كيف انتقلت الصين من مغازلة ترمب إلى تحدي رسومه الجمركية؟

امرأة تمر أمام متجر إلكترونيات في مركز تسوق ببكين (أ.ف.ب)
امرأة تمر أمام متجر إلكترونيات في مركز تسوق ببكين (أ.ف.ب)
TT

كيف انتقلت الصين من مغازلة ترمب إلى تحدي رسومه الجمركية؟

امرأة تمر أمام متجر إلكترونيات في مركز تسوق ببكين (أ.ف.ب)
امرأة تمر أمام متجر إلكترونيات في مركز تسوق ببكين (أ.ف.ب)

وضعت الصين المسؤولين الحكوميين المدنيين ببكين في «حالة حرب» وأمرت بشن هجوم دبلوماسي يهدف إلى تشجيع الدول الأخرى على التصدي للرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك وفقاً لأربعة أشخاص مطلعين على الأمر.

وقال أحد الأشخاص إن مسؤولي الدعاية في الحزب الشيوعي لعبوا دوراً رائداً في تأطير رد الصين، حيث نشر المتحدثون باسم الحكومة مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيها الزعيم السابق ماو تسي تونغ وهو يقول: «لن نستسلم أبداً».

وقال اثنان من الأشخاص إنه في جزء من موقف «زمن الحرب»، الذي نشرت «رويترز» تفاصيله لأول مرة، صدرت أوامر للبيروقراطيين في وزارتي الخارجية والتجارة بإلغاء خطط الإجازات وإبقاء الجوالات قيد التشغيل على مدار الساعة. كما تم تعزيز الإدارات التي تغطي الولايات المتحدة، بما في ذلك المسؤولون الذين عملوا على رد الصين على ولاية ترمب الأولى. وشكّل النهج القتالي الذي اتبعته الحكومة الصينية بعد «يوم التحرير» الذي أطلقه ترمب، منعطفاً صعباً بالنسبة لبكين، التي حاولت تجنب حرب تجارية متصاعدة. وعلى مدى شهور، حاول الدبلوماسيون الصينيون إنشاء قناة اتصال رفيعة المستوى مع إدارة ترمب للدفاع عما وصفته الحكومة الصينية في حملات وسائل الإعلام الحكومية بعلاقة تجارية «رابحة للجانبين».

حتى أن مراقبين صينيين متفائلين كانوا يأملون في عقد صفقة كبيرة مع ترمب بشأن التجارة و«تيك توك»، وربما حتى تايوان.

يستند هذا السرد على كيفية تحول الصين من السعي إلى التوصل لصفقة للرد بالرسوم الجمركية الانتقامية، والتهديد بالتحدي الشامل إلى مقابلات مع أكثر من عشرة أشخاص، بمن فيهم مسؤولون حكوميون أميركيون وصينيون، بالإضافة إلى دبلوماسيين وباحثين آخرين مطلعين على التبادلات الثنائية.

ووصف أربعة منهم أيضاً كيف كان دبلوماسيو بكين يتواصلون مع حكومات أخرى مستهدفة برسوم ترمب، بما في ذلك إرسال رسائل تطلب التعاون مع كثير من الدول. وقال شخصان إنه تم الاتصال بحلفاء الولايات المتحدة القدامى في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية.

لم ترد وزارة الخارجية الصينية على طلب للتعليق، لكنّ متحدثاً باسم السفارة الصينية في واشنطن قال رداً على أسئلة «رويترز» إن بكين لا تريد خوض حروب تجارية «لكنها لا تخشاها».

وقال المسؤول: «إذا قدمت الولايات المتحدة مصالحها الخاصة على الصالح العام للمجتمع الدولي، وضحّت بالمصالح المشروعة لجميع الدول من أجل هيمنتها الخاصة، فمن المؤكد أنها ستواجه معارضة أقوى من المجتمع الدولي».

