي كانت تُصنف يوماً بأنها «خالية من المخاطر». وتؤكد التحليلات الاقتصادية الرصينة أن هذه القفزات السعرية ليست مجرد موجة مضاربات عابرة أو «فقاعة» لحظية، بل هي نتاج عملية إعادة تنظيم شاملة لهيكلية الأسواق العالمية؛ حيث يجري حالياً إعادة تخصيص رؤوس الأموال على مستوى دولي لتعيد للذهب مكانته التاريخية بصفته حجرَ زاوية في بناء المحافظ الاستثمارية الحديثة والأكثر مرونة.

بائع يرتّب سلاسل ذهبية في متجر مجوهرات بشنغهاي (أ.ف.ب)

البنوك المركزية: محركات الطلب المؤسسي على الذهب

نفذت البنوك المركزية أكبر حملة تراكم للذهب في التاريخ الحديث، حيث بلغ صافي المشتريات الرسمية 1.044.6 طن في 2024، ليشكل ثالث أعلى معدل زيادة سنوي منذ عام 1950. وعلى الرغم من انخفاض طفيف قدره 6.2 طن مقارنة بعام 2023، فإن الرقم يظل على مقربة من أعلى مستوى تاريخي عند 1.136 طن في 2022.

عند المقارنة بالأساسيات التاريخية، يظهر أن البنوك المركزية كانت تشتري في المتوسط 473 طن سنوياً بين 2010 و2021، بينما بلغ متوسط الفترة 2022 - 2024 نحو 1.075 طن سنوياً؛ ما يعكس زيادة تصل إلى 127 في المائة فوق متوسط العقد السابق. هذا التسارع يعكس توجهاً مؤسسياً مدروساً، لا مجرد استجابة لفرص السوق العشوائية.

وتوضح البيانات الجغرافية لمشتريات الذهب استراتيجيات إقليمية محددة:

- آسيا الناشئة: تعمل على تنويع الاحتياطيات وتقليص نسبة الدولار إلى أقل من 60 في المائة، تحوطاً ضد العقوبات التجارية وتصاعد التوترات.

- الشرق الأوسط: يُستخدم الذهب ضمن استراتيجيات إعادة تدوير عائدات النفط، وحماية المحافظ من المخاطر الإقليمية.

- أوروبا الشرقية: تركز على تعزيز السيادة النقدية وحماية العملات المحلية من الصدمات الخارجية.

- أميركا اللاتينية: تعتمد الذهب وسيلةَ تحوطٍ ضد التضخم وانخفاض قيمة العملات المحلية.

يمثل هذا الانتشار العالمي، بما في ذلك الدول المتحالفة تقليدياً مع الولايات المتحدة، إشارة واضحة إلى أن الطلب على الذهب ليس مدفوعاً فقط بالسياسة، بل بالقلق البنيوي المستمر بشأن أطر الاحتياطيات النقدية العالمية.

موظف في «برو أوروم» يرفع سبائك فضة وذهب بغرفة الصناديق الآمنة في ميونيخ (أ.ب)

إعادة تقييم الاحتياطيات ومسار «إلغاء الدولار»

أدى إعلان الإدارة الأميركية في ربيع 2024 عن نيتها تصفية نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة إلى إعادة تقييم واسعة حول أمان الاحتياطيات. حتى السندات الأميركية، التي كانت تُعدّ الملاذ الآمن الأمثل، أصبحت معرَّضة لمخاطر سياسية ومالية. هذا التطور دفع أكثر من 40 بنكاً مركزياً إلى تعديل استراتيجيات تخصيص الذهب، في حين زادت الصناديق السيادية نسب استثماراتها في الأصول غير الدولارية.

بدأت البنوك المركزية في تقليص تعرّضها للدولار، مدفوعة بتدهور الاستدامة المالية الأميركية. إذ يبلغ الدين العام الأميركي الحالي 38 تريليون دولار، مع عجز شهري بلغ 173.28 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025؛ ما يزيد من الضغوط على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بشكل حاد دون التأثير على الاستقرار المالي.

