هل ينجح ترمب في إصلاح الدَّين الوطني؟

شكوك متزايدة من الجمهوريين والمستثمرين... وحتى إيلون ماسك

الرئيس دونالد ترمب يرقص بعد إلقائه كلمة في مصنع «يو إس ستيل مون فالي ووركس-إرفين»... (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرقص بعد إلقائه كلمة في مصنع «يو إس ستيل مون فالي ووركس-إرفين»... (أ.ب)
TT

هل ينجح ترمب في إصلاح الدَّين الوطني؟

الرئيس دونالد ترمب يرقص بعد إلقائه كلمة في مصنع «يو إس ستيل مون فالي ووركس-إرفين»... (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرقص بعد إلقائه كلمة في مصنع «يو إس ستيل مون فالي ووركس-إرفين»... (أ.ب)

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحدياً كبيراً في إقناع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، والمستثمرين العالميين، والناخبين، وحتى الملياردير إيلون ماسك، بأنه لن يُغرق الحكومة الفيدرالية في الديون بسبب حزمة التخفيضات الضريبية التي تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات.

كان رد فعل الأسواق المالية حتى الآن متشككاً، حيث يبدو أن ترمب غير قادر على تقليص العجز كما وعد، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

يقول مايكل سترين، مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد «أميركان إنتربرايز» (مركز أبحاث يمين الوسط): «كل هذه التصريحات حول خفض تريليونات الدولارات من الإنفاق لم تسفر عن شيء –ومشروع القانون الضريبي يرسخ ذلك. هناك مستوى من القلق بشأن كفاءة الكونغرس وهذه الإدارة، وهذا يجعل إضافة مبلغ كبير من المال إلى العجز أكثر خطورة».

هاجم البيت الأبيض بشدة أي شخص أعرب عن قلقه بشأن تضخم الدَّين تحت إدارة ترمب، على الرغم من أن هذا هو ما حدث بالضبط في فترة ولايته الأولى بعد تخفيضاته الضريبية عام 2017.

وافتتحت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، إحاطتها الصحافية يوم الخميس، بالقول إنها تريد «دحض بعض الادعاءات الكاذبة» حول تخفيضاته الضريبية. وقالت إن «الادعاء الخاطئ بشكل صارخ بأن مشروع القانون الكبير والجميل الواحد يزيد العجز، يستند إلى مكتب الموازنة في الكونغرس وغيره من المقيمين الذين يستخدمون افتراضات رديئة وكانوا تاريخياً سيئين في التنبؤ عبر الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء».

لكن ترمب نفسه أشار إلى أن عدم وجود تخفيضات كافية في الإنفاق لتعويض تخفيضاته الضريبية جاء نتيجة للحاجة إلى الحفاظ على تماسك الائتلاف الجمهوري في الكونغرس. وقال الأسبوع الماضي: «علينا أن نحصل على كثير من الأصوات. لا يمكننا أن نقوم بتخفيضات».

هذا الوضع دفع الإدارة إلى المراهنة على أن النمو الاقتصادي يمكن أن يحل المشكلة، وهو اعتقاد لا يراه ممكناً سوى قلة خارج دائرة ترمب المقربة.

وقال الملياردير إيلون ماسك، الذي كان حتى وقت قريب جزءاً من الدائرة المقربة لترمب بوصفه قائداً لإدارة كفاءة الحكومة (DOGE)، لشبكة «سي بي إس نيوز»: «لقد شعرت بخيبة أمل لرؤية مشروع قانون الإنفاق الضخم، بصراحة، الذي يزيد العجز في الموازنة، ولا يقلله فحسب، ويقوّض العمل الذي يقوم به فريق DOGE».