امرأة تمر أمام متجر نيو بالانس في مركز تسوق ببكين (أ.ف.ب)

«لعبت الصين بشكل خاطئ»

بعد الرد الصيني الأولي، قال ترمب: «لقد لعبت الصين بشكل خاطئ، لقد أصيبوا بالذعر - الشيء الوحيد الذي لا يمكنهم تحمله!»، كما أشار إلى أن بكين أرادت إبرام صفقة، ولكن «هم فقط لا يعرفون كيف يفعلون ذلك تماماً».

كما ألقى المسؤولون الأميركيون باللوم على الصين في هذا المأزق لأن فائضها التجاري البالغ تريليون دولار مع العالم هو نتيجة ما يعدونه انتهاكات لنظام التجارة العالمي التي لم تتم معالجتها بنجاح خلال سنوات من المفاوضات.

وقد فاجأ ترمب العالم في الثاني من أبريل (نيسان) بفرض رسوم جمركية ضخمة قال إنها ستمنع دولاً مثل الصين من «سرقة» الولايات المتحدة، وتخلّى الزعيم الصيني شي جينبينغ عن الحذر الرسمي، وأصدر رسالة وطنية تثير الشكوك حول ما إذا كان الناخبون الأميركيون قادرين على تحمل القدر نفسه من المشقة التي يتحملها الصينيون. ومنذ ذلك الحين تم تعليق رسوم «يوم التحرير» بالنسبة لجميع الدول باستثناء الصين لمدة 90 يوماً. مع بعض الاستثناءات، تم الآن تجميد تجارة السلع بين الصين والولايات المتحدة إلى حد كبير، وبدأت بكين في اتخاذ إجراءات صارمة على تجارة الخدمات، بينما حذرت مواطنيها من السفر إلى الولايات المتحدة، وفرضت قيوداً على استيراد الأفلام الأميركية.

مركبات جديدة تُرى في موقف سيارات بميناء ريتشموند (رويترز)

بداية مهذبة ومماطلة سريعة

حتى بعد انتخاب ترمب على وعد بفرض رسوم جمركية عالية، بدأت العلاقات مع بكين بداية مهذبة. فقد دعا ترمب شي إلى حفل تنصيبه، الذي حضره في النهاية نائب الرئيس الصيني هان تشنغ. لكن الأمور بدأت تتدهور بعد فترة وجيزة.

خلال إدارة ترمب الأولى، كان لدى بكين كثير من قنوات الاتصال رفيعة المستوى، أبرزها بين السفير آنذاك كوي تيانكاي وصهر ترمب، جاريد كوشنر.

لا توجد قناة مكافئة هذه المرة، وفقاً لمسؤول في بكين مطلع على العلاقات الصينية الأميركية، مضيفاً أن الصين لم تكن متأكدة من الذي يتحدث باسم ترمب بشأن علاقتهما.

وقال مسؤول في إدارة ترمب رداً على أسئلة «رويترز» إن الولايات المتحدة «أوضحت للصين أننا نريد استمرار الاتصال على مستوى العمل... ولكننا لن ننخرط من أجل الانخراط في حوارات لا تخدم المصالح الأميركية».

وقام السفير الصيني لدى الولايات المتحدة شيه فنغ بمحاولات فاشلة قبل الانتخابات للتواصل مع الملياردير إيلون ماسك، حليف ترمب، حسبما قال باحث أميركي زار الصين مؤخراً لإجراء حوارات غير رسمية استخدمتها بكين تاريخياً للتواصل مع صانعي السياسة في واشنطن.

وقد حاول وزير الخارجية الصيني وانغ يي مقابلة وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو من الصقور الصينيين الذين تفرض عليهم بكين عقوبات، خلال زيارة قام بها إلى نيويورك في فبراير (شباط) لترؤس جلسة للأمم المتحدة، لكنه لم ينجح في تأمين عقد اجتماع. ولم يتم الكشف عن أي تبادل علني بين كبار الدبلوماسيين من الجانبين باستثناء مكالمة هاتفية فاترة في أواخر يناير (كانون الثاني).

كما لم ينجح وانغ في مساعيه للاجتماع في تلك الرحلة مع مستشار الأمن القومي مايك والتز، حسبما قال شخص مطلع على الأمر. وكان وانغ قد أجرى كثيراً من المحادثات مع سلف والتز، جيك سوليفان، بما في ذلك تبادل أدى إلى تبادل نادر للسجناء.

