آمال خفض الفائدة تتلاشى مع تشدد موقف «الفيدرالي» في مواجهة التضخم

مبنى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

آمال خفض الفائدة تتلاشى مع تشدد موقف «الفيدرالي» في مواجهة التضخم

مبنى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)

تتلاشى آمال خفض أسعار الفائدة هذا العام من قبل الاحتياطي الفيدرالي ببطء متزايد، مع سلسلة من التصريحات الأخيرة من قِبل مسؤولي «الفيدرالي» التي تؤكد نيتهم في الاحتفاظ بتكاليف الاقتراض مرتفعة ما دامت الحاجة إلى الحد من معدلات التضخم المرتفعة بشكل مستمر.

وأحد الأسباب الرئيسية لتأخير خفض الأسعار هو أن ضغوط التضخم التي يعانيها الاقتصاد يتم تشديدها بشكل كبير بواسطة القوى المتبقية من جائحة «كوفيد - 19»، بالنسبة إلى بنود تتراوح من إيجارات الشقق إلى التأمين على السيارات إلى أسعار المستشفيات. وعلى الرغم من أن مسؤولي «الفيدرالي» يقولون إنهم يتوقعون أن يهدأ التضخم في تلك المجالات في نهاية المطاف، فإنهم أشاروا إلى أنهم مستعدون للانتظار ما اقتضت الضرورة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ومع ذلك، فإن استعداد صنّاع السياسة للحفاظ على معدلهم الرئيسي عند أعلى مستوى له في عقدين من الزمان - مما يجعل التكاليف مؤلمة بالنسبة للرهن العقاري والقروض السيارات وأشكال الاقتراض الاستهلاكي الأخرى - يحمل مخاطره الخاصة.

وتتمثل مهمة «الفيدرالي» في العثور على توازن بين الحفاظ على معدلات عالية بما يكفي للتحكم في التضخم، لكن ليست عالية بما يكفي لتضرر سوق العمل. وبينما تظهر معظم التدابير أن النمو والتوظيف لا يزالان صحيين، بدأت بعض مؤشرات الاقتصاد في الكشف عن علامات على الضعف. وكلما زاد «الفيدرالي» معدله الرئيسي، زادت مخاطر انتقاله إلى دورة اقتصادية.

في الوقت نفسه، مع نتائج استطلاعات الرأي التي تظهر استياء الناخبين من ارتفاع تكاليف الإيجارات والمواد الغذائية والبنزين مع تصاعد الحملة الرئاسية، حاول دونالد ترمب بشكل واضح توجيه اللوم على زيادة الأسعار إلى الرئيس جو بايدن.

ورفع «الفيدرالي»، برئاسة جيروم باول، معدله الرئيسي بمقدار 5 نقاط في المائة من مارس (آذار) 2022 حتى يونيو (حزيران) 2023 - أسرع زيادة من هذا القبيل في أربعة عقود - لمحاولة تخفيض التضخم مرة أخرى إلى هدفه 2 في المائة. ووفقاً للمؤشر المفضل لدى «الفيدرالي»، انخفض التضخم من 7.1 في المائة في يونيو 2022 إلى 2.7 في المائة في مارس.

وأظهر المؤشر نفسه أن الأسعار اتسعت في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024؛ مما أفسد تباطؤ العام الماضي. ويتوقع المحللون يوم الجمعة أن تعلن الحكومة أن هذا المؤشر ارتفع 2.7 في المائة في أبريل (نيسان) مقارنة بالعام السابق.

وأشار مؤشر تضخم منفصل أصدرته الحكومة هذا الشهر إلى أن الأسعار قد تراجعت قليلاً في أبريل. ولكن مع استمرار التضخم فوق مستوى الهدف الذي حدده «الفيدرالي»، يتوقع متداولو «وول ستريت» الآن فقط خفضاً واحداً في معدل الفائدة هذا العام، في نوفمبر (تشرين الثاني). وحتى هذا القرار ليس بالأمر السهل، حيث يضع المستثمرون احتمالية قطع الفائدة في نوفمبر عند 63 في المائة، مقارنة بـ77 في المائة منذ أسبوع واحد.