الدين العام الأميركي وأثره على السياسة النقدية

تختلف الديناميكيات المالية الراهنة للولايات المتحدة جذرياً عن السياقات التي صاحبت أزمات الذهب في العقود الماضية، حيث يواجه صانع القرار المالي واقعاً أكثر تعقيداً؛ فالعجز الهيكلي الذي استقر عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يبدو مثيراً للقلق عند مقارنته بنسبة 1.5 في المائة فقط في عام 1979. هذا الفارق الشاسع لا يعكس ضغوطاً آنية فحسب، بل يؤشر على تحديات غير مسبوقة تضيّق الخناق على فاعلية السياسة النقدية والقدرة على ضبط الموازنة العامة.

وعلاوة على ذلك، يرزح الاقتصاد تحت وطأة التزامات مالية حديثة لم تكن حاضرة في الأزمات السابقة، بدءاً من التكاليف المتصاعدة للتحولات الديموغرافية، مروراً بمتطلبات تحديث البنية التحتية المتهالكة وزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل الاضطرابات العالمية، وصولاً إلى الاستثمارات الضخمة المطلوبة للتحول المناخي وأمن الطاقة. هذه الالتزامات المستمرة خلقت واقعاً يجد فيه التيسير النقدي نفسه الخيار الأكثر واقعية - أو ربما الأقل مرارة - لتمويل هذا العجز المتنامي؛ ما يعزز القناعة بأن الذهب بات يمثل التحوط الأمثل ضد مخاطر تآكل القيمة الورقية في ظل هذه الضغوط الهيكلية المستدامة.

عامل يحمل 3 قطع من الذهب الخام في متجر «ذا غولد سنتر» بمدينة ماريبورو - أستراليا (رويترز)

التحول في استراتيجيات المحافظ الاستثمارية

تشهد المحافظ التقليدية القائمة على 60 في المائة أسهماً و40 في المائة سنداتٍ تحولاً نحو تخصيص 60 في المائة أسهماً، 20 في المائة سنداتٍ، و20 في المائة ذهباً. هذا التغيير يعكس إدراك المؤسسات أن السندات لم تعد توفر حماية كافية ضد التضخم، بينما الذهب أصبح الملاذ الأساسي ضد المخاطر المالية الهيكلية.

التبني الواسع لهذا النموذج سيخلق طلباً هائلاً على الذهب، حيث إن متوسط تخصيص الذهب في معظم المحافظ الحالية أقل من 1 في المائة؛ ما يعني أن تحقيق أهداف 20 في المائة سيتطلب تراكم آلاف الأطنان، وهو ما سيؤدي إلى استمرار الاتجاه الصعودي للأسعار.

ديناميات السوق والتقنيات المالية

ارتبط الذهب تاريخياً بعوائد السندات الحقيقية بشكل عكسي، لكن منذ أواخر 2022 انعكس هذا الترابط. فالزيادات الأخيرة في أسعار الفائدة تعكس الضغوط المالية السيادية وليس النمو الاقتصادي؛ ما يعزز دور الذهب بصفته أصلاً تحوّطياً ضد العجز والدين.

ويقارب إنتاج الذهب السنوي 3300 طن، مع نمو محدود 1 - 2 في المائة سنوياً، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع جودة الخام، إضافة إلى متطلبات الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية. نحو 30 في المائة من الإنتاج في مناطق جيوسياسية غير مستقرة؛ ما يجعل الإمدادات عرضة للصدمات.

وتشير البيانات إلى أن السوق الحالية لا تحمل سمات الفقاعة التقليدية، مثل ارتفاع مشاركة التجزئة المفرطة، والتغطية الإعلامية المكثفة، والرافعة المالية المفرطة. على العكس، الطلب مدفوع بالمؤسسات؛ ما يوفر دعماً هيكلياً للأسعار بعيداً عن المضاربة.

