باول: «الاحتياطي الفيدرالي» غير مستعد بعد لخفض أسعار الفائدة

تجاهل مطالبة ترمب مجدداً وأكد أن الاقتصاد الأميركي «قوي» وسط تحديات التضخم والرسوم

باول يدلي بشهادته أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي (أ.ف.ب)
باول يدلي بشهادته أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي (أ.ف.ب)
TT

باول: «الاحتياطي الفيدرالي» غير مستعد بعد لخفض أسعار الفائدة

باول يدلي بشهادته أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي (أ.ف.ب)
باول يدلي بشهادته أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي (أ.ف.ب)

أعلن رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يوم الثلاثاء أن المجلس سيواصل انتظار تطورات الاقتصاد قبل اتخاذ قرار بشأن خفض سعر الفائدة الرئيسي، وهو موقف يتعارض تماماً مع دعوات الرئيس دونالد ترمب لخفض الفائدة فوراً.

وقال باول في تصريحات معدة مسبقاً ليلقيها أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي تم توزيع نصها مسبقاً: «في الوقت الراهن، نحن في موقف جيد يسمح لنا بالانتظار لمعرفة المزيد بشأن المسار المحتمل للاقتصاد قبل النظر في أي تعديلات على سياستنا».

ويواجه باول يومين من الاستجواب القاسي المحتمل أمام الكونغرس، في الوقت الذي دعا فيه ترمب مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، مراراً، إلى خفض أسعار الفائدة.

غالباً ما تلقى باول استقبالاً إيجابياً أمام لجان مجلسي النواب والشيوخ التي تشرف على «الاحتياطي الفيدرالي»، أو على الأقل انتقادات خافتة. كما أشار باول في كثير من الأحيان إلى دعمه في الكونغرس كحصن ضد هجمات ترمب، لكن هذا الدعم قد يتضاءل في ظل هجمات الرئيس المستمرة.

وقد هاجم ترمب رئيس «الاحتياطي» مجدداً في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، ناشراً على حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي: «آمل أن يُنهي الكونغرس هذا الشخص الغبي والعنيد. سندفع ثمن عدم كفاءته لسنوات عديدة قادمة». أضاف: «إن خفض الفائدة سيحدث فرقاً كبيراً، ويمكن رفعها لاحقاً إذا تغيرت الأمور للأسوأ».

في آخر مرة ظهر فيها باول أمام الكونغرس، في فبراير (شباط)، حثّ النائب فرينش هيل، الجمهوري من أركنساس ورئيس اللجنة، باول على ضمان عودة التضخم إلى هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، وهو ما يتطلب عادةً إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة.

وصوّتت لجنة «الاحتياطي الفيدرالي» بالإجماع الأسبوع الماضي على إبقاء سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، على الرغم من أن «الاحتياطي الفيدرالي» أصدر أيضاً توقعات بتخفيضات أسعار الفائدة المستقبلية التي كشفت عن انقسامات ناشئة بين صانعي السياسات.

في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، اقترح باول أن «الاحتياطي الفيدرالي» سيراقب كيفية تطور الاقتصاد خلال الصيف استجابةً لرسوم ترمب الجمركية وسياساته الأخرى قبل اتخاذ قرار بشأن خفض أسعار الفائدة. وأشارت تعليقاته إلى أن خفض سعر الفائدة لن يحدث حتى سبتمبر (أيلول).

ومع ذلك، اقترح عضوان بارزان في مجلس إدارة «الاحتياطي الفيدرالي»، ميشيل بومان وكريستوفر والر، منذ ذلك الحين أن البنك المركزي قد يخفض سعر الفائدة في وقت مبكر من اجتماعه المقبل في يوليو (تموز). وقد تم تعيين كلا المسؤولين من قبل ترمب خلال فترة ولايته الأولى، وغالباً ما يُذكر والر كبديل محتمل لباول عندما تنتهي ولايته في مايو (أيار) المقبل.

باول أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي (رويترز)

الوضع الاقتصادي الحالي

في شهادته، استعرض باول الوضع الاقتصادي الراهن، مشيراً إلى أن البيانات الواردة تشير إلى استمرار قوة الاقتصاد. فبعد نمو بلغ 2.5 في المائة العام الماضي، سجل الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً طفيفاً في الربع الأول من عام 2025. وأوضح باول أن هذا التراجع يعكس بشكل أساسي تقلبات في صافي الصادرات، مدفوعة بزيادة الشركات في وارداتها تحسباً لتعريفات جمركية محتملة، وهو ما «عقّد قياس الناتج المحلي الإجمالي».

وفي المقابل، سجلت المشتريات المحلية النهائية الخاصة (PDFP) - التي تستثني صافي الصادرات واستثمار المخزون والإنفاق الحكومي - نمواً قوياً بنسبة 2.5 في المائة. ومع أن نمو إنفاق المستهلكين قد تباطأ، فإن الاستثمار في المعدات والأصول غير الملموسة انتعش بعد ضعف شهده الربع الرابع من العام الماضي.

