أسواق السندات العالمية على صفيح ساخن وسط مقاومة غير مسبوقة من المستثمرين

الحكومات تواجه مقاومة غير مسبوقة في زمن الدين المتراكم

شاشة تبث لقطات حية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بجوار شاشات تعرض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي في طوكيو (رويترز)
شاشة تبث لقطات حية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بجوار شاشات تعرض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي في طوكيو (رويترز)
TT

أسواق السندات العالمية على صفيح ساخن وسط مقاومة غير مسبوقة من المستثمرين

شاشة تبث لقطات حية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بجوار شاشات تعرض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي في طوكيو (رويترز)
شاشة تبث لقطات حية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بجوار شاشات تعرض سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي في طوكيو (رويترز)

لطالما كانت مزادات السندات الحكومية أحداثاً روتينية لا تحظى باهتمام كبير، لكن بيع اليابان ديوناً لأجل 20 عاماً الشهر الماضي كان استثناءً.

فمع نشر وكالات الأنباء المالية العالمية للنتائج المخيبة للآمال، انخفضت أسعار السندات السيادية اليابانية طويلة الأجل بشكل حاد، مما رفع العائدات وزاد تكاليف الاقتراض. كما لم يحظَ مزاد السندات الأميركية لأجل 20 عاماً في اليوم التالي باهتمام كبير، وفق تقرير لصحيفة «فايننشيال تايمز».

إن الاهتمام المتزايد بتفاصيل مزادات السندات الحكومية الدقيقة وارتفاع العوائد على الديون طويلة الأجل هما من أعراض ظاهرة واحدة: تذبذب شهية المستثمرين لمثل هذه الأدوات في الوقت الذي تخطط فيه العديد من وزارات المالية لمستويات قياسية من الإصدارات، وبينما يدخل الاقتصاد العالمي حقبة جديدة وغير مؤكدة.

4 آلاف دولار يتم عدها من قبل مصرفي يعد العملات في بنك في وستمنستر بكولورادو (رويترز)

نهاية حقبة التمويل الرخيص

لأول مرة منذ ما يقرب من جيل، بدأت الحكومات تواجه مقاومة من السوق عندما تحاول بيع الديون طويلة الأجل. تقول أماندا ستيت، اختصاصية الدخل الثابت في شركة «تي رو برايس» لإدارة الأصول التي تدير 1.6 تريليون دولار من الأصول لصحيفة «فايننشيال تايمز»: «إنها مشكلة كلاسيكية لعدم تطابق العرض والطلب، ولكن على نطاق عالمي». وتضيف: «لقد انتهى عصر التمويل الرخيص طويل الأجل، والآن تتزاحم الحكومات في غرفة مزدحمة من البائعين».

أدى هذا التردد بين بعض المستثمرين إلى وصول تكاليف الاقتراض الحكومي لأجل 30 عاماً في دول مثل المملكة المتحدة واليابان والولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها في عقود أو بالقرب منها، مما دفع بمسألة استدامة الديون إلى أعلى سلم أولويات السياسة. ففي العديد من البلدان، يهدد تزايد تكلفة خدمة فوائد الدين بخنق الإنفاق الحكومي في مجالات أخرى.

ويأتي ارتفاع العرض، سواء من زيادة الاقتراض الحكومي، أو بيع البنوك المركزية للسندات التي اشترتها في أعقاب الأزمة المالية وجائحة كوفيد-19، في مواجهة تراجع في الطلب من بعض المشترين التقليديين مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين على الحياة.

تخاطر خزائن الدولة المثقلة بالديون بأن تصبح أكثر عرضة لضغوط مستثمري السندات. يُحذّر خبراء الاستثمار من أن المناوشات حول السياسة التجارية الأميركية هذا العام، وأزمة السندات الحكومية البريطانية الشهيرة لعام 2022 التي أعقبت الموازنة «المصغرة» للمملكة المتحدة، تُشكّلان مؤشراً على ما سيحدث إذا لم تُشدَّد المالية العامة. وقد تكون العواقب وخيمة وواسعة النطاق، سواءً على طرق إدارة الاقتصادات أو على آفاق قطاع الشركات.

