«مبادرة مستقبل الاستثمار» تحدد مسارات الاقتصادات العالمية

«الانتخابات الأميركية» و«مصير الفائدة» يحضران في الجلسات الحوارية بالرياض

ياسر الرميان يتحدث للحضور في «مبادرة مستقبل الاستثمار» (الشرق الأوسط)
ياسر الرميان يتحدث للحضور في «مبادرة مستقبل الاستثمار» (الشرق الأوسط)
TT

«مبادرة مستقبل الاستثمار» تحدد مسارات الاقتصادات العالمية

ياسر الرميان يتحدث للحضور في «مبادرة مستقبل الاستثمار» (الشرق الأوسط)
ياسر الرميان يتحدث للحضور في «مبادرة مستقبل الاستثمار» (الشرق الأوسط)

حضر كبار الشخصيات الأكثر نفوذاً بعالم المال والأعمال في العالم إلى الرياض للمشاركة في النسخة الثامنة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وذلك لبحث مسارات الاقتصاد العالمي في ظل التطورات المتسارعة التي يمر بها.

ويتوقع أن يشهد هذا الحدث الذي يطلق عليه «دافوس الصحراء»، عقد صفقات بقيمة 28 مليار دولار بعدما كان سجل صفقات بقيمة 125 ملياراً في السنوات السبع الماضية.

ويأتي هذا المؤتمر الذي ينعقد على مدى ثلاثة أيام تحت شعار «أفق لا متناهٍ... الاستثمار اليوم لصياغة الغد» الذي يشارك فيه أكثر من 7000 مشارك و600 متحدث عالمي، قبل أيام معدودة على الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث يراقب العالم تداعيات تغيير القيادة في أكبر اقتصاد في العالم.

ومن ثمّ، فهو يشكّل فرصة لتناول مواضيع عالمية مهمة مثل أسعار الفائدة المنخفضة وتأثيرها على الأسواق، وأسعار النفط وتطورات الذكاء الاصطناعي، وغيرها.

جانب من حضور المعرض المصاحب لـ«مبادرة مستقبل الاستثمار» (الشرق الأوسط)

كما يشكل منبراً تعلن عبره مؤسسات عالمية جديدة افتتاح مكاتب لها في الرياض، حيث بات عدد الشركات التي تتخذ من العاصمة السعودية مقراً إقليمياً لها حالياً يبلغ 540 شركة عالمية في تجاوز لمستهدفات 2030 البالغة 500 شركة، وفق ما كشف وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح.

وهو حال مصرف الاستثمار العالمي «غولدمان ساكس» الذي أعلن افتتاح مكتب جديد في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض، مما يعزز وجوده لدى أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط.

في حين يدرس بنك «باركليز» العودة مجدداً إلى السوق السعودية، مع تطلعه للاستفادة من حاجة المملكة المتزايدة للوصول إلى أسواق المال العالمية.

مشاريع «السيادي» السعودي

كان المؤتمر مناسبة ليعلن ياسر الرميان محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، الذي يدير أصولاً تتجاوز 900 مليار دولار، عن خطط لتقليص حيازات الصندوق الأجنبية من 30 في المائة إلى 18 - 20 في المائة، مع تكثيف تركيزه على المشاريع المحلية. وشدد على أن السعودية تتمتع بمكانة جيدة للغاية لتصبح مركزاً عالمياً، وليس فقط إقليمياً، في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقال الرميان: «نواجه اليوم تحديات عالمية مترابطة تتطلب حلولاً مبتكرة، حيث يسلط مؤتمر هذا العام الضوء على قضايا ملحة مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، والتفاوت في الرعاية الصحية، وكلها تمتد عبر الحدود. ومع ذلك، فإن هذه التحديات تفتح مسارات للتقدم، وهو ما يعنيه شعار هذا الحدث (أفق لا متناهٍ... الاستثمار اليوم لصياغة الغد)، الذي يجسد رؤية للاستثمار في المستقبل بهدف وطموح».

