مصر ترحّل هدف «الـ30 مليون سائح» إلى 2031

وزير السياحة والآثار قال إن صراعات المنطقة أثّرت على «الخطط الطموحة»

مصر تتمتّع بتنوّع لافت في منتجاتها السياحية (الشرق الأوسط)
مصر تتمتّع بتنوّع لافت في منتجاتها السياحية (الشرق الأوسط)
TT

مصر ترحّل هدف «الـ30 مليون سائح» إلى 2031

مصر تتمتّع بتنوّع لافت في منتجاتها السياحية (الشرق الأوسط)
مصر تتمتّع بتنوّع لافت في منتجاتها السياحية (الشرق الأوسط)

استبعد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الوصول إلى هدف «30 مليون سائح سنوياً» بحلول عام 2028، وتوقّع فتحي، خلال لقاء جمعه بصحافيين مصريين وأجانب في مقر المتحف القومي للحضارة المصرية بالقاهرة، مساء الثلاثاء، الوصول إلى «هذا الهدف بحلول عام 2031 إذا لم تحدث متغيرات جيوسياسية جديدة بالمنطقة»، وفق تعبيره.

وقال إن الإستراتيجية الذي أعلنتها الحكومة المصرية خلال الفترة الماضية كانت طَموحة للغاية، ولم تضع في حسبانها الأزمات السياسية والعسكرية التي أثّرت تداعياتها على دول المنطقة والعالم.

وبرغم ذلك توقع الوزير الذي لفت إلى أن مصر تمتلك نحو ثُلث آثار العالم، أن يشهد العام الحالي زيادة في أعداد السائحين القادمين إلى مصر، ليكون 15.2 مليون سائح في 2024، مقارنةً بـ14.906 مليون سائح عام 2023.

وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي (الشرق الأوسط)

وأكّد فتحي استمرار حكومة بلاده في العمل ببرنامج تحفيز الطيران؛ لتشجيع شركات السياحة على جلب السائحين إلى مصر، مشيراً إلى أن الدعم الذي تقدّمه الحكومة أسفر عن متغيّرات إيجابية، حيث توضح التقديرات الرسمية أن كل دولار تم إنفاقه ضمن هذا البرنامج أسفر عن عائد يقدَّر بـ70 دولاراً.

وقال إنه سيتم الإعلان عن حزمة تحفيز أعلى إلى الأقصر وأسوان خلال الصيف المقبل، مضيفاً أن «حزمة التحفيز التي تم إطلاقها إلى شرم الشيخ خلال العام الحالي رفعت نسبة السياحة بالمدينة إلى 5 في المائة».

وكانت وزارة السياحة والآثار قد أعلنت في بداية شهر يوليو (تموز) الماضي، أن إجمالي أعداد السائحين الوافدين لمصر خلال النصف الأول من العام الجاري بلغ 7.069 مليون سائح، وهو ما يماثل تقريباً الرقم القياسي التاريخي الذي حققَته السياحة في مصر بأعداد السائحين الوافدين خلال الفترة نفسها من عام 2023 والتي بلغت 7.062 مليون سائح.

كما شهدت أعداد الليالي السياحية نمواً خلال النصف الأول من العام الحالي، حيث بلغت 70.2 مليون ليلة سياحية، لتتجاوز بذلك المستويات القياسية السابقة، وهو ما انعكس بالإيجاب على النسب التقديرية للإيرادات السياحية، حيث حققت مبلغ 6.6 مليار دولار، مقارنةً بمبلغ 6.3 مليار دولار خلال الفترة من عام 2023.

مصر تتوقع زيادة أعداد السائحين خلال العام الحالي (الشرق الأوسط)

وقال شريف فتحي، الثلاثاء، إن بلاده تهدف لأن تكون الدولة رقم 1 في التنوع السياحي؛ لما تمتلكه من مقومات ومقاصد متعددة.

وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت العام الماضي عن خطة للوصول إلى 30 مليون سائح خلال 5 سنوات، مع مضاعفة عدد الغرف الفندقية بالبلاد.

