«الفيدرالي»... من دور توسعي إلى سياسة نقدية مملّة

هل يُعيد ترمب توجيه «الاحتياطي» بعيداً عن التركيز على التضخم؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي»... من دور توسعي إلى سياسة نقدية مملّة

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

على مدى السنوات السبع عشرة الماضية، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي هو اللاعب الرئيس في السياسة الاقتصادية الأميركية؛ حيث قدّم تريليونات الدولارات للنظام المالي، وقدّم أموالاً رخيصة للغاية لفترة تقارب العقد، وتجاوز الحدود التقليدية خلال جائحة «كوفيد - 19»، وبدأ الانخراط في قضايا مثل المساواة وتغير المناخ. ولكن، مع مرور الوقت، تقلّص هذا الدور التوسعي ليقتصر على بيانات سياسية مقتضبة، ونقاشات بسيطة حول أسعار الفائدة، وانخفاض حيازته من السندات، مع تزايد الاحتمال بأن يُذكر رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، ليس فقط بصفته الشخص الذي قاد الولايات المتحدة عبر الأزمة الاقتصادية التي خلّفها الوباء، وإنما أيضاً بوصفه من أعاد العمل المصرفي المركزي إلى رتابته، وجعل السياسة النقدية تبدو مملة مجدداً.

كان الرئيس السابق لـ«الاحتياطي الفيدرالي» في سانت لويس، جيمس بولارد، جزءاً من الفريق الذي شهد توسع دور البنك المركزي خلال أزمة 2007 - 2009 المالية، وشاهد ذلك الدور يتزايد مرة أخرى في أثناء جائحة «كوفيد - 19»، وهو الآن يرى هذا الدور يعود مجدداً إلى حالة أكثر طبيعية ومعتادة، وفق «رويترز».

يقول بولارد إنه في السنوات الأخيرة «كان علينا العودة إلى محاربة التضخم بشكل جاد، وهو أمر يذكّرنا بالأيام الماضية عندما لم نكن نهتم بالحد الأدنى للصفر، ولم نكن نهتم بسياسة الميزانية العمومية». وأضاف: «إنها سياسة تقليدية من حيث ذلك. لقد تغيّرت الأوقات». بولارد الذي يشغل الآن منصب عميد كلية «ميتش دانيلز» للأعمال في جامعة بوردو، سيلقي الكلمة الافتتاحية يوم الاثنين في مؤتمر بواشنطن، حول إطار السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» واستراتيجيته لتحقيق مهمته في تعزيز استقرار الأسعار والحد الأقصى للتوظيف.

وعلى الرغم من الجدل المحتمل حول «الاحتياطي الفيدرالي»، بسبب فوز دونالد ترمب في انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مثل الإشارات التي تفيد بأن الرئيس المنتخب قد يُعيد إشعال خلافه مع باول عبر محاولة فصله أو تقويضه، فإن هناك احتمالاً آخر يبرز، وهو أنه مع السيطرة على التضخم، ونمو الاقتصاد، واستقرار أسعار الفائدة ضمن نطاقها التاريخي، قد يتراجع دور البنك المركزي قليلاً، تاركاً تركيزه المستمر على التضخم، ليكون أولوية للإدارة القادمة.

أسعار الفائدة المنخفضة للغاية لم تعد ضرورية

كانت اختيارات ترمب الأولية لفريقه الاقتصادي أكثر تقليدية مقارنة بغيرها. يتضمّن المؤتمر في واشنطن الذي ينظّمه المعهد الأميركي للبحوث الاقتصادية، كلمة رئيسة لمحافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر، الذي تم تعيينه خلال فترة ولاية ترمب الأولى في البيت الأبيض، والذي، مثل محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي ميشال بومان، سيقدّم خياراً داخلياً للقيادة الجديدة عندما تنتهي ولاية جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في مايو (أيار) 2026. إلى جانب باول، كان والر قوة رائدة في توجيه المعركة ضد التضخم، وفي مساعدة نظام بنك الاحتياطي الفيدرالي على الابتعاد عن القضايا التي لا تقع ضمن نطاق السياسة النقدية المباشرة، مثل قضايا تغير المناخ التي أثارت توترات مع بعض الجمهوريين في الكونغرس.