الذهب جسراً في النظام النقدي متعدد الأقطاب

تشير التحولات الراهنة إلى اتجاه نحو أنظمة احتياطية متعددة القطبية، حيث يعمل الذهب بوصفه جسراً محايداً بين مختلف الكتل النقدية. تطبيقات التكنولوجيا المالية، مثل التوكنز الرقمية المدعومة بالذهب، وسلسلة التوريد الرقمية، والعقود الذكية، تعزز من دور الذهب النقدي وتوسع استخداماته، مع الحفاظ على خصائصه بوصفه أصلاً لحفظ القيمة.

ولا تمثل تحركات سوق الذهب منذ مطلع عام 2025 مجرد طفرة سعرية عابرة، بل هي انعكاس لتحول هيكلي بعيد المدى في موازين الأسواق العالمية. هذا المسار الجديد مدفوع بتضافر عوامل جوهرية، تبدأ من تآكل الاستدامة المالية للقوى الاقتصادية الكبرى، ومروراً بتصاعد استخدام «الأسلحة النقدية» كأدوات في الصراعات الجيوسياسية، وصولاً إلى الثورة الصامتة في إعادة تخصيص المحافظ الاستثمارية وقيود العرض المادية.

وعليه، يعيد هذا التحول تثبيت مكانة الذهب بصفته ملاذاً نقدياً نهائياً ومستداماً، مدعوماً بطلب مؤسسي راسخ وقواعد هيكلية صلبة للأسعار. ومن خلال تجاوزه لموجات التقلب المضاربية التقليدية، يستعيد الذهب موقعه التاريخي الأصيل بصفته أصلاً نقدياً استراتيجياً لا غنى عنه؛ ليشكل بوصلة الأمان في نظام مالي عالمي يبحث عن التوازن في قلب عدم اليقين العالمي.


مقالات ذات صلة

الذهب يقترب من حاجز الـ4900 دولار وسط ترقب لإنهاء الحرب

الاقتصاد امرأة تمر أمام متجر لبيع الذهب في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الذهب يقترب من حاجز الـ4900 دولار وسط ترقب لإنهاء الحرب

ارتفعت أسعار الذهب يوم الخميس، مدعومة بضعف الدولار وارتفاع التفاؤل بشأن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عيّنات من الذهب عُرضت في برنامج تابع للشرطة الفيدرالية البرازيلية والمتخصص في تتبع الذهب في برازيليا (رويترز)

الذهب يتراجع من أعلى مستوى له في شهر مع ارتفاع الدولار

انخفضت أسعار الذهب بشكل، طفيف يوم الأربعاء بعد أن سجلت أعلى مستوى لها في شهر في وقت سابق من الجلسة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يرتد صعوداً نحو 4768 دولاراً مستفيداً من تراجع الدولار وآمال «السلام»

انتعش الذهب، الثلاثاء، من أدنى مستوى له في نحو أسبوع الذي سجله في اليوم السابق، مع انخفاض أسعار النفط وسط آمال بإجراء المزيد من محادثات السلام بشأن إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبيكة ذهبية تزن أونصة واحدة في متجر في سان فرانسيسكو (أ.ف.ب)

تراجع الذهب مع ارتفاع الدولار وتلاشي آمال خفض الفائدة الأميركية

انخفضت أسعار الذهب إلى أدنى مستوى لها في نحو أسبوع يوم الاثنين، متأثرة بارتفاع الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد زبائن يتجمعون داخل صالة عرض للمجوهرات في متجر للذهب في كوتشي الهند (رويترز)

الذهب يتجه لتحقيق ثالث مكاسبه الأسبوعية

يتجه الذهب نحو تسجيل مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، مدعوماً بازدياد رهانات المستثمرين على خفض مبكر وأوسع لأسعار الفائدة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
TT

ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)

تلقي الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران بظلالها على توقعات الشركات الأوروبية، من شركات الطيران إلى تجارة التجزئة، رغم الآمال بتحقيق أرباح قوية في الربع الأول، مع ضغط ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو على التوقعات المستقبلية.