وبسؤال «الشرق الأوسط» حول تعامل الوزير مع ملف الطيران الذي يمتلك فيه خبرات سابقة، لا سيما وأنه شغل منصب وزير الطيران بين عامَي 2016 و2018، قال إنه «يعمل على حل المشكلات العالقة التي تحُول دون نقل السائحين إلى مصر»، وأنه «يرحّب بتشغيل خطوط إضافية جديدة من أي وجهة إلى المطارات المصرية، بالإضافة إلى التعاون مع الخطوط العالمية لاجتذاب السائحين إلى بلاده».

وكشف عن نيته زيارة المملكة العربية السعودية خلال الفترة المقبلة؛ لبحث تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات السياحة والآثار، وقال إن ما يربط مصر بالسعودية أكثر بكثير من برامج التبادل السياحي. وأشار إلى تعاون وزارته مع الجانب السعودي في عدة مجالات، من بينها سياحة اليخوت.

وأشاد فتحي بالمستوى السياحي للساحل الشمالي الذي اجتذب سائحين وزوّاراً من 104 دول مختلفة خلال العام الحالي. وقال إنها منطقة واعدة للغاية، وتحافظ على السياحة ذات الإنفاق المرتفع، مؤكداً أن «هذا لا يعيبها» وفق وصفه. وكشف أنه يوجد طلب متزايد على زيارة العلمين الجديدة، متوقعاً توسعة مطارها خلال العامين المقبلين؛ لمواكبة زيادة أعداد السائحين.

ولفت إلى أن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تركيا ستُحدث زخماً كبيراً، وأنه يمكن الاستفادة من ثقل خطوط الطيران التركية في نقل السائحين إلى مصر عبر إسطنبول.

ورَهن فتحي تحسّن وضع السياحة في مصر بتحسّن الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من اضطرابات متسارعة.

جانب من لقاء فتحي مع صحافيين بمتحف الحضارة (الشرق الأوسط)

واستبعد وزير السياحة والآثار اكتمال خطة مضاعفة الغرف الفندقية خلال الـ5 سنوات المقبلة التي تنتهي في عام 2028، بسبب الأحداث الجيوسياسية التي تحدث في العالم، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط.

وقال إن الوزارة تدرس منح تراخيص لبعض أصحاب المنازل في المناطق السياحية، مثل الأقصر وأسوان ونزلة السمان بالجيزة، تُتيح لهم تأجير غرف في منازلهم للسياح، بشرط توافر النظافة والأمن والسلامة، مشيراً إلى أن مدينة سفنكس المزمع إنشاؤها التي سوف تمتد من مطار «سفنكس» وحتى الأهرامات (غرب القاهرة) سوف تكون مهمة للغاية.

وقال إن المنطقة الترفيهية في أهرامات الجيزة سيتم افتتاحها قريباً، وستُتيح زيارة المنطقة التاريخية ليلاً، كما يجري العمل على تحسين تجربة زيارة أهرامات الجيزة، حيث تم تحديد مواقع وجود أصحاب الجِمال والخيل.

وكان الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، قال في تصريحات سابقة، إن هناك مشكلة تتعلق بالطيران وانتقال السياح إلى مصر: «نحن نحتاج إلى زيادة الطيران الاقتصادي أو الأقل تكلفةً؛ لأن 95 في المائة من السياحة الوافدة إلى مصر تأتي عبر الطيران».

وكشف مدبولي عن استهداف الحكومة زيادة ورفع كفاءة أسطول الطائرات التابعة لشركة مصر للطيران، والشركات التابعة التي نطلق عليها الطيران منخفض التكلفة مثل «إير كايرو»، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على الدخول والمنافسة، والاستثمار في هذا النوع من الطيران، عبر إعطاء حوافز للشركات العالمية والدولية صاحبة الطيران منخفض التكلفة لتأتي إلى مصر، ويكون لها برامج مستمرة.

مصر تتمتّع بتنوّع لافت في منتجاتها السياحية (الشرق الأوسط)

ووفق مدبولي فإن عدد الغرف السياحية في مصر حالياً لا يستوعب أكثر من 18 إلى 19 مليون سائح، وهذا تحدٍّ كبير يعملون على حلّه، عبر استهداف إضافة مزيد من الغرف الفندقية لاستيعاب الزيادة المستهدفة من السياح.

