شريف ينتزع تعهداً من شي بتحديث الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني

زار بكين عشية تقديم الموازنة وطلب الحصول على قرض جديد من صندوق النقد

الرئيس الصيني يرحب برئيس الوزراء الباكستاني في قاعة الشعب الكبرى في بكين (إ.ب.أ)
الرئيس الصيني يرحب برئيس الوزراء الباكستاني في قاعة الشعب الكبرى في بكين (إ.ب.أ)
TT

شريف ينتزع تعهداً من شي بتحديث الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني

الرئيس الصيني يرحب برئيس الوزراء الباكستاني في قاعة الشعب الكبرى في بكين (إ.ب.أ)
الرئيس الصيني يرحب برئيس الوزراء الباكستاني في قاعة الشعب الكبرى في بكين (إ.ب.أ)

جاءت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف للصين في توقيت مهم جداً، بالنسبة إلى إسلام آباد التي تبحث عن استثمارات أجنبية تساهم في تعزيز اقتصادها الهش، البالغ 350 مليار دولار. فقد حاول شريف رفع مستوى التعاون بين البلدين في إطار الممر الاقتصادي الصيني– الباكستاني الذي تبلغ تكلفته مليارات الدولارات، والذي يعد جزءاً رئيسياً من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، وقد نجح في الحصول على تعهد من الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي التقاه، بتحديث الممر وترقيته إلى مرحلته الثانية، بعدما أكد له ضمان سلامة العمال الصينيين في باكستان، بعد مقتل مهندسين صينيين في تفجير انتحاري، كانوا يعملون في مشروع لبناء سد بالبلاد.

كما اكتسبت زيارة شريف للصين أهمية خاصة؛ لأنها جاءت في وقت كانت فيه الحكومة الفيدرالية المنتخبة حديثاً على وشك تقديم موازنة السنة المالية المقبلة، والتقدم بطلب للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي.

وكان الاستثمار الصيني والدعم المالي لباكستان منذ عام 2013 بمثابة نعمة للاقتصاد المتعثر في الدولة الواقعة في جنوب آسيا، بما في ذلك تجديد القروض، حتى تتمكن إسلام آباد من تلبية احتياجات التمويل الخارجي في وقت تكون فيه احتياطياتها الأجنبية منخفضة للغاية.

ويعد الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني ذو الـ62 مليار دولار، عنصراً رئيسياً في مبادرة «الحزام والطريق» الطموحة للصين، وهي شبكة ضخمة من الطرق والجسور والمواني المنتشرة عبر ما يقرب من 100 دولة. وتم إطلاقه رسمياً في عام 2015، وشمل بناء ميناء بحري رئيسي ومحطات كهرباء وشبكات طرق، في جميع أنحاء الدولة الواقعة في جنوب آسيا.

قبل الزيارة، وافقت الحكومة الباكستانية على بناء قسم «Thakot-Raikot» بطول 241 كيلومتراً في كاراكوروم، بتكلفة ملياري دولار. ويتمتع هذا المشروع بأهمية خاصة، بسبب قدرته على إعطاء دفعة للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ولكن الأهم من ذلك هو الحاجة إلى إطلاق وتنفيذ المرحلة الثانية من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

وكانت لقاءات شريف في مختلف المدن الصينية تهدف إلى تطوير الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني. وخلال زيارته، التقى الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي أكد من جديد دعمه لجهود باكستان، لتصبح مركزاً إقليمياً للتجارة والتواصل.

وقال شي لشريف إن «الصين -كما هي الحال دائماً- ستدعم باكستان بحزم، وتحمي سيادتها الوطنية وسلامة أراضيها»، مضيفاً أن «الشراكة الاستراتيجية بين البلدين لها آفاق إنمائية واسعة». وأضاف أن البلدين يجب أن يركزا على «تعزيز البناء المشترك للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني». كما قال إن الصين ستساعد باكستان في تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.

وتعهد الجانبان بحماية مشروع الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني من «المنتقدين والخصوم».

والتقى شريف ورئيس مجلس الدولة لي تشيانغ، ووقَّعا 23 مذكرة تفاهم واتفاقات تعزز التعاون في البنية التحتية للنقل والصناعة والطاقة والزراعة والإعلام والصحة والمياه والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وغيرها من الأمور ذات الاهتمام المشترك.

بيان مشترك

وفق بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الصينية، ستعمل الدولة على تعزيز استثمارات الشركات الصينية في صناعة التعدين الباكستانية، وتعزيز التخطيط لمجمعات صناعة التعدين، بما في ذلك المعالجة العميقة للخامات.

وذكر البيان أن الصين ستعزز التعاون مع باكستان في مجالات، مثل موارد النفط والغاز البحرية والغاز الطبيعي، وستشجع الشركات الصينية على المشاركة في تطوير مناطق النفط والغاز البحرية في باكستان.

كما أشار إلى أن «الحكومة الباكستانية حددت 13 قطاعاً ذات أولوية لتعزيز الصناعة الموجهة للتصدير، وشجعت الشركات الصينية الكبرى في هذه القطاعات على القيام باستثمارات في باكستان».