وقالت شركة «تيسكو»، أكبر شركة تجزئة غذائية في بريطانيا، إن حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع قد تؤثر على الأرباح، في حين خفضت شركة صناعة الشوكولاته «باري كاليبوت» توقعات الأرباح بسبب اضطرابات في سلاسل الإمداد المرتبطة بالحرب، وفق «رويترز».

كما حذرت شركة «إيزي جيت» البريطانية، يوم الخميس، من خسارة أكبر في النصف الأول، ما ضغط على سهمها، في حين قالت شركة التجزئة البريطانية «دانلم» إن العملاء يقيّدون إنفاقهم بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع.

ويعتمد الكثير على مدة استمرار الصراع بين إيران وإسرائيل، وسط آمال متزايدة باتفاق سلام قد يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف تدفقات النفط التي رفعت الأسعار العالمية.

وقد أدت التوترات الإقليمية المتصاعدة إلى اضطراب الأسواق، ما أثار مخاوف من أن يؤدي نزاع طويل الأمد إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي زيادة التضخم وتراجع الطلب الاستهلاكي.

مستويات النشاط لم تنهَر «بشكل حاد» بعد

من المتوقع أن تُعلن الشركات الأوروبية عن أرباح «مستقرة نسبياً» للربع من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار)، حسب سياران كالاغان، رئيس أبحاث الأسهم الأوروبية في «أموندي»، رغم أن الحرب الإيرانية أثرت على نحو ثلث هذه الفترة.

وقال كالاغان: «يستغرق الأمر وقتاً حتى تنتقل أسعار النفط المرتفعة إلى الاقتصاد، لذا لم تنخفض مستويات النشاط بشكل حاد».

ورغم أن المستثمرين يقدّرون أن تعرض الشركات الأوروبية الكبرى المباشر للشرق الأوسط لا يتجاوز نسباً منخفضة من خانة الآحاد، فإن التباطؤ الاقتصادي، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم اليقين، وارتفاع التضخم تُعد المخاطر الرئيسية.

ومع ذلك، فإن حجم التأثير سيعتمد على مدة استمرار الحرب. وقد تراجعت الأسهم الأوروبية في الأسابيع الأولى من الصراع، لكنها تعافت لاحقاً مع تحسن المعنويات.

وقال بن ريتشي، رئيس أسهم الأسواق المتقدمة في «أبردين»: «لا أعتقد أن نتائج الربع الأول ستكون مخيبة للآمال، لكن التوقعات لبقية العام قد تكون كذلك».

وقد ظهرت بالفعل بعض نتائج قطاع أشباه الموصلات التي دعمت توقعات الأرباح القوية نسبياً، إذ أعلنت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر مورد عالمي لمعدات صناعة الرقائق، نتائج فصلية أفضل من المتوقع ورفعت توقعاتها السنوية مع استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي. كما سجلت شركة «أيكسرون» الألمانية لآلات الرقائق طلبات قوية ورفعت توقعاتها للإيرادات لعام 2026.

قطاع الطاقة يرتفع والاستهلاك يتراجع

تؤثر الحرب بشكل متباين على القطاعات المختلفة. إذ يُتوقع أن تسجل شركات مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي القياسي نمواً في أرباح الربع الأول بنسبة 4.2 في المائة، وفق تقرير «إل إس إي جي»، لكن ذلك يعود بشكل أساسي إلى قطاع الطاقة.

وقد دعمت أسعار النفط المرتفعة شركات الطاقة، ومن المتوقع أن تحقق الشركات الأوروبية الكبرى أرباحاً أعلى بنسبة 24 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأشارت شركة «توتال إنيرجيز» إلى استفادتها من ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب، رغم توقف 15 في المائة من إنتاج المجموعة الفرنسية.