وتأمل مصر في زيادة عائدات قطاع السياحة لتصل إلى 30 مليار دولار سنوياً، عبر تنويع المنتج السياحي، بين ديني وعلاجي وثقافي وشاطئي، بعدما قفزت إيراداتها من السياحة خلال العام المالي (2022 - 2023) إلى 13.6 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

اقتصاد مصر ينمو بمعدل 5.3 % خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي

الاقتصاد بنايات على نيل القاهرة التي جذبت عدداً كبيراً من السائحين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

اقتصاد مصر ينمو بمعدل 5.3 % خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي

أعلنت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أن اقتصاد البلاد سجّل نمواً بنسبة 5.3 في المائة، خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي (من أكتوبر حتى ديسمبر 2025).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سياح روس يستعدون للصعود على متن رحلة في مطار خوسيه مارتي الدولي بهافانا 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

واشنطن تُحكم قبضتها على مصادر كوبا من العملات الصعبة

يزداد الضغط الأميركي لخفض تدفقات العملات الأجنبية إلى كوبا إذ تعيد دول عدة النظر في اتفاقيات استقبال الأطباء الكوبيين تحت ضغط واشنطن

«الشرق الأوسط» (هافانا)
يوميات الشرق يتميّز تصميم المركز بطابع معماري معاصر يستند إلى مفهوم «الكتل الضخمة» (واس)

بدء الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية في القدية

بدأت الأعمال الإنشائية لمركز الفنون الأدائية بمدينة القدية (جنوب غرب الرياض)، في خطوة مهمة ضمن مسيرة تطوير المدينة بوصفها وجهة للترفيه والرياضة والثقافة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا صورة من أمام مبنى وزارة الخارجية والشؤون الأوروبية الفرنسية في باريس (رويترز- أرشيفية)

باريس تتواصل مع تشاد بعد اختفاء مواطن فرنسي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، إن باريس على اتصال وثيق مع السلطات التشادية بعد اختفاء مواطن فرنسي في تشاد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

يمثل المهرجان منصة بارزة لدعم السياحة، وتعزيز التبادل الثقافي من خلال عروض فنية شعبية تبرز ثراء التراث المصري والعالمي، وتؤكد مكانة أسوان مركزاً للتلاقي الحضاري

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

حددت واشنطن يومي الرابع عشر والخامس عشر من مارس (آذار) المقبل موعداً لانعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي» (IPEM) في العاصمة اليابانية طوكيو.

ويأتي هذا الإعلان، الذي كشفت عنه السفارة الأميركية يوم الأحد، ليمهد الطريق لتعاون استراتيجي واسع بين واشنطن وحلفائها الإقليميين؛ حيث يسعى «المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة» من خلال هذا الحدث إلى بناء جسور جديدة للتعاون في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم.

وتهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال هذه القمة إلى تعزيز أمن الطاقة عبر شراكات موثوقة ومستدامة، تضمن استقرار سلاسل التوريد، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمارات المشتركة، بما يواكب الطموحات الاقتصادية لدول المنطقة، ويؤسس لمستقبل طاقي أكثر أماناً وازدهاراً.

وأوضح بيان صادر عن السفارة الأميركية في طوكيو، أن الشهر المقبل سيشهد وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى طوكيو، يضم أركان «عقيدة الطاقة» في إدارة ترمب؛ حيث يترأس الوفد وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة، دوج بورغوم، ويرافقه وزير الطاقة ونائب رئيس المجلس كريس رايت، بالإضافة إلى مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين.

ومن المقرر أن يعقد هؤلاء المسؤولون لقاءات مكثفة مع ممثلي ما يقرب من 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتركز حول صياغة رؤية مشتركة لأمن الطاقة، تتوافق مع أهداف الأمن القومي الأميركي والحلفاء.

ويُعد هذا المنتدى ثمرة تعاون استراتيجي تشارك في استضافته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) والمجلس الوطني للهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة، وبدعم من وكالة التجارة والتنمية الأميركية، ووزارات «الخارجية» و«التجارة» و«الداخلية».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مؤتمر صحافي في مكتب رئيس الوزراء في طوكيو (أ.ب)

برنامج المنتدى ومساراته الاستراتيجية

وتتمحور أجندة المنتدى حول دمج مفاهيم الأمن القومي بأمن الطاقة، من خلال جدول أعمال مكثف يمتد ليومين، يهدف إلى تحويل الحوارات السياسية إلى مشروعات استثمارية ملموسة.

