من تراجع 2015 إلى قفزة 2025.. الذهب يعود أقوى من أي وقت مضى

صعود قياسي يتخطى الـ3600 دولار للأونصة وسط تنامي توقعات خفض الفائدة

عامل يصب سبائك ذهب في مصنع كراستسفيتمت في كراسنويارسك، روسيا (رويترز)
عامل يصب سبائك ذهب في مصنع كراستسفيتمت في كراسنويارسك، روسيا (رويترز)
TT

من تراجع 2015 إلى قفزة 2025.. الذهب يعود أقوى من أي وقت مضى

عامل يصب سبائك ذهب في مصنع كراستسفيتمت في كراسنويارسك، روسيا (رويترز)
عامل يصب سبائك ذهب في مصنع كراستسفيتمت في كراسنويارسك، روسيا (رويترز)

في مثل هذا اليوم من عام 2011، سجل سعر الذهب أعلى مستوى له على الإطلاق عند 1923 دولاراً للأونصة. ومنذ ذلك التاريخ، لم يتمكن المعدن النفيس من الوصول إلى هذا المستوى إلا بعد مرور نحو تسع سنوات، وهو ما يعكس طبيعة الأسواق المالية المتقلبة، والتغيرات الهيكلية في الاقتصاد العالمي.

وبعد تسجيل هذا الارتفاع التاريخي، بدأ الذهب رحلة تصحيحية شملت انخفاضاً بنسبة تقارب 46 في المائة ليصل إلى أدنى مستوى عند 1045 دولاراً في 3 ديسمبر (كانون الأول) 2015، قبل أن يبدأ في التعافي التدريجي على مدى أربع سنوات ونصف السنة، مسجلاً 1942 دولاراً في 27 يوليو (تموز) 2020، في خضم أزمة جائحة (كوفيد - 19) التي هزت الاقتصاد العالمي.

اليوم، يعود الذهب ليؤكد مكانته بصفته أصلاً آمناً، إذ تجاوز يوم الاثنين مستوى 3,600 دولار للأونصة، بدعم من بيانات الوظائف الأميركية الضعيفة التي عززت توقعات السوق بخفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في اجتماعه المرتقب الأسبوع المقبل. وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1 في المائة ليصل إلى 3,621.59 دولار للأوقية.

الذهب والاقتصاد العالمي

لا يحدث ارتفاع أسعار الذهب بمعزل عن السياق الاقتصادي الكلي، بل يعكس تحولات كبيرة في السياسات النقدية العالمية وعدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي. ويشير هذا الارتفاع السريع إلى تغير جوهري في نظرة المستثمرين تجاه العملات التقليدية وأصول الاحتفاظ بالقيمة، خصوصاً في ظل المشهد المالي المعقد اليوم. وتؤكد التحليلات الحديثة أن هذا الزخم قد يستمر خلال عام 2025 وما بعده، إذ يواصل الذهب أداءه بوصفه ملاذاً آمناً ضد التضخم، وتقلبات الأسواق المالية.

وجاء نمو التوظيف الأميركي دون التوقعات، بينما ارتفع معدل البطالة إلى أعلى مستوى له منذ عام 2021، مما عزز توقعات السوق بخفض وشيك لأسعار الفائدة بنسبة احتمال تصل إلى 92 في المائة. كما أسهمت الضغوط السياسية على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في تعزيز الطلب على الذهب، مع استمرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب في انتقاد سياسات البنك المركزي. وفي الوقت نفسه، زاد بنك «الشعب» الصيني احتياطياته من الذهب للشهر العاشر على التوالي في أغسطس (آب)، ضمن استراتيجية لتنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار الأميركي، ما أسهم في دعم المعدن النفيس عالمياً.

وقال مجلس الذهب العالمي: «بناءً على البيانات الصادرة عن البنوك المركزية العالمية، فقد اشترت ما مجموعه 10 أطنان من الذهب في يوليو. وشهدت أسعار السبائك ارتفاعاً بنسبة 37 في المائة حتى الآن هذا العام، مستفيدةً من مكاسبها البالغة 27 في المائة في عام 2024، ومدفوعةً بضعف الدولار، وشراء البنوك المركزية القوي، وضعف السياسة النقدية، وعدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي».