يعتقد البيت الأبيض أن على الصين إرسال مسؤول تجاري رفيع المستوى بدلاً من وانغ للتحدث في المسائل التجارية، وفقاً لشخص مطلع على تفكير الإدارة الأميركية.

وقال وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك إنه «لا يتعامل مع الصين»، وإن ترمب يريد التفاوض مباشرة مع شي. وقال ترمب للصحافيين هذا الأسبوع إنه سيكون على استعداد للقاء شي، الذي وصفه أيضاً بأنه صديق. ولم يفصح عن أي تفاصيل بشأن أي صفقة محتملة.

وقال المسؤول في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة سألت مراراً وتكراراً الدبلوماسيين الصينيين عما إذا كان شي سيطلب إجراء مكالمة هاتفية مع ترمب و«كانت الإجابة باستمرار (لا)».

وقال خبير العلاقات الدولية تشاو مينغهاو في جامعة «فودان» في شنغهاي إن مثل هذا التواصل «لا يعمل تماماً من حيث نظام صنع السياسة الصينية».

أضاف: «بالنسبة للجانب الصيني، عادة ما يكون هناك اتفاق وعمل على مستوى العمل، ومن ثم يمكننا ترتيب القمة».

وقال لين سونغ، كبير الاقتصاديين في بنك «آي إن جي» الصيني، إن الطريقة التي «عوملت بها الدول التي حاولت التفاوض حتى الآن هذا العام لم تفعل الكثير بالتأكيد لتشجيع الصين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات».

هناك بعض المحادثات الجارية بين المسؤولين على المستوى الأدنى من كلا الجانبين، وفقاً لأحد المسؤولين الصينيين وثلاثة مسؤولين أميركيين، على الرغم من أن بعض مجموعات العمل التي أنشأتها إدارة جو بايدن للتعامل مع النزاعات التجارية، وكذلك قضايا الخزانة والقضايا العسكرية قد تم تجميدها.

أشخاص يمرون أمام مقر البنك المركزي الصيني في بكين (رويترز)

الدروس المستفادة

بينما تضرر كثير من الدول من التعريفات الجمركية الأميركية هذا الشهر للمرة الأولى، شحذت الصين ردها خلال النوبات السابقة من الحرب التجارية الصينية الأميركية.

وبالاستفادة من الدروس المستفادة من فترة ولاية ترمب الأولى، وضعت الصين قواعد اللعبة الانتقامية التي تشمل التعريفات الجمركية بالإضافة إلى فرض قيود على نحو 60 شركة أميركية، وفرض قيود على صادرات المواد الأرضية النادرة.

وكانت هذه الجهود نتيجة أسابيع من الاستعدادات التي قام بها مسؤولون حكوميون صينيون تم تكليفهم بدراسة سياسات ترمب، واقتراح تدابير مضادة يمكن توسيع نطاقها تدريجياً، وفقاً لشخصين مطلعين على الوضع.

وقد اختار شي رداً قوياً، حيث رد بفرض رسوم شاملة حتى قبل أن تدخل الرسوم التي أعلن عنها ترمب حيز التنفيذ. تم الإعلان عن الرسوم قبل وقت قصير من افتتاح بورصة وول ستريت في 4 أبريل، وهو يوم عطلة رسمية في الصين. وانخفضت الأسهم الأميركية انخفاضاً حاداً.

ووصف أحد المسؤولين الصينيين المطلعين على المداولات الاستجابة السريعة غير المعتادة بأنها أقرب إلى اتخاذ القرارات في عهد جائحة «كوفيد - 19» التي تم تنفيذها دون الحصول على الموافقات المعتادة من جميع الإدارات المعنية.

وبدا أن بعض قادة الرأي الصينيين يقترحون الخروج من الحرب التجارية.

قال رين يي، وهو مدون سياسي لديه ما يقرب من مليوني متابع على منصة التدوين المصغرة Weibo، في منشور بتاريخ 8 أبريل إن الإجراءات المضادة «لا تتطلب زيادة واسعة في الرسوم الجمركية على السلع الأميركية».