تحديات محتملة

ولفت باول إلى أن مسوح الأسر والشركات تظهر تراجعاً في المعنويات خلال الأشهر الأخيرة، وارتفاعاً في حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، وهو ما يعزى بشكل كبير إلى المخاوف المتعلقة بالسياسة التجارية. وأكد أنه «يبقى أن نرى كيف ستؤثر هذه التطورات على الإنفاق والاستثمار المستقبليين».

سوق العمل والضغوط التضخمية

في سوق العمل، أكد باول أن الظروف بقيت قوية. فقد بلغ متوسط مكاسب الوظائف غير الزراعية 124 ألف وظيفة شهرياً في الأشهر الخمسة الأولى من العام. وواصل معدل البطالة، الذي بلغ 4.2 في المائة في مايو، البقاء عند مستوياته المنخفضة ضمن نطاق ضيق خلال العام الماضي. كما استمر نمو الأجور في الاعتدال، مع بقائه متجاوزاً معدل التضخم.

وقال باول: «بشكل عام، تشير مجموعة واسعة من المؤشرات إلى أن الظروف في سوق العمل متوازنة إلى حد كبير وتتسق مع أقصى حد من التوظيف». وأضاف: «سوق العمل ليست مصدراً لضغوط تضخمية كبيرة». كما أشار إلى أن قوة سوق العمل في السنوات الأخيرة ساعدت في تضييق الفوارق القديمة في التوظيف والأرباح عبر الفئات الديمغرافية.

التضخم والتعريفات

فيما يخص التضخم، أوضح باول أنه «تراجع بشكل كبير» عن ذروته في منتصف عام 2022، لكنه لا يزال «مرتفعاً بعض الشيء» مقارنة بالهدف طويل الأجل لـ«الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة. وتشير التقديرات المستندة إلى مؤشر أسعار المستهلك وبيانات أخرى إلى أن إجمالي أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) ارتفع بنسبة 2.3 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مايو (أيار). وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفعت أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسية بنسبة 2.6 في المائة.

وحول توقعات التضخم قصيرة الأجل، أفاد باول بأنها ارتفعت في الأشهر الأخيرة، ويعزو المستجيبون للمسوح من المستهلكين والشركات والمتنبئين المحترفين ذلك إلى التعريفات الجمركية كعامل رئيسي. ومع ذلك، تبقى معظم مقاييس التوقعات طويلة الأجل متسقة مع هدف التضخم البالغ 2 في المائة.

السياسة النقدية: التريث قبل التعديل

فيما يتعلق بالسياسة النقدية، أكد باول أن إجراءات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) تسترشد بهدفها المزدوج. ومع اقتراب سوق العمل من أقصى حد للتوظيف وبقاء التضخم مرتفعاً بعض الشيء، حافظت اللجنة على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عند 4.25 في المائة إلى 4.5 في المائة منذ بداية العام.

كما أشار إلى استمرار «الاحتياطي الفيدرالي» في تخفيض حيازاته من سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري الصادرة عن الوكالات، معتبراً أن تأثيرات التعريفات الجمركية على الاقتصاد «لا تزال غير مؤكدة» وتعتمد على مستواها النهائي.

وأوضح باول أن تأثيرات التعريفات على التضخم يمكن أن تكون قصيرة الأجل، مما يعكس تحولاً لمرة واحدة في مستوى الأسعار. ومع ذلك، أقر أيضاً بإمكانية أن تكون التأثيرات التضخمية «أكثر استمرارية».

رسالة طمأنة

وختم باول كلمته بالقول: «في الوقت الحالي، نحن في وضع جيد للانتظار لمعرفة المزيد عن المسار المحتمل للاقتصاد قبل النظر في أي تعديلات على موقف سياستنا».

وأكد مجدداً التزام «الاحتياطي الفيدرالي» بخدمة مهمته العامة، قائلاً: «كل ما نفعله هو في خدمة مهمتنا العامة... سنفعل كل ما في وسعنا لتحقيق أهدافنا القصوى للتوظيف واستقرار الأسعار».


مقالات ذات صلة

هاسيت: رئيس «الفيدرالي» المقبل يجب أن يكون «مستقلاً» ويحترم التفويض

الاقتصاد كيفن هاسيت يتحدث إلى وسائل الإعلام خارج البيت الأبيض في واشنطن 16 ديسمبر 2025 (رويترز)

هاسيت: رئيس «الفيدرالي» المقبل يجب أن يكون «مستقلاً» ويحترم التفويض

قال كيفن هاسيت، مستشار البيت الأبيض وأحد الأسماء المطروحة لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن الرئيس الجديد للبنك المركزي ينبغي أن يكون «شخصاً مستقلاً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد دونالد ترمب ورئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

قضاة أميركا يحذرون من فتح الباب أمام تدخل الرؤساء في السياسة النقدية

أشار القضاة إلى أن الضرر المحتمل في كيفية تعاطي المحكمة مع القضية قد يكمن في ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الرؤساء لإقالة صانعي السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ليزا كوك لدى خروجها برفقة المحامي آبي لويل، من المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

رغم مساعي ترمب... المحكمة العليا تميل للإبقاء على كوك في «الفيدرالي»

بدت المحكمة العليا الأميركية، يوم الأربعاء، مائلة نحو الإبقاء على محافظة الاحتياطي الفيدرالي، ليزا كوك، في منصبها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول (أرشيفية - رويترز)

ترمب يشير لاقترابه من اختيار المرشح لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»

أشار الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب يوم الأربعاء إلى أنه اقترب من اختيار الرئيس الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي).