ورقة نقدية يابانية جديدة من فئة 1000 ين (رويترز)

«حماة السندات» يتحدون

يقول إد يارديني، الخبير الاقتصادي الذي صاغ مصطلح «حماة السندات» (Bond Vigilantes) في الثمانينات لوصف المستثمرين الذين دفعت أنشطتهم الحكومات إلى تعزيز المالية العامة: «سوق السندات لم يكن أقوى من أي وقت مضى، لأننا لم نشهد قط هذا القدر من الديون». ويضيف: «علينا أن ننظر إلى (مشكلة الديون) عالمياً الآن»، مستشهداً بارتفاع تكاليف الاقتراض في المملكة المتحدة واليابان وأماكن أخرى. ويحذر: «الخطر هو: حماة السندات في العالم اتحدوا».

في قلب الاقتصاد العالمي، تجاوزت العوائد طويلة الأجل في سوق سندات الخزانة الأميركية البالغة 29 تريليون دولار، 5 في المائة في الأسابيع الأخيرة، وهي مستويات قريبة من تلك التي وصلت إليها في عام 2023 - عندما خشي المستثمرون أن تظل أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لاحتواء التضخم - وقبل ذلك كانت أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية.

يحدث هذا في الوقت الذي يشق مشروع قانون الضرائب والإنفاق، الذي يمكن أن يضيف أكثر من تريليوني دولار إلى ديون أميركا، طريقه عبر الكونغرس، ووسط التداعيات المستمرة لفرض الرئيس دونالد ترمب رسوماً جمركية على الشركاء التجاريين لأميركا.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

وقد أطلق بعض أبرز الشخصيات في وول ستريت ناقوس الخطر بشأن الوضع المالي للبلاد. إذ حذر الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان تشيس»، جيمي ديمون، الأسبوع الماضي من أن الديون المتزايدة قد «تشق» سوق سندات الخزانة الأميركية، مما دفع وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى إرسال رسالة طمأنة مفادها أن الولايات المتحدة «لن تتخلف أبداً» عن التزاماتها. ويوم الخميس، قال الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، لاري فينك، إنه إذا استمر الاقتصاد في النمو بنحو 2 في المائة، فإن «العجز سيثقل كاهل هذا البلد». بينما قال مؤسس «سيتاديل» كين غريفين إنه «غير مسؤول مالياً» على الإطلاق أن تدار عجوزات بنسبة 6 أو 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في ظل التوظيف الكامل.

ووصف إيلون ماسك، ملياردير التكنولوجيا الذي كان حتى وقت قريب شخصيةً دائمة الحضور في البيت الأبيض في عهد ترمب، مشروع القانون بأنه «عملٌ بغيضٌ مُقزّز»، وقال إن الكونغرس «يُفلس أميركا».

أزمة ديون عالمية... من فرنسا إلى اليابان

وصف رئيس الوزراء الفرنسي السابق، ميشيل بارنييه، عبء الديون الفرنسية بأنه «سيف ديموقليس» العام الماضي. ومن المتوقع أن تنفق ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا 62 مليار يورو على فوائد الديون هذا العام، وهو ما يعادل تقريباً الإنفاق المشترك على الدفاع والتعليم، باستثناء المعاشات التقاعدية.

موظف يعمل في مصنع أحذية «بارابوت» في سان جان دي مواران بالقرب من غرونوبل (أ.ف.ب)

وفي المملكة المتحدة، بلغت تكاليف الاقتراض الحكومي لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ عام 1998 هذا العام وسط مخاوف المستثمرين بشأن تراكم الديون المتزايد ونقص المساحة لدى الوزراء للالتزام بقواعدهم المالية المفروضة ذاتياً. حتى ألمانيا، وهي مقترض متحفظ تاريخياً بمستويات ديون أقل بكثير، تخطط لزيادة إصدار السندات الحكومية.

