من رياح الدنمارك إلى صلب الهند... دائرة تهديدات «المنافسة الصينية» تزداد

اتفاق مع أوروبا على مزيد من المحادثات بشأن بدائل رسوم السيارات

سيارات جديدة أغلبها واردة من الصين في ميناء زيبروغ في بلجيكا (رويترز)
سيارات جديدة أغلبها واردة من الصين في ميناء زيبروغ في بلجيكا (رويترز)
TT

من رياح الدنمارك إلى صلب الهند... دائرة تهديدات «المنافسة الصينية» تزداد

سيارات جديدة أغلبها واردة من الصين في ميناء زيبروغ في بلجيكا (رويترز)
سيارات جديدة أغلبها واردة من الصين في ميناء زيبروغ في بلجيكا (رويترز)

يبدو أن دائرة التهديدات التي تمثلها الصين للأسواق تزداد، وبينما تشتعل جبهة الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية مع الاتحاد الأوروبي، فإن قضايا أخرى لا تزال ساخنة في مناطق أخرى، تمتد من الدنمارك إلى الهند.

وقالت المفوضية الأوروبية يوم الجمعة إن الاتحاد الأوروبي والصين اتفقا على إجراء مزيد من المفاوضات الفنية قريبا بشأن البدائل المحتملة للرسوم الجمركية على المركبات الكهربائية المصنعة في الصين، على الرغم من وجود فجوات كبيرة في الأفكار المطروحة.

ومن المقرر أن يفرض الاتحاد الأوروبي رسوما جمركية إضافية تصل إلى 35.3 في المائة الأسبوع المقبل على المركبات الكهربائية المصنعة في الصين عند انتهاء تحقيقاته في مكافحة الدعم، لكنه قال إن المحادثات يمكن أن تستمر بعد ذلك.

وينظر الجانبان في التزامات محتملة بالحد الأدنى للسعر من المنتجين الصينيين، أو الاستثمارات في أوروبا كبديل للرسوم الجمركية.

وقالت المفوضية بعد مكالمة فيديو بين كبير مسؤولي التجارة بالاتحاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو: «اتفق المسؤولان الرئيسيان على إجراء المزيد من المفاوضات الفنية قريبا».

وعقدت المفوضية الأوروبية، التي تشرف على السياسة التجارية للاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة، ثماني جولات من المفاوضات الفنية مع نظرائها الصينيين، وقالت إن هناك «فجوات كبيرة متبقية». وقالت المفوضية إن دومبروفسكيس ووانغ أكدا التزامهما بإيجاد حل مقبول للطرفين، والذي سيحتاج إلى ضمان تكافؤ الفرص في سوق الاتحاد الأوروبي والتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

وحثت الصين الاتحاد الأوروبي قبل أسبوعين على عدم إجراء مفاوضات منفصلة مع الشركات، محذرة من أن هذا من شأنه أن «يهز أسس» المفاوضات. وقالت المفوضية إن دومبروفسكيس أكد أن مفاوضات المفوضية الأوروبية مع غرفة التجارة الصينية لاستيراد وتصدير الآلات والمنتجات الإلكترونية لا تستبعد المناقشات مع المصدرين الأفراد. كما أثار دومبروفسكيس مخاوف بشأن تحقيقات الصين في براندي الاتحاد الأوروبي ولحم الخنزير ومنتجات الألبان، قائلاً إن الاتحاد الأوروبي وجدها إجراءات «غير مبررة».

الصلب الهندي

وفي مكان آخر من العالم، قال مسؤول حكومي هندي كبير مطلع على الأمر، إن علامات تحسن العلاقات بعد يوم من لقاء زعيمي الهند والصين من غير المرجح أن تثني نيودلهي عن خططها لفرض الرسوم الجمركية على الصلب، لأنها ليست إجراءات خاصة بكل دولة.

وتكافح مصانع الصلب الهندية في ثاني أكبر منتج للصلب الخام في العالم تدفق الواردات الرخيصة، وخاصة تلك القادمة من الصين، والتي بلغت أعلى مستوى لها في سبع سنوات خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى أغسطس (آب) الماضيين.

وأثار ارتفاع صادرات الصلب الصينية شكاوى من عدد متزايد من الدول، حيث فرضت بعضها، مثل تركيا وإندونيسيا، رسوم إغراق، قائلة إن تدفق الصلب الصيني الرخيص يضر بالمصنعين المحليين.