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد باول يتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (أ.ب)

حضور باول في قضية ليزا كوك... رسالة سيادية أم مواجهة مع البيت الأبيض؟

يترقب الشارعان السياسي والمالي حضور رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، جيروم باول، شخصياً، الأربعاء، أمام المحكمة العليا بشأن قضية إقالة ليزا كوك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

في وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط «ضبابية» المشهد الاقتصادي، قدمت السعودية من فوق جبال دافوس السويسرية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الاقتصادي. ومن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رسم وزراء ومسؤولون خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن انتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محولةً الاستقرار من مجرد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.

وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الاقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.

الجدعان و«ضريبة الغموض»

أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يواجه المستثمرين عالمياً. وأكد أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى استئصال آفة هذا الغموض.

وشدد الجدعان على أن «المالية العامة هي مرساة الاقتصاد»، معلناً بوضوح: «لا نساوم على استدامة المالية من أجل الاقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.

وأوضح أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الاقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات.

البيئة الاستثمارية

وأكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المشهد الاقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى.

وشرح الجدعان فلسفة المملكة في إدارة البيئة الاستثمارية، مشيراً إلى أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلا أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلبات غير المتوقعة. ومن هنا، شدد على أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في استئصال شأفة هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرة تتيح للأعمال النمو دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية.

الجدعان يتحدث خلال جلسة خاصة في منتدى دافوس عن الاقتصاد السعودي (الشرق الأوسط)

القطاع الخاص

وفي سياق تعزيز جاذبية السوق السعودية، أكد الوزير أن المملكة تعمل جاهدةً على بناء «المرونة» في مفاصل اقتصادها الوطني، ومنح القطاع الخاص أهم أداة يحتاج إليها للنجاح، وهي «القدرة على التنبؤ».

وأوضح أن استقرار عملية صنع القرار ووضوح مساراتها يمثلان التزاماً سعودياً لضمان أن تكون العوائد الاستثمارية متسقة ومجزية، ومناسبة لحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز من ثقة الشركاء الدوليين في استدامة النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وشدد الجدعان على أن مرساة الاقتصاد هي المالية العامة، قائلاً: «لا نساوم عليها من أجل الاقتصاد». وأضاف: «نوازن بين نمو الاقتصاد والتنوع ونحافظ على هذا التوازن بدقة».

العجز والدين

بدوره، قال وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، إن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع.

وأشار إلى ارتفاع العجز أو الدين وأنه لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، وبيَّن أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودةً وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث خلال جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

الإصلاحات الهيكلية

ولفت إلى أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافةً إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وواصل الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على: لماذا يتم الإنفاق مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة مع ضبط مستويات الصرف؟

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي والرعاية الصحية وتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يزداد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

في سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة وفرصة تنافسية.

وبيَّن أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات والتنظيم والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة، ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.

سوق العمل

من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجلت الصين نمواً بنحو 5 في المائة، فيما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، إذ لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة ممّا كان عليه قبل «كوفيد-19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلَّط بانغا الضوء على تحدٍّ بشريّ هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍّ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية، مبيناً أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.

التكنولوجيا والتعدين

وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

في المقابل، لفت إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

الخريّف يتحدث خلال جلسة خاصة في دافوس (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

من ناحية أخرى، أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».

السواحه يتحدث في إحدى الجلسات في دافوس (الشرق الأوسط)

وفي رده على تساؤلات بشأن طبيعة التوجه السعودي مقارنةً بالنموذجين الأميركي والصيني، أوضح السواحه، خلال جلسة حوارية في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أن توجيهات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، «تدفع دائماً نحو مضاعفة الأهداف 3 مرات سنوياً».


وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.


الإبراهيم من دافوس: الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة التوظيف الأمثل لرأس المال

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)
TT

الإبراهيم من دافوس: الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة التوظيف الأمثل لرأس المال

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث في جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي من ضمن منتدى دافوس (الشرق الأوسط)

أكد وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، أن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال».

وأوضح أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع. وأشار إلى أن ارتفاع العجز أو الدين لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً لقطاعات ذات قيمة مضافة، وعوائد اقتصادية واضحة، ومستدامة.

وأشار الإبراهيم خلال جلسة تتناول الاقتصاد السعودي في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية إلى أن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وأن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وذلك للمرة الأولى، وبين أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة، مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودة، وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وأوضح أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس، أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافة إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، ما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وتابع الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه، بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل، وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على لماذا يتم الإنفاق؟ مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة، مع ضبط مستويات الصرف.

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي، والرعاية الصحية، وتقنيات الدفاع، والذكاء الاصطناعي، والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يتزايد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

وفي سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة، وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة، وفرصة تنافسية.

وأوضح أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات، والتنظيم، والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.