وفي الأسبوع الماضي، أصبح الاقتصاديون في «غولدمان ساكس» أحدث المحللين الذين يتخلون عن فكرة خفض أسعار الفائدة في يوليو (تموز)، مؤخرين توقعاتهم لأول خفضين يتوقعونهما هذا العام إلى سبتمبر (أيلول). وأجرت «أكسفورد إيكونوميكس» دعوة مماثلة الشهر الماضي. ويتوقع «بنك أوف أميركا» خفضاً واحداً فقط في سعر الفائدة الفيدرالية هذا العام، في ديسمبر (كانون الأول). وقبل أشهر فقط، توقع الكثير من الاقتصاديين خفض سعر الفائدة لأول مرة في مارس من هذا العام.

وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، لوريتا ميستر هذا الشهر: «سنحتاج إلى جمع المزيد من البيانات على مدار الأشهر المقبلة للحصول على صورة أوضح لتوقعات التضخم. أعتقد الآن أن الأمر سيستغرق وقتاً أطول للوصول إلى هدفنا البالغ 2 في المائة مما كنت أعتقد سابقاً. (ميستر هي من بين 12 مسؤولاً يصوّتون على سياسة أسعار الفائدة الفيدرالية هذا العام).

ومع تراكم المزيد من البيانات، تظهر أيضاً بعض العلامات على تباطؤ الاقتصاد قليلاً. يتأخر المزيد من الأميركيين، وخاصة الشباب، عن سداد فواتير بطاقات الائتمان الخاصة بهم، على سبيل المثال، حيث تصل نسبة ديون البطاقات المتأخرة 90 يوماً أو أكثر إلى 10.7 في المائة في الربع الأول، وفقاً لفرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وهذه أعلى نسبة في 14 عاماً.

كما يتباطأ التوظيف، حيث تعلن الشركات عن عدد أقل من الوظائف الشاغرة، على الرغم من بقاء الإعلانات الوظيفية مرتفعة.

وتلجأ المزيد من الشركات، بما في ذلك «تارغيت» و«ماكدونالدز» و«برغر كنغ»، إلى تسليط الضوء على خفض الأسعار أو الصفقات الأرخص لمحاولة جذب المستهلكين الذين يعانون ضائقة مالية. ويمكن أن تساعد إجراءاتهم في خفض التضخم في الأشهر المقبلة. لكنها تسلط الضوء أيضاً على الصعوبات التي يواجهها الأميركيون ذوو الدخل المنخفض.

وقالت الخبيرة الاقتصادية السابقة في «الفيدرالي» الأميركي ورئيسة «ماكرو بوليسي بيرباكتيفز»، جوليا كورونادو: «هناك الكثير من العلامات التي تفيد بأن المستهلكين يفقدون بعض الزخم، وأن الطلب على التوظيف يتراجع. يمكن أن نرى المزيد من التباطؤ.»

لكن كورونادو وغيرها من الاقتصاديين يرون أيضاً أن الاتجاهات الأخيرة هي علامة على أن الاقتصاد قد يعود ببساطة إلى طبيعته بعد فترة من النمو السريع. لا تزال الشركات توظف، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر تواضعاً مقارنة ببداية العام. وتشير البيانات إلى أن الأميركيين سافروا بأعداد قياسية خلال عطلة نهاية الأسبوع بمناسبة يوم الذكرى، وهي علامة على ثقتهم في وضعهم المالي.

وهناك سبب واحد لبقاء التضخم أعلى من المستهدف من قِبل «الفيدرالي» هو أن التشوهات الناجمة عن الوباء لا تزال تحافظ على ارتفاع الأسعار في الكثير من المجالات حتى بعد أن تجاوزت أجزاء كثيرة من الاقتصاد الوباء.

وقفزت تكاليف الإسكان، بقيادة إيجارات الشقق، قبل عامين بعد أن سعى الكثير من الأميركيين إلى مساحة معيشة إضافية خلال الوباء. وتتباطأ تكاليف الإيجار الآن: فقد ارتفعت بنسبة 5.4 في المائة في أبريل على أساس سنوي، نزولاً من 8.8 في المائة قبل عام. لكنها لا تزال ترتفع بوتيرة أسرع مما كانت عليه قبل الوباء.

وفي الشهر الماضي، شكّل الإيجار وامتلاك المنازل، إلى جانب أسعار الفنادق، ثلثي الارتفاع السنوي في التضخم «الرئيسي»، والذي يستبعد تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة. وأقرّ باول وغيره من مسؤولي «الفيدرالي» بأنهم كانوا يتوقعون أن ينخفض الإيجار بشكل أسرع مما كان عليه.

