جنوب أفريقيا تتطلع للربط الكهربائي مع السعودية

مغابي لـ«الشرق الأوسط»: سننقل تجربة المملكة لقمة الـ20 ونؤسس لجنة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي

ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس جنوب أفريقيا في جدة أكتوبر 2022 (واس)
ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس جنوب أفريقيا في جدة أكتوبر 2022 (واس)
TT

جنوب أفريقيا تتطلع للربط الكهربائي مع السعودية

ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس جنوب أفريقيا في جدة أكتوبر 2022 (واس)
ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس جنوب أفريقيا في جدة أكتوبر 2022 (واس)

كشفت جنوب أفريقيا عن طموحها للربط الكهربائي مع السعودية، في ظل تطور التعاون المتقدم بين البلدين بتكنولوجيا مجالات المناخ والاقتصاد الأخضر.

وكان لقاء جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا في عام 2022، بمشاركة مئات رجال الأعمال، لتتوالى بعده زيارات بين مسؤولي الدولتين وقادة الأعمال؛ ما أسفر عن مفاوضات واستثمارات تقدر بنحو 5 مليارات دولار تشمل الطاقة المتجددة، واللوجيستيات، ومحطات الوقود، والقطاع العقاري، بعضها تم توقيعه، وأخرى لا تزال قيد النقاش.

وترأس جنوب أفريقيا هذا العام قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في جوهانسبرغ.

وأوضح السفير الجنوب أفريقي لدى المملكة، موغوبو ديفيد مغابي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الربط الكهربائي بين البلدين هو «هدف طموح»، وأن المناقشات مستمرة حول استثمارات الشبكات والشراكات في قطاع الطاقة.

وأشار إلى أن أجندة اللجنة الاقتصادية المشتركة لعام 2025 تتضمن مبادرات رائدة في مجالات الهيدروجين والتكنولوجيا الزراعية والممرات اللوجيستية لتعزيز هذا التعاون.

وأكد مغابي أن التبادل التجاري بين البلدين شهد زيادة بنسبة 9.6 في المائة منذ عام 2022، حيث شملت معظم صادرات جنوب أفريقيا النفط الخام والمواد الكيميائية. وشدد على وجود فرص لتنويع الصادرات الجنوب أفريقية لتشمل قطاعات السيارات والمنتجات الزراعية المصنعة.

السفير الجنوب أفريقي لدى السعودية موغوبو ديفيد مغابي (الشرق الأوسط)

تطورات التعاون الثنائي

وقال مغابي: «أظهرت التطورات الأخيرة تعاوناً قوياً بين القطاعات، فعلى صعيد الاقتصاد والتجارة، بلغ حجم التجارة الثنائية 44.4 مليار دولار في عام 2024. وتشهد التجارة توسعاً، لكنها لا تزال غير متوازنة لصالح السعودية».

وفي مجال الصناعة، فإن شركات جنوب أفريقية، تستكشف عقوداً في إطار مشاريع «رؤية 2030» مثل مشروعي «نيوم» و«تطوير البحر الأحمر»، بينما على صعيد مجالات المناخ والاقتصاد الأخضر، فإن شركة «أكوا باور» السعودية، استثمرت أكثر من 1.2 مليار دولار في مشاريع الطاقة المتجددة في جنوب أفريقيا.

وأضاف مغابي: «على صعيد التعاون الثنائي في مجالات التكنولوجيا، هناك تقدم ملحوظ في مجالات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، مع اقتراح التعاون في إطار ركيزة الاقتصاد الرقمي للجنة الاقتصادية المشتركة لعام 2025».

وأوضح أنه في حين أن الربط الكهربائي هدف طامح، فإن المناقشات مستمرة بشأن استثمارات الشبكات والشراكات في قطاع الطاقة، في حين تقترح اللجنة الاقتصادية المشتركة لعام 2025 مبادرات رائدة في مجالات الهيدروجين والتكنولوجيا الزراعية والممرات اللوجيستية لتعزيز هذا التعاون.