واقترح رين، الذي كان والده زعيماً إصلاحياً بارزاً في الثمانينات، اتخاذ خطوات مستهدفة، مثل تعليق التعاون في مجال الفنتانيل، وفرض مزيد من القيود على الواردات الزراعية والأفلام السينمائية.

وقالت وزارة المالية الصينية، يوم الجمعة، إنه مع وصول الرسوم الجمركية على السلع الأميركية الآن إلى 125 في المائة، فإنها ستتوقف عن مضاهاة أي زيادات مستقبلية في الرسوم من قبل واشنطن، التي وصفت استراتيجيتها للرسوم الجمركية بأنها «مزحة».

«لا ترضخ أبداً»

وقد استدعت وزارة الخارجية الصينية كثيراً من رؤساء بعثاتها في الخارج إلى بكين لحضور اجتماع خاص عُقد خلال الأسبوع لتنسيق الرد، وفقاً لما ذكره اثنان من الدبلوماسيين المقيمين في بكين.

كما بكين أرسلت رسائل رسمية إلى المسؤولين الحكوميين في الدول الأخرى التي يضغط عليها ترمب للدخول في مفاوضات تجارية.

وحددت الرسائل، التي وصفها أربعة أشخاص اطلعوا على محتوياتها لـ«رويترز»، الموقف الصيني وكذلك الحاجة إلى تعددية الأقطاب ووقوف الدول معاً. وتضمنت الرسائل أيضاً انتقاداً للسياسة الأميركية التي عكست التصريحات العلنية للصين.

وقال دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي لـ«رويترز» إن الصين اقترحت على بعض حكومات مجموعة العشرين صياغة إعلان مشترك يعرب عن دعم النظام التجاري متعدد الأطراف.

لكن الدبلوماسي قال إن الرسائل لم تتطرق إلى المخاوف التي أبدتها الحكومات غير الأميركية أيضاً بشأن الطاقة الإنتاجية المفرطة للصين، ونظام الدعم والمنافسة غير العادلة المزعومة. وقالت بكين إن هذه المخاوف مبالغ فيها، وإن صعود صناعاتها عالية التقنية يرجع إلى مزاياها النسبية التي تعود بالنفع على العالم.

كما تركز الصين بشدة على رد الفعل المحلي على التعريفات الجمركية، حيث أعاد مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع نشر افتتاحية في 7 أبريل في صحيفة «الشعب» اليومية الرسمية تحذر من الذعر. كما بدأت الصين مؤخراً في تشجيع الأسر الصينية على إنفاق مزيد من الأموال، وغيّرت لغتها حول الاستهلاك المحلي بشكل كبير.

وتهدف بكين إلى تحويل محرك النمو من الصادرات إلى المستهلكين في الوقت الذي لا يزال فيه الاقتصاد متعثراً بسبب أزمة التنمية العقارية الفاشلة.

وقال تشاو من جامعة «فودان» إن «ساحة المعركة الحقيقية هي على الجبهة المحلية، وليس المفاوضات الثنائية».

كما نشر مسؤولون صينيون على منصة ماسك «إكس» مقطعاً للرئيس ماو وهو يلقي خطاباً في عام 1953، وهي المرة الأخيرة التي كانت فيها الولايات المتحدة والصين في صراع عسكري مباشر خلال الحرب الكورية.

وفي هذا المقطع، يقول ماو، الذي توفي ابنه الأكبر في الحرب، إن السلام متروك للأميركيين. وقال: «مهما طال أمد هذه الحرب، فلن نستسلم أبداً. سنقاتل حتى ننتصر تماماً».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد مقر البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

«المركزي السويدي» يُثبّت الفائدة... ويتحصّن بـ«الانتظار» لمواجهة ضبابية الحرب

أبقى البنك المركزي السويدي سعر الفائدة الرئيسي عند 1.75 في المائة يوم الخميس، كما كان متوقعاً على نطاق واسع.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم )
الاقتصاد خزانات ووحدات تبريد الغاز في «فري بورت» ثاني أكبر مصدر أميركي للغاز الطبيعي المسال بتكساس (رويترز)