وفي الأسبوع الماضي، ذكرت وكالة رويترز أن وزارة الصلب الهندية تدعم فرض تعريفة مؤقتة أو «رسوم وقائية»، وهو إجراء واسع النطاق يشمل أيضا الدول التي أبرمت معها الدولة الواقعة في جنوب آسيا اتفاقيات تجارة حرة.

ولكن بعد يوم من عقد رئيس الوزراء ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ أول محادثات رسمية بينهما منذ خمس سنوات على هامش قمة مجموعة البريكس في روسيا، قال المصدر إن تحسين العلاقات لم يؤد إلى تغيير في خطة التعريفة.

وأضاف المصدر، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، لأن المداولات غير علنية، «إذا تم طرح الرسوم، فسوف تكون ضد الجميع، جميع البلدان. ​​والرسوم الوقائية ليست موجهة ضد أي دولة بعينها». وأضاف المصدر أن اتخاذ قرار بشأن خطة فرض مثل هذه التعريفة سيستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

ولم يستجب المتحدثون باسم وزارتي الصلب والمالية في الهند على الفور لرسالة بريد إلكتروني من «رويترز» لطلب التعليق.

وحول النمو الاقتصادي السريع وزيادة الإنفاق على البنية الأساسية الهند إلى نقطة ساخنة عالمية لنمو الطلب على الصلب مع بقاء الأسواق ضعيفة في أوروبا والولايات المتحدة. وكانت نيودلهي مستوردا صافيا منذ السنة المالية الماضية.

وأثار كبار منتجي الصلب في الهند، مثل «جيه إس دبليو ستيل» و«تاتا ستيل» و«أرسيلور ميتال نيبون ستيل إنديا»، مخاوف بشأن الواردات الأرخص من الصين.

طاقة الرياح

وفي مسألة أخرى منفصلة تتعلق بالمنافسة الصينية، قال وزير المناخ والطاقة الدنماركي يوم الخميس إن الدنمارك ستسعى إلى التوصل إلى نهج مشترك للاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع المنافسة الصينية المتزايدة في سوق طاقة الرياح الأوروبية.

وتهيمن شركتا تصنيع توربينات الرياح المحليتان «فيستاس» و«سيمنس» على سوق توربينات الرياح الأوروبية، لكن شركات تصنيع التوربينات الصينية اكتسبت زخما في المنطقة مؤخرا، ما أضاف إلى المخاوف في صناعة الاتحاد الأوروبي من أنها تواجه تهديدا وجوديا.

وقال وزير الطاقة والمناخ الدنماركي لارس أغارد لـ«رويترز»: «بالنسبة لي كوزير دنماركي، ومع الدور الذي تلعبه صناعة توربينات الرياح في بلدنا، فأنا بالطبع قلق بشأن ما إذا كانت الشركات المصنعة الأوروبية تتفوق عليها المساعدات الحكومية بطريقة غير عادلة».

وكان يتحدث قبل اجتماع بين وزراء الطاقة من دول بحر الشمال ومفوضية الاتحاد الأوروبي وقادة الصناعة لمناقشة التحديات الحالية في تلبية أهدافهم الطموحة. وقال أغارد في إشارة إلى زيادة المنافسة الصينية: «من المهم أن نحصل على بعض الإجابات الأوروبية المشتركة، لأنه تحدٍّ سيكون من الصعب للغاية التعامل معه على المستوى الوطني».

وفي أبريل (نيسان)، قال الاتحاد الأوروبي إنه سيحقق في الإعانات التي يتلقاها الموردون الصينيون لتوربينات الرياح المخصصة لأوروبا، وهي خطوة تهدف إلى حماية الشركات المحلية من منتجات التكنولوجيا النظيفة الرخيصة.

وفي العام الماضي، تعهدت دول بحر الشمال ببناء 120 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية بحلول عام 2030، وما لا يقل عن 300 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية في بحر الشمال بحلول عام 2050، أي ما يعادل حوالي 20 ألف توربين رياح بحرية.

ووفقًا لبيانات من مجموعة الصناعة «وينديوروب»، فإن أوروبا بأكملها لديها اليوم 35 غيغاواط من الطاقة البحرية المثبتة. وقال أغارد إنه «من الجيد أن يكون لدينا أهداف طموحة»، لكنه أقر بأن هذه الأهداف تم تحديدها في وقت انخفضت فيه تكاليف بناء طاقة الرياح البحرية.