ومع ذلك، فقد انخفضت تكلفة عقد إيجار جديد منذ منتصف عام 2022. ويظهر مؤشر لإيجارات الشقق المؤجرة حديثاً الذي حسبته الحكومة أنها ارتفعت بنسبة 0.4 في المائة فقط في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024 مقارنة بالعام السابق. ومع ذلك، يلزم بعض الوقت حتى تتدفق الإيجارات الأحدث والأقل تكلفة إلى مقياس التضخم الحكومي.

وقال نائب رئيس «الفيدرالي» الأميركي وأحد كبار مساعدي باول، فيليب جفرسون، الأسبوع الماضي: «تتكيف إيجارات السوق بشكل أسرع مع الظروف الاقتصادية، مقارنة بما يتقاضاه الملاك من المستأجرين الحاليين. يشير هذا التأخير إلى أن الزيادة الكبيرة في إيجارات السوق خلال الوباء لا يزال يتم تمريرها إلى الإيجارات الحالية وقد تبقي التضخم في خدمات الإسكان مرتفعاً لفترة أطول».

وارتفعت تكلفة تأمين السيارات بأكثر من 23 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهي قفزة كبيرة تعكس الارتفاع الكبير في أسعار السيارات الجديدة والمستعملة خلال الوباء. ويتعين على شركات التأمين الآن دفع المزيد لاستبدال السيارات التي تحطمت بالكامل، ونتيجة لذلك تفرض على عملائها المزيد من الرسوم.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في شركة «نيو سانشري آدفايزرز» والخبيرة الاقتصادية السابقة في «الفيدرالي» كلاوديا سهم: «هذا يدور حول أشياء حدثت في عام 2021. لا يمكنك العودة وتغيير ذلك».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

الاقتصاد أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً؛ حيث تترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية ستكشف حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحرب في إيران على القطاعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)

عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

تقول الحكومة البريطانية وبنك إنجلترا إنه من المبكر تقييم الأثر الاقتصادي لحرب إيران، إلا أن أولى علامات الضغوط بدأت تظهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وسطاء يتداولون على مكاتبهم داخل شركة وساطة في مومباي (رويترز)

الهند تفقد المستثمرين الأجانب بسبب صدمة أسعار النفط

ينسحب المستثمرون الأجانب من الأسهم والسندات الهندية بوتيرة قياسية، إذ أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناجم عن الحرب الإيرانية إلى تصاعد المخاوف التضخمية.

«الشرق الأوسط» (مومباي )
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا للتسرع في رفع الفائدة رغم صدمة أسعار الطاقة

قال كريستودولوس باتساليدس، رئيس البنك المركزي القبرصي، إن البنك المركزي الأوروبي ينبغي ألا يتسرع في رفع أسعار الفائدة استجابةً لارتفاع تكاليف الطاقة.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
TT

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الاثنين، مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط ودخول المتمردين الحوثيين في اليمن خط المواجهة المباشرة، وسط مخاوف متزايدة من تدخل بري أميركي قد يستهدف المنشآت الحيوية للطاقة في إيران.

ومع دخول الصراع أسبوعه الخامس، أعلن الحوثيون استهداف مواقع استراتيجية في إسرائيل بصواريخ كروز وطائرات مسيرّة، مما أثار قلقاً دولياً من اتساع رقعة الحرب لتشمل البحر الأحمر؛ الممر الذي أعادت السعودية توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إليه لتجنب مضيق هرمز الذي أغلقته طهران فعلياً.

قفزة في العقود الآجلة

دفعت هذه التطورات أسعار الخام إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وقفزت العقود الرئيسية بأكثر من 3 في المائة، حيث اقترب سعر خام برنت من 117 دولاراً للبرميل (تحديداً 116.15 دولار)، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3 في المائة ليصل إلى 102.61 دولار للبرميل.

تهديدات ترمب وجزيرة خرج

وما زاد من قلق الأسواق هي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لصحيفة «فاينانشال تايمز»، التي أبدى فيها رغبته في «السيطرة على النفط في إيران»، ملوّحاً بإمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج، وهي محطة تصدير النفط الحيوية لإيران. وقال ترمب: «ربما نسيطر على جزيرة خرج وربما لا، لدينا خيارات كثيرة.. لكن هذا سيعني بقاءنا هناك لفترة».