الرسوم وتأثيرها على جاذبية الذهب

توضح الأبحاث الاقتصادية أن القيود التجارية، خصوصاً الرسوم الجمركية، تشكل عاملاً مؤثراً في أسواق الاستثمار. ففرض الرسوم يمثل تدخلاً اصطناعياً في أنماط الإنتاج والاستهلاك الطبيعية، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المستهلكين، وانخفاض الطلب الكلي، وتخصيص غير فعال للموارد. هذه التشوهات السوقية، التي قد تستمر لفترات طويلة، تضاعف الضغوط التضخمية من خلال رفع تكاليف السلع المستوردة، ما يجعل الذهب خياراً جذاباً بوصفه أصلاً يحافظ على القيمة في مواجهة الضغوط الاقتصادية المستمرة. وقد أظهرت الدراسات في جامعات كبرى أن الرسوم الجمركية عادة ما تُرفع أسعار المستهلكين عبر إجبار المستوردين على تمرير التكاليف الأعلى، وهو مبدأ ثبت صحته تاريخياً عبر فترات متعددة من القيود التجارية.

اضطرابات السندات وأسعار الذهب

شهدت سوق الذهب صعوداً ملحوظاً في الأيام القليلة الماضية، ويأتي ذلك مدفوعاً بالاضطرابات في سوق السندات العالمية. فقد ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى نحو 5 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ يوليو، وسط مخاوف تشمل الرسوم الجمركية، والتضخم، واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي. وعلى الصعيد العالمي، سجلت عوائد السندات البريطانية أعلى مستوياتها منذ 1998، فيما بلغت عوائد السندات الألمانية والفرنسية والهولندية مستويات غير مسبوقة منذ 2011، بينما سجلت السندات اليابانية لأجل 30 عاماً مستوى قياسياً، ما يعكس الضغوط العالمية على أسواق الدين.

توقعات وتحليلات المؤسسات المالية

يظل مستقبل الذهب واعداً وفق خبراء السوق، رغم عدم وضوح مدى صعوده في الدورة الحالية. وبينما تظل أسعار الفائدة المحرك الرئيسي لاتجاهاته الصعودية، تظهر عوامل أخرى محتملة لدعم استمرار الزخم، مثل تصحيح محتمل في سوق الأسهم وعودة تدفقات المستثمرين الغربيين إلى الأسواق، مما يعزز الطلب على المعدن النفيس.

كما تبقى المؤسسات المالية متفائلة حيال الذهب، حيث تشير شركة «مينشنغ» للأوراق المالية إلى أن التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية، إلى جانب موسم الذروة في شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، ستوفر زخماً صعودياً قوياً للذهب والمعادن النفيسة الأخرى. من جانبها، تسلط شركة «أورينت» للأوراق المالية الضوء على ظهور مخاطر السيولة وضعف الدولار الأميركي، إلى جانب تأثير النفوذ السياسي على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، ما يعزز من مكانة الذهب بوصفه ملاذاً آمناً للمستثمرين.

ويؤكد إيان سامسون، مدير المحافظ الاستثمارية في «فيديليتي إنترناشونال»، أن «الذهب يظل خياراً عملياً لتنويع المحافظ الاستثمارية، خصوصاً في ظل فشل السندات في أداء دورها التقليدي في توزيع المخاطر»، ما يعكس القيمة الاستراتيجية للمعدن الأصفر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.


مقالات ذات صلة

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

تحليل إخباري أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صائغ يزن حُليّاً ذهبية داخل صالة عرض في أحمد آباد الهند (رويترز)

الذهب يتجه لخسارة أسبوعية ثانية مع ارتفاع أسعار الطاقة

يتجه الذهب نحو تسجيل تراجع أسبوعي ثانٍ على التوالي رغم ارتفاعه الطفيف يوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مجوهرات ذهبية معروضة في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع مع ارتفاع الدولار وتزايد مخاوف التضخم في أميركا

انخفضت أسعار الذهب يوم الخميس، متأثرة بارتفاع الدولار الأميركي، في حين أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تجدد المخاوف بشأن التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عرض مجوهرات في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ارتفاع طفيف في أسعار الذهب مع انحسار مخاوف التضخم

ارتفع سعر الذهب بشكل طفيف يوم الأربعاء مع انحسار مخاوف التضخم، بينما ينتظر المستثمرون سلسلة من البيانات الاقتصادية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو بالصين (أ.ف.ب)

الذهب يرتفع مع تنامي آمال انحسار شبح التضخم في ظل تراجع النفط

ارتفعت أسعار الذهب، الثلاثاء، مدعومة بضعف الدولار وانخفاض تكاليف الطاقة بعد أن أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية انتهاء الحرب في الشرق الأوسط قريباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.