مقالات ذات صلة

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

الاقتصاد باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

حذَّر تقييم أممي من أن صراع الشرق الأوسط قد يكبد المنطقة العربية خسائر تصل لـ194 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يملأ سيارته بالبنزين في محطة وقود بلندن (أ.ب)

وزراء «السبع» يتعهدون باتخاذ «تدابير ضرورية» لضمان استقرار أسواق الطاقة

أعلن وزراء طاقة ومالية دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية التزام المجموعة الكامل باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان استقرار أسواق الطاقة وأمنها.

الاقتصاد محطة وقود في لندن (أ.ب)

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
TT

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وفق ما كشفت عنه صحيفة «فاينانشال تايمز». وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدول لبيع هذه الأصول السيادية لدعم اقتصاداتها وحماية عملاتها المحلية من الانهيار في أعقاب اندلاع الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أن قيمة السندات التي تحتفظ بها المؤسسات الرسمية الدولية -وهي مجموعة تضم بشكل أساسي البنوك المركزية والحكومات- تراجعت بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 فبراير (شباط) الماضي، لتستقر عند 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا التراجع الحاد، الذي حدث خلال شهر واحد فقط منذ بدء الحرب، حجم الاضطراب الذي أصاب الموارد المالية للدول المعتمدة على استيراد النفط، نتيجة لقفزة أسعار الطاقة التي أشعلها إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي.

فاتورة الطاقة والتدخل في العملات

أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط وصعود الدولار على نطاق واسع إلى وضع البنوك المركزية أمام خيار وحيد: التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي عملية تتطلّب عادةً تسييل السندات الأميركية للحصول على السيولة الدولارية. وقالت استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»، ميغان سويبر: «القطاع الرسمي الأجنبي يبيع سندات الخزانة بشكل مكثف».

من جانبه، أوضح الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن مستوردي النفط مثل تركيا والهند وتايلاند هم على الأرجح في طليعة البائعين، حيث يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر مقابل النفط المقوم بالدولار. وتُظهر البيانات الرسمية أن البنك المركزي التركي وحده باع 22 مليار دولار من الأوراق المالية الحكومية الأجنبية من احتياطياته منذ 27 فبراير، وهو اليوم الذي سبق الهجمات على إيران، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات كان من سندات الخزانة الأميركية.

تحصين «خزائن الحرب»

يرى محللون أن هذه الدول لا ترغب في رؤية عملاتها تضعف أكثر، لأن ذلك يرفع السعر المحلي للنفط، مما يفرض إما زيادة الدعم الحكومي وإما إلحاق ضرر بالغ بالأسر. وفي هذا السياق، رأى كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «آيغون» لإدارة الأصول، ستيفن جونز، أن البيانات تشير إلى قيام الجهات الرسمية الأجنبية بـ«تحصين خزائن الحرب» من خلال تسييل السندات للحصول على نقد عاجل لمواجهة التقلبات.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين أشاروا إلى أن هذه الحيازات قد تكون انتقلت إلى وسطاء آخرين خارج «فيدرالي نيويورك»، فإن ميغان سويبر أكدت أن حجم المبيعات المسجل يظل لافتاً، خصوصاً أن سوق سندات الخزانة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد آخر مرة مستويات مماثلة من البيع.

ضغوط إضافية على السوق الأميركية

تأتي مبيعات البنوك المركزية في وقت حساس تعاني فيه سوق السندات الأميركية أصلاً من ضغوط بيعية، حيث يتخوّف المتداولون من أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأجيج التضخم عالمياً. وقد دفع هذا الضغط العوائد على السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى الارتفاع خلال هذا الشهر بأكبر وتيرة لها منذ عام 2024، مما رفع تكاليف الاقتراض ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للشركات والأسر أيضاً.

وتختتم «فاينانشال تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الحركة تعكس قصة أكبر بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، وهي سعي مديري الاحتياطيات الأجنبية والحسابات الرسمية إلى تنويع أصولهم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل المستثمرين القطاع الخاص الأجنبي يلعب دوراً متزايد الأهمية في هذه السوق التي تعد الأكبر والأعمق في العالم بقيمة 30 تريليون دولار.


«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

في تقييم هو الأكثر قتامة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في المنطقة، حذَّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، الذي يدخل أسبوعه الخامس، يضع المسار التنموي للمنطقة العربية في مواجهة مخاطر غير مسبوقة. فبحسب تقديرات حديثة صادرة عن البرنامج، لن تقتصر التداعيات العسكرية على مناطق النزاع المباشر، بل ستمتد لتمحو مكاسب تنموية تحققت بشق الأنفس، مهددة بابتلاع إجمالي النمو الذي حققته المنطقة في عام 2025 بالكامل. وتُشير هذه التقديرات إلى أن التصعيد قد يُكبّد اقتصادات المنطقة العربية خسائر هائلة تتراوح قيمتها بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، ما يعادل خسارة بنسبة 3.7 في المائة إلى 6.0 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي.