اتفاق «المعادن والطاقة»: إندونيسيا تمنح واشنطن موطئ قدم بوجه الصين

وافقت إندونيسيا على توسيع نطاق الوصول أمام المستثمرين الأميركيين في قطاع المعادن الحيوية، وزيادة مشترياتها من النفط الخام وغاز البترول المسال الأميركي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الاقتصاد الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)

تأجيل قمة ترمب وشي يُلقي بظلاله على الهدنة التجارية بين أميركا والصين

قال محللون إن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل القمة المُقررة في بكين مع الرئيس الصيني شي جينبينغ يُلقي بظلاله على العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (بكين-واشنطن)
الاقتصاد يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)

«المركزي السويسري» يواجه «رسوم ترمب» بتدخلات قياسية في سوق الصرف

ضاعف البنك الوطني السويسري مشترياته من العملات الأجنبية بأكثر من أربعة أضعاف خلال العام الماضي، في مسعى لكبح ارتفاع الفرنك السويسري.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )

إيطاليا تبحث مع الجزائر زيادة إمدادات الغاز وسط اضطراب أسواق الطاقة

تأمل إيطاليا في تعويض حصتها «المعلّقة» من الغاز القطري وقد تكون الجزائر هي البديل (إكس)
تأمل إيطاليا في تعويض حصتها «المعلّقة» من الغاز القطري وقد تكون الجزائر هي البديل (إكس)
TT

إيطاليا تبحث مع الجزائر زيادة إمدادات الغاز وسط اضطراب أسواق الطاقة

تأمل إيطاليا في تعويض حصتها «المعلّقة» من الغاز القطري وقد تكون الجزائر هي البديل (إكس)
تأمل إيطاليا في تعويض حصتها «المعلّقة» من الغاز القطري وقد تكون الجزائر هي البديل (إكس)

تصل رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي جورجيا ميلوني، اليوم الأربعاء، إلى الجزائر، في زيارة يُنتظر منها بحث سُبل إمداد روما بكميات إضافية من الغاز الطبيعي، والدفع بالتعاون الاقتصادي التجاري بين البلدين بالموازاة مع تنامي حالة من عدم اليقين بشأن أسواق الطاقة العالمية.

والزيارة هي الثانية من نوعها لميلوني إلى الجزائر بعد تلك التي قامت بها في عام 2023.

وستُجري ميلوني محادثات مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كما ستلتقي محمد عرقاب، وزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم، ومراد عجال وزير الطاقة والطاقات المتجددة، وستترأس أشغال إطلاق غرفة التجارة الجزائرية الإيطالية.

ويرجّح مراقبون أن يسيطر موضوع الطاقة على زيارة ميلوني إلى الجزائر، إذ لا يستبعد أن تجري مناقشة سُبل إمداد روما بكميات إضافية من الغاز الطبيعي، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن أسواق الطاقة العالمية، بالنظر لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وظلت إمدادات إيطاليا من الغاز الطبيعي الجزائري تهيمن على وارداتها من هذا البلد، لتصل، العام الماضي، إلى 8.1 مليار يورو، بما يعادل 83 في المائة من إجمالي الواردات التي تراجعت 12.9 في المائة إلى 9.78 مليار يورو.

ووفق بيانات وكالة «نوفا» الإيطالية، بلغ حجم التبادل التجاري بين الجزائر وإيطاليا 12.98 مليار يورو خلال عام 2025، منها 3.2 مليار يورو تُمثل الصادرات الإيطالية التي ارتفعت 13.8 في المائة، مقارنة بعام 2024.

وتأمل إيطاليا في تعويض حصتها «المعلَّقة» من الغاز الطبيعي من قطر، بعد توقف الإنتاج بمركز رأس لفان، والتي تصل إلى 10 في المائة من مجموع احتياجاتها، وقد تكون الجزائر هي البديل، علماً بأنها تستورد منها نحو 36 في المائة من وارداتها الغازية.