كما يُتوقع أن يستفيد قطاع الطاقة المتجددة أيضاً. وقال هانس يورغ باك، كبير مديري المحافظ في «دي دبليو إس»، إن الأزمة أبرزت اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري.

وقال: «الخلاصة يجب أن تكون تسريع إدخال مصادر الطاقة البديلة والاستثمار في الشبكات».

وفي المقابل، قد تضر معدلات التضخم المرتفعة شركات الاستهلاك والسلع الفاخرة، لكنها قد تفيد البنوك، حسب كالاغان.

وقال: «هناك حديث واسع عن احتمال رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، وقد يقوم البنك المركزي الأوروبي برفعها مرتين إضافيتين بإجمالي 50 نقطة أساس، ما قد يكون إيجابياً للقطاع المصرفي الأوروبي».

وقد أشارت شركتا «إل في إم إتش» و«هيرميس» إلى أن مبيعات الربع الأول تأثرت بالحرب في إيران، التي قلصت الإنفاق في الشرق الأوسط وأخرت تعافي القطاع.

فائزون انتقائيون

ورغم وجود بعض «الفائزين الانتقائيين»، فإن الصراع لا يدعم أرباح الشركات الأوروبية بشكل عام، حسب كريستوف بيرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في الأسهم الأوروبية لدى «أليانز جي آي».

وكان بيرغر قد توقع قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) نمواً في أرباح الشركات الأوروبية بنسبة عالية من خانة الآحاد إلى خانة العشرات، لكنه خفّض توقعاته الآن إلى نمو «جيد» لكنه دون مستويات مزدوجة الرقم للربع الأول.

وقالت «إل إس إي جي» إن الإيرادات في الربع الأول يُتوقع أن تنخفض في المتوسط بنسبة 0.6 في المائة باستثناء قطاع الطاقة، ما يشير إلى أن جهود خفض التكاليف وإعادة الهيكلة قد تؤتي ثمارها.

إعادة شراء الأسهم

ورغم أن بعض الشركات خفّضت توزيعات الأرباح المقترحة، فإنه لا توجد مؤشرات على أن هذا تحول عام حتى الآن، حسب المستثمرين.

في المقابل، زادت الشركات من عمليات إعادة شراء الأسهم لوقف تراجع الأسواق، حسب ماركوس موريس إيتون، مدير المحافظ في «أليانس بيرنشتاين».

وقال: «شهدنا زيادة ملحوظة في عمليات إعادة شراء الأسهم، حيث توفر التقييمات الحالية عائداً جيداً على الاستثمار للعديد من الشركات».


18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
TT

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث زاد عدد الخدمات المقدمة منذ مارس (آذار) 2020 على 18 مليون خدمة، استفاد منها نحو 4 ملايين مستثمر، في مؤشر واضح على تنامي جاذبية السوق وتحسن كفاءة الإجراءات.

وفي الوقت الذي تواصل فيه المنصات الحكومية تعزيز تجربة المستثمر عبر نافذة موحدة، فإن الربع الأول من العام الحالي سجل نمواً لافتاً في تأسيس الشركات والمؤسسات، إلى جانب توسع ملحوظ في توثيق المتاجر الإلكترونية، وارتفاع وتيرة التراخيص في عدد من القطاعات الحيوية؛ مما يعكس حراكاً اقتصادياً نشطاً يدعم مستهدفات التنمية ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.

ووفق تقرير صادر عن «المركز السعودي للتنافسية والأعمال»، اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فقد بلغ عدد المتاجر الإلكترونية التي وُثّقت نحو 41 ألف متجر، في الوقت الذي وصل فيه عدد طلبات إنشاء رمز موحد إلى نحو 40 ألف طلب.