وتنقسم الأجندة إلى مسارات متوازية تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على بناء سلاسل إمداد مرنة وموثوقة بعيداً عن الاعتماد على القوى المنافسة:

يركز المسار الأول من الأجندة على تأمين سلاسل التوريد وتقنيات الطاقة النظيفة، لضمان استمرارية تدفق موارد الطاقة والتقنيات الحيوية. ويهدف النقاش إلى استكشاف سُبل حماية المسارات البحرية والبرية للإمدادات، مع التركيز على «تقنيات الطاقة الموثوقة» التي تضمن للدول الحليفة استقلالاً ذاتياً، بما في ذلك تطوير الهيدروجين، والطاقة النووية المتقدمة، وتقنيات التقاط الكربون، بوصفها حلولاً تضمن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في آنٍ واحد.

وفي المسار الثاني المتعلق بفتح آفاق الاستثمار وتمويل البنية التحتية، تُخصص الأجندة مساحة واسعة لربط صناديق الاستثمار بمشروعات الطاقة الكبرى. والهدف هو إيجاد آليات تمويل مبتكرة تكسر حواجز المخاطر، ما يُشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس الأموال في مشروعات الربط الكهربائي ومحطات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح المنطقة وجهة جاذبة للاستثمارات الأميركية واليابانية المباشرة.

أما الجلسات المغلقة، فستبحث التعاون الوزاري وتوحيد المعايير السيادية؛ حيث يجتمع الوزراء لصياغة معايير مشتركة لـ«حوكمة الطاقة» تتماشى مع «عقيدة الهيمنة» التي تروج لها واشنطن، بما يضمن منع استخدام الطاقة بوصفها أداة للابتزاز السياسي.

ولا تقتصر الأجندة على الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل «رأس المال البشري». ويركز هذا المحور على برامج التدريب والتعاون التقني لنقل الخبرات من الولايات المتحدة واليابان إلى الدول النامية في المحيطين الهندي والهادي. ويهدف هذا التوجه إلى إيجاد جيل من المهندسين والخبراء القادرين على إدارة منشآت الطاقة الحديثة، ما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى، ويضمن ولاءً تقنياً واقتصادياً للمحور الغربي.

وعلى الرغم من الطابع التعاوني للمنتدى، فإنه ينعقد وسط تحديات جيوسياسية واضحة وتدابير معقدة في سوق الطاقة، لعل أبرزها ملف الغاز الروسي. فمن المتوقع أن يلقي هذا الملف بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد أن كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد أبلغت ترمب في وقت سابق بصعوبة فرض حظر شامل على استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي، نظراً للاحتياجات الطاقية الملحة لليابان، وهو ما يجعل من قمة طوكيو المقبلة منصة حاسمة لمحاولة التوفيق بين متطلبات الهيمنة الأميركية على الطاقة والواقعية الاقتصادية للحلفاء الآسيويين.


خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

في تحرك استراتيجي سريع يهدف إلى احتواء تداعيات «الهزيمة القضائية» المدوية أمام المحكمة العليا، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة على الواردات الداخلة إلى الولايات المتحدة كافة، لتدخل حيز التنفيذ فوراً. وتأتي هذه الخطوة لتعويض نظام الرسوم السابق الذي أبطلته المحكمة، حيث استند البيت الأبيض هذه المرة إلى أدوات قانونية نادرة الاستخدام تهدف في جوهرها إلى شراء الوقت وإعادة ترتيب أوراق الإدارة التجارية في مواجهة الخصوم والحلفاء، على حد سواء.

لجأ ترمب في هذا المسار الجديد إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي أداة قانونية لم يسبق استخدامها لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق من قبل. وتمنح هذه المادة الرئيس الحق في فرض رسوم تصل إلى 15 في المائة لمعالجة العجز التجاري الكبير أو مشكلات ميزان المدفوعات، لكنها تأتي مع قيود زمنية صارمة؛ إذ لا تسري هذه الرسوم إلا لمدة 150 يوماً فقط، ما لم يوافق الكونغرس على تمديدها، وهو أمر يرى الخبراء أنه سيمثل تحدياً سياسياً كبيراً للإدارة.