هذا النزيف المالي يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة يناهز 4 نقاط مئوية، ما يترجم فعلياً إلى فقدان 3.6 مليون وظيفة؛ وهو عدد يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة العربية خلال عام 2025 بأكمله.

وكشف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية»، عن واقع مقلق لنقاط الضعف الهيكلية التي تتسم بها المنطقة؛ حيث إن تصعيداً عسكرياً قصير الأمد يمكن أن يُحدث تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة وواسعة النطاق، قد يستمر تأثيرها على المدى الطويل.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن في خورفكان بإمارة الشارقة قبالة ساحل خليج عُمان (أ.ف.ب)

شرايين الطاقة المختنقة

يحلل التقييم الفني أثر النزاع العسكري على حركة الملاحة الإقليمية، معتبراً أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية يمثل «قناة الانتقال الرئيسية» للأزمة الاقتصادية. ويأتي مضيق هرمز كأبرز نقاط الاختناق، حيث يشير التقرير إلى أن المضيق - الذي يعبر من خلاله 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية - قد دخل حالة «إغلاق فعلي»، مما خلق صدمة هيكلية عطلت تدفقات الطاقة والسلع الأساسية، ودفع أسعار النفط لقفزات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

ووفقاً لنماذج المحاكاة التي اعتمدها التقرير في سيناريو «الاضطراب الشديد المصحوب بصدمة الطاقة»، فإن استمرار إغلاق أو تعثر هذه الممرات المائية الحيوية سيؤدي إلى قفزة جنونية في التكاليف التجارية تصل إلى 100 ضعف. هذا الشلل اللوجيستي أجبر الموردين على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن مناطق النزاع، مما أدَّى لتقليص هوامش الربح في القطاعات الإنتاجية.

وحذَّر البرنامج من أنَّ هذا التعطُّل بات يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي الإقليمي وسلاسل إمداد الأدوية، خاصة في الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد عبر هذه الممرات المضطربة.

مبنى تضرر جراء هجوم بطائرة إيرانية مسيَّرة في المنامة البحرين (رويترز)

الخليج ومنطقة المشرق في مواجهة الصدمة

تُبرز النتائج أن التداعيات ليست متجانسة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ عبر أرجاء المنطقة نظراً للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية. وتشير التقديرات إلى أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق.

وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تشير محاكاة السيناريوهات الأكثر حدة إلى احتمال فقدان ما بين 5.2 في المائة إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على هذه النماذج التقديرية، حذَّر التقرير من خطر فقدان ما يصل إلى 3.1 مليون وظيفة، بسبب توقف الإنتاجية في حال استمرار التصعيد العسكري.

أما في منطقة المشرق (لبنان، والأردن، والعراق، وسوريا)، فإن الأثر يتجاوز الأرقام ليصبح كارثة إنسانية بامتياز. إذ أشار التقييم إلى أن هذه المنطقة هي بؤرة الفقر الجديدة، حيث سيُدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المائة من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

وفي لبنان، يحذِّر برنامج الأمم المتحدة في تقييمه من «انهيار صامت» يطال اللاجئين والنازحين مع انقطاع سلاسل الإغاثة، وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والصحة التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.

متطوعون في مبادرة «مطبخ الطوارئ» يعدون وجبات طعام للنازحين في لبنان (أ.ف.ب)

العودة إلى الوراء

على امتداد المنطقة، يُتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية - كما يقيسه مؤشر التنمية البشرية - بنسبة تتراوح تقريباً بين 0.2 و0.4 في المائة، وهو ما يعادل انتكاسة تعادل نحو نصف عام إلى عام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية.

مخاطر الاستقرار النقدي

حذَّر التقييم الفني من أن استمرار الأزمة يضع الاستقرار النقدي في المنطقة العربية على المحك. وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على العملات المحلية في دول المشرق وشمال أفريقيا قد تضطر المصارف المركزية - في حال تفاقم التضخم المستورد - إلى اللجوء لخيارات صعبة، منها رفع أسعار الفائدة. وينبه إلى أن هذا المسار، رغم كونه أداة لمواجهة التضخم، سيزيد من أعباء خدمة الديون السيادية، مما قد يقلِّص مستقبلاً قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية والبرامج التنموية.