منتدى الأعمال السعودي - الجنوب أفريقي الذي انعقد في جوهانسبرغ 2024 (واس)

وتتضمن أجندة اللجنة الاقتصادية المشتركة المقترحة لعام 2025، وفق مغابي، التركيز على الاستثمار في شبكات الطاقة ضمن ركيزة التحول في مجال الطاقة؛ ما يشير إلى أن التعاون في مجال الكهرباء قد يتجاوز الحوار إلى التخطيط الملموس في المستقبل القريب.

وتابع: «في حين جرت مناقشات حول التعاون في مجال الكهرباء وخاصةً فيما يتعلق بالطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لا يوجد مشروع ربط مؤكد بين البلدين. ويعكس الاستثمار السعودي في قطاع الطاقة في جنوب أفريقيا (مثل أكوا باور) اهتماماً بالتعاون في مجال الطاقة».

شراكة استراتيجية متنامية

وقال مغابي: «إن جنوب أفريقيا والسعودية، تحافظان على شراكة متنامية واستراتيجية، تدعم أولويات قمة مجموعة العشرين لعام 2025 التي ستُعقد في جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا. ومن المتوقع أن يستقبل الرئيس رامافوزا رؤساء الدول والحكومات من جميع أعضاء مجموعة العشرين، في جوهانسبرغ، في مركز نسرس للمعارض في سويتو».

وأوضح أن «اجتماعات وزارية عدة لدول مجموعة العشرين، عُقدت استعداداً لقمة القادة الرئيسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، كما يشترك البلدان في عضوية مجموعة العشرين ومع اهتمام مشترك بإعادة تشكيل الحوكمة العالمية ومعالجة تحديات تمويل التنمية».

ولفت إلى أن السعودية، سبق أن سلطت الضوء لدى رئاستها مجموعة العشرين عام 2020 على الاستجابة للجائحة حينها، والتنويع الاقتصادي، وأولويات التحول في مجال الطاقة التي تتوافق بشكل وثيق مع استراتيجية جنوب أفريقيا لإعادة التصنيع ورؤيتها لأجندة مجموعة العشرين لعام 2025.

ووفق مغابي، فإن التعاون الثنائي يتجلى في الزيارات رفيعة المستوى وحوارات السياسات، والتنسيق بمجال الاستثمار والبنية التحتية، حيث يُنظر إلى الدورة العاشرة للجنة الاقتصادية المشتركة، التي سيستضيفها وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف، في الرياض خلال سبتمبر (أيلول) 2025، ويرأسها بالاشتراك مع نظيره مفو باركس فرانكلين تاو وزير التجارة والصناعة والتنافس».

وشدد مغابي على أن هذا اللقاء، يمثل فرصة أساسية لتعزيز أهداف مجموعة العشرين المشتركة، من خلال التركيز على الأمن الغذائي، والطاقة، والخدمات اللوجيستية، والمرونة المالية.

تجربة السعودية «العشرينية»

وأوضح مغابي أن بلاده استفادت بشكل غير مباشر من رئاسة المملكة مجموعة العشرين عام 2020 من خلال أطرها للتعاون الاقتصادي العالمي، والتحول الرقمي، وتمويل الطوارئ.

وتابع: «ورغم عدم وجود دليل مباشر على النقل التشريعي، فإن تأثير السياسات كان واضحاً في المنتديات متعددة الأطراف. دعمت جنوب أفريقيا المبادرات الرئيسية التي تقودها السعودية بشأن الوصول العادل للقاحات والدعم المالي للدول النامية».

وأكد أن تعامل السعودية، أثر مع تشريعات الاستثمار وآليات التحفيز خلال جائحة «كوفيد - 19» في توافق أوسع في آراء مجموعة العشرين، والتي أسهمت جنوب أفريقيا في تشكيلها، بينما يشترك البلدان حالياً في الاهتمام بالتعافي بعد الجائحة من خلال التصنيع والبنية التحتية والطاقة المتجددة والأمن الغذائي.