وشرح أنه رغم أهمية العوائد المالية، فإن الاستثمارات التي تحقق تأثيراً إيجابياً على المجتمع والبيئة هي الأكثر استدامة، والأسواق الناشئة خير دليل على ذلك، حيث أثبتت الاستثمارات الطويلة الأجل قدرتها على تحقيق عوائد مجزية وتحفيز التنمية المستدامة، والعالم لا يزال غنياً بالإمكانات غير المستغلة.

وأكمل بأن قطاع الطاقة يعد من أهم القطاعات التي تستدعي الاستثمار الهادف، ويتطلب الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، واستثمارات طويلة الأجل وتعاوناً وثيقاً بين القطاعين العام والخاص.

كما تسعى المملكة إلى تحقيق توازن بين احتياجات الطاقة الحالية وبناء مستقبل مستدام للأجيال المقبلة. وعلى سبيل المثال، استثمرت الجهات الفاعلة الرئيسية في مجال الطاقة أكثر من 65 مليار دولار في التقنيات المنخفضة الكربون منذ عام 2017.

وتوقع تفوق اقتصادات الأسواق الناشئة على الأسواق المتقدمة في عام 2030، «ما يؤكد الحاجة إلى استثمارات استراتيجية في المجالات التي ستقود الاقتصاد العالمي».

وتنبأ الرميان بأن يساهم الذكاء الاصطناعي بما يقرب من 20 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، مما يؤكد إمكاناته بوصفه حجر أساس للقوة الاقتصادية الوطنية.

الرئيس التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» خلال حديثه إلى حضور المؤتمر (الشرق الأوسط)

من جهته، أوضح الرئيس التنفيذي لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، ريتشارد أتياس: «نحن على مفترق طرق وخياراتنا ستحدد ملامح العصر»، وقال إن الجهود الجماعية ستخلق عالماً أكثر شمولاً واستدامة.

مواجهة التوترات الجيوسياسية

بدوره، ذكر وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح أن المملكة استطاعت مواجهة مختلف التوترات الجيوسياسية عالمياً بفضل متانة اقتصادها، مبيناً أن «رؤية 2030» جعلت الاقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات التي تفرضها التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

واستطرد الفالح في جلسة من ضمن فعاليات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة بالرياض، أنه «رغم الصدمات التي شهدناها ومن بينها أسواق النفط، كان الاقتصاد السعودي ثاني أسرع اقتصادات مجموعة العشرين نمواً، كاشفاً العزم على ضخ استثمارات إضافية في قطاع البتروكيماويات».

ووفق الفالح، رغم الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط، زاد الناتج المحلي في السعودية بنسبة 70 في المائة منذ إطلاق «رؤية 2030»، وإن الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة متقدم على الأجندة التي جرى تحديدها العام الماضي والتي بلغت قيمتها 26 مليار دولار.

وزاد أن هناك 540 شركة نقلت مَقَارّها الإقليمية إلى الرياض، وهو ما يتجاوز مستهدف «رؤية 2030» البالغ 500 مقر، مضيفاً: «المستثمرون لا يأتون إلى ‫السعودية بسبب تسارع نمو اقتصادها فقط، ولكن لاتخاذها مركزاً لانطلاق أعمالهم إلى المنطقة والعالم، وبعض الشركات العالمية المشاركة في الحدث ‫ ستعلن تباعاً عن اتخاذ الرياض مقراً إقليمياً لها».

وأبان أن السعودية ستصنع التغيير، وسيكون لها الدور الأكبر في توفير منظومة قادرة على احتضان الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في المنطقة.

وقال نائب رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الوطني محمد التويجري، إن السعودية جاهزة لمواصلة التحول الاقتصادي، أياً كان وضع الاقتصاد عالمياً.

وأضاف أن المملكة شرعت في رحلة تحول اقتصادي لافتة خلال الفترة الماضية، وأسست مؤسسات وبنية أساسية وتواصلت مع مستثمرين عالميين.

الصناديق السيادية الخليجية

من ناحية أخرى، أفصح الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي لـ«الشرق الأوسط» عن بلوغ حجم الصناديق السيادية الخليجية التي تمتلك استثمارات في العالم ما نسبته 33 في المائة من إجمالي الاستثمارات الدولية، وأن القيمة السوقية في الاستثمار الخارجي للدول الأعضاء تتجاوز 3.2 تريليون دولار.