الرئيس دونالد ترمب يرقص بعد إلقائه كلمة في مصنع «يو إس ستيل مون فالي ووركس-إرفين»... (أ.ب)

الدَّين الفيدرالي مستمر في الارتفاع

وأشارت لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة، وهي مجموعة مراقبة مالية، إلى أن تخفيضات الضرائب والإنفاق التي أقرها مجلس النواب الشهر الماضي ستضيف أكثر من 5 تريليونات دولار إلى الدَّين الوطني في العقد المقبل إذا سُمح باستمرارها جميعاً.

ولجعل التكلفة الإجمالية لمشروع القانون تبدو أقل، من المقرر أن تنتهي صلاحية أجزاء مختلفة من التشريع. وقد استُخدم هذا التكتيك نفسه مع تخفيضات ترمب الضريبية لعام 2017، وتسبب في معضلة هذا العام، حيث ستنتهي صلاحية كثير من التخفيضات الضريبية في تلك الحزمة السابقة العام المقبل ما لم يجددها الكونغرس.

لكن مشكلة الدَّين أكبر بكثير الآن مما كانت عليه قبل ثماني سنوات. يطالب المستثمرون الحكومة بدفع علاوة أعلى لمواصلة الاقتراض مع تجاوز إجمالي الدَّين 36.1 تريليون دولار. يبلغ سعر الفائدة على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات نحو 4.5 في المائة، وهو ارتفاع كبير عن معدل 2.5 في المائة تقريباً الذي كان يطبَّق عندما أصبحت تخفيضات الضرائب لعام 2017 قانوناً.

يجادل مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض بأن سياساته ستطلق العنان لنمو سريع بحيث تتقلص العجوزات السنوية للموازنة بالنسبة إلى الاقتصاد الكلي، مما يضع الحكومة الأميركية على مسار مستدام مالياً.

ويقول المجلس إن الاقتصاد سينمو على مدى السنوات الأربع المقبلة بمتوسط سنوي يبلغ نحو 3.2 في المائة، بدلاً من 1.9 في المائة المتوقعة من مكتب الموازنة بالكونغرس، وسيتم إنشاء أو إنقاذ ما يصل إلى 7.4 مليون وظيفة. ويرى معظم الاقتصاديين أن مكتب الموازنة في الكونغرس غير الحزبي هو المعيار الأساسي لتقييم السياسات، على الرغم من أنه لا يُنتج تقديرات التكلفة للإجراءات التي تتخذها السلطة التنفيذية مثل تعريفات ترمب الأحادية.

وقال ستيفن ميران، رئيس المجلس، للصحافيين إنه عندما يقترن النمو المتوقع من البيت الأبيض بالإيرادات المتوقعة من التعريفات الجمركية، فإن عجوزات الموازنة المتوقعة ستنخفض. ستزيد التخفيضات الضريبية من عرض المال للاستثمار، وعرض العمال، وعرض السلع المنتجة محلياً –وكل ذلك، بمنطق ميران، سيؤدي إلى نمو أسرع دون خلق ضغوط تضخمية جديدة.

وأضاف ميران للصحافيين مؤخراً: «أريد أن أؤكد للجميع أن العجز مصدر قلق كبير لهذه الإدارة».

وقال مدير ميزانية البيت الأبيض، راسل فوت، للصحافيين إن فكرة أن مشروع القانون «ضارٌّ بأي شكل من الأشكال بالدَّين والعجوزات هي غير صحيحة أساساً».

شاشة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يعمل متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

اقتصاديون يشككون

يتوقع معظم الاقتصاديين الخارجيين أن الدَّين الإضافي سيؤدي إلى إبقاء أسعار الفائدة أعلى وإبطاء النمو الاقتصادي العام، حيث ستزداد تكلفة الاقتراض للمنازل والسيارات والشركات وحتى التعليم الجامعي.

وقال بريندان ديوك، مساعد سابق في إدارة بايدن ويعمل حالياً في مركز الموازنة وأولويات السياسة (مركز أبحاث ليبرالي): «هذا فقط يضيف إلى المشكلة التي سيواجهها صانعو السياسات في المستقبل». وأشار إلى أنه مع انتهاء صلاحية التخفيضات الضريبية في مشروع القانون في عام 2028، سيتعامل المشرعون «مع الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية وتخفيضات الضرائب المنتهية الصلاحية في نفس الوقت».