تعاون ثنائي في «بريكس»

وحول فرص التعاون بين البلدين في مجموعة «بريكس»، قال مغابي: «إن فرص التعاون كبيرة، لا سيما في مجالات تمويل التنمية والاستثمار في البنية التحتية، والحوكمة الرقمية، وإصلاح الحوكمة العالمية، حيث يتماشى انخراط السعودية المتزايد مع اقتصادات دول (بريكس)، خاصة جنوب أفريقيا والصين مع تحولها الأوسع نحو استراتيجية دبلوماسية متعددة الأقطاب».

وأضاف مغابي: «خلال رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة (بريكس) عام 2023، وجَّه الرئيس سيريل رامافوزا دعوات إلى مجموعة مختارة من الدول للانضمام إلى مجموعة (بريكس)، وبينما قبلت دول عدة الدعوة للانضمام بصفتهم أعضاء كاملين، أشارت السعودية إلى أنها لا تزال تدرس الدعوة». وتابع: «مع ذلك، شاركت السعودية في جميع قمم (بريكس) اللاحقة والاجتماعات الوزارية بصفة مراقب أو شريك، ويعكس هذا الانخراط المستمر اهتمام المملكة، بتعميق العلاقات الاقتصادية مع أعضاء (بريكس)، دون الالتزام رسمياً بالعضوية الكاملة في هذه المرحلة».

وختم مغابي بالقول إن جنوب أفريقيا ترى أن انضمام السعودية إلى «بريكس» سيعزز الثقل الاقتصادي والجيوسياسي للمجموعة، خاصة في مجالات أمن الطاقة وتدفقات الاستثمار والتعاون فيما بين بلدان الجنوب.


مقالات ذات صلة

«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

الاقتصاد بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)

«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

قال الرئيس التنفيذي لشركة التعدين العربية السعودية «معادن»، بوب ويلت، إن المملكة لديها أساس قوي في وقت دخلت فيه إلى نماذج تنويع المصادر خلال «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جماعية عقب توقيع الاتفاقية لتطوير مجمع منتجات الألمنيوم في مدينة ينبع (الشرق الأوسط)

«الاستثمارات العامة» و«البحر الأحمر» لتطوير مجمع متقدم للألمنيوم بالسعودية

أعلن صندوق الاستثمارات العامة وشركة البحر الأحمر للألمنيوم القابضة (RSAH)، وهي مشروع مشترك مع عدة شركات، تطوير مجمّع متقدم ومتكامل لمنتجات الألمنيوم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الاجتماع الثاني لشبكة مراكز التميز والتقنية العالمية الذي عُقد ضمن فعاليات النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (واس)

الرياض تجمع قادة الابتكار في اجتماع مراكز التميز والتقنية العالمية

استضافت العاصمة الرياض أعمال الاجتماع الثاني لشبكة مراكز التميز والتقنية العالمية، الذي عُقد ضمن فعاليات النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي.

الاقتصاد الفالح متحدثاً في جلسة خلال مؤتمر التعدين الدولي (الشرق الأوسط)

الفالح: 5 تريليونات دولار استثمارات متوقعة في قطاع التعدين خلال 10 سنوات

قال وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح إن تقديرات مؤسسات عالمية تشير إلى حاجة قطاع التعدين عالمياً لنحو 5 تريليونات دولار خلال السنوات العشر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجلسة الحوارية في وزارة الاقتصاد والتخطيط (إكس)

بمشاركة لاري فينك... الرياض تبحث مع «بلاك روك» تمكين منظومة الادخار الوطني

استضافت وزارة الاقتصاد والتخطيط بالرياض جلسة حوارية رفيعة المستوى، بحضور الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، لاري فينك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)

لم تكن الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة في إيران ناتجة من مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي فحسب، بل بدأت من داخل النظام المصرفي الذي ظل لسنوات يمثل «الصندوق الأسود» لتمويل النخبة الحاكمة، وفق تقرير موسع لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

حين أعلن عن انهيار بنك «آينده» (Ayandeh Bank) أواخر العام الماضي، لم يكن الأمر مجرد إفلاس لمؤسسة مالية، بل كان إيذاناً بنهاية حقبة «اقتصاد الظل» الذي اعتمده النظام للالتفاف على الضغوط الدولية. هذا البنك، الذي أداره مقربون من دوائر القرار، غرق في ديون تجاوزت 5 مليارات دولار نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية؛ ما أجبر الحكومة على طباعة كميات هائلة من السيولة لتغطية الفجوة، وهو الإجراء الذي أدى بدوره إلى انفجار تضخمي لم يعد المواطن العادي قادراً على تحمله.