لكن الجزائر، التي لا تُعارض تصدير كميات إضافية من الغاز الطبيعي إلى إيطاليا، تأمل في الحصول على سعر يتناسب مع ذلك المتداول بالأسواق الحرة، والتي عرفت ارتفاعاً لافتاً خلال الفترة الأخيرة بسبب السباق الدولي، بخلاف العقود الطويلة الأمد.

ووسّعت «إيني» الإيطالية دورها في الجزائر من خلال شراء حصة «بريتيش بتروليوم» البريطانية في حقليْ عين أمناس وعين صالح جنوب الجزائر، وعمدت بعدها إلى الاستحواذ على أصول «نبتون إنرجي» البريطانية في حقل توات غاز بولاية أدرار إلى الجنوب الغربي. كما قامت «إيني» أيضاً بشراء جزء من حصة «إنجي» الفرنسية في حقل «توات غاز» قوامه 8 في المائة لتصل حصتها إلى 43 في المائة، فضلاً عن فوزها بمناقصة لتطوير حقل رقان 2 الغازي، بالشراكة مع الشركة التايلاندية «PTTEP».

وخلال الصيف الماضي، وقّعت «إيني» عقداً مع «سوناطراك» لتطوير حقل غازيّ بمحيط إيليزي بقيمة مالية تُقدر بـ1.35 مليار دولار.


آمال التهدئة تقود صعود العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية

من داخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
من داخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

آمال التهدئة تقود صعود العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية

من داخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
من داخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الأربعاء، مع تحسن معنويات المستثمرين بفضل آفاق وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط.

وسجّلت العقود الآجلة ارتفاعاً ملحوظاً، حيث ارتفع «داو جونز» بنسبة 0.94 في المائة، «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 0.91 في المائة، و«ناسداك 100» بنسبة 1.08 في المائة، وفق «رويترز».

وجاءت هذه المكاسب بعد تقارير إعلامية أفادت بأن الولايات المتحدة تسعى إلى وقف إطلاق نار لمدة شهر في حربها مع إيران، مما خفف بعض المخاوف بشأن استمرار انقطاع إمدادات الطاقة. وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن واشنطن أرسلت إلى إيران خطة من 15 بنداً لإنهاء الحرب، بينما أفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن الولايات المتحدة تعتزم مناقشة الخطة خلال وقف إطلاق النار المقترح.

ورغم ذلك، نفت طهران أي مفاوضات، وتبادلت إيران وإسرائيل غارات جوية يوم الأربعاء.

وقال مايك أورورك، كبير استراتيجيي السوق في «جونز تريدينغ»: «على الرغم من أننا لا نتوقع تصعيداً أميركياً في المستقبل، فإننا قد نُفاجأ بحل قصير المدى. قد يظهر سيناريو يُجبر فيه تصاعد أزمة إيران وارتفاع أسعار الطاقة الرئيس ترمب على اتخاذ خطوات تصعيدية، لكن هذا لا يبدو وشيكاً».

واستمدت الأسواق العالمية بعض الارتياح من هذه التقارير، مع توقع انفراجة تُساعد على استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي. وانخفضت أسعار النفط بنحو 4 في المائة، مما دعم الإقبال على المخاطرة بشكل عام.

وقال محللون في «يو بي إس» لإدارة الثروات العالمية: «ينبغي على المستثمرين توخي الحذر بشأن افتراض استئناف سريع لتدفقات الطاقة، لكن السيناريو الأساسي هو أن التدفقات ستستأنف دون أضرار اقتصادية جوهرية أو دائمة».

وكانت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» قد أغلقت على انخفاض يوم الثلاثاء بعد تداولات متذبذبة، عقب تلاشي موجة التفاؤل التي أعقبت قرار الرئيس دونالد ترمب بتأجيل ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية.

وفي تمام الساعة 5:13 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 437 نقطة أو 0.94 في المائة، وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 60 نقطة أو 0.91 في المائة، وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 261.75 نقطة أو 1.08 في المائة.