وفي اليابان، حيث أبقت سياسة البنك المركزي النقدية شديدة التساهل عوائد الديون طويلة الأجل أقل من 1 في المائة لسنوات، أدت موجة بيع عنيفة إلى دفعها إلى مستويات قياسية. ويحوم عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً حول 3 في المائة.

العلم الوطني الياباني مرفوعاً فوق مقر بنك اليابان (رويترز)

أدوات لمواجهة الأزمة

تملك وزارات المالية بعض الأدوات التي يمكنها استخدامها. فقد تحوّل البعض إلى إصدار المزيد من الديون قصيرة الأجل، حيث تكون العوائد أكثر ارتباطاً بأسعار الفائدة وأقل بتأثير ديناميكيات العرض والتضخم. ويمكن للبنوك المركزية أيضاً أن توقف عملية تصفية حيازاتها من السندات التي تراكمت في أعقاب الأزمات.

لكن مديري الصناديق يقولون إنه باستثناء زيادة كبيرة في النمو، فإن خفض الإنفاق الجامح هو الحل الدائم الوحيد. ويقول غريغ إنتشيز، رئيس قسم أسعار الفائدة والسيولة في Royal London Asset Management، إن الاقتراض المفرط هو السبب الرئيسي لعسر الهضم في أسواق الديون طويلة الأجل، مما يفرض قرارات صعبة بشأن خفض التكاليف. ويتساءل: «السؤال هو، هل تملك الحكومات الشجاعة لذلك؟».


مقالات ذات صلة

السندات الحكومية الهندية تسجل خسائر أسبوعية للأسبوع الثامن توالياً

الاقتصاد ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)

السندات الحكومية الهندية تسجل خسائر أسبوعية للأسبوع الثامن توالياً

تراجعت السندات الحكومية الهندية للأسبوع الثامن على التوالي؛ إذ أدى ارتفاع أسعار النفط وتحول البنك المركزي نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً إلى إضعاف شهية المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (مومباي )
الاقتصاد رجل ينعكس صورُه على لوحة لعرض أسعار الأسهم في طوكيو (رويترز)

المستثمرون الأجانب يتحولون إلى البيع الصافي في الأسهم الآسيوية خلال سبتمبر

تحول المستثمرون الأجانب إلى صافي البائعين للأسهم الآسيوية في سبتمبر، في انعكاس للتدفقات المسجلة خلال الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

اليورو يتجه لخسارة أسبوعية خامسة وسط مخاوف بشأن الديون الفرنسية

اتجه اليورو يوم الجمعة نحو تسجيل خامس انخفاض أسبوعي متتالٍ، رغم تراجع وتيرة عمليات البيع، في ظل استقرار سوق السندات الفرنسية المتعثرة وانخفاض أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة، لندن )
الاقتصاد سبائك ذهب وعملات «سوفرين» ذهبية معروضة في شركة «بيرد آند كو» في لندن - بريطانيا (رويترز)

الذهب يرتفع بأكثر من 1 % بدعم تراجع الدولار وعوائد السندات

ارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 1 في المائة يوم الجمعة، مدعومة بتراجع الدولار الأميركي وانخفاض عوائد سندات الخزانة وهبوط أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

تكاليف الاقتراض البريطانية لأجل 10 سنوات تسجل أعلى مستوى منذ 2007

سجلت تكاليف الاقتراض البريطانية طويلة الأجل مستويات جديدة لم تشهدها منذ عقود يوم الخميس، في إطار موجة بيع عالمية للسندات، دفعت إليها قفزة حادة في أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

منتدى الطاقة الدولي: أمن الإمدادات يتطلب ضمان وصول الطاقة للمستهلكين

الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)
الشيراوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، أن أمن الإمدادات يمثل أولوية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي والاحتياجات المتزايدة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن التحدي لا يقتصر على إنتاج الطاقة؛ بل يشمل أيضاً ضمان إيصالها إلى المستهلكين بصورة موثوقة.