علي أنصاري... مهندس الظل

في قلب هذه العاصفة المالية، يبرز اسم علي أنصاري بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد الاقتصادي الإيراني. أنصاري، الذي ينحدر من واحدة من أثرى عائلات البلاد، لم يكن مجرد رجل أعمال تقليدي، بل كان مهندساً لشبكة مالية معقدة بدأت خيوطها في عام 2013 عندما أسس بنك «آينده» عبر دمج مصرفين حكوميين مع مؤسسة مالية كان يملكها سابقاً. هذا الصعود السريع لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى علاقات سياسية وثيقة مع التيار المحافظ، وتحديداً مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ ما سمح له ببناء إمبراطورية عابرة للحدود، تجلت مظاهر ثرائها في امتلاكه قصراً تقدر قيمته بملايين الدولارات في شمال لندن، بعيداً عن أعين الملايين من الإيرانيين الذين يكافحون تحت وطأة الفقر.

متظاهرة في سيدني تحمل علماً تاريخياً لإيران خلال مسيرة تضامنية مع الاحتجاجات التي تجتاح إيران حالياً (إ.ب.أ)

تمويل «الحرس الثوري» والعقوبات

لم تكن أنشطة أنصاري بعيدة عن أعين الرقابة الدولية؛ فبعد أيام قليلة من الانهيار المدوي لبنك «آينده»، سارعت المملكة المتحدة إلى فرض عقوبات مشددة عليه، واصفةً إياه بـ«المصرفي الفاسد» الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الذراع الاقتصادية والعسكرية الأقوى في البلاد، «الحرس الثوري» الإيراني.

وعلى الرغم من هذه الاتهامات، حاول أنصاري التنصل من المسؤولية في بيان أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عازياً فشل البنك إلى «قرارات وسياسات خارجة عن سيطرته»، في محاولة لإلقاء اللوم على الظروف الاقتصادية الكلية، متجاهلاً حقيقة أن مصرفه اعتمد لسنوات على جذب المودعين عبر تقديم أعلى أسعار فائدة في تاريخ البلاد، وهي السياسة التي وصفتها الدوائر الاقتصادية بأنها «عملية هروب إلى الأمام» أدت في النهاية إلى تراكم قروض غير منتظمة وجبال من الديون التي استنزفت البنك المركزي.

«إيران مول»... نصب تذكاري للفساد

يتجلى عمق المأساة في قصة «إيران مول»، المشروع العملاق الذي موّله بنك «آينده» والذي صُمم ليكون أكبر مركز تجاري في المنطقة بمساحة تفوق حجم «البنتاغون»، وفق «وول ستريت جورنال». في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإيراني يترنح تحت وطأة العقوبات، كانت أموال المودعين تُضخ لبناء قاعات مرايا ملكية ودور سينما فاخرة، فيما وصفه الخبراء بأنه «مخطط بونزي» (Ponzi Scheme) تحت رعاية رسمية. لقد كان هذا المشروع تجسيداً صارخاً لسياسة «الإقراض الذاتي»، حيث منح البنك قروضاً هائلة لشركات يملكها مؤسسه علي أنصاري؛ ما جعل 90 في المائة من موارد البنك محبوسة في مشاريع عقارية غير سائلة، بينما يعجز المواطنون عن سحب مدخراتهم البسيطة لتأمين لقمة العيش.

المصرف المركزي وطباعة الديون

لقد كشف انهيار بنك «آينده» عن الوجه القبيح للعلاقة بين النخبة المالية والسياسة النقدية في طهران؛ حيث استمر البنك المركزي الإيراني لسنوات في طباعة كميات مهولة من الريالات لضخ السيولة في عروق بنك أنصاري المتصلب، محاولاً إبقاءه على قيد الحياة بأي ثمن. هذا الدعم الحكومي لم يكن لإنقاذ المودعين بقدر ما كان لحماية المصالح المتشابكة للنخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وفق «وول ستريت جورنال».