وقال كينت سميترز، المدير الأكاديمي لنموذج «بن وارتون» للموازنة، إن توقعات النمو من فريق ترمب الاقتصادي هي «ضرب من الخيال.» وأوضح أن مشروع القانون سيؤدي ببعض العمال إلى اختيار العمل لساعات أقل للتأهل لبرنامج «ميديكيد».

وقال البروفسور جيسون فورمان، من جامعة هارفارد، الذي كان رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في إدارة أوباما: «لا أعرف أي متنبئ جاد رفع توقعاته للنمو بشكل كبير بسبب هذا التشريع. هذه التخفيضات الضريبية ليست في الغالب موجَّهة نحو النمو والقدرة التنافسية. وفي الواقع، فإن ارتفاع أسعار الفائدة على المدى الطويل سيعاكس ذلك ويضر بالنمو».

وتثير عدم قدرة البيت الأبيض حتى الآن على تهدئة مخاوف العجز، ردود فعل سياسية ضد ترمب مع انتقال تخفيضات الضرائب والإنفاق التي وافق عليها مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ. وقد أعرب كل من عضوي مجلس الشيوخ الجمهوريين، رون جونسون من ويسكونسن، وراند بول من كنتاكي، عن قلقهما بشأن الزيادات المحتملة في العجز، حيث قال جونسون إن هناك ما يكفي من أعضاء مجلس الشيوخ لعرقلة مشروع القانون حتى يتم معالجة العجز.

وقال جونسون على شبكة «سي إن إن»: «أعتقد أن لدينا ما يكفي لوقف العملية حتى يصبح الرئيس جاداً بشأن خفض الإنفاق وتقليل العجز».

ترمب يراهن على إيرادات التعريفات

يعوِّل البيت الأبيض أيضاً على إيرادات التعريفات الجمركية للمساعدة في تغطية العجوزات الإضافية، على الرغم من أن أحكام المحاكم الأخيرة تثير الشكوك حول شرعية إعلان ترمب حالة طوارئ اقتصادية لفرض ضرائب شاملة على الواردات.

عندما أعلن ترمب تعريفاته شبه الشاملة في أبريل (نيسان)، قال على وجه التحديد إن سياساته ستولِّد إيرادات جديدة كافية لبدء سداد الدَّين الوطني. وتوافقت تعليقاته مع تصريحات مساعديه، بمن في ذلك وزير الخزانة سكوت بيسنت، بأن العجوزات السنوية للميزانية يمكن أن تنخفض إلى النصف.

«إنه دورنا في الازدهار، وبذلك، نستخدم تريليونات وتريليونات الدولارات لخفض ضرائبنا وسداد ديننا الوطني، وسيحدث كل ذلك بسرعة كبيرة»، قال ترمب قبل شهرين وهو يتحدث عن ضرائبه على الواردات ويشجع المشرعين على تمرير تخفيضات الضرائب والإنفاق المنفصلة.

تؤكد الأبحاث الجديدة التي أجراها الاقتصاديون دوغلاس إلمندورف، وجلين هوبارد، وزاكاري ليسكو، أن إدارة ترمب مُحقّة في أن النمو يمكن أن يساعد على تقليل ضغوط العجز، لكنه ليس كافياً في حد ذاته لإنجاز المهمة.

وقال إرني تيديشي، مدير الاقتصاد في مختبر الموازنة بجامعة ييل، إن النمو الإضافي «لا يقرِّبنا حتى من حيث يجب أن نكون». وأوضح أن الحكومة ستحتاج إلى 10 تريليونات دولار من خفض العجز على مدى السنوات العشر المقبلة فقط لتثبيت الدين.