ومن المحتمل أن يكون لوالر صوت قوي أيضاً في إصلاح إطار السياسة الحالي لـ«الاحتياطي الفيدرالي» الذي في وقت اعتماده خلال 2020 دفع البنك المركزي إلى أراضٍ جديدة يراها الكثير الآن غير متوافقة مع البيئة الاقتصادية الحالية، فقد أدت جائحة 2020 إلى بطالة واسعة النطاق، وجعلت معالجة سوق العمل أولوية قصوى لـ«البنك المركزي» الذي كان عازماً على تجنّب تكرار تباطؤ التعافي في التوظيف بعد أزمة 2007 - 2009، وهي فترة شعر الكثير بأنها تسببت في «عقد ضائع»؛ مما أثر في جيل كامل من العمال. كما أثارت معدلات التضخم الضعيفة المزمنة وأسعار الفائدة المنخفضة تاريخياً القلق بشأن الركود. وحاول إطار العمل لعام 2020 معالجة كل هذه القضايا من خلال التزام جديد بـ«التوظيف واسع النطاق والشامل»، وسط التوقعات بأن أسعار الفائدة ستظل منخفضة وتنخفض إلى مستوى الصفر «أكثر من أي وقت مضى».

إن «الحد الأدنى للصفر» يُعدّ لعنة وجودية لمحافظي البنوك المركزية؛ بمجرد أن تنخفض أسعار الفائدة إلى مستوى الصفر، لا تبقى سوى الخيارات السيئة والصعبة سياسياً لدعم الاقتصاد بشكل أكبر. ويمكن دفع أسعار الفائدة إلى المنطقة السلبية، مما يعني فرض ضريبة فعلية على المدخرات، أو يمكن اتخاذ تدابير غير تقليدية أخرى، مثل شراء السندات على نطاق واسع لقمع أسعار الفائدة طويلة الأجل، أو حتى الوعد بإبقاء الأسعار منخفضة لفترة ممتدة. كان الحل الذي لجأ إليه بنك الاحتياطي الفيدرالي في عام 2020 هو تقديم وعود بفترات من التضخم المرتفع لتعويض فترات ضعف نمو الأسعار، على أمل أن تبقي هذه السياسة التضخم ضمن هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة في المتوسط. لكن ما تلا ذلك، لأسباب متعددة، كان أسوأ تضخم شهدته الولايات المتحدة منذ 40 عاماً؛ مما دفع بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بشكل حاد في عامي 2022 و2023.

وبغض النظر عن تبعات هذه الإجراءات على المشهدَين الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة، فقد ساعدت هذه السياسات في تحفيز الاقتصاد بالكامل وأعادت السياسات المالية إلى المقعد الأمامي. كما قال رئيس استراتيجية السوق العالمية في «ترايد ستايشن»، ديفيد راسل: «الاقتصاد وسوق الأوراق المالية ببساطة لم يعودا في حاجة إلى أسعار فائدة منخفضة للغاية. من المحتمل أن تكون سياسة التجارة والضرائب أكثر أهمية من السياسة النقدية في المستقبل».

الإجراءات الاستباقية «ضرورية»

يرى مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» الآن أن ضغوط التضخم لا تزال مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل الجائحة، مع بقاء معدلات الفائدة مرتفعة بما يكفي لتحقيق أهدافهم من خلال رفعها وخفضها، تماماً كما كان الحال قبل «الركود العظيم» الذي دفع إلى استخدام الأساليب غير التقليدية منذ 17 عاماً.