وبيّن البديوي أن أهمية الحدث تكمن في المكانة العالية والرفيعة المستوى والصدقية الكبيرة التي أمست تحظى بها السعودية في الأوساط الإقليمية والدولية، موضحاً أن حضور كبرى شركات الاستثمار بالعالم والمسؤولين من الدول من رؤساء ووزراء يؤكد أن المملكة أمست لاعباً أساسياً في مجال الاستثمار، سواء استقطاب فرص الاستثمار إليها وإلى دول مجلس التعاون أو الاستثمار في الأسواق العالمية.

من جهته، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أن مشروع الربط الكهربائي مع السعودية، الذي يستهدف إنتاج 3000 ميغاواط من الكهرباء على مرحلتين، يعد أبرز ما توصلت إليه بلاده في مجال الطاقة.

التعاون السعودي - المصري

وواصل مدبولي، خلال إحدى الجلسات الحوارية على هامش «مبادرة مستقبل الاستثمار»، أن هناك تعاوناً مصرياً سعودياً وثيقاً في مجالات النقل وربط المواني، كاشفاً عن الرغبة المشتركة لدى البلدين في التحول لمركز إقليمي للنقل اللوجيستي وسلاسل الإمداد.

وأردف: «أحرص على متابعة منجزات رؤية 2030 من قرب من منطلق وحدة المصير والمسار بين البلدين».

وفيما يخص الحدث، بيّن رئيس الوزراء المصري أن مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» سلط الضوء على جهود التنمية في المملكة.

من جانبها، كشفت الرئيسة التنفيذية للاستثمار في «نيوم»، الدكتورة منار المنيف لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود أكثر من 3 آلاف عقد تم توقيعها بقيمة تتجاوز 60 مليار دولار، مؤكدةً أن حجم الإنجازات خلال السنوات السبع منذ إطلاق المشروع «مُشرف».

وطبقًا للمنيف، من أهم الإنجازات الحالية الترحيب بأول الزوار لجزيرة «سندالة»، وهي أولى الوجهات التي افتُتحت في «نيوم»، لإعطاء الزوار لمحة عن المشروع وما تمثله المنطقة للعالم.

وأشارت إلى استمرارية الأعمال في المشاريع «على قدم وساق»، وأنها تسير بالسرعة نفسها بحسب الخطة المرصودة والجدول الزمني، مبينةً أنه تم إنجاز نحو 500 كيلومتر من الطرقات، منها 350 كيلو من «الفايبر أوبتكس»، والمنطقة الصناعية تم ربطها بمطار «نيوم باي».

وتطرقت الرئيسة التنفيذية للاستثمار إلى أهمية القطاع الخاص في هذه الرحلة، مؤكدةً في الوقت نفسه أن «نيوم» كانت من الأوائل والمبتكرين لإطلاق الهيدروجين الأخضر، وأن هذا المشروع يتم تنفيذه الآن وسيتم التصدير خلال الربع الأول من 2026.


مقالات ذات صلة

رئيس شركة «الوصول المبكر»: السعودية مؤهلة لقيادة الحلول اللوجيستية

عالم الاعمال رئيس شركة «الوصول المبكر»: السعودية مؤهلة لقيادة الحلول اللوجيستية

رئيس شركة «الوصول المبكر»: السعودية مؤهلة لقيادة الحلول اللوجيستية

رئيس شركة «الوصول المبكر»، أكد أن المنافذ الجوية في السعودية  تؤدي دوراً محورياً بإدارة المرحلة الحالية، من خلال خطط الطوارئ وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص سفينة محملة بالحاويات عبر ميناء الملك عبد الله في السعودية (واس)

خاص السعودية ترفع جاهزية الشركات لمواجهة تحديات سلاسل الإمداد

تواصل السعودية نهجها الاستباقي لتعزيز متانة اقتصادها الوطني وحماية الشركات من تداعيات التقلبات الخارجية.

بندر مسلم (الرياض)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الجبيل التجاري الواقع شرق السعودية (واس)

السعودية: بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل باستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل التجاري، باستثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها ملياري ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مستثمران يراقبان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

خاص السوق السعودية تختتم مارس بصعود قوي وسط الصراعات الجيوسياسية

شهد شهر مارس (آذار) أداءً استثنائياً لسوق الأسهم السعودية، حيث واصلت ارتفاعها وسط تراجع معظم بورصات المنطقة، مدفوعاً بقدرة «أرامكو» على استمرار تدفقات النفط.

عبير حمدي (الرياض)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال اتصال هاتفي، الخميس، مع وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في قطاع الطاقة.

وذكرت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) أنه جرى خلال الاتصال الإشادة بالجهود المشتركة والمتضافرة لبدء تصدير النفط العراقي من خلال الأراضي السورية، إضافة إلى مناقشة إمكانية توريد الغاز المنزلي إلى سوريا، في إطار تعزيز أمن الطاقة، وتلبية الاحتياجات المحلية.

وتناول الاتصال بحث تأهيل أنابيب نقل النفط، ولا سيما خط كركوك - بانياس، بما يُسهم في تطوير وتعزيز عملية تصدير النفط.

وأكد وزير النفط العراقي أن هذا التعاون سيستمر بشكل مستدام، ولن يكون مرتبطاً بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشدداً على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.

وكانت أولى دفعات الفيول العراقي وصلت إلى خزانات مصفاة بانياس عبر منفذ التنف الحدودي، تمهيداً لتصديرها إلى الأسواق العالمية، حيث باشرت فرق «الشركة السورية للبترول» عمليات التفريغ، تمهيداً لتجهيز الشحنات وإعادة تحميلها على نواقل بحرية مخصصة لنقلها إلى وجهتها التصديرية النهائية.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

رسم صندوق النقد الدولي صورة مختلطة لمستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم، فبينما أشاد بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025، أطلق جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي.

وفي ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، شدد الصندوق على أن التحولات الكبرى في السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط باتت تفرض ضغوطاً تضخمية جديدة، مما يضيق الخناق على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في مواصلة دورة خفض الفائدة.

أداء صامد أمام التحديات

سجل الاقتصاد الأميركي نمواً بنسبة 2 في المائة في عام 2025، وهو أداء وصفه الصندوق بـ«الجيد» بالنظر إلى التقلبات السياسية الكبيرة والإغلاق الحكومي الذي شهده الربع الرابع من العام الماضي. ورغم تباطؤ نمو التوظيف نتيجة تراجع تدفقات الهجرة، فإن الإنتاجية القوية حافظت على زخم النشاط الاقتصادي.

وتوقع الصندوق أن يتسارع النمو بشكل طفيف ليصل إلى 2.4 في المائة في عام 2026، مدعوماً بزيادة الإنفاق والتحولات الضريبية التي أُقرت مؤخراً.

فخ التضخم و«مساحة المناورة» الضيقة

وفي ملف السياسة النقدية، حذر خبراء الصندوق من أن مسار التضخم لا يزال محفوفاً بالمخاطر؛ حيث أدت التعريفات الجمركية المرتفعة إلى زيادة أسعار السلع، مما بدد أثر تراجع تضخم الخدمات. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة الحرب، أكد الصندوق أن «المساحة المتاحة لخفض أسعار الفائدة في عام 2026 تبدو ضئيلة للغاية»، محذراً من أن أي تيسير نقدي سابق لأوانه قد يعطل عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة والمؤمل تحقيقه في النصف الأول من 2027.

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً حول الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أزمة الديون والعجز الاستراتيجي

أعرب أعضاء المجلس التنفيذي للصندوق عن قلقهم البالغ إزاء العجز المالي المستمر، الذي بلغ 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الدين العام ليتجاوز 140 في المائة بحلول عام 2031. ونبّه البيان إلى أن اعتماد الحكومة على الديون قصيرة الأجل يخلق مخاطر على الاستقرار المالي العالمي، نظراً للدور المحوري لسوق سندات الخزانة الأميركية في النظام المالي الدولي. وطالب الصندوق بضرورة إجراء «تعديل مالي جبهوي» يشمل زيادة الإيرادات الفيدرالية وإعادة توازن برامج الاستحقاقات.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

التجارة والتعريفات الجمركية

انتقد الصندوق التحول في السياسة التجارية الأميركية، مشيراً إلى أن متوسط التعريفات الفعالة سيستقر عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8.5 في المائة. وأكد البيان أن هذه السياسات، إلى جانب عدم اليقين التجاري، ستؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي المحلي، وخلق آثار سلبية كبيرة على الشركاء التجاريين، داعياً واشنطن للعمل بشكل بناء مع شركائها الدوليين للحد من القيود التجارية والتشوهات في السياسات الصناعية.

الرقابة المالية والأصول الرقمية

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، دعا الصندوق السلطات الأميركية إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية ومواجهة مخاطر التقييمات المرتفعة للأصول. ورحب بالتشريعات الجديدة لتنظيم «العملات المستقرة» والأصول المشفرة، لكنه شدد على ضرورة التطبيق الكامل لاتفاقية «بازل 3» وتعزيز الإشراف على البنوك متوسطة الحجم لضمان سلامة النظام المالي في مواجهة أي هزات محتملة.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)

انخفضت الطلبات الأسبوعية الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار تراجع معدلات التسريح واستقرار نسبي في سوق العمل خلال شهر مارس (آذار)، رغم تحذيرات من مخاطر سلبية ناجمة عن استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، تراجع الطلبات الأولية بمقدار 9 آلاف طلب، لتسجل 202 ألف طلب بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنةً بتوقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 212 ألف طلب.

وتراوحت الطلبات منذ بداية العام بين 201 ألف و230 ألف طلب، وهو نطاق يعكس، وفق توصيف اقتصاديين، سوق عمل تتسم بانخفاض كلٍّ من معدلات التوظيف والتسريح. ويُعزى هذا الجمود جزئياً إلى حالة عدم اليقين المستمرة المرتبطة بالرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الواردات.

في السياق ذاته، بلغ متوسط نمو الوظائف في القطاع الخاص غير الزراعي نحو 18 ألف وظيفة شهرياً خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير (شباط)، وهو معدل ضعيف نسبياً. ويرى اقتصاديون أن تقلص المعروض من العمالة، نتيجة تشدد سياسات الهجرة في عهد ترمب، يشكل عاملاً كابحاً لنمو التوظيف.

كما أضافت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي دخلت شهرها الأول، مزيداً من الضبابية أمام الشركات. وكان ترمب قد تعهد، الأربعاء، بتكثيف الضربات على إيران، مما عزز المخاوف بشأن تداعيات الصراع.

ورغم توقع انتعاش نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة في مارس، وفقاً لاستطلاع «رويترز»، حذّر بعض الاقتصاديين من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، في ظل تداعيات الحرب التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بأكثر من 50 في المائة. كما تجاوز متوسط سعر البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات.

كانت الوظائف غير الزراعية قد انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة في فبراير، متأثرةً جزئياً بإضرابات في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية. ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.4 في المائة.

ومن المنتظر أن يُصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير التوظيف لشهر مارس، يوم الجمعة، علماً بأن «الجمعة العظيمة» لا تُعد عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وقالت نانسي فاندن هوتن، كبيرة الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «نتوقع أن تؤدي الحرب إلى تأخير التحسن الطفيف الذي كنا نترقبه في سوق العمل هذا العام، إذ إن حالة عدم اليقين، وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع التكاليف، كلها عوامل تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوظيف».

وأظهر التقرير أيضاً ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة بمقدار 25 ألف شخص ليصل إلى 1.841 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 21 مارس، وهو مؤشر يُستخدم لقياس وتيرة التوظيف. ورغم تراجع هذه المطالبات مقارنةً بمستويات العام الماضي المرتفعة، فإن انتهاء أهلية بعض المستفيدين -المحددة عادةً بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات- قد يكون عاملاً وراء هذا الانخفاض.

في سياق متصل، أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل هذا الأسبوع، تراجعاً أكبر من المتوقع في عدد الوظائف الشاغرة خلال فبراير، إلى جانب انخفاض وتيرة التوظيف إلى أدنى مستوياتها في نحو ست سنوات.