وعلى الرغم من أن البيت الأبيض يقول إن التخفيضات الضريبية ستضيف إلى النمو، فإن معظم التكلفة تذهب للحفاظ على الإعفاءات الضريبية الحالية، لذلك من غير المرجح أن تعزز الاقتصاد بشكل كبير.

وقال تيديشي: «إنها مجرد مسألة بقاء على قيد الحياة».


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

الاقتصاد رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

أقر صندوق النقد بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان، وأن الجهود السياسية المبذولة في إطار برنامج «تسهيل الصندوق الممدد» ساعدت في استقرار الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد ميلوني تتحدث في ‌ختام القمة ‌الأفريقية الإيطالية الثانية ‌في أديس ⁠أبابا (إكس)

إيطاليا تعرض تعليق ديون دول أفريقية متضررة من تغير المناخ

قالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، إن إيطاليا وشركاءها الأفارقة ركزوا في محادثاتهم الأحدث على عبء ديون القارة، إذ عرضت روما فرصة تعليق سداد الديون.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد طريق نيروبي السريع المنفَّذ بالشراكة بين القطاعين العام والخاص (رويترز)

كينيا تدرس إصدار مزيد من سندات «اليوروبوندز» لسداد الديون المستحقة

أعلن وزير المالية الكيني، جون مبادي، يوم الأربعاء، أن الحكومة تدرس إصدار مزيد من سندات اليوروبوندز بهدف سداد الديون المستحقة.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
خاص أحد فروع شركة «ساكو» في مدينة الرياض (ساكو)

خاص «ساكو» السعودية: سوق التجزئة واعدة... والتحول الرقمي بوابتنا لتعزيز الحصة السوقية

يشهد قطاع التجزئة في السعودية تحولات هيكلية بفعل توسع التجارة الإلكترونية العالمية، مما دفع الشركات المحلية إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ⁠استحداث ​وسيلة ‌للاقتراض المشترك من خلال سندات باليورو لتحدي هيمنة الدولار (رويترز)

فرنسا تدعو لتحدي هيمنة الدولار بالاعتماد على سندات اليورو

قال ​الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ‌إنه يتعين على ‌الاتحاد ‌الأوروبي ⁠استحداث ​وسيلة ‌للاقتراض المشترك، من خلال سندات باليورو على سبيل المثال؛ لتحدي الدولار.

«الشرق الأوسط» (باريس)

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
TT

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)

شهد الاقتصاد العالمي تحولاً دراماتيكياً وضع الهند والصين في قائمة أكبر الرابحين من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، بينما برزت بريطانيا كأكبر خاسر نتيجة إعادة ضبط النظام الجمركي الأميركي.

ويأتي هذا التحول ليقلب موازين القوى التجارية رأساً على عقب؛ حيث وجدت الدول التي كانت هدفاً رئيسياً لترمب نفسها في وضع تنافسي أفضل، في حين تضررت الدول التي كانت تتمتع باتفاقيات تفضيلية سابقة.

ويعود هذا التفوق المفاجئ للهند والصين إلى انخفاض معدلات الرسوم الفعلية عليهما بشكل ملحوظ؛ فبالنسبة للهند، تراجعت الرسوم من مستويات قياسية كانت قد وصلت إلى 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة في أوائل فبراير (شباط)، ثم تلتها تخفيضات أخرى إلى 18 في المائة وعدت بها واشنطن، بعدما أبرم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وترمب اتفاقية تجارية. مباشرة، بعد قرار يوم الجمعة، انخفضت الرسوم إلى 10 في المائة، ثم ارتفعت إلى 15 في المائة يوم السبت، وهو معدل يتجاوز في إيجابيته ما كان مقرراً في الإطار الثنائي السابق.