مخاوف الإمدادات وتكاليف التأمين

ويرى محللون أن قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالمية، تمثل المخاطر الأبرز حالياً. وأشار كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في مجموعة «بيبرستون» المالية، إلى أن الخلل في الإمدادات مقترناً بارتفاع حاد في تكاليف التأمين قد يدفع أسعار النفط لمستويات أعلى، خاصة وأن الصدمة الحالية لم تعد تقتصر على النفط وحده، بل تمتد لتشمل البتروكيميائيات والأسمدة.

ويأتي هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي الأسبوع الماضي، عقب قرار ترمب تأجيل الهجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران لمنح فرصة للمفاوضات، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت ملف «أمن الإمدادات» إلى الواجهة من جديد.


الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

استقر الدولار الأميركي بشكل عام يوم الاثنين، متجهاً نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز)، وسط مخاوف المستثمرين من تداعيات حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، مما أدى إلى انخفاض الين إلى ما دون مستوى 160 ينًا الحرج، وإثارة مخاوف من التدخلات الاقتصادية.

وقد شهدت الأسواق اضطراباً هذا الشهر بعد أن أدى الصراع فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، مما دفع خام برنت نحو أكبر ارتفاع شهري له، وأثار شكوكاً حول توقعات أسعار الفائدة.

امتدت الحرب، التي اندلعت إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من هجوم بري ودخول الحوثيين الموالين لإيران إلى اليمن يوم السبت، مما زاد من حدة التوتر.

من جهتها، أعلنت باكستان استعدادها لاستضافة «محادثات جادة» لإنهاء الصراع في الأيام المقبلة، رغم تأكيد طهران استعدادها للرد في حال شنت الولايات المتحدة عملية برية.

لم تتأثر آراء المستثمرين بشكل كبير بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن أجرت محادثات «مباشرة وغير مباشرة» مع إيران، وأن قادتها الجدد كانوا "معقولين للغاية".

وأدى ذلك إلى ارتفاع الدولار مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة هذا الشهر. وبلغ سعر اليورو 1.1512 دولار، متجهاً نحو انخفاض بنسبة 2.5 في المائة في مارس (آذار)، وهو أضعف انخفاض شهري له منذ يوليو.

وبلغ سعر الجنيه الإسترليني 1.32585 دولار، دون تغيير يُذكر خلال اليوم، ولكنه يتجه نحو انخفاض بنسبة 1.7 في المائة هذا الشهر. بلغ مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل ست عملات أخرى، 100.14 في بداية التداولات.

وصرّح كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة «بيبرستون»، بأن «اللافت للنظر هو سرعة تغير الاحتمالات. فقبل أسبوعين فقط، كان يُنظر إلى إرسال قوات أميركية برية إلى إيران على أنه احتمال ضعيف. لكن هذا الوضع تغيّر بشكل واضح، مما يُعزز ضرورة أن تبقى الأسواق منفتحة على جميع الاحتمالات. وتتمثل الاستراتيجية في بيع الأسهم عند ارتفاع أسعار المخاطر والحفاظ على تحوّطات ضد التقلبات».

التركيز على النفط

في الوقت الراهن، ينصبّ تركيز السوق بشكل أساسي على أسعار النفط، حيث استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 114.6 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 58 في المائة تقريباً في مارس، مسجلةً بذلك أقوى ارتفاع شهري لها على الإطلاق.

وقال براشان نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة «تي دي» للأوراق المالية، «إن اتجاه الدولار من الآن فصاعدًا يعتمد ببساطة على أسعار النفط. فمع اتجاه أسعار النفط، يتجه الدولار».

أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تجدد المخاوف من التضخم، ما دفع العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية إلى البدء في تسعير مخاطر رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، وهو تحول حاد عن بداية هذا العام عندما كان المتداولون يراهنون على خفضين محتملين لأسعار الفائدة في عام 2026.

في الوقت نفسه، يُولي المستثمرون اهتماماً متزايداً للتداعيات الاقتصادية طويلة الأجل لحرب مطولة.