وكان ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالصراع الإيراني قد أعاد إشعال المخاوف بشأن التضخم، مما زاد من تعقيد توقعات أسعار الفائدة للبنوك المركزية. وتشير أداة «فيد ووتش» إلى أن الأسواق لا تتوقع أي تخفيف للسياسة النقدية من جانب «الاحتياطي الفيدرالي» هذا العام، مقارنة بتوقعين كانا واردين قبل اندلاع الحرب.

وفي قطاع التكنولوجيا، ارتفعت أسهم شركة «آرم» المدرجة في الولايات المتحدة بنسبة 12.6 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعد إعلانها عن شريحة جديدة لمراكز البيانات تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، والتي يُتوقع أن تُدرّ مليارات الدولارات من الإيرادات.

كما شهدت أسهم شركات تصنيع الرقائق ارتفاعاً طفيفاً، حيث ارتفعت أسهم «إنتل» بنسبة 3.8 في المائة، و«مارفيل تكنولوجي» بنسبة 2.9 في المائة، و«إنفيديا» بنسبة 1.3 في المائة.

وحققت أسهم شركتي «جي دي دوت كوم» و«علي بابا» المدرجتين في الولايات المتحدة مكاسب تجاوزت 4 في المائة لكل منهما، بعد أن حثت وسائل الإعلام الصينية الرسمية والهيئة التنظيمية قطاع منصات توصيل الطعام على إنهاء حرب الأسعار المحتدمة.

وارتفع مؤشر «ديستني تيك 100» بنسبة 20 في المائة بعد تقارير تفيد بأن شركة «سبيس إكس» تخطط لإصدار نشرة الاكتتاب العام الأولي في وقت مبكر من هذا الأسبوع. وتُعد «سبيس إكس» أكبر استثمار في المؤشر.

وزادت أسهم «روبن هود ماركتس» بنسبة 3.6 في المائة بعد أن أعلنت منصة التداول عن برنامج جديد لإعادة شراء الأسهم بقيمة 1.5 مليار دولار.


الأسهم الصينية تصعد مع تفاؤل المستثمرين والإقبال على المخاطرة

شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم فوق مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم فوق مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
TT

الأسهم الصينية تصعد مع تفاؤل المستثمرين والإقبال على المخاطرة

شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم فوق مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)
شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم فوق مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (أ.ف.ب)

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ يوم الأربعاء، لتنضم إلى انتعاش إقليمي أوسع، حيث رحّب المستثمرون بمؤشرات التقدم المحتمل في محادثات وقف إطلاق النار مع إيران. وقفز مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 1.3 في المائة، ليستعيد مستوى 3900 نقطة الرئيسي، في حين ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 1.4 في المائة.

وفي «هونغ كونغ»، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» القياسي بنسبة 1.1 في المائة، وقفز مؤشر «هانغ سنغ» للتكنولوجيا بنسبة 1.9 في المائة.

وتحسّنت المعنويات بعد أن صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن تحرز تقدماً في مفاوضات إنهاء الحرب مع إيران، على الرغم من أن الوضع لا يزال متقلباً بعد أن أضافت الضربة الإسرائيلية على طهران يوم الأربعاء مزيداً من عدم اليقين.

وفي جميع أنحاء المنطقة، ارتفع مؤشر «إم إس سي آي لأسهم آسيا باستثناء اليابان» بنسبة 1.7 في المائة. وقالت كبيرة استراتيجيي الاستثمار في إدارة الثروات لدى بنك «آر بي سي»، جاسمين دوان: «أعتقد أن الجميع يرغب في تصديق أن الحرب قد تنتهي قريباً نسبياً، على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كان هذا صحيحاً، إلا أن الناس يختارون تصديق ذلك في الوقت الحالي. على الأقل هناك تخفيف قصير الأجل للمخاطر». وأضافت أن الأسهم الصينية لا تزال توفر قيمة استثمارية معينة من منظور طويل الأجل، مع وجود العديد من الخيارات المتاحة، بدءاً من أسهم شركات التكنولوجيا الرائدة وصولاً إلى أسهم شركات الموارد التقليدية.