أما الصين، فقد توقع اقتصاديو «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط الرسوم من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مستفيدة بشكل إضافي من إلغاء رسوم «الفنتانيل» التي أبطلها القضاء، مما منح صادراتها نفَساً جديداً في الأسواق الأميركية، رغم محاولات الإدارة الحفاظ على سياسة التضييق عبر مسارات قانونية أخرى.

ومن جانبها، أشارت تقديرات «بلومبرغ» إلى أن فرض معدل عالمي بنسبة 15 في المائة سيؤدي في المحصلة إلى متوسط رسوم فعالة يبلغ نحو 12 في المائة، وهو المستوى الأدنى منذ بدء تطبيق رسوم «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) الماضي، مما يعيد تشكيل قواعد اللعبة لشركاء أميركا التجاريين.

وفي المقابل، واجهت بريطانيا صدمة اقتصادية قوية جعلتها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة. فبينما كانت لندن تستفيد من معدل تفضيلي بنسبة 10 في المائة، جاء توحيد الرسوم العالمية عند 15 في المائة ليرفع التكاليف على الشركات البريطانية بشكل مفاجئ، وهو ما قد يكلف قطاع الصادرات نحو 4 مليارات دولار، ويهدد مصالح 40 ألف شركة بريطانية.

ويسعى المسؤولون البريطانيون حالياً بشكل عاجل لإقناع الإدارة الأميركية باستثناء بريطانيا من هذه الزيادة.

ولم تكن أوروبا وأستراليا بمنأى عن هذه الأضرار؛ حيث واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، مما دفع الاتحاد الأوروبي للمطالبة بصرامة باحترام الاتفاقيات السابقة، ملوحاً بتجميد المسارات التشريعية لأي اتفاقيات تجارية جديدة مع واشنطن، حتى تتضح الرؤية القانونية والالتزامات الأميركية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت وزارة التجارة الصينية أنها تُجري تقييماً شاملاً لتبعات هذا الحكم القضائي، داعية واشنطن بلهجة حازمة إلى إلغاء كافة التدابير الأحادية التي تنتهك قواعد التجارة الدولية. وحذرت بكين من محاولات إدارة ترمب الالتفاف على قرار المحكمة عبر إطلاق تحقيقات تجارية قطاعية بديلة، مؤكدة أنها ستدافع عن مصالحها الوطنية بكل قوة؛ خصوصاً أن هذه التوترات تتزامن مع التحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جينبينغ في نهاية مارس (آذار) المقبل، والتي كانت تهدف في الأصل لتهدئة الصراعات التجارية.

وعملياً، بدأت الوكالات الأميركية المعنية بالامتثال للواقع القانوني الجديد؛ حيث أكدت وكالة الجمارك وحماية الحدود أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم التي أُعلنت غير قانونية بدءاً من فجر الثلاثاء، مع تعطيل كافة الرموز التعريفية المرتبطة بقانون الطوارئ.

هذا التوقف يفتح الباب أمام مطالبات استرداد ضخمة قد تصل إلى 175 مليار دولار من خزينة الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا الارتباك الاقتصادي، بدأت الأسواق العالمية تتفاعل بحذر؛ حيث تراجع الدولار وانتعشت الأسهم الصينية، بينما تعالت الأصوات المطالبة بأن يكون هذا الضغط الاقتصادي دافعاً لتعجيل مسارات انتهاء الحرب في أوكرانيا، وتقليل الأعباء المالية التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي المنهك.


ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي، أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية، قبل أن يقترح الأخير فرض رسوم كبيرة في محاولة للالتفاف على القرار.

مشهد ضبابي من جديد

في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى من عام 2025، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة، ونسب الرسوم، والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنه توصّل إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير، وربما الإسراع في إعادة تكوين المخزونات، أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: «من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار»، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية؛ بل في وضوح تنظيمي مستقر. وأعربت عن أملها في أن تكون أي خطط أميركية جديدة «مدروسة بعناية ومتوافقة مع الدستور».