ولا تزال هذه الأدوات في متناول اليد، وقد تشهد الصدمات الكبيرة عودة استخدامها. يزعم بعض خبراء الاقتصاد، على سبيل المثال، أن سياسات الإدارة القادمة لترمب، مثل رفع أسعار الواردات من خلال التعريفات الجمركية، وتحفيز الإنفاق عن طريق خفض الضرائب، وتقييد سوق العمل من خلال الحد من الهجرة، قد تهز اقتصاداً يشعر «الاحتياطي الفيدرالي» أنه في حالة صحية ومتوازنة حالياً. ومع ذلك، هناك توافق ناشئ على أن الإطار الحالي للبنك المركزي تم تصميمه بشكل مفرط، وفقاً لظروف ومخاطر العقد الذي تلا أزمة 2007 - 2009 وفترة الوباء، وأنه يحتاج إلى العودة لموقف أكثر حذراً بشأن التضخم. تشير أبحاث موظفي بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى أن هذا الموقف يوفّر نتائج أفضل لسوق العمل بوجه عام، وأن العودة إلى الفلسفة التقليدية المتمثلة في قمع التضخم قبل أن يتفشى قد استعادت التأييد.

وكتب الاقتصاديان كريستينا رومر وديفيد رومر، في بحث قدماه في مؤتمر مؤسسة «بروكينغز» في سبتمبر (أيلول)، أن «إجراءات السياسة النقدية الوقائية ليست فقط مناسبة، بل ضرورية». وأضافا: «يجب على (الفيدرالي) ألا يسعى عمداً إلى سوق عمل ساخنة»؛ لأن الأدوات الحادة للسياسة النقدية «لا يمكنها تقليص الفقر أو مواجهة التفاوت المتزايد». ويبدو أن جيروم باول قد توقّع التغييرات المقبلة، وليس التغييرات غير المرغوب فيها؛ حيث تشير هذه التغيرات إلى أن الولايات المتحدة قد تخلّصت من الحاجة إلى دعم استثنائي من بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهو أمر لم يكن مرتاحاً له تماماً في سنواته الأولى بوصفه محافظاً لـ«البنك المركزي».

وبعد دفع قوة «الاحتياطي الفيدرالي» إلى أقصى حد خلال فترة الوباء، قد يترك باول لخليفته مؤسسة أكثر تركيزاً. قال باول خلال الشهر الماضي في دالاس؛ حيث تحدّث عن العودة إلى أسلوب «تقليدي» أكثر للعمل المصرفي المركزي: «لقد انتهت عشرون عاماً من انخفاض التضخم بعد عام وأربعة أشهر من تطبيقنا للإطار». وأضاف: «ألا ينبغي لنا أن نعدّل الإطار، ليعكس ارتفاع أسعار الفائدة الآن، بحيث لا تكون بعض التغييرات التي أجريناها هي القاعدة الأساسية بعد الآن؟».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد العالمي يترقب أول «كشف حساب» لآثار حرب إيران

الاقتصاد الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

الاقتصاد العالمي يترقب أول «كشف حساب» لآثار حرب إيران

يُشكِّل الأسبوع المقبل لحظةً مهمةً في تتبع المسار الاقتصادي العالمي لعام 2026؛ فمن خلال بيانات المشتريات والتضخم المرتقبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

مسؤولان في «الفيدرالي»: الحرب الإيرانية تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية

قال مسؤولان في «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الجمعة، إن الحرب الإيرانية وتأثيرها على أسواق الطاقة تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية والسياسات النقدية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)

شبح التضخم يطارد أوروبا... ومصارف عالمية تتوقع أبريل موعداً لرفع الفائدة

يواجه البنك المركزي الأوروبي لحظة الحقيقة مع اشتعال فتيل الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، حيث انتقل النقاش داخل أروقة فرانكفورت من…

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (إ.ب.أ)

لاغارد: «حرب الشرق الأوسط» ترفع مخاطر التضخم وتكبح النمو في 2026

قالت رئيسة «المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك، إن مجلس الإدارة، اليوم، قرر الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)
الاقتصاد رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)

المركزي الأوروبي يتمسك بـ«ثبات الفائدة» وسط مخاطر تضخم الحرب

قرر مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.