تحولات مثيرة

وعلى الرغم من إعلان نسبة الـ15 في المائة الجديدة، فإن التقديرات الاقتصادية الصادرة عن مختبر الموازنة في جامعة ييل، تشير إلى تحولات مثيرة في معدل التعريفة الفعلي. فبينما كان هذا المعدل يصل إلى 16 في المائة قبل حكم المحكمة العليا، انهار ليصل إلى 9.1 في المائة فور صدور الحكم، ومن المتوقع أن يرتفع مجدداً ليستقر عند 13.7 في المائة بعد تطبيق الرسوم الجديدة. وهذا يعني أن الضغط الجمركي الحالي، رغم قوته، فإنه يظل أقل بكثير من ذروته في العام الماضي، حين بلغت الرسوم على الصين وحدها نحو 145 في المائة بموجب النظام الذي تم إبطاله، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

المستهلك الأميركي الأكثر تضرراً

أما على صعيد التكلفة والمعيشة، فقد كشفت التقارير عن أن المستهلك الأميركي لا يزال الطرف الأكثر تضرراً من هذه الحروب التجارية. إذ أكد بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك أن الشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة تحملوا أكثر من 90 في المائة من تكاليف الرسوم طوال عام 2025. وقد تجلى ذلك بوضوح في بيانات التضخم لشهر يناير (كانون الثاني)، التي أظهرت ارتفاعاً ملموساً في أسعار السلع المتأثرة بالرسوم، مثل الأجهزة المنزلية، والأثاث، والسيارات الجديدة؛ مما دفع بعض الشركات إلى تجميد التوظيف والاستثمارات؛ نتيجة حالة عدم اليقين السائدة.

وفي محاولة لتخفيف وطأة هذه الرسوم على الشركاء الاستراتيجيين، حافظ ترمب على مساحة للمناورة من خلال قائمة من الإعفاءات والاستثناءات. وتظل المنتجات المقبلة من كندا والمكسيك بمأمن تام بموجب اتفاقات التجارة الحرة القائمة، كما تشمل الاستثناءات السلع الضرورية للأمن القومي أو التي يصعب تصنيعها محلياً، بالإضافة إلى الأدوية، والمعادن الحرجة، والمنتجات الدفاعية، وذلك لضمان عدم تضرر القطاعات الحيوية داخل الولايات المتحدة.

وتمثل المادة 122 في نهاية المطاف مجرد بداية لاستراتيجية أوسع، حيث يخطط البيت الأبيض لاستخدام أدوات قانونية أكثر ديمومة في المستقبل القريب. ومن بين هذه الخيارات المادة 232 لفرض رسوم على قطاعات مُحدَّدة مثل الصلب والألمنيوم، والمادة 301 التي تتيح فرض رسوم دائمة في حال إثبات ممارسات تجارية غير عادلة. إن لجوء ترمب لهذا المسار القانوني غير المُختَبر هو بمثابة استراتيجية «شراء وقت» بامتياز، تهدف للحفاظ على زخم الضغوط التجارية العالمية ريثما يتم بناء إطار قانوني جديد يصمد أمام التحديات القضائية المرتقبة.


قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منعطفاً جديداً من الغموض والتعقيد، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية، القاضي بإبطال الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب. هذا الحكم، الذي وصفه مراقبون بأنه «ضربة قضائية» لاستراتيجية ترمب الاقتصادية، أعاد خلط الأوراق في التنافس المحموم بين أكبر اقتصادين في العالم، ووضع الجانبين أمام تحدي تجنب «حرب تجارية شاملة» قد تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي المهتز أصلاً.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير يعقد مؤتمراً صحافياً في البيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

انتصار قانوني لبكين

أدى قرار المحكمة العليا، بإسقاط التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب بموجب صلاحيات الطوارئ، إلى خلق حالة من عدم اليقين في الأوساط التجارية. ورغم أن هذا الحكم يبدو في ظاهره تعزيزاً لموقف الصين التفاوضي، فإن المحللين في واشنطن يحذرون من أن بكين ستتوخى الحذر الشديد في استغلال هذا الامتياز، وفق «أسوشييتد برس».