كريستين لاغارد خلال اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن في ميونيخ بألمانيا يوم 15 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت المحكمة العليا قد أبطلت -بأغلبية 6 قضاة مقابل ثلاثة- معظم الرسوم التي فرضها ترمب العام الماضي، معتبرة أن قانون الطوارئ الذي استند إليه لا يمنحه صلاحية فرض تلك التعريفات. وردَّ ترمب باستخدام قانون مختلف، معلناً أولاً عن تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، على أن تستمر لمدة تصل إلى 5 أشهر ريثما تبحث الإدارة عن بدائل أكثر ديمومة.

أشعة الشمس الصباحية تضرب مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

تخطيط شبه مستحيل

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة «إرنست آند يونغ- بارثينون»، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: «شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل». وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة: «تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي... غياب إطار مستقر يضر بالنشاط الاقتصادي والتوظيف والاستثمار».

الفيدرالي واليقين الغائب

كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت عام 2025 بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ، مع احتمال الطعن بها قانونياً في كل مرحلة. وقد تنخفض معدلات ضريبة الاستيراد مؤقتاً، ولكنها قد تعود للارتفاع في إطار محاولات لإعادة فرض الرسوم الملغاة عبر مسارات قانونية مختلفة، ربما تتطلب تحقيقات مستقلة أو إجراءات من الكونغرس.

وأشار القاضي نيل غورسوش، في رأيه المؤيد للأغلبية، إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع «تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم، على عكس القواعد التي تتغير يومياً».

عامل يسير داخل مصنع شركة «ذا لوكشري بيرغولا» المتخصصة في تصنيع البرغولات الألومنيوم في نوبلزفيل بإنديانا (أ.ب)

تفاؤل حذر رغم الضبابية

تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأميركي. ففي استطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال العام المقبل، مقارنة بـ44 في المائة في أغسطس (آب). كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو تحول قد يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.

من جانبه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن موجة عدم اليقين الجديدة قد لا تغيّر المسار العام للنمو، ولكنها قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة. وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض من 12.7 في المائة إلى 8.3 في المائة بعد استبعاد الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة 15 في المائة الجديدة على نطاق واسع، ولو لفترة مؤقتة.

وأضاف أن أي دفعة قصيرة الأجل للنمو نتيجة خفض الرسوم «من المرجح أن يقابلها جزئياً استمرار حالة عدم اليقين». وحتى إذا نجحت الإدارة في إعادة فرض مستوى إجمالي مماثل من الرسوم عبر أدوات أخرى، فإن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين والأسر على حد سواء.


الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الاثنين، بعدما رأى المتداولون أن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء سلسلة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عامل داعم للنمو العالمي. غير أن حالة الارتباك المحيطة بالسياسات التجارية، إلى جانب مخاطر تصاعد التوتر مع إيران، أبقت تحركات الأسواق في نطاق حذر.

وارتفع اليورو بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.1820 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني 0.3 في المائة إلى 1.3516 دولار خلال الجلسة الآسيوية، التي اتسمت بهدوء نسبي نتيجة عطلة في اليابان وعطلة رأس السنة القمرية في الصين. في المقابل، تراجع الدولار 0.4 في المائة إلى 154.40 ين ياباني، وفق «رويترز».

كانت المحكمة العليا قد قضت يوم الجمعة، بأن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب تجاوزت صلاحياته القانونية. وردّ ترمب بانتقاد حاد للحكم، معلناً فرض تعريفة جمركية عامة بنسبة 15 في المائة على الواردات، ومؤكداً تمسكه باتفاقيات التعريفات المرتفعة مع الشركاء التجاريين.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي» بسنغافورة، إن هذا التطور «يُضعف الدولار، إذ قد يدعم النمو خارج الولايات المتحدة». وأضاف أن الانعكاسات بعيدة المدى على أسعار الصرف لا تزال غير واضحة؛ إذ قد يؤدي تراجع الإيرادات الأميركية إلى الإضرار بالمركز المالي والدولار، في حين أن تقليص صلاحيات ترمب قد يُنظر إليه بإيجابية من زاوية الحد من تقلبات السياسات.