وأشاد الشيراوي -في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض- باستضافة السعودية فعاليات «أسبوع الطاقة»، الذي انطلقت أعماله بالاجتماع الوزاري للمنتدى، موضحاً أن هذه الاجتماعات تتيح تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبحث سبل ضمان أمن الإمدادات في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة.

وقال إن المنتدى يضم نحو 70 دولة تمثل معظم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب مجلس استشاري للصناعة يتيح إشراك الشركات في الحوار بين الحكومات، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بين أطراف القطاع، وبحث التحديات المرتبطة بتوفير الطاقة.

وأضاف أن نمو السكان واحتياجات الصناعة، إلى جانب الطلب الجديد الذي يفرضه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تزيد أهمية ضمان توفُّر الإمدادات، وقدرة البنية التحتية على نقلها إلى المستهلكين.

وأكد أن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على الإنتاج فحسب؛ بل يتطلب أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها لتلبية احتياجات الاقتصادات والصناعات.


رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
TT

رئيس مجلس البترول العالمي لـ«الشرق الأوسط»: أمن الإمدادات يعود إلى صدارة الأولويات

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)
رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)

قال رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، إن أمن الإمدادات عاد إلى صدارة أولويات قطاع الطاقة العالمي مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، مؤكداً أن المنظومة العالمية أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الإمدادات مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم انعكاس الاضطرابات على الأسعار.

تأتي تصريحات ميراس لـ«الشرق الأوسط»، على هامش أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في الرياض على هامش أسبوع الطاقة في الرياض، الذي يمتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، وتتصدّره أعمال المؤتمر الخامس والعشرين للطاقة، إلى جانب اجتماعات وزارية دولية تبحث أمن الإمدادات ومستقبل منظومة الطاقة.

وتستضيف الرياض اليوم الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، بمشاركة وزراء ومسؤولين في قطاع الطاقة، تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد». ويركز الاجتماع على تعزيز استقرار الأسواق، وتنسيق الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، ودعم الاستثمارات، وتحسين شفافية بيانات الطاقة، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والتحديات التي تواجه سلاسل الإمداد.

وأوضح ميراس أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية أعادت أمن الإمدادات إلى صدارة الأولويات، مشدداً على أهمية مواصلة تنمية القطاع مع الحفاظ على التوازن بين الركائز الثلاث، التي وصفها بأنها متساوية في الأهمية.

صورة عامة من مكان انعقاد الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

وفي حديثه عن اضطرابات الإمدادات، أوضح ميراس أن القطاع واجه تحديات في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة وحدها، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة يمتلك خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وقال إن الاضطرابات الحالية ربما كانت ستترك أثراً أكبر على الأسواق في الماضي، لكن المنظومة العالمية أصبحت اليوم أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن التعامل مع هذه التحديات يظل ممكناً، مستشهداً بتجارب سابقة كانت آثارها أشد وطأة، وداعياً إلى الحفاظ على الثقة بقدرة القطاع على تجاوز الاضطرابات.


«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
TT

«نماءات أرامكو»... 5 أعوام من التوطين الصناعي وتعزيز التنويع الاقتصادي في السعودية

عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
عاملان يمارسان بعض المهام في أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)

توسّع «أرامكو السعودية» استثماراتها في الصناعات والخدمات المرتبطة بأعمالها الأساسية عبر برنامج «نماءات أرامكو»، الذي استقطب استثمارات تقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار)، وأسهم في تأسيس 58 شركة جديدة منذ إطلاقه في عام 2021، وفق معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط». ويعكس البرنامج توجّه الشركة إلى بناء شراكات صناعية محلية وعالمية، تستهدف توطين التصنيع والتقنيات المتقدمة، وتعزيز سلاسل الإمداد، فيما بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار).