نزيف الأجواء

سجَّل التقييم اضطراباً حادَّاً في قطاع الطيران المدني واللوجيستيات الجوية، حيث أدَّى إغلاق بعض الأجواء وتحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع إلى قفزة في تكاليف التشغيل. وأكَّد التقرير أن هذه التعقيدات تسببت في نزيف حاد لقطاع السياحة الإقليمي، الذي يمثل ركيزة أساسية لتنويع الدخل في دول مثل الأردن ومصر ودول الخليج، مما يهدِّد بفقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع الحيوي.

كرسي فارغ بجوار لوحة مغادرة تُظهر إلغاء رحلة تابعة للخطوط الجوية الكويتية (رويترز)

ضرورة تغيير السياسات الاستراتيجية

وفي تقديمه للتقييم، قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري: «هذه الأزمة تدق أجراس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري؛ إذ تُمثّل نقطة تحولٍ مهمة في المسار التنموي للمنطقة». وأضاف: «تُبرز النتائج التي توصلنا إليها الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات - بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات - وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين النظم التجارية واللوجيستية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من التعرض للصدمات والنزاعات».


طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
TT

طوكيو تُصنّف هبوط الين «مضاربة» وتتأهب للتدخل... وعوائد السندات تتراجع

لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)
لوحة إلكترونية تعرض أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي واليورو والدولار الأسترالي (رويترز)

وصفت السلطات اليابانية، الثلاثاء، انخفاض الين بأنه ناتج عن «تحركات مضاربة» للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، في تحول لافت يعكس قلق صانعي السياسة من تدهور العملة.

وكررت وزيرة المالية، ساتسوكي كتاياما، استعداد طوكيو للتحرك «على كافة الجبهات» لمواجهة التقلبات الحادة، خاصة مع اقتراب الين من مستوى 160 للدولار، وهو الخط الأحمر الذي يراه المراقبون حافزاً للتدخل المباشر.

ويرى المحللون أن هذا التصعيد في النبرة يهدف إلى كبح جماح البائعين على المكشوف، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً «مزدوجة» ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، وزيادة تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين، مما يضع الاقتصاد الياباني الهش أمام مخاطر تضخمية متزايدة.

انتعاش السندات ومزاد ناجح

على مقلب آخر من الأسواق، شهدت السندات الحكومية اليابانية انتعاشاً ملموساً، الثلاثاء، مدعومة بطلب قوي في مزاد للأوراق المالية لأجل عامين. وانخفض العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 2.340 في المائة، متراجعاً عن ذروته التي سجلها، الاثنين، والتي كانت الأعلى منذ فبراير (شباط) 1999.

وأظهرت بيانات المزاد أن نسبة التغطية بلغت 3.54 مرة، مما يعكس رغبة المستثمرين في اقتناص العوائد الحالية وسط حالة من اليقين بشأن وتيرة رفع الفائدة المستقبلية.

في الوقت ذاته، سجلت السندات طويلة الأجل (20 و30 و40 عاماً) تراجعات ملحوظة في العوائد، مما يشير إلى إعادة تقييم الأسواق لمخاطر الركود العالمي الناتجة عن استمرار النزاعات الجيوسياسية.

معضلة البنك المركزي وقرار أبريل

وعلى الرغم من البيانات التي أظهرت تباطؤ تضخم الأسعار في طوكيو خلال مارس (آذار) إلى 1.7 في المائة - أي دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة - إلا أن الخبراء في «باركليز» و«نومورا» يتوقعون أن يكون هذا التباطؤ مؤقتاً.

ويرى المحللون أن البنك المركزي الياباني سيضطر للمضي قدماً في رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أبريل (نيسان) المقبل، لمواجهة «الصدمة الثانية» الناتجة عن طفرة أسعار الطاقة وتحول الشركات اليابانية نحو تمرير التكاليف إلى المستهلكين بشكل أكثر جرأة.

وخلص خبراء الاقتصاد إلى أن اليابان باتت أكثر عرضة للتأثيرات الثانوية للتضخم مقارنة بفترة حرب أوكرانيا 2022، مما يضع بنك اليابان أمام خيار صعب: إما رفع الفائدة لمحاربة التضخم وحماية العملة، أو التريث لتجنب الإضرار بالنمو الاقتصادي المتعثر أصلاً تحت وطأة فاتورة الطاقة الباهظة.