وترى سن يون، مديرة برنامج الصين في «مركز ستيمسون»، أن الحكم يمنح بكين «دفعة معنوية» في مفاوضاتها مع فريق ترمب قبيل القمة المرتقبة، لكنها تستدرك بأن الصينيين مستعدون لسيناريو ألا يتغيَّر شيء على أرض الواقع، نظراً لامتلاك ترمب بدائل قانونية أخرى لفرض رسوم جديدة.

غضب ترمب... والخطة «ب»

لم يتأخر رد فعل ترمب على الهزيمة القضائية؛ إذ أعرب عن غضبه الشديد، معلناً فوراً عن «خطة بديلة» تتضمَّن فرض تعريفة عالمية مؤقتة بنسبة 10 في المائة، ليعلن لاحقاً أنه ​سيرفع ‌الرسوم ⁠الجمركية ​العالمية المؤقتة على ⁠الواردات إلى 15 ⁠في المائة، بالتوازي مع البحث عن مسارات قانونية بديلة لإعادة فرض الضرائب الاستيرادية.

وفي خطاب مشحون بنبرة قومية، حمّل ترمب الصين مسؤولية التحديات التي تواجه الهيمنة الأميركية، قائلاً: «الصين حقَّقت مئات المليارات من الفوائض معنا. لقد أعادوا بناء جيشهم بأموالنا لأننا سمحنا بذلك». ورغم هجومه الحاد، فإن ترمب حرص على التأكيد على «علاقته الرائدة» مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، مشيراً إلى أن بكين باتت «تحترم الولايات المتحدة الآن».

قمة كسر الجمود

أكد البيت الأبيض أن ترمب سيتوجَّه إلى بكين في رحلة مرتقبة بين 31 مارس (آذار) و2 أبريل (نيسان) للقاء الرئيس شي جينبينغ. ووفقاً لخبراء في «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن الزعيم الصيني من غير المرجح أن «يتبجح» بقرار المحكمة العليا خلال لقاء ترمب، بل سيحاول بدلاً من ذلك تعزيز الرابط الشخصي مع الرئيس الأميركي.

الهدف الصيني من هذه الاستراتيجية هو تثبيت «هدنة تجارية» هشة تسمح لبكين بالحصول على تنازلات أمنية، وتمنحها حرية أكبر للمناورة في آسيا، مقابل تقديم ضمانات شراء لسلع أميركية أو تقديم تنازلات اقتصادية محدودة.

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ردود فعل دولية

لم يقتصر القلق من الحكم القضائي على واشنطن وبكين؛ بل امتد إلى شركاء تجاريين آخرين في آسيا وخارجها. إذ تترقب طوكيو بحذر تداعيات القرار، خصوصاً قبل زيارة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي المقررة لواشنطن في مارس. وتخشى اليابان، الحليف الاستراتيجي لأميركا، من أن يؤدي الغموض التجاري إلى مزيد من التدهور في علاقاتها المتوترة أصلاً مع بكين.

كما يرى دان كريتنبرينك، الشريك في «ذي آجيا غروب»، أن معظم الشركاء الآسيويين سيتصرفون بحذر، محاولين الحفاظ على الاتفاقات الحالية ريثما تتضح ملامح السياسة الأميركية الجديدة في الأسابيع المقبلة.

قانون التجارة... والتحقيقات النشطة

تشير ويندي كوتلر، نائبة رئيس «معهد سياسات جمعية آسيا»، إلى أن إدارة ترمب قد تلجأ إلى «تحقيقات نشطة» يجريها مكتب الممثل التجاري الأميركي حول مدى التزام الصين باتفاقات سابقة. إذا خلص التحقيق إلى أن الصين لم تفِ بالتزاماتها، فإن القانون الأميركي يمنح الرئيس الحق في فرض تعريفات جمركية دون الحاجة لقوانين الطوارئ التي أبطلتها المحكمة.

وبينما تحاول السفارة الصينية في واشنطن تهدئة الأجواء بالدعوة إلى «الاستقرار واليقين»، يبدو أن الساحة مهيأة لمرحلة من «عض الأصابع» السياسية. وبحسب غابرييل ويلداو، المدير المنتدب في مؤسسة «تينيو»، فإن بكين تدرك أن ترمب قادر على إعادة إنشاء التعريفات بصعوبات متواضعة، لكنها تأمل في إقناعه بخفضها مقابل تقديم «ضمانات شراء» ضخمة، أو تنازلات جيوسياسية.