فرع لبنك «ملي» الذي استحوذ على مصرف «آينده» (أ.ف.ب)

العاصفة الكاملة وتآكل الهيبة

جاء هذا الانهيار المالي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، حيث تزامنت الأزمة الاقتصادية مع تراجع حاد في قدرة النظام على الردع العسكري عقب المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي. هذا الفشل المزدوج، المالي والعسكري، أدى إلى تآكل «شرعية الإنجاز» التي كان النظام يستند إليها. ومع تشديد الرقابة الأميركية على تدفقات الدولار من العراق، والتي كانت تمثل «الرئة المنسية» للاقتصاد الإيراني، وجد البنك المركزي نفسه مجرداً من أدوات التدخل لحماية الريال، الذي هوى في عام 2025 ليفقد 84 في المائة من قيمته، محولاً حياة الطبقة المتوسطة إلى كابوس يومي من الغلاء الفاحش.

الموازنة «الانتحارية» والطريق المسدود

بدلاً من أن تعمل الحكومة على امتصاص غضب الشارع، جاءت موازنة ديسمبر (كانون الأول) لتعمق الجراح عبر إجراءات تقشفية قاسية وصفها محللون بأنها «رصاصة الرحمة» على العقد الاجتماعي الهش. شملت الموازنة رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية، وهي خطوات كانت تهدف لتوفير 10 مليارات دولار لتغطية عجز الدولة المنهارة.

لكن هذه الأرقام تحولت على أرض الواقع صدمة معيشية دفعت حتى «البازار» التقليدي — وهو العمود الفقري للاستقرار التاريخي في طهران — للنزول إلى الشارع، بعد أن وجد التجار أنفسهم عاجزين عن تسعير بضائعهم في ظل عملة تنهار قيمتها بالدقيقة والساعة.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من ثاني أيام احتجاجات البازار (أ.ب)

احتضار النظام المالي

إن ما يحدث اليوم في المدن الإيرانية ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو تعبير عن وصول «دولة الاستثناء» إلى طريق مسدود. فبعد عقود من هندسة الالتفاف على العقوبات واستخدام البنوك قنواتٍ لإثراء النخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، جفت المنابع تماماً.

وبات انهيار بنك «آينده» يمثل نموذجاً لـ5 بنوك كبرى أخرى تواجه المصير ذاته؛ ما يضع النظام أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في طباعة الأموال والمخاطرة بانهيار اجتماعي شامل، أو القبول بإصلاحات جذرية قد تقتلع جذور النخبة المالية الحاكمة. وفي ظل أزمات موازية في المياه والكهرباء، يبدو أن الدولة لم تعد تملك سوى «القبضة الأمنية» لمواجهة شعب لم يعد لديه ما يخسره.


المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
TT

المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)

تصدرت المواجهة الاقتصادية بين الدول وتداعياتها استطلاع «المنتدى الاقتصادي العالمي» السنوي لتصورات المخاطر، والذي نُشر الأربعاء، لتحل محل النزاع المسلح كأكبر مصدر قلق لدى أكثر من 1300 خبير شملهم الاستطلاع حول العالم.

وأظهر الاستطلاع تراجعاً في تصنيف المخاطر البيئية، بينما برزت مخاوف أخرى، ولا سيما المخاوف بشأن العواقب طويلة الأجل لضعف حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وأشارت سعدية زاهدي، المديرة العامة للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انطلاقه الأسبوع المقبل، إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، والرقابة على الاستثمار الأجنبي، وتشديد القيود على إمدادات الموارد، مثل المعادن الحيوية، كأمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» التي احتلت المرتبة الأولى من حيث المخاطر.