توزيع التراخيص

وطرحت 31 جهة حكومية 60 مشروعاً عبر منصة «استطلاع» خلال الربع الأول من العام الحالي، فيما بلغ إجمالي الآراء والملحوظات بشأن المشروعات نحو 4435.

وفي الربع الأول من العام الحالي أُسّس أكثر من 26.6 ألف شركة جديدة، و41.8 ألف مؤسسة، إضافة إلى 608 متاجر إلكترونية موثقة، حيث مكنت «منصة الأعمال» المستثمرين من إنجاز إجراءات بدء أعمالهم الاقتصادية، عبر تقديم جميع الخدمات ذات العلاقة من خلال وجهة واحدة متكاملة مع جميع الجهات الحكومية المعنية.

وبخصوص التراخيص الصادرة لبدء الأعمال، كان النصيب الأكبر منها، خلال الفصل الأول، لقطاع التعليم بـ1277 رخصة، ثم الإعلام بـ442، تليها (مكانياً) الرياض بنحو 105، وأخيراً القطاع السياحي بنحو 57 رخصة.

وأعلن «المركز» عن خدمات متاحة حالياً عبر المنصة، هي: تصفية شركة زاولت قرار تعيين مُصفٍّ، وتصفية شركة لم تزاول، وشطب السجل التجاري الرئيسي لشركة بناءً على حكم قضائي، وتسجيل مستورد/ مصدر جديد.

سيدة تتحدث إلى أحد منسوبي «المركز» في إحدى الفعاليات المقامة بالسعودية (واس)

تحسين بيئة الأعمال

وفي وثيقة إلكترونية واحدة تعزز موثوقية البيانات وتدعم التحديث المستمر، تمكن ما يزيد على 5692 ألف منشأة تجارية من إصدار رمزها الإلكتروني منذ إطلاق خدمة «الرمز الإلكتروني الموحد».

وبشأن إصلاحات بيئة الأعمال بالتكامل مع الجهات المعنية خلال الربع الأول، كشف «المركز» عن تمكين مجموعة شركات من تقديم خدمات الشحن الجوي مثل: وساطة الشحن، ومناولة الشحنات في مناطق الإيداع، والشحن السريع في قرى الشحن بمطارَي «الملك خالد الدولي» و«الملك فهد الدولي».

والأثر من ذلك الإصلاح هو تنمية الحركة الجوية، وتحسين الخدمات المقدمة، بالإضافة إلى زيادة النشاط الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة.

وقد تمكنت أيضاً من انتقاء أحكام قضائية ذات علاقة بقطاع الأعمال، بما فيها الأحكام التجارية والإدارية، ونشرها باللغتين العربية والإنجليزية في البوابة العلمية القضائية التابعة لوزارة العدل؛ بهدف تعزيز القدرة على التنبؤ بالأحكام، وتعزيز الشفافية، وزيادة الوعي بالمبادئ التي تقوم عليها في الحالات المتشابهة. وأيضاً إصدار الاشتراطات البلدية الخاصة بالمباني التعليمية الأهلية، في خطوة تعزز امتثال المستثمرين في القطاع عن طريق حوكمة إنشاء وتشغيل المنشآت وضبط معايير السلامة والتخطيط العمراني فيها.

وأطلقت وزارة التجارة حملات توعوية بالأنظمة المتعلقة بممارسة الأعمال، مثل نظام الشركات، والسجل التجاري، ونظام الأسماء التجارية.

ومن الإصلاحات التي أجرتها الحكومة في الربع الأول، إيجاد حلول ومحفزات تمويلية مع «بنك الرياض» و«صندوق التنمية الصناعية السعودي»، تمكن المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاع اللوجيستي من الاستثمار في المشروعات المتعلقة بالمنظومة.