و«نماءات أرامكو» هو برنامج للاستثمارات الصناعية والشراكات الاستراتيجية، أطلقته الشركة السعودية بهدف جذب الشركات المحلية والعالمية للاستثمار في المملكة، وتطوير الصناعات المحلية، وخلق فرص عمل للسعوديين، ودعم تنويع الاقتصاد بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، أسهم برنامج «نماءات أرامكو» في ترسيخ دور الشركة في التميّز والابتكار والتخطيط الاستراتيجي، والانتقال من نجاح إلى آخر، مستفيداً من المزايا الفريدة التي تقدمها الشركة في الجوانب التقنية والتجارية والتنفيذية.

ورسمت هذه الأعوام الخمسة علامة فارقة، تمثلت في تحويل الأفكار المبدعة والواعدة في مجال الأعمال إلى فرص استثمارية ملموسة على أرض الواقع، لتحوّل بذلك ما كان حلماً بالأمس إلى مشروعات صناعية ناجحة اليوم لمستقبل مزدهر ومستدام.

المهندس أمين الناصر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لشركة «أرامكو» يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (واس)

حديث الأرقام

ووفق معلومات تحصّلت عليها «الشرق الأوسط»، نجح «نماءات أرامكو» في تجسيد نقطة الالتقاء بين الطموح والتنفيذ الميداني؛ حيث أسهم البرنامج في إطلاق 58 شركة جديدة عاملة، وجذب استثمارات بما يقارب 216 مليار ريال (58 مليار دولار).

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بلغ إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي نحو 103 مليارات ريال (27.4 مليار دولار)، وهو ما يعكس الدور المحوري للبرنامج في تعزيز الاقتصاد المحلي، وتوطين القدرات الصناعية الرئيسية، وخلق فرص وظيفية لأبناء وبنات الوطن.

منظومة متكاملة

ويعدّ «نماءات أرامكو» أداة فاعلة لـ«أرامكو السعودية» في بناء شراكات استثمارية صناعية؛ حيث ينصب التركيز الاستراتيجي للبرنامج على خلق القيمة من خلال 3 محاور رئيسية، وهي: المرونة التشغيلية لـ«أرامكو السعودية»، والمرونة التقنية، والصناعات المتنوعة الجديدة، وذلك مع الإسهام الفعّال في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.

ويهدف البرنامج إلى تمكين الشركات الوطنية، وإيجاد القيمة من خلال منظومة الشركة، وذلك في 4 مجالات رئيسية: التصنيع، والخدمات الصناعية، والرقمنة، والاستدامة.

وظهر أثر البرنامج في تمكين الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتعاون الوثيق مع شركاء عالميين ومحليين، وساعد ذلك في استحداث فرص استثمارية واسعة النطاق، وتأسيس شركات رائدة، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، ما عزّز مرونة سلسلة الإمداد واستدامتها.

كما أن العديد من هذه الاستثمارات مدعومة من قبل برامج المملكة التحفيزية التي تمكّن الشركات من رفع معدل استثماراتها المحلية. وبدورها، أتاحت تلك المبادرات فرصاً جديدة لشركاء الاستثمار الصناعي عبر تمكينهم من المشاركة في الاستفادة من فرص النمو بالشركة على المدى البعيد.

توقيع شركة «أرامكو» مع إحدى الشركات الفرنسية ضمن برنامج «نماءات أرامكو» (أرامكو)

الخدمات الصناعية

ونجح برنامج «نماءات أرامكو» منذ إطلاقه في تحقيق إنجازات بارزة في المجالات الأربعة التي يعمل فيها، وأسهم في تشكيل مستقبل توطين الصناعة والتنويع الاقتصادي بالمملكة، ففي قطاع التصنيع، دعم البرنامج التصنيع المحلي لكابلات الطاقة البحرية عالية الجهد، وتصنيع الأوعية ذات الجدران السميكة، وأنابيب الفولاذ المقاوم، ما أتاح توطين القدرات التصنيعية الاستراتيجية والحيوية.