وقالت في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت: «نرى ذلك عندما تتحول أدوات السياسة الاقتصادية إلى أسلحة في جوهرها، بدلاً من أن تكون أساساً للتعاون»، مشيرة إلى سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أميركا أولاً» التي أدت إلى ارتفاع حاد في الرسوم الجمركية على مستوى العالم، وزادت من حدة التوترات بين الولايات المتحدة والصين، المهيمنة على المعادن الحيوية وثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وتراجعت المخاطر المتوقعة المتعلقة بالظواهر الجوية المتطرفة خلال العامين المقبلين من المركز الثاني إلى الرابع، والتلوث من السادس إلى التاسع. كما انخفض القلق بشأن التغيرات الخطيرة في النظم البيئية وفقدان التنوع البيولوجي سبعة وخمسة مراكز على التوالي.

ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون أنفسهم عن أبرز مخاوفهم على مدى 10 سنوات، وضعوا هذه المخاوف البيئية ضمن المراكز الثلاثة الأولى. أما القلق بشأن «الآثار السلبية لتقنيات الذكاء الاصطناعي» فقد احتل المركز الثلاثين على مدى عامين، ولكنه تراجع إلى المركز الخامس على مدى 10 سنوات.

وقالت سعدية زاهدي إن الاستطلاع كشف أن معظم المخاوف تركزت على كيفية تأثير قصور الحوكمة حول الذكاء الاصطناعي سلباً على الوظائف والمجتمع والصحة النفسية، في ظل ازدياد استخدامه سلاحاً في الحروب.

وأوضح المنتدى الاقتصادي العالمي أن استطلاعه السنوي يستند إلى ردود أكثر من 1300 من القادة والخبراء العالميين، من الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال والحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.

وتم إصدار النتائج قبل أيام من الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انعقاده في الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، والذي من المتوقع أن يحضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.


«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)
بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)
بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)

قال الرئيس التنفيذي لشركة التعدين العربية السعودية «معادن»، بوب ويلت، إن المملكة لديها أساس قوي في وقت دخلت فيه إلى نماذج تنويع المصادر خلال «رؤية 2030» والاستفادة من كل موارد البلاد، مؤكداً أنه بناءً على هذه الأسس القوية ستستثمر الشركة 110 مليارات دولار للعقد المقبل ومضاعفة الأعمال في الألمنيوم والفوسفات و3 أضعاف لاستكشافات الذهب.

جاء ذلك في جلسة حوارية خلال مؤتمر التعدين الدولي، الأربعاء، في الرياض، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، بحضور دولي واسع في العاصمة السعودية.

وأبان ويلت أن هذا الحجم الهائل من البنى التحتية يتطلب دعم الممكنات الحكومية، وأنه بالعمل مع عدة وزارات لتحقيق السياسات التعدينية في السعودية، هناك كم هائل من رؤوس الأموال لأعمال التشييد والإعمار، كاشفاً عن توقع شراكة خلال هذا الأسبوع مع شركة عالمية لاستقطاب آلاف المطورين والمهندسين للمشاريع من أفضل الشركات العالمية في هذا المجال.

وتطرق إلى إعلان الحكومة خلال العام الماضي عن استكشاف 7.8 مليون أونصة من الذهب في المملكة، مفصحاً في الوقت ذاته عن برامج استكشافية عالمية.

وكانت شركة «معادن»، أعلنت في يناير (كانون الثاني) الحالي، عن إضافة أكثر من 7.8 مليون أونصة من موارد الذهب الجديدة عبر أربعة مواقع رئيسية تمتد عبر مناجم قيد التشغيل حالياً، وفرص استكشافية في مراحلها المبكرة، واكتشافات جديدة وجميعها ضمن المملكة العربية السعودية.

وجاء ذلك نتيجة برامج الحفر وأنشطة الاستكشاف التي ساهمت في تحديد أكثر من 9 ملايين أونصة من الإضافات قبل تعديلها وفقاً للعوامل السنوية مثل افتراضات التكلفة والأسعار.

واستطرد الرئيس التنفيذي حديثه خلال الجلسة قائلاً: «يمكننا تحقيق 30 في المائة في محفظتنا من خلال تنمية الشراكات التي تنتج عن تحسين قدرة استكشاف المعادن بالمملكة».