وقال البيان: «أعرب الجانب الصيني عن استعداده لتعزيز التعاون مع باكستان، في مجالات مثل موارد النفط والغاز البحرية وهيدرات الغاز الطبيعي، والشركات الصينية، للمشاركة بنشاط في تطوير كتل النفط والغاز البحرية في باكستان».

وأوضح البيان أن الجانبين سينفذان تعاوناً عملياً لتحديث الزراعة في باكستان، في مجالات مثل تكنولوجيا البذور وزراعة المحاصيل والري بالتنقيط، والوقاية من الأمراض الحيوانية والنباتية، والسيطرة عليها.

وأضاف: «اتفق البلدان على تعزيز تطوير قناة المعلومات الرقمية الباكستانية الصينية، وتعزيز تكامل البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتطوير ممر الابتكار عبر باكستان»، وأن باكستان والصين اتفقتا أيضاً على إطلاق مرحلة جديدة من التعاون في مجال الطاقة، من خلال تحديث أنظمة الإنتاج والنقل والتوزيع، لتقليل خسائر الخطوط، وغيرها.

باكستان في منتصف أزمة الديون

من المتوقع أن تسعى حكومة شريف إلى الحصول على ما لا يقل عن 6 مليارات دولار، في إطار برنامج جديد لصندوق النقد الدولي، بعد أن تقدم موازنتها السنوية في الثاني عشر من الشهر الحالي. ومن المؤكد أن مبلغ 27 مليار دولار أو نحو ذلك الذي تدين به باكستان للصين، وفقاً لبيانات البنك الدولي، يشكل أهمية مركزية في جولة المناقشات مع الصندوق.

وفتح صندوق النقد الدولي في مايو (أيار) مناقشات بشأن القرض الجديد، بعد أن أكملت إسلام آباد برنامجاً قصير الأجل بقيمة 3 مليارات دولار، مما ساعد على تجنب التخلف عن سداد الديون السيادية الصيف الماضي.

وتدين باكستان للصين بنحو 13 في المائة من إجمالي ديونها، والتي تم الحصول عليها لدفع تكاليف مشاريع البنية التحتية على مر السنين، وأنواع أخرى من الإنفاق.

وقد أقرضت بكين إسلام آباد ما يقرب من ضعف ما أقرضته البنوك المتعددة الأطراف الثانية والثالثة، ومنها البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، اللذان تدين لهما باكستان بمبلغ 16.2 مليار دولار، و13.7 مليار دولار على التوالي.

كما استثمرت الشركات الصينية 14 مليار دولار أخرى في باكستان منذ الإعلان عن الممر الاقتصادي، حسبما تُظهر بيانات من معهد «أميركان إنتربرايز للأبحاث».

وقد قامت شركات الطاقة الصينية المملوكة للدولة بأغلب هذا الاستثمار، بتمويل محطات الوقود الأحفوري والطاقة النووية، فضلاً عن الطرق اللوجستية قيد الإنشاء التي تربط ميناء جوادار في بحر العرب بمنطقة شينجيانغ في شمال غربي الصين.


مقالات ذات صلة

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

خاص محطة تحلية الشعيبة (الهيئة السعودية للمياه)

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

ترتكز «الاستراتيجية الوطنية للمياه» في السعودية على تعزيز كفاءة القطاع واستدامته، عبر توسيع دور القطاع الخاص بوصفه أحد المحركات الرئيسة لرفع كفاءة الإنفاق.

دانه الدريس (الرياض)
خاص طارق العنقري نائب الرئيس الأول ورئيس شركة «لينوفو» في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا (تصوير: تركي العقيلي)

خاص «لينوفو» تختار الرياض منطلَقاً لعملياتها الإقليمية في المنطقة

افتتحت شركة «لينوفو» الصينية مقرها الإقليمي في الرياض، وذلك لتعزيز حضورها في المنطقة، وتعتزم التشغيل التجاري لمصنعها في النصف الثاني من عام 2026.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (روح السعودية)

طفرة في المشاريع السعودية بأكثر من 4 مليارات دولار في شهر واحد

كشفت إحصائية حديثة عن نشاط ملحوظ بقطاع المشاريع في السعودية خلال مارس مع ترسية 11 مشروعاً تجاوزت قيمتها الإجمالية 15 مليار ريال (4 مليارات دولار)

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)

السعودية: استثمارات الجبيل وينبع الصناعية تتجاوز 400 مليار دولار في 2025

ارتفع إجمالي حجم الاستثمارات في مدينتي الجبيل وينبع الصناعية السعودية إلى أكثر من 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)

من جازان إلى الأسواق العالمية... انطلاقة قوية لـ«مركز تطوير البُن السعودي»

أعلنت «الشركة السعودية للقهوة»، التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، تسلمها رسمياً إدارة «مركز تطوير البُن السعودي» في محافظة الدائر بمنطقة جازان.

بندر مسلم (الرياض)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.