وارتفع الدولار النيوزيلندي بشكل طفيف ليقترب من مستوى 60 سنتاً أميركياً، بينما تراجع الدولار الأسترالي قليلاً إلى 0.7070 دولار، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد فرضت سابقاً تعريفة بنسبة 10 في المائة فقط على السلع الأسترالية. كما صعد الفرنك السويسري، الذي يُعد ملاذاً آمناً، بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.7727 فرنك مقابل الدولار.

وقال جيسون وونغ، الاستراتيجي في «بنك نيوزيلندا» في ويلينغتون، إن الحكم «يمثل خطوة إضافية نحو تقييد سلطة ترمب، وهو ما يُعد إيجابياً للأسواق». لكنه أشار إلى أن المشهد لا يزال معقداً ومتغيراً، ولا يمكن التنبؤ بمساره بسهولة.

وبالإضافة إلى ملف الرسوم الجمركية، تتابع الأسواق عن كثب التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، في ظل الضغوط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي، كما تترقب خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه ترمب يوم الثلاثاء.

رسوم مؤقتة وغموض قانوني

تسري الرسوم البديلة التي فرضها ترمب لمدة 150 يوماً، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ملزَمة برد الرسوم التي سبق أن دفعها المستوردون، إذ لم يتطرق حكم المحكمة العليا إلى هذه المسألة.

ويتوقع محللون سنوات من التقاضي وموجة جديدة من الضبابية قد تعرقل النشاط الاقتصادي، في وقت يسعى فيه ترمب إلى إيجاد آليات قانونية بديلة لإقرار حزمة رسوم عالمية بصورة دائمة.

وقال تاي هوي، كبير الاستراتيجيين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن التطورات «تعكس اعتماد استراتيجية الإدارة لزيادة الإيرادات على مصادر قد تكون عرضة لقدر كبير من عدم اليقين، في حين يظل الميل إلى الإنفاق مرتفعاً». وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع مستثمري السندات إلى توخي مزيد من الحذر حيال مسار الانضباط المالي.

في سياق متصل، دعت المفوضية الأوروبية الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه العام الماضي مع الاتحاد الأوروبي، والذي ينص على إلغاء الرسوم الجمركية على بعض المنتجات، من بينها الطائرات وقطع الغيار. كما يدرس شركاء واشنطن التجاريون في آسيا بحذر تداعيات حالة عدم اليقين الجديدة، شأنهم شأن المستثمرين الذين سبق أن فاجأتهم ردود فعل الأسواق على الرسوم التجارية التي فرضها ترمب، والتي لم تنجح في تقليص العجز التجاري الأميركي.

تحولات في رهانات الدولار

قبل انتخاب ترمب، راهن كثير من المستثمرين على أن الرسوم الجمركية ستدعم الدولار، على أساس أن شركاء الولايات المتحدة سيعمدون إلى خفض قيمة عملاتهم لتعويض تراجع صادراتهم.

غير أن الدولار اتخذ مساراً معاكساً في عام 2025، إذ تراجع مؤشره بأكثر من 9 في المائة، مع تركّز اهتمام الأسواق على توقعات خفض أسعار الفائدة، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي الأميركي، إضافةً إلى التقلبات المرتبطة بسياسات ترمب.

وقال ريتشارد يتسينغا، كبير الاقتصاديين في مجموعة «إيه إن زد»، خلال بودكاست خاص بالبنك، إن «الإدارة الأميركية ستكون مقيدة إلى حد كبير في قدرتها على استخدام الرسوم الجمركية على نطاق واسع». وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيُحدث تغييراً جوهرياً في مسار الاقتصاد العالمي».