التقارير الدولية

وتحقيقاً لأهداف «رؤية 2030» المتعلقة برفع تنافسية المملكة عالمياً، فإن أعمال «المركز» تتضمن دراسة وتحليل ومتابعة نحو 31 تقريراً عالمياً معتبراً، ومراقبة أداء البلاد في مؤشرات تلك التقارير، كاشفاً عن تحسن «مجموع نتائج السعودية (score)» مقارنة بالعام الماضي، وعن أنها الآن ثالث أعلى دولة في المجموع بين 53 دولة، حيث أشار التقرير إلى ريادة الرياض عالمياً في تمويل رواد الأعمال والسياسات الحكومية الداعمة، وارتفاع مستوى الوعي بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وزيادة نسبة البالغين الذين بدأوا مشروعاً ريادياً.

وتقدمت المملكة 3 مراتب وحلّت في المرتبة الـ59 عالمياً من أصل 184 دولة. وحققت المرتبة الـ6 من أصل 14 في المنطقة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتقدمت كذلك في 7 من أصل 12 محوراً فرعياً.

وحققت البلاد تقدماً في نتائج «تقرير المرأة - أنشطة الأعمال والقانون 2026»، بتسجيل أعلى زيادة في عدد النقاط على مستوى العالم في محور «الأطر الداعمة».

ألف إصلاح اقتصادي

وكان وزير التجارة رئيس مجلس إدارة «المركز السعودي للتنافسية والأعمال»، الدكتور ماجد القصبي، افتتح مقر «مركز المعرفة (knowledge-hub)» في الرياض، وذلك بالشراكة بين «البنك الدولي» و«المركز».

وقال القصبي إن بدء أعمال «مركز المعرفة» في نشر ثقافة الإصلاحات للدول المستفيدة يتزامن مع مشارفة وصول «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» إلى تنفيذ ألف إصلاح اقتصادي وتنموي لتطوير وتحسين البيئة التنافسية، بالتكامل مع 65 جهة حكومية.


«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)
زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)
TT

«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)
زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

أعلنت شركة «دار غلوبال» عن حصولها على تسهيلات قرض مشترك لأجل بقيمة 250 مليون دولار مقدمة من بنك الإمارات دبي الوطني، في خطوة تهدف إلى دعم خططها للنمو وتسريع توسعها في الأسواق العالمية الرئيسية.

وأوضحت الشركة أن التمويل، الذي يأتي ضمن «مشروع راديوم 2»، جرى ترتيبه بمشاركة مجموعة من المقرضين الإقليميين، فيما تولى «الإمارات دبي الوطني كابيتال» دور المنظم الرئيسي المشترك ومدير الاكتتاب والوكيل الحصري للوثائق.

ويأتي هذا التمويل في إطار استراتيجية «دار غلوبال»، المملوكة بأغلبية من «دار الأركان» السعودية، لتعزيز حضورها الدولي، حيث سيسهم في دعم تطوير مشاريعها الحالية والسعي إلى فرص استثمارية جديدة في أسواق مختارة.

وقال أحمد القاسم، رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني»، إن الصفقة تعكس ثقة المؤسسات المالية بقدرة البنك على هيكلة وتنفيذ عمليات تمويل مشتركة واسعة النطاق، مشيراً إلى أن الإقبال من المقرضين يعكس الطلب المستمر على التمويل المرتبط بقطاع العقارات.

وأضاف أن البنك صمم التسهيلات بما يتوافق مع طموحات «دار غلوبال»، بما يعزز تقديم حلول تمويلية مخصصة تدعم النمو المستدام في قطاع العقارات الفاخرة عالمياً.

من جانبه، قال زياد الشعار، الرئيس التنفيذي لشركة «دار غلوبال»، إن التمويل يوفر سيولة إضافية ومرونة مالية تدعم تطوير المشاريع الحالية، مع الحفاظ على نهج انتقائي في اقتناص الفرص الجديدة، مؤكداً أن تنويع مصادر التمويل يظل محورياً في استراتيجية الشركة مع توسعها الدولي.