وتعهد القادة الصينيون بأن تظل بلادهم ملاذاً آمناً في ظل التقلبات الجيوسياسية وعدم اليقين العالمي، وذلك خلال كلمتهم أمام المديرين التنفيذيين للشركات العالمية المشاركين في المؤتمر السنوي الرئيسي للأعمال في البلاد هذا الأسبوع.

وقاد مؤشر «سي إس آي» لأسهم الذهب المكاسب المحلية، حيث ارتفع بنسبة 3.1 في المائة، مواصلاً تعافيه بعد انخفاض حاد في وقت سابق من الأسبوع. كما انتعشت أسهم شركات التكنولوجيا مع تحسن شهية المستثمرين للمخاطرة. وارتفع مؤشر «سي إس آي» لأشباه الموصلات بنسبة 2.6 في المائة، في حين ارتفع مؤشر «سي إس آي» للذكاء الاصطناعي بنسبة 2.7 في المائة.

وفي المقابل، تراجعت أسهم القطاعات المرتبطة بالنفط بشكل حاد بعد انخفاض أسعار خام برنت الآجلة بنحو 6 في المائة إلى ما دون 100 دولار للبرميل. وانخفض مؤشر «سي إس آي» للطاقة بنسبة 2.6 في المائة.

وفي سياق متصل، ارتفعت أسهم شركات توصيل الطعام الصينية العملاقة بشكل ملحوظ بعد إعلان الجهات التنظيمية ووسائل الإعلام الحكومية نهاية حرب أسعار شرسة. وارتفع سهم شركة «ميتوان» بنسبة تصل إلى 15.8 في المائة. وأغلقت أسهم كل من «علي بابا» و«جيه دي دوت كوم» على ارتفاع بأكثر من 4 في المائة.

اليوان يرتفع

كما ارتفع اليوان الصيني مقابل الدولار الأميركي يوم الأربعاء، بعد أن رفع البنك المركزي سعر صرفه، في حين ظل الدولار الأميركي ضعيفاً وسط توقعات بوقف محتمل لإطلاق النار في الشرق الأوسط. وبلغ سعر صرف اليوان 6.8823 مقابل الدولار، قبل أن يرتفع بنسبة 0.01 في المائة ليصل إلى 6.8912 عند الساعة 03:00 بتوقيت غرينتش. وبلغ سعر صرف اليوان في السوق الخارجية 6.8943 يوان للدولار، مستقراً إلى حد كبير في التداولات الآسيوية.

وسادت حالة من التفاؤل الحذر بشأن وقف محتمل لإطلاق النار في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، الأمر الذي قد يسمح باستئناف شحنات النفط من مضيق هرمز. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، إن الولايات المتحدة تحرز تقدماً في مفاوضات إنهاء الحرب. ومع ذلك، أعلنت إسرائيل، يوم الأربعاء، أنها شنت موجة من الضربات استهدفت البنية التحتية في طهران، في حين أعلنت إيران شن هجمات على إسرائيل وقواعد أميركية في الكويت والأردن والبحرين.

وانخفض مؤشر الدولار الأميركي، الذي يقيس قوة العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات، إلى ما دون مستوى 100. كما تراجعت أسعار النفط، حيث انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 5 في المائة إلى ما دون 100 دولار للبرميل.

وأشار محللون في شركة «تشاينا ميرشانتس» للأوراق المالية، في مذكرة لهم، إلى أن ارتفاع قيمة اليوان سيساعد في تخفيف أثر ارتفاع تكاليف السلع، مع توقعات باستمرار ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل اليوان الصيني ليصل إلى 6.7 بحلول نهاية العام.

وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المتوسط عند 6.8911 يوان للدولار، مسجلاً ارتفاعاً للجلسة الثانية على التوالي، ومقترباً من أعلى مستوى له في 35 شهراً الذي شهده يوم الجمعة. ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بنسبة 2 في المائة أعلى أو أعلى من سعر الصرف المتوسط المحدد يومياً. وقال محللون في «باركليز» في مذكرة: «لا نتوقع أن يحاول بنك الشعب الصيني عكس مسار ارتفاع اليوان في الوقت الحالي».