وقال مارك تشاندلر، كبير استراتيجيي السوق في «بانوكبيرن كابيتال ماركتس»: «تجد البنوك المركزية نفسها في موقف بالغ الصعوبة: إذ تواجه أسعاراً تُشير إلى تشديد السياسة النقدية، بينما تُشير مؤشرات النمو إلى ضرورة توخي الحذر. إنها علامة فارقة للركود التضخمي، وقد ظهرت قبل أن يكون معظم المستثمرين مستعدين لها».

عودة الين الضعيف إلى دائرة الضوء

ارتفع الين الياباني إلى 159.77 ين للدولار بعد أن سجل 160.47 ين في وقت سابق من الجلسة، وهو أضعف مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024 عندما تدخلت طوكيو آخر مرة في أسواق العملات.

وقد جاء هذا التراجع في ظل تصعيد اليابان لتهديدها بالتدخل في سوق الين، وإشارتها إلى أن المزيد من الانخفاضات في قيمة العملة قد يبرر رفع أسعار الفائدة على المدى القريب. وقد انخفض الين بأكثر من 2 في المائة في مارس وسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط.

وقال كبير مسؤولي السياسة النقدية في اليابان، أتسوكي ميمورا، إن السلطات قد تضطر إلى اتخاذ خطوات حاسمة إذا استمرت المضاربات في سوق العملات. بينما صرّح محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، بأن البنك المركزي سيراقب عن كثب تحركات الين وتأثيرها على الاقتصاد والأسعار.

وفيما يتعلق بالعملات الأخرى، انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 0.6851 دولار أميركي، متجهاً نحو تسجيل انخفاض شهري بنسبة 3.8 في المائة، وهو أكبر انخفاض له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024. كما انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 0.57275 دولار أميركي، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة في مارس.


الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
TT

الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب، يوم الاثنين، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج المخاوف من التضخم وتراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

انخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 4466.99 دولار للأونصة بحلول الساعة 02:38 بتوقيت غرينتش. كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.6 في المائة إلى 4496.30 دولار.

وقد خسر الذهب أكثر من 15 في المائة هذا الشهر، مسجلاً أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، مع ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. وارتفعت قيمة العملة بأكثر من 2 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وقال نيكولاس فرابيل، الرئيس العالمي للأسواق المؤسسية في شركة «إي بي سي»: «يكمن السبب الرئيسي وراء ضعف أداء الذهب في التحول الكبير في توقعات أسعار الفائدة... وقد تأثر الدولار الأميركي بذلك، وبما أن توقعات الذهب كانت مرتبطة أيضاً بأسعار الفائدة، مع توقعات بانخفاض سعر الفائدة في ظل رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فقد كان لذلك أثر سلبي على الذهب«.

ويرى المتداولون الآن أن فرص خفض سعر الفائدة الأميركي هذا العام ضئيلة، حيث تهدد أسعار الطاقة المرتفعة بتغذية التضخم العام والحد من نطاق التيسير النقدي. ويتناقض هذا مع التوقعات بخفض سعر الفائدة مرتين قبل بدء النزاع.

وبينما يعزز التضخم عادةً جاذبية الذهب كأداة تحوط، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر سلباً على الطلب على هذا المعدن الذي لا يدرّ عائداً. وارتفع سعر خام برنت فوق 115 دولاراً للبرميل بعد أن شن الحوثيون اليمنيون هجمات على إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما وسّع نطاق الحرب الدائرة وزاد من حدة التضخم. وكان العقد قد ارتفع بنسبة 60 في المائة في مارس، مسجلاً بذلك ارتفاعاً شهرياً قياسياً.

وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» نُشرت يوم الأحد، بأنه يريد «السيطرة على النفط في إيران» وقد يستولي على مركز التصدير في جزيرة خرج.

وقال فرابيل: «أشارت تحركات أسعار الذهب الأسبوع الماضي إلى رد فعل على عمليات البيع المفرط، واحتمال انعكاس الانخفاضات الأخيرة. ومع ذلك، يحتاج هذا إلى تأكيد من خلال تحركات الأسعار هذا الأسبوع. ونظرًا للتدفق السريع للأخبار، فمن الأسهل توقع تقلبات في الأسعار».

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 68.67 دولار للأونصة. وارتفع سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.3 في المائة إلى 1868.11 دولار، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1391 دولاراً.