ويعمل البرنامج كذلك على إنشاء مركز عالمي متطور في المملكة، يتخصص في استصلاح المعادن بتقنيات حديثة، وتصنيع محفزات التكرير المتقدمة.

وتضع هذه المبادرة الاستراتيجية المملكة في موقع إقليمي ومركزي رائد في مجال استعادة الموارد المستدامة، والإنتاج الصناعي عالي القيمة، وحلول الطاقة النظيفة، ما يدفع عجلة النمو الاقتصادي، ويُعزز التزام المملكة باقتصاد أكثر استدامة ومسؤولية بيئية.

وفي قطاع الخدمات الصناعية، دعم برنامج «نماءات أرامكو» توطين منشأة صب وتشكيل المعادن، ما ساعد في دعم التصنيع الوطني لمنتجات بالغة الأهمية، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الصناعية.

وأسهم البرنامج في تطوير شركات الهندسة والمشتريات والإنشاءات الوطنية، وزيادة قدراتها على تنفيذ مشروعات موثوقة وتنافسية في الأسواق داخل وخارج المملكة.

الرقمنة والاستدامة

وواصل برنامج «نماءات أرامكو» جهوده في التنمية الوطنية من خلال تنفيذ مبادرات رئيسية في مجال الرقمنة، ومن أبرز هذه المبادرات: توطين التقنيات الرقمية المتقدمة، مثل تأسيس شركة وطنية لخدمات تقنية المعلومات؛ تهدف إلى تقديم حلول متكاملة في تطوير البرمجيات والاستشارات والدعم الفني، لتلبية المتطلبات التقنية لمختلف القطاعات، وشركة الاتصالات الموحدة، بوصفها خدمة «زوم»، وأكثر من 7 شركات في المركز الرقمي في مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك)، مثل «هانيوي» و«إيمرسون» وغيرها.

وكان للبرنامج إسهاماته الواضحة في مجال الاستدامة، مثل مشروع توطين إنتاج الزجاج المتخصص. ودعم شركة «زجاج غارديان» عبر المشروع المشترك «غلف غارد»، لتوسيع نطاق تصنيع الزجاج المتخصص في المملكة.

ويركز هذا المشروع على الزجاج المعماري عالي الأداء، بما يدعم الطلب الإقليمي المتزايد على المباني الموفِّرة للطاقة. وشمل التعاون إضافة خطوط إنتاج جديدة للزجاج المسطح المصقول، وخطوط معالجة الزجاج في مدينة الجبيل الصناعية، ما عزّز سلسلة الإمداد المحلية بمنتجات متطورة، وحقّق مكتسبات ذات قيمة في مجال التوطين التقني.

ملامح المستقبل

وبعد كل هذه النجاحات التي تحققت، يمضي برنامج «نماءات أرامكو» نحو المرحلة المقبلة، وفي أولوياته تطوير الفرص الصناعية الاستراتيجية التي تُعزز منظومة «أرامكو السعودية»، بالتوازي مع تسريع التحول الصناعي في المملكة، والسعي نحو مزيد من الابتكار، ودعم الصناعة المحلية، وتنويع الاقتصاد، وتشجيع الطموح والأفكار الواعدة، وتعزيز بناء سلاسل إمداد مرنة، وتوطين التقنيات الحيوية والمتقدمة.

ويستمر في جذب مزيد من الشركاء العالميين للإسهام في إنشاء قدرات صناعية جديدة، إلى جانب توسيع نطاق إنشاء القدرات الرقمية والتصنيعية المتقدمة، وتسريع تبنّي الحلول الصناعية والرقمية في القطاعات الناشئة، ليكون البرنامج جزءاً من قصة نجاح أكبر، تحكي عن الإنجازات في قطاعات الطاقة والصناعة والابتكار